الطريق لإصلاح إمثال هؤلاء من جهتين : الجهة الأولى : التعليم . والجهة الثانية : الترغيب والترهيب ، وبيان مآل هؤلاء الذين يعتقدون في غير الله . أما من جهة التعليم فهذا واضح ، وهو أن التوحيد يحتاج إلى تعلم ، والناس في تلك البلاد كما قد خالطت بعضهم يجهلون معنى التوحيد ، يعني مثلاً إذا سألته عن معنى قول لا إله إلا الله ، ظن أن معناها لا رب موجود إلا الله ، والربوبية غير الألوهية ؛ لأن الله – جل وعلا – قال : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ ﴾ . [ الفاتحة : 2 ] . وبَيَّن أن المشركين يُقِرُّون بأن الله هو ربهم ، وأنه خالقهم قال تعالى : ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [ العنكبوت : 61 ] . فهم يقينون بأن الله هو الرب وحده ، ولكن الابتلاء وقع في تعلق القلب ، فهل للمرء أن يتوجه بالسؤال للموتى من الصالحين أو للأوثان أو للأصنام ؟ إن الله – جل جلاله – بَيَّن أن عيسى – عليه السلام – كان يُدَّعَى إلهًا من دون الله ، وأن اللات – وهو رجل صالح كان يَلُتُّ السَّوِيق ، ويحسن إلى الناس – لَمَّا مات عكفوا على قبره ، واتخذ الناس قبره وثنًا ، واتخذوا له صورة وجعلوها صنما ، وهكذا ، لم يكن شرك الناس في الربوبية ، وإنما كان شركهم في الألوهية باعتقادهم أن هذه الأوثان والأصنام وأن أصحابها يرفعون الحاجات إلى الله ، قال سبحانه وتعالى : ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ . [ الزمر : 3 ] . يقول أهل التفسير : والذين اتخذوا من دونه أولياء يقولون : ما نعبد الأولياء إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، ما نعبدهم استقلالاً ، نعلم أنهم بشر ، ولكن نريد أن يرفعوا بحاجاتنا إلى الله ؛ لأن لهم المقام العالي عند الله .
فعليك أن تذكرهم بالآيات ، واتل عليهم القرآن ، وفسر لهم القرآن ، وفسر لهم قوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوَهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ . [ فاطر : 14 ] .
فقول الله جل وعلا : ﴿ وَالَّذِينَ ﴾ هذا اسم موصول لمن يعقل ﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴾ يعني ما يملكون في قبورهم ولو القطمير وهو القشرة الرقيقة التي تكون على نواة التمرة ؛ وإنهم ﴿ إِن تَدْعُوَهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ ﴾ لِمَ ؟ لأنهم أموات كما قال جل من قائل : ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ [ النحل : 21 ] .
إذن هناك آيات كثيرة في القرآن لو تليت على أولئك لتنبهوا إن كان الله – جل وعلا – يريد بهم الخير . فاتل عليهم الآيات ، وعلمهم وبَيِّن لهم ذلك ، ثم بعد ذلك اسلك معهم طريقة الترغيب والترهيب ، والتخويف والترغيب ، التخويف من عاقبة الشرك وبيان فضل التوحيد على أهله وذلك بعد تعليمهم معنى الشهادتين ثم بعد ذلك وضح لهم أن العبادة لا يجوز صرفها إلا لله ، بين لهم معنى التوحيد بأنه هو حق الله ، بين لهم معنى قوله تعالى : ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ [ البقرة : 112 ] ونحو ذلك من الآيات ، واسأل الِلَّه – جل وعلا – لك ولهم الهداية ، فإن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الله جل وعلا ، فلا تبخل بالهداية .