لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية
- رحمه الله تعالى-

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

سئل شيخ الإسلام العالم الرباني تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية رحمه الله تعالى:

ما قول السادة العلماء أئمة الدين في آيات الصفات كقوله تعالى﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5]، وقوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾[الأعراف:54، يونس:3، الرعد:2، الفرقان:59، السجدة:4، الحديد:4]، وقوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾[فصلت:11]، إلى غير ذلك من آيات الصفات وأحاديث الصفات كقوله r «إنّ قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن»، وقوله «يضع الجبار قدمه في النار» إلى غير ذلك، وما قالت العلماء فيه، وابسطوا القول في ذلك مأجورين إن شاء الله تعالى؟

فأجاب –رضي الله عنه-:

الحمد لله رب العالمين، قولنا فيها ما قاله الله ورسوله r والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وما قاله أئمة الهدى بعد هؤلاء الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وغيره؛ فإن الله سبحانه وتعالى بعث محمدا r بالهدى ودين الحق ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وشهِدَ له بأنه بعثه داعيا إليه بإذنه وسراجا منيرا، وأمره أن يقول ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي﴾[يوسف:108].

فمن المحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمر الناس أن يردُّوا ما تنازعوا فيه من أمر دينهم إلى ما بُعث به من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه على بصيرة، وقد أخبر الله بأنه أكمل له ولأمته دينهم وأتم عليهم نعمته، محال -مع هذا وغيره- أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به ملتبسا مشتبها، ولم يميز بين ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وما يجوز عليه وما يمتنع عليه.

فإنّ معرفة هذا أصل الدين، وأساس الهداية، وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب وحصّلته النفوس، وأدركته العقول، فكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول، وأفضل خلق الله بعد النبيين لم يُحكموا هذا الباب اعتقادا وقولا!

ومن المحال أيضا أن يكون النبي r قد علّم أمته كل شيء حتى الخِراءة([1])، وقال «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك»، وقال فيما صح عنه أيضا «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم».

وقال أبو ذر :t لقد توفي رسول الله r وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما.

وقال عمر بن الخطاب t: قام فينا رسول الله r مقاما فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه. رواه البخاري.([2])

ومحال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين -وإن دقّت- أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم ويعتقدونه في قلوبهم في ربهم ومعبودهم ربِّ العالمين، الذي معرفته غاية المعارف وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية وزبدة الرسالة الإلهية، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول على غاية التمام، ثم إذا كان قد وقع ذلك منه فمن المحال أن يكون خير أمته وأفضل قرونها قصَّروا في هذا الباب؛ زائدين فيه أو ناقصين عنه.

ثم من المحال أيضا أن تكون القرون الفاضلة القرن الذي بعث فيه رسول r ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كانوا غير عالمين به وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين؛ لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق وقول خلاف الصدق. وكلاهما ممتنع.

أما الأول فلأن من في قلبه أدنى حياةٍ وطلب للعلم ونهمة في العبادة، يكون البحث عن هذا الباب والسؤال عنه ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده وأعظم مطالبه؛ أعنى: بيان ما ينبغي اعتقاده لا معرفة كيفية الرب وصفاته.

وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر.

وهذا أمر معلوم بالفطرة الوُجدية([3])، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضى الذي هو من أقوى المقتضيات أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم. هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق، وأشدهم أعرضا عن الله وأعظمهم إكبابا على طلب الدنيا والغفلة عن ذكر الله تعالى، فكيف يقع في أولئك؟!

وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عرف حال القوم.([4])

ثم الكلام في هذا الباب عنهم أكثر من أن يمكن سطره في هذه الفتوى أو أضعافها يعرف ذلك من طلبه وتتبعه.

ولا يجوز أيضا أن يكون الخالفون أعلم من السالفين، كما قد يقوله بعض الأغبياء ممن لم يقدّر قدر السلف بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها من أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وإن كانت هذه العبارة إذا صدرت من بعض العلماء قد يعنى بها معنى صحي.

فإن هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم على طريقة السلف إنما أُتوا من حيث ظنوا أنَّ طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث، من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾[البقرة:78]، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات.

فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف؛ فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف.([5])

وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين؛ فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى -وهي التي يسمونها طريقة السلف- وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع تكلف -وهي التي يسمونها طريقة الخلف-، فصار هذا الباطل مركبا من فساد العقل والكفر بالسمع، فإن النفي إنما اعتمدوا فيه على أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلمَ عن مواضعه.

فلما انبنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكاذبتين الكفريتين كانت النتيجة: استجهال السابقين الأولين واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قوما أميين بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأنّ الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله.

ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة بل في غاية الضلالة.

كيف يكون هؤلاء المتأخرون، لاسيما والإشارة بالخلف إلى ضرب من المتكلمين الذين كثر في باب الدين([6]) اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وأخبر الواقف على نهاية إقدامهم بما انتهى إليه أمرهم حيث يقول

لعمري لقد طُفت المعاهد كلها وسيرت طرفي بين تلك المعالم

فلم أر إلا واضعا كف حائـر على ذَقَنٍ أو قارعا سن نـادم([7])

وأقروا على أنفسهم بما قالوه متمثلين به أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم كقول بعض رؤسائهم:

نهايـة إقدام العقـول عقـال وأكثر سعي العالمين ضـلال

وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبـال

ولم نستفد من بحثنا طول عمـرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا([8])

لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلا، ولا تروى غليلا ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، اقرأ في الإثبات ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾[فاطر:10]، واقرأ في النفي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾[الشورى:11]، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾[طه:110]، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. ا.هـ

ويقول الآخر منهم: لقد خضت البحر الخضم، وتركت أهل الإسلام وعلومهم، وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لفلان، وها أنا أموت على عقيدة أمي.ا.هـ([9])

ويقول الآخر منهم: أكثر الناس شكًّا عند الموت أصحاب الكلام.([10])

ثم هؤلاء المتكلمون المخالفون للسلف([11]) إذا حقق عليهم الأمر لم يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله وخالص المعرفة به خبر، ولم يقعوا من ذلك على عين ولا أثر، كيف يكون هؤلاء المحجوبون المفضلون المنقوصون المسبوقون الحيارى المتهوكون: أعلم بالله وأسمائه وصفاته، وأحكم في باب ذاته وآياته من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، من ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل، وأعلام الهدى ومصابيح الدجى، الذين بهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، فضلا عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم، وأحاطوا من حقائق المعرفة وبواطن الحقائق بما لو جُمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة.

ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة -لاسيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته- من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟ أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان، وورثة المجوس والمشركين، وضلاّل اليهود والنصارى والصابئين وأشكالهم وأشباههم؛ أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟!

وإنما قدمتُ هذه المقدمة لأنّ من استقرت هذه المقدمة عنده علم طريق الهدى أين هو في هذا الباب وغيره. وعلم أن الضلال والتهوك إنما استولى على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم، وإعراضهم عما بعث الله به محمدا r من البينات والهدى، وتركهم البحث عن طريقة السابقين والتابعين والتماسهم علم معرفة الله ممن لم يعرف الله بإقراره على نفسه، وبشهادة الأمة على ذلك، وبدلالات كثيرة؛ وليس غرضي واحدا معينا وإنما أصف نوع هؤلاء ونوع هؤلاء. ([12])

وإذا كان كذلك، فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنةُ رسوله r من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر([13]) في أن الله سبحانه وتعالى هو العلي الأعلى وهو فوق كل شيء وهو عليٌّ على كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء، مثل قوله تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾[فاطر:10]، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾[آل عمران:55]، ﴿ءَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ(16)أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾[الملك:16-17]، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾[النساء:158]، ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾[المعارج:4]، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾[السجدة:5]، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾[النحل:50]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾([14]) في ستة مواضع، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5]، ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ(36)أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾[غافر:36-37]، ﴿تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾[فصلت:42]، ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾[الأنعام:114]. إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يحصى إلا بكلفة([15]).

وفي الأحاديث الصحاح والحسان ما لا يحصى إلا بالكلفة.

مثل قصة معراج الرسول r إلى ربه، ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه؛ وقوله في الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل والنهار، فيعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم بهم.

وفي الصحيح في حديث الخوارج «أَلاَ تَأْمَنُونِي؟ وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السّمَاءِ, يَأْتِينِي خَبَرُ السّمَاءِ صَبَاحاً وَمَسَاءً».

وفي حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره: «رَبُّنَا الله الّذِي في السّماء تَقَدّسَ اسْمُكَ أَمْرُكَ في السّمَاءِ وَالأرْضِ كما رَحْمَتُكَ في السّمَاء اجْعَلْ رَحْمَتَكَ في الأرْضِ اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا أنْتَ رَبّ الطّيّبِينَ أنْزِلْ رَحْمَةً مِن رَحْمَتِكَ وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هَذَا الْوَجَعِ».

قال رسول الله r «إذا اشتكى أحد منكم أو اشتكى أخ له فليقل ربنا الله الذي في السماء» وذكره.

وقوله في حديث الأوعال «والعرش فوق ذلك والله فوق عرشه وهو يعلم ما أنتم عليه» رواه أحمد وأبو داود

وغيرهما.

وقوله في الحديث الصحيح للجارية «أين الله» قالت: في السماء. قال «من أنا» قالت: أنت رسول الله. قال «فأعتقها فإنها مؤمنة».

وقوله في الحديث الصحيح«إن الله لما خلق الخلق كتب في كتاب موضوع عنده فوق العرش، إن رحمتي سبقت غضبى».

وقوله في حديث قبض الروح «حتى يعرج بها إلى السماء التي فيها([16]) الله تعالى» إسناده على شرط الصحيحين.

وقول عبدالله بن رواحة t الذي أنشده للنبي r وأقره عليه:

شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينَ

وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينَ

وقول أمية بن أبي الصلت الثقفي الذي أنشد للنبي r هو وغيره من شعره فاستحسنه، وقال آمن شعره وكفر قلبه حيث قال:

مجدوا الله فهو للمجد أهـل ربنا في السماء أمسى كبيـرا

بالبناء الأعلى الذي سبق الناس وسـوى فوق السماء سريرا

شرجعا ما يناله بصـر العين ترى دونه المـلائك صـورا

وقوله في الحديث الذي في المسند «إن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا».

وقوله في الحديث «يمد يديه إلى السماء يقول يا رب يا رب»، إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله، مما هو أبلغ المتواترات اللفظية والمعنوية،([17]) التي تورث علما يقينيا من أبلغ العلوم الضرورية أن الرسول r المبلِّغ عن الله ألقى إلى أمته المدعوين أنّ الله سبحانه على العرش وأنه فوق السماء، كما فطر الله على ذلك جميع الأمم عربهم وعجمهم، في الجاهلية والإسلام؛ إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته.

ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جُمع لبلغ مئين أو ألوفا.

ثم ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله r ولا عن أحد من سلف الأمة لا من الصحابة ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف، حرف واحد يخالف ذلك لا نصا ولا ظاهرا.

ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء. ولا أنه ليس على العرش، ولا أنه بذاته في كل مكان، ولا أنّ جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا أنه لا داخلَ العالم ولا خارجه، ولا أنه لا متصل ولا منفصل، ولا أنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه بالأصابع ونحوها؛ بل قد ثبت في الصحيح عن جابر بن عبد الله أن النبي r لما خطب خطبته العظيمة يوم عرفات في أعظم مجمع حضره الرسول r جعل يقول: «ألا هل بلغت» فيقولون: نعم، فيرفع إصبعه إلى السماء ثم ينكبها إليهم ويقول «اللهم أشهد» غير مرة، وأمثال ذلك كثيرة.

فإن كان الحق ما يقوله هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة في الكتاب والسنة، من هذه العبارات ونحوها دون ما يفهم من الكتاب والسنة إما نصا وإما ظاهرا، فكيف يجوز على الله تعالى ثم على رسوله r ثم على خير الأمة أنهم يتكلمون دائما بما هو إما نص وإما ظاهر في خلاف الحق، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، ولا يدلون عليه لا نصا ولا ظاهرا حتى يجيء أنباط الفرس والروم وفروخ اليهود والنصارى والفلاسفة يبينون للأمة العقيدة الصحيحة التي يجب على كل مكلَّف أو كل فاضل أن يعتقدها.

لئن كان ما يقوله هؤلاء المتكلمون المتكلفون هو الاعتقاد الواجب، وهم مع ذلك أُحيلوا في معرفته على مجرد عقولهم، وأن يدفعوا بما اقتضى قياس عقولهم ما دل عليه الكتاب والسنة نصا أو ظاهرا، لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير؛ بل كان وجود الكتاب والسنة ضررا محضا في أصل الدين.

فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء: إنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله عز وجل، وما يستحقه من الصفات نفيا وإثباتا لا من الكتاب ولا من السنة ولا من طريق سلف الأمة.

ولكن أنظروا أنتم فما وجدتموه مستحقا له من الصفات فصفوه به -سواء كان موجودا في الكتاب والسنة أو لم يكن- وما لم تجدوه مستحقا له في عقولكم فلا تصفوه به؟

ثم هم ها هنا فريقان:

أكثرهم يقولون: ما لم تثبته عقولكم فانفوه.

ومنهم من يقول بل توقفوا فيه، وما نفاه قياس عقولكم -الذي أنتم فيه مختلفون ومضطربون اختلافا أكثر من جميع اختلافٍ على وجه الأرض- فانفوه، وإليه عند التنازع فارجعوا، فإنه الحقُّ الذي تعبدتكم به، وما كان مذكورا في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا، أو يثبت ما لم تدركه عقولكم -على طريقة أكثرهم- فاعلموا أني أمتحنكم بتنزيله، لا لتأخذوا الهدى منه، لكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذ اللغة، ووحشي الألفاظ، وغرائب الكلام، أو أن تسكتوا عنه مفوضين علمه إلى الله، مع نفي دلالته على شيء من الصفات، هذا حقيقة الأمر على رأى هؤلاء المتكلمين.([18])

وهذا الكلام قد رأيته صرح بمعناه طائفة منهم، وهو لازم لجماعتهم لزوما لا محيد عنه، ومضمونه أنّ كتاب الله لا يُهتدى به في معرفة الله، وأن الرسول معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسله، وأن الناس عند التنازع لا يردون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول،([19]) بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية، وإلى مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء كالبراهمة والفلاسفة -وهم المشركون- والمجوس وبعض الصابئين.

وإن كان هذا الرد لا يزيد الأمر إلا شدة ولا يرتفع الخلاف به إذْ لكل فريق طواغيت يريدون أن يتحاكموا إليهم، وقد أمروا أن يكفروا بهم، وما أشبه حال هؤلاء المتكلمين بقوله سبحانه وتعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا(60)وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا(61)فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾[النساء:60-62].([20])

فإن هؤلاء إذا دعوا إلى ما أنزل الله من الكتاب وإلى الرسول -والدعاء إليه بعد وفاته هو الدعاء إلى سنته- أعرضوا عن ذلك وهم يقولون: إنا قصدنا الإحسان علما وعملا بهذه الطريق التي سلكناها، والتوفيق بين الدلائل العقلية والنقلية.([21])

ثم عامة هذه الشبهات التي يسمونها دلائل إنما تَقَلَّدوا أكثرها عن طواغيت من طواغيت المشركين أو الصابئين، أو بعض ورثتهم الذين أمروا أن يكفروا بهم؛ مثل فلان وفلان، أو عمن قال كقولهم لتشابه قلوبهم، وقال الله تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[النساء:65]، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾[البقرة:213] الآية.

ولازم هذه المقالة أن لا يكون الكتاب هدى للناس، ولا بيانا ولا شفاء لما في الصدور ولا نورا، ولا مردا عند التنازع، لأنا نعلم بالاضطرار أن ما يقوله هؤلاء المتكلفون أنه الحق الذي يجب اعتقاده لم يدل عليه الكتاب والسنة لا نصا ولا ظاهرا، وإنما غاية المتحذلق أن يستنتج هذا من قوله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾[الإخلاص:4]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾[التحريم:65].

وبالاضطرار يعلم كل عاقل أن من دلّ الخلق على أن الله ليس على العرش، ولا فوق السموات ونحو ذلك بقوله (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) لقد أبعد النجعة، وهو إما مُلْغِز وإما مدلس لم يخاطبهم بلسان عربي مبين.

ولازم هذه المقالة أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيرا لهم في أصل دينهم؛ لأنّ مردهم قبل الرسالة وبعدها واحد، وإنما الرسالة زادتهم عمى وضلالة.([22])

يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسول يوما من الدهر ولا أحد من سلف الأمة هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه؛ ولكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم، أو اعتقدوا كذا وكذا فإنه الحق، وما خالف ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره، أو انظروا فيها فما وافق قياس عقولكم فاقبلوه وما لا فتوقفوا فيه أو أنفوه.

ثم رسول الله r قد أخبر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، فقد علم ما سيكون، ثم قال «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا؛ كتاب الله».

وروي عنه أنه قال في صفة الفرقة الناجية «هم من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي».

فهلا قال من تمسك بالقرآن أو بدلالة القرآن أو بمفهوم القرآن أو بظاهر القرآن في باب الاعتقادات فهو ضال، وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم، وما يحدثه المتكلمون منكم بعد القرون الثلاثة في هذه المقالة، وإن كان قد نبغ أصلها في أواخر عصر التابعين. ثم أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل للصفات- إنما هو مأخوذ عن تلامذة اليهود والمشركين وضلال الصابئين؛ فإن من حُفِظَ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام أعني أن الله سبحانه وتعالى ليس على العرش حقيقة وأن معنى استوى بمعنى استولى ونحو ذلك هو الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان؛ وأظهرها فنُسبت مقالة الجهمية إليه، وقد قيل أن الجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي r، وكان الجعد بن درهم هذا فيما قيل من أهل حران، وكان فيهم خلق كثير من الصابئة والفلاسفة، بقايا أهل دين النمرود، والكنعانيين الذين صنف بعض المتأخرين في سحرهم، والنمرود هو ملك الصابئة الكنعانيين المشركين، كما أن كسرى ملك الفرس والمجوس، وفرعون ملك مصر القبط الكفار، والنجاشي ملك الحبشة النصارى، وبطليموس ملك اليونان، وقيصر ملك الروم، فهو اسم جنس لا اسم علم.

فكانت الصابئة إلا قليلا منهم إذ ذاك على الشرك وعلماؤهم هم الفلاسفة، وإن كان الصابئ قد لا يكون مشركا؛ بل مؤمنا بالله واليوم الآخر كما قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[البقرة:62]، وقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[المائدة:69].

لكن كثيرا منهم، أو أكثرهم كانوا كفارا أو مشركين، كما أن كثيرا من اليهود والنصارى بدّلوا وحرفوا وصاروا كفارا أو مشركين، فأولئك الصابئون الذين كانوا إذ ذاك؛ كانوا كفارا أو مشركين وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل.

ومذهب النفاة من هؤلاء في الرب: أنه ليس له إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منهما وهم الذين بعث إليهم إبراهيم الخليل r، فيكون الجعد قد أخذها عن الصابئة الفلاسفة.

وكذلك أبو نصر الفارابي دخل حرّان وأخذ عن فلاسفة الصابئين تمام فلسفته، وأخذها الجهم أيضا -فيما ذكره الإمام أحمد وغيره- لما ناظر السُّمنية([23]) بعض فلاسفة الهند -وهم الذين يجحدون من العلوم ما سوى الحسيات-.

فهذه أسانيد جهم ترجع إلى اليهود والصابئين والمشركين والفلاسفة الضالين هم إما من الصابئين وإما من المشركين. ([24])

ثم لما عُرِّبَت الكتب الرومية واليونانية في حدود المائة الثانية زاد البلاء مع ما ألقى الشيطان في قلوب الضلال ابتداء، من جنس ما ألقاه في قلوب أشباههم.

ولما كان في حدود المائة الثالثة انتشرت هذه المقالة التي كان السلف يسمونها مقالة الجهمية، بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته، وكلام الأئمة مثل مالك، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، وأبي يوسف، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والفضيل بن عياض، وبشر الحافي، وغيرهم، في هؤلاء كثير في ذمهم وتضليلهم.

وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس مثل أكثر التأويلات التي ذكرها أبو بكر بن فُورك في كتاب التأويلات، وذكرها أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي سماه تأسيس التقديس، ويوجد كثير منها في كلام خلق كثير غير هؤلاء مثل أبي علي الجبائي وعبد الجبار بن أحمد الهمداني، وأبي الحسين البصري، وأبي الوفاء بن عَقيل، وأبي حامد الغزالي، وغيرهم؛ هي بعينها تأويلات التي ذكرها بشر المريسي في كتابه: وإن كان قد يوجد في كلام بعض هؤلاء رد التأويل وإبطاله أيضا، ولهم كلام حسن في أشياء.

فإنما بينت أن عين تأويلاتهم هي عين تأويلات بشر المريسي، ويدلُّ على ذلك كتاب الرد الذي صنفه عثمان بن سعيد الدارمي أحد الأئمة المشاهير في زمان البخاري، صنف كتابا سماه: ‹رد عثمان بن سعيد على الكاذب العنيد فيما افترى على الله في التوحيد› حكى فيه هذه التأويلات بأعيانها عن بشر المريسي بكلام يقتضى أن المريسي أقعد، بها وأعلم بالمنقول والمعقول من هؤلاء المتأخرين الذين اتصلت إليهم من جهته، ثم رد ذلك عثمان بن سعيد بكلام إذا طالعه العاقل الذكي علم حقيقة ما كان عليه السلف، وتبين له ظهور الحجة لطريقهم، وضعف حجة من خالفهم.

ثم إذا رأى الأئمة -أئمة الهدى- قد أجمعوا على ذم المريسية وأكثرهم كفّروهم أو ضللوهم، وعلم أن هذا القول الساري في هؤلاء المتأخرين هو مذهب المريسية تبين الهدى لمن يريد الله هدايته ولا حول ولا قوة إلا بالله. ([25])

والفتوى لا تحتمل البسط في هذا الباب، وإنما أشير إشارة إلى مباديء الأمور والعاقل يسير فينظر.

وكلام السلف في هذا الباب موجود في كتب كثيرة لا يمكن أن نذكر هاهنا إلا قليلا منه، مثل كتاب السنن للالكائي، والإبانة لابن بطة، والسنة لأبي ذر الهروي، والأصول لأبي عمرو الطلمنكي، وكلام أبي عمر بن عبد البر، والأسماء والصفات للبيهقي، وقبل ذلك السنة للطبراني، ولأبي الشيخ الأصبهاني، ولأبي عبد الله بن منده، ولأبي أحمد العسال الأصبهاني، وقبل ذلك السنة للخلال، والتوحيد لابن خزيمة، وكلام أبي العباس بن سريج، والرد على الجهمية لجماعة، مثل البخاري وشيخه عبد الله بن محمد بن عبد الله الجعفي، وقبل ذلك السنة لعبد الله بن أحمد، والسنة لأبي بكر بن الأثرم، والسنة لحنبل، وللمروزي ولأبي داود السجستاني، ولابن أبي شيبة، والسنة لأبي بكر بن أبي عاصم، وكتاب الرد على الجهمية لعبد الله بن محمد الجعفي شيخ البخاري، وكتاب خلق أفعال العباد للبخاري، وكتاب الرد على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمي، وغيرهم.

وكلام أبي العباس عبد العزيز المكي صاحب الحيدة في الرد على الجهمية، وكلام نعيم بن حماد الخزاعي.

وكلام غيرهم، وكلام الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن سعيد ويحيى بن يحيى النيسابوري، وأمثالهم، وقبل هؤلاء لعبد الله بن المبارك وأمثاله وأشياء كثيرة.

وعندنا من الدلائل السمعية والعقلية ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، وأنا أعلم أن المتكلمين النفاة لهم شبهات موجودة، ولكن لا يمكن ذكرها في الفتوى، فمن نظر فيها وأراد إبانة ما ذكروه من الشبه فإنه يسير.

فإذا كان أصل هذه المقالة -مقالة التعطيل والتأويل- مأخوذا عن تلامذة المشركين، والصابئين، واليهود، فكيف تطيب نفس مؤمن بل نفس عاقل أن يأخذ سبيل هؤلاء المغضوب عليهم أو الضالين، ويدع سبيل الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. ([26])

فصـــــــل

ثم القول الشامل في جميع هذا الباب أن يوصف الله بما وصف به نفسه، أو بما وصفه به رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبما وصفه به السابقون الأولون لا يُتجاوز القرآن والحديث.

قال الإمام أحمد t:([27]) لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو بما وصفه به رسوله r لا يتجاوز القرآن والحديث.

ومذهب السلف أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ونعلم أن ما وُصف الله به من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي؛ بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه لاسيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول، وأفصح الخلق في بيان العلم، وأفصح الخلق في البيان والتعريف والدلالة والإرشاد. ([28])

وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فكما يتيقن أنّ الله سبحانه له ذات حقيقية، وله أفعال حقيقية، فكذلك له صفات حقيقية، وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصا أو حدوثا فإن الله منزه عنه حقيقة، فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه، واستلزام الحدوث سابقه العدم([29]) ولافتقار المحدث إلى محدث، ولوجوب وجوده بنفسه سبحانه وتعالى.

ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل، فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، كما لا يمثلون([30]) ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله؛ فعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العليا ويحرفوا الكلم عن مواضعه، ويلحدوا في أسماء الله وآياته.

وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل فهو جامع بين التعطيل والتمثيل.

أما المعطلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فقد جمعوا بين التمثيل والتعطيل؛ مثلوا أولا وعطلوا آخرا، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله سبحانه وتعالى.

فإنه إذا قال القائل لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويا، وكل ذلك من المحال، ونحو ذلك من الكلام، فإنه لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم، أما استواء يليق بجلال الله تعالى ويختص به فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي يجب نفيها، كما يلزم من سائر الأجسام.

وصار هذا مثل قول الممثل إذا كان للعالم صانع، فإما أن يكون جوهرا أو عَرَضا ([31]) وكلاهما محال، إذ لا يعقل موجود إلا هذان، و قوله إذا كان مستويا على العرش فهو مماثل لاستواء الإنسان على السرير أو الفلك، إذ لا يُعلم الاستواء إلا هكذا فإن كليهما مثّل وكليهما عطّل حقيقة ما وصف الله به نفسه، وامتاز الأول بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي، وامتاز الثاني بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين. ([32])

والقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط؛ من أنّ الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به، فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير وأنه سميع بصير، ونحو ذلك ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين وقدرتهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش، ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق ولوازمها.

وأعلم أنه ليس في العقل الصريح، ولا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريقة السلفية أصلا؛ لكن هذا الموضع لا يتسع للجواب عن الشبهات الواردة على الحق، فمن كان في قلبه شبهة وأحب حلها فذلك سهل يسير، ثم المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة -من المتأولين لهذا الباب- في أمر مريج، فإن من أنكر الرؤية يزعم أن العقل يحيلها وأنه مضطر فيها إلى التأويل، ومن يحيل أنّ لله علما وقدرة، وأن يكون كلامه غير مخلوق ونحو ذلك يقول: إن العقل أحال ذلك فاضطر إلى التأويل. بل من ينكر حقيقة حشر الأجساد والأكل والشرب الحقيقي في الجنة، يزعم أن العقل أحال ذلك، وأنه مضطر إلى التأويل، ومن يزعم أن الله ليس فوق العرش: يزعم أن العقل أحال ذلك وأنه مضطر إلى التأويل.

ويكفيك دليلا على فساد قول هؤلاء أنه ليس لواحد منهم قاعدة مستمرة فيما يحيله العقل؛ بل منهم من يزعم أن العقل جوّز وأوجب ما يدعي الآخر أن العقل أحاله.

فيا ليت شعري بأي عقل يوزن الكتاب والسنة، فرضي الله عن الإمام مالك بن أنس، حيث قال: أَوَ كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما جاء به جبريل إلى محمد r لجدل هؤلاء.

وكلٌّ من هؤلاء مخصوم بما خصم به الآخر وهو من وجوه:

§ أحدها: بيان أن العقل لا يُحيل ذلك.

§ والثاني: أن النصوص الواردة لا تحتمل التأويل.

§ والثالث: أنّ عامة هذه الأمور قد عُلم أن الرسول r جاء بها بالاضطرار، كما أنه جاء بالصلوات الخمس، وصوم شهر رمضان؛ فالتأويل الذي يحيلها عن هذا بمنزلة تأويلات القرامطة والباطنية في الحج والصلاة والصوم، وسائر ما جاءت به النبوات.

§ الرابع: أنْ يبين أنَّ العقل الصريح يوافق ما جاءت به النصوص، وإن كان في النصوص من التفصيل ما يعجز العقل عن دَرَك تفصيله، وإنما عقله مجملا إلى غير ذلك من الوجوه على أن الوجوه الأساطين من هؤلاء الفحول معترفون بأن العقل لا سبيل له إلى اليقين في عامة المطالب الإلهية.

وإذا كان هكذا فالواجب تلقي علم ذلك من النبوات على ما هو عليه.

ومن المعلوم للمؤمنين أن الله تعالى بعث محمدا r بالهدى ودين الحق ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾[الفتح:28]، وأنه بين للناس ما أخبرهم به من أمور الإيمان بالله واليوم الآخر.([33])

والإيمان بالله واليوم الآخر يتضمَّن الإيمان بالمبدأ والمعاد، وهو الإيمان بالخلق والبعث كما جمع بينهما في قوله تعالى ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾[البقرة:8]، وقال تعالى ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾[لقمان:28]، وقال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾[الروم:27].

وقد بين الله على لسان رسوله r من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ما هدى الله به عباده، وكشف به مراده.

ومعلوم للمؤمنين أن رسول الله r أعلم من غيره بذلك، وأنصح من غيره للأمة، وأفصح من غيره عبارة وبيانا، بل هو أعلم الخلق بذلك وأنصح الخلق للأمة وأفصحهم، فقد اجتمع في حقه كمال العلم والقدرة والإرادة.([34])

ومعلوم أن المتكلم أو الفاعل إذا كمل علمه وقدرته وإرادته: كمل كلامه وفعله، وإنما يدخل النقص إما من نقص علمه وإما من عجزه عن بيان علمه وإما لعدم إرادته البيان.

والرسول هو الغاية في كمال العلم، والغاية في كمال إرادة البلاغ المبين،([35]) والغاية في قدرته على البلاغ المبين، ومع وجود القدرة التامة، والإرادة الجازمة: يجب وجود المراد، فعُلم قطعا أن ما بينه من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر حصل به مراده من البيان، وما أراده من البيان فهو مطابق لعلمه، وعلمه بذلك أكمل العلوم، فكل من ظن أن غير الرسول أعلم بهذا منه، أو أكمل بيانا منه، أو أحرص على هدى الخلق منه فهو من الملحدين لا من المؤمنين؛ والصحابة والتابعون لهم بإحسان ومن سلك سبيلهم في هذا الباب على سبيل الاستقامة.

وأما المنحرفون عن طريقهم فهم ثلاث طوائف: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل.

فأهل التخييل: هم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف، فإنهم يقولون: إن ما ذكره الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور، لا أنه بيّن به الحق، ولا هُدِي به الخلق، ولا أوضح به الحقائق.

ثم هم على قسمين:

§ منهم من يقول: أن الرسول لم يعلم الحقائق على ما هي عليه. ويقولون: إن من الفلاسفة الإلهية من علمها وكذلك من الأشخاص الذين يسمونهم أولياء من علمها، ويزعمون أن من الفلاسفة والأولياء من هو أعلم بالله واليوم الآخر من المرسلين،([36]) وهذه مقالة غلاة الملحدين من الفلاسفة والباطنية: باطنية الشيعة وباطنية الصوفية.

§ ومنهم من يقول: بل الرسول علمها لكن لم يبينها، وإنما تكلم بما يناقضها، وأراد من الخلق فهم ما يناقضها؛ لأن مصلحة الخلق في هذه الاعتقادات التي لا تطابق الحق.

ويقول هؤلاء يجب على الرسول أن يدعو الناس إلى اعتقاد التجسيم مع أنه باطل، وإلى اعتقاد معاد الأبدان مع أنه باطل، ويخبرهم بأن أهل الجنة يأكلون ويشربون مع أن ذلك باطل. قالوا: لأنه لا يمكن دعوة الخلق إلا بهذه الطريقة التي تتضمن الكذب لمصلحة العباد.

فهذا قول هؤلاء في نصوص الإيمان بالله واليوم الآخر.

وأما الأعمال فمنهم من يقرها ومنهم من يجريها هذا المجرى، ويقول: إنما يؤمر بها بعض الناس دون بعض، ويؤمر بها العامة دون الخاصة، فهذه طريقة الباطنية الملاحدة والإسماعيلية ونحوهم.

وأما أهل التأويل: فيقولون: إن النصوص الواردة في الصفات لم يُقصد بها الرسول أن يعتقد الناس الباطل؛ ولكن قصد بها معاني ولم يبيّن لهم تلك المعاني ولا دلهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها، ومقصوده امتحانهم وتكليفهم وإتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه، ويعرف الحق من غير جهته، وهذا قول المتكلمة والجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك.

والذين قصدنا الرد عليهم في هذه الفتيا هم هؤلاء، إذ كان نفور الناس عن الأولين مشهورا، بخلاف هؤلاء فإنهم تظاهروا بنصر السنة في مواضع كثيرة، وهم في الحقيقة لا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا،([37]) لكن أولئك الفلاسفة ألزموهم في نصوص المعاد نظير ما ادعوه في نصوص الصفات. فقالوا لهم: نحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بمعاد الأبدان وقد علمنا فساد الشبه المانعة منه.

وأهل السنة يقولون لهم: ونحن نعلم بالاضطرار أن الرسل جاءت بإثبات الصفات ونصوص الصفات في الكتب الإلهية أكثر وأعظم من نصوص المعاد، ويقولون لهم: معلوم أن مشركي العرب وغيرهم كانوا ينكرون المعاد، وقد أنكروه على الرسول وناظروه عليه، بخلاف الصفات فإنه لم ينكر شيئا منها أحد من العرب.

فعُلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، ([38]) فكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به.

وأيضا: فقد علم أنه r قد ذم أهل الكتاب على ما حرفوه وبدلوه، ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات، فلو كان هذا مما بدل وحرف لكان انكار ذلك عليهم أولى، فكيف وكانوا إذا ذكروا بين يديه الصفات يضحك تعجبا منهم وتصديقا لها ولم يعبهم قط بما تعيب النفاة أهل الإثبات، مثل لفظ التجسيم والتشبيه ونحو ذلك، بل عابهم بقولهم ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾[المائدة:64]، وقولهم ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾[آل عمران:181]، وقولهم إنه استراح لما خلق السموات والأرض، فقال تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾[ق:38].

والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث، وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن. فإذا جاز أن نتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى، والثاني مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول أنه باطل، فالأول أولى بالبطلان.

وأما الصنف الثالث وهم أهل التجهيل: فهم كثير من المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف. يقولون: إن الرسول r لم يعرف معاني ما أنزل الله إليه من آيات الصفات ولا جبريل يعرف معاني الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك.

وكذلك قولهم في أحاديث الصفات: إن معناها لا يعلمه إلا الله، مع أنّ الرسول تكلم بها ابتداء فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه، وهؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾[آل عمران:7]، فإنه وقف أكثر السلف على قوله (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ)، وهو وقفٌ صحيح، ثم فرقوا بين معنى الكلام وتفسيره، وبين التأويل الذي انفرد الله تعالى بعلمه، وظنوا أن التأويل المذكور في كلام الله تعالى هو التأويل المذكور في كلام المتأخرين وغلطوا في ذلك.([39])

فإن لفظ التأويل يراد به ثلاث معان:

§ فالتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين هو: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك، فلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهره تأويلا على اصطلاح هؤلاء، وظنوا أن مراد الله تعالى بلفظ التأويل ذلك، وأن للنصوص تأويلا يخالف مدلولها لا يعلمه إلا الله، أولا يعلمه المتأولون، ثم كثير من هؤلاء يقولون: تجري على ظاهرها فظاهرها مراد. مع قولهم: إن لها تأويلا بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله. وهذا تناقض وقع فيه كثير من هؤلاء المنتسبين إلى السنة من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم.

§ والمعنى الثاني: أن التأويل هو تفسير الكلام سواء وافق ظاهره أو لم يوافقه، وهذا هو التأويل في اصطلاح جمهور المفسرين وغيرهم، وهذا التأويل يعلمه الراسخون في العلم، وهو موافق لوقف من وقف من السلف على قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾[آل عمران:7]، كما نقل ذلك عن ابن عباس ومجاهد ومحمد بن جعفر بن الزبير ومحمد بن إسحاق وابن قتيبة وغيرهم، وكلا القولين حق باعتبار كما قد بسطناه في موضع آخر، ولهذا نقل عن ابن عباس هذا وهذا وكلاهما حق.

§ والمعنى الثالث: أن التأويل هو الحقيقة التي يؤول الكلام إليها، وإن وافقت ظاهره فتأويل ما أخبر الله به في الجنة من الأكل والشرب واللباس والنكاح وقيام الساعة وغير ذلك هو الحقائق الموجودة أنفسها، لا ما يتصور من معانيها في الأذهان، ويعبر عنه باللسان، وهذا هو التأويل في لغة القرآن كما قال تعالى عن يوسف أنه قال ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾[يوسف:100]، وقال تعالى ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾[الأعراف:53]، وقال تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾[النساء:59]، وهذا التأويل هو الذي لا يعلمه إلا الله.

فتأويل الصفات هو الحقيقة التي انفرد الله تعالى بعلمها، وهو الكيف المجهول الذي قال فيه السلف كمالك وغيره: الاستواء معلوم والكيف مجهول. فالاستواء معلوم يعلم معناه ويفسر ويترجم بلغة أخرى وهو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم، وأما كيفية ذلك الاستواء فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.

وقد روى عن ابن عباس ما ذكره عبد الرزاق وغيره في تفسيرهم عنه أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه:([40])

§ تفسير تعرفه العرب من كلامها.

§ وتفسير لا يعذر أحد بجهالته.

§ وتفسير يعلمه العلماء.

§ وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل فمن ادعى علمه فهو كاذب.([41])

وهذا كما قال تعالى ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[السجدة:17]، وقال النبي r «يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر».

وكذلك علم الساعة ونحو ذلك، فهذا من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، وإن كنا نفهم معاني ما خوطبنا به ونفهم من الكلام ما قصد إفهامنا إياه كما قال تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾[محمد:24]، وقال ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾[المؤمنون:68]، فأمر بتدبر القرآن كله لا بتدبر بعضه.([42])

وقال أبو عبد الرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي r عشر آيات لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا.

وقال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس رضي الله عنهما من فاتحته إلى خاتمته، أقف عند كل آية وأسأله عنها.

وقال الشعبي: ما ابتدع أحد بدعة إلا وفي كتاب الله بيانها.

وقال مسروق: ما سئل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن ولكن علمنا قصر عنه.

وهذا باب واسع قد بسط في موضعه.

والمقصود هنا التنبيه على أصول المقالات الفاسدة التي أوجبت الضلالة في باب العلم والإيمان بما جاء به الرسول r، وأن من جعل الرسول غير عالم بمعاني القرآن الذي أنزل إليه، ولا جبريل جعله غير عالم بالسمعيات، ولم يجعل القرآن هدى ولا بيانا للناس.

ثم هؤلاء ينكرون العقليات في هذا الباب بالكلية فلا يجعلون عند الرسول وأمته في باب معرفة الله عز وجل لا علوما عقلية ولا سمعية، وهم قد شاركوا الملاحدة في هذه من وجوه متعددة، وهم مخطئون فيما نسبوا إلى الرسول r وإلى السلف من الجهل، كما أخطأ في ذلك أهل التحريف والتأويلات الفاسدة وسائر أصناف الملاحدة.

ونحن نذكر من ألفاظ السلف بأعيانها، وألفاظ من نقل مذهبهم إلى غير ذلك من الوجوه بحسب ما يحتمله هذا الموضع ما لم يعلم به مذهبهم.([43])

روى أبو بكر البيهقي في الأسماء والصفات بإسناد صحيح عن الأوزاعي قال: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه ونؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته.

وقد حكى الأوزاعي -وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابع التابعين الذين هم: مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق- حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله تعالى فوق العرش، وبصفاته السمعية.([44])

وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه، والنافي لصفاته، ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك.

وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة عن الأوزاعي قال: سئل مكحول والزهري عن تفسير الأحاديث فقالا: أمروها كما جاءت.

وروى أيضا عن الوليد بن مسلم قال: سألت مالك بن أنس وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات، فقالوا: أمروها كما جاءت. وفي رواية. فقالوا أمروها كما جاءت بلا كيف.

فقولهم رضي الله عنهم أمروها كما جاءت، رد على المعطلة، وقولهم بلا كيف، رد على الممثلة، والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم، والأربعة الباقون أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين، ومن طبقتهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وأمثالهما.([45])

وروى أبو القاسم الأزجي بإسناده عن مطرَّف بن عبد الله([46]) قال: سمعت مالك بن أنس إذا ذكر عنده من يدفع أحاديث الصفات يقول: قال عمر بن عبد العزيز سنَّ رسول الله r وولاة الأمر بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد من خلق الله تعالى تغييرها ولا النظر في شيء خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتَّبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.

وروى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة قال: سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5] كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق.

وهذا الكلام مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة بن أبي عبد الرحمن من غير وجه.

منها ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني وأبو بكر البيهقي عن يحيى بن يحيى قال: كنا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: يا أبا عبدالله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5]كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا. فأمر به أن يخرج.

فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، موافق لقول الباقين: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإنما نَفَوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة.

ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ([47]) ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإنَّ الاستواء حينئذ لا يكون معلوما بل مجهولا بمنزلة حروف المعجم.

وأيضا فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية، إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتتَ الصفات.

وأيضا فإن من ينفي الصفات الخبرية، أو الصفات مطلقا لا يحتاج إلى أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان من مذهب السلف، نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف.

وأيضا فقولهم: أمروها كما جاءت. يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معاني؛ فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمروا ألفاظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمروا ألفاظها مع اعتقاد أن الله([48]) لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ بلا كيف، إذْ نفى الكيف عما ليس بثابت لغو من القول.([49])

وروى الأثرم في السنة، وأبو عبد الله بن بطة في الإبانة، وأبو عمرو الطلمنكي وغيرهم بإسناد صحيح عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون -وهو أحد أئمة المدينة الثلاثة الذين هم: مالك بن أنس، وابن الماجشون، وابن أبي ذئب- وقد سئل عما جحدت به الجهمية:

أما بعد: فقد فهمتُ ما سألتَ فيما تتابعت الجهمية ومن خَالفَها، في صفة الرب العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتدبر وكلت الألسن عن تفسير صفته، وانحصرت العقول دون معرفة قدرته، وردت عظمتَه([50]) العقولُ فلم تجد مساغا فرجعت خاسئة وهي حسيرة، وإنما أمروا بالنظر والتفكر فيما خلق بالتقدير، وإنما يقال كيف لمن لم يكن مرة ثم كان، فأما الذي لا يحول ولا يزول، ولم يزل، وليس له مثل، فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو، وكيف يعرف قدر من لم يبدأ ومن لا يموت ولا يبلى، وكيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهى، يعرفه عارف أو يحد قدْرَه واصف على أنه الحق المبين لا حق أحق منه، ولا شيء أبين منه. الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه، لا تكاد تراه صغرا يجول ويزول، ولا يرى له سمع ولا بصر؛ لما يتقلب به ويحتال من عقله، أعضل بك وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين، وخالقهم وسيد السادة وربهم ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11].

اعرف رحمك الله غِناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها؛ إذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف، هل تستدل بذلك على شيء من طاعته أو تزدجر به عن شيء من معصيته؟

فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكلفا فقد ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾[الأنعام:71]، فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمَّى من نفسه بأن قال: لابد إن كان له كذا من أن يكون له كذا، فعمي عن البيّن بالخفي، فجحد ما سمى الرب من نفسه، بصمتٍ عمّا لم يسم منها، فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الله عز وجل ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ(22)إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾[القيامة:22-23]، فقال: لا يراه أحد يوم القيامة، فجحد والله أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه، ونضرته إياهم ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾[القمر:55].

قد قضى أنهم لا يموتون فهم بالنظر إليه ينضرون، إلى إن قال: وإنما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحجة الضالة المضلة؛ لأنه قد عرف أنه إذا تجلّى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين، وكان له جاحدا.

وقال المسلمون: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله r: «هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟» قالوا: لا. قال «فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟» قالوا: لا. قال: «فإنكم ترون ربَّكم يومئذ كذلك».

وقال رسول الله r «لا تمتلئ النار حتى يضع الجبَّار فيها قدمه، فتقول قط قط وينزوي بعضها إلى بعض».

وقال لثابت بن قيس «لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة».

وقال فيما بلغنا «إن الله تعالى ليضحك من أزلكم وقنوطكم وسرعة إجابتكم» فقال له رجل من العرب: إن ربنا ليضحك؟ قال «نعم»، قال: لا نُعْدَمُ من رب يضحك خيرا. إلى أشباه لهذا مما لا نحصيه.

وقال تعالى ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11]، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾[الطور:48]، وقال تعالى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾[طه:39]، وقال تعالى ﴿ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، وقال تعالى﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾[الزمر:67].

فوالله ما دلهم على عظم ما وصفه من نفسه وما تحيط به قبضته إلا صغر نظيرها منهم عندهم، إن ذلك الذي أُلقي في روعهم، وخلق على معرفة قلوبهم فما وصف الله من نفسه وسماه على لسان رسوله r سميناه كما سماه، ولم نتكلف منه صفة ما سواه -لا هذا ولا هذا- لا نجحد ما وصف ولا نتكلف معرفة ما لم يصف. ([51])

اعلم رحمك الله أنَّ العصمة في الدين أن تنتهيَ في الدين حيث انتهى بك ولا تجاوز ما قد حد لك، فإن من قوام الدين معرفة المعروف وإنكار المنكر، فما بسطت عليه المعرفة وسكنت إليه الأفئدة وذكر أصله في الكتاب والسنة وتوارثت علمه الأمة، فلا تخافنَّ في ذكره وصفته من ربك ما وصف من نفسه عيبا، ولا تتكلفن بما وصف لك من ذلك قدرا.

وما أنكرته نفسك، ولم تجد ذكره في كتاب ربك ولا في حديث عن نبيك -من ذكر صفة ربك- فلا تكلفن علمه بعقلك، ولا تصفه بلسانك واصمت عنه كما صمت الرب عنه([52]) من نفسه، فإن تكلفك معرفة ما لم يصف من نفسه مثل انكار ما وصف منها، فكما أعظمت ما جحده الجاحدون مما وصف من نفسه، فكذلك أعظم تكلف ما وصف الواصفون مما لم يصف منها.([53])

فقد –والله- عزَّ المسلمون الذين يعرفون المعروف وبهم يعرف، وينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر، يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه، وما يبلغهم مثله عن نبيه، فما مرض من ذكر هذا وتسميته قلب مسلم، ولا تكلف صفة قدره ولا تسمية غيره من الرب مؤمن.

وما ذكر عن رسول الله r أنه سماه من صفة ربه فهو بمنزلة ما سمى وما وصف الرب تعالى من نفسه.

والراسخون في العلم -الواقفون حيث انتهى علمهم، الواصفون لربهم بما وصف من نفسه، التاركون لما ترك من ذكرها- لا ينكرون صفة ما سمى منها جحدا، ولا يتكلفون وصفه بما لم يسم تعمقا؛ لأن الحق ترك ما ترك وتسمية ما سمى، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾[النساء:115]. وهب الله لنا ولكم حكما وألحقنا بالصالحين.

وهذا كله كلام ابن الماجشون الإمام فتدبره، وانظر كيف أثبت الصفات ونفى علم الكيفية موافقة لغيره من الأئمة، وكيف أنكر على من نفى الصفات بأنه يلزمهم من إثباتها كذا وكذا كما تقوله الجهمية: أنه يلزم أن يكون جسما أو عَرَضا فيكون محدَثا.([54])

وفي كتاب الفقه الأكبر المشهور عند أصحاب أبي حنيفة، الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر؟ فقال: لا تكفرن أحدا بذنب، ولا تنف أحدا به من الإيمان، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولا تتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله r، ولا توالي أحدا دون أحد([55])، وأن ترد أمر عثمان وعلي إلى الله عز وجل.

قال أبو حنيفة: الفقه الأكبر في الدين خير من الفقه في العلم، ولأنْ يفقه الرجلُ([56]) كيف يعبد ربه خير له من أن يجمع العلم الكثير.

قال أبو مطيع الحكم بن عبد الله قلت: أخبرني عن أفضل الفقه، قال: تعلم الرجل الإيمان، والشرائع والسنن، والحدود، واختلاف الأئمة، وذَكَرَ مسائل الإيمان، ثم ذكر مسائل القدر، والرد على القدرية بكلام حسن ليس هذا موضعَه.

ثم قال: قلت: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيتبعه على ذلك أناس فيخرج على الجماعة، هل ترى ذلك؟ قال: لا. قلت: ولم؟ قال: أمر الله ورسوله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو فريضة واجبة؟ قال: هو كذلك لكن ما يفسدون أكثر مما يصلحون من سفك الدماء واستحلال الحرام.

قال: وذكر الكلام في قتل الخوارج والبغاة إلى أن قال: قال أبو حنيفة عمن قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض: فقد كفر؛ لأن الله يقول ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5] وعرشه فوق سبع سموات.

قلت: فإن قال أنه على العرش استوى، ولكنه يقول لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر لأنه أنكر أن يكون في السماء؛ لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعا من أعلى لا من أسفل.

وفي لفظ سألت أبا حنيفة عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض قال: قد كفر. قال: لأن الله يقول ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5]، وعرشه فوق سبع سموات، قال: فإنه يقول على العرش استوى، ولكن لا يدرى العرش في الأرض أو في السماء، قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر.

ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه أنه كفَّر الواقف([57]) الذي يقول: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؛ فكيف يكون الجاحد النافي الذي يقول: ليس في السماء أو ليس في السماء ولا في الأرض، واحتج على كفره بقوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5]، قال: وعرشه فوق سبع سموات.

وبين بهذا أنّ قوله تعالى (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) يبين أن الله فوق السماوات، فوق العرش، وأن الاستواء على العرش دل على أن الله بنفسه فوق العرش.

ثم أنه أردف ذلك بتكفير من قال إنه على العرش استوى. ولكن توقف في كون العرش في السماء أم في الأرض، قال: لأنه أنكر أنه في السماء لأن الله في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل.

وهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون الله في السماء، واحتج على ذلك بأن الله في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية، فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله في العلو، وعلى أنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وقد جاء اللفظ الآخر صريحا عنه بذلك فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر. ([58])

وروى هذا اللفظ بإسناد عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتاب الفاروق، وروى أيضا ابن أبي حاتم أن هشام بن عبيد الله الرازي -صاحب محمد بن الحسن، قاضي الري- حبس رجلا في التجهم، فتاب فجئ به إلى هشام ليُطلقه فقال: الحمد لله على التوبة، فامتحنه هشام فقال: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال: أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري ما بائن من خلقه، فقال ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب.([59])

وروى أيضا عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قال: إن الله على العرش بائن من الخلق، وقد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا لا يشك في هذه المقالة إلا جهمي رديء ضِلِّيل وهالك مرتاب، يمزج الله بخلقه ويخلط منه الذات بالأقذار والأنتان. ([60])

وروى أيضا عن ابن المديني لما سئل ما قول أهل الجماعة قال: يؤمنون بالرؤية والكلام. وأن الله فوق السماوات على العرش استوى، فسئل عن قوله ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾[المجادلة:7]، فقال اقرأ ما قبلها ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾[المجادلة:7].

وروى أيضا عن أبي عيسى الترمذي قال: هو على العرش كما وصف في كتابه، وعلمه وقدرته وسلطانه في كل مكان.

وروى عن أبي زرعة الرازي أنه لما سئل عن تفسير قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5]، فقال تفسيره كما تقرأ: هو على العرش وعلمه في كل مكان، ومن قال غير هذا فعليه لعنة الله.([61])

وروى أبو القاسم اللالكائي الحافظ الطبري -صاحب أبي حامد الإسفرائيني- في كتابه المشهور في أصول السنة بإسناده عن محمد بن الحسن -صاحب أبي حنيفة- قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله r في صفة الرب عز وجل من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه، فمن فسَّر اليوم شيئا منها فقد خرج مما كان عليه النبي r وفارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة؛ لأنه قد وصفه بصفة لا شيء.

محمد بن الحسن أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء، وقد حكى هذا الإجماع، وأخبر أن الجهمية تصفه بالأمور السلبية غالبا أو دائما، وقوله من غير تفسير أراد به تفسير الجهمية المعطلة الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الإثبات.

وروى البيهقي وغيره بإسناد صحيح عن أبي عبيد القاسم بن سلاّم قال: هذه الأحاديث التي يقول فيها «ضحِك ربُّنا من قنوط عبادة وقرب غيره»، و«إنَّ جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك فيها قدمه»، و«الكرسي موضع القدمين»، وهذه الأحاديث في الرؤية هي عندنا حق حملها الثقات بعضهم عن بعض؛ غير أنا إذا سئلنا عن تفسيرها لا نفسرها، وما أدركْنا أحدا يفسرها.

أبو عبيد أحد الأئمة الأربعة الذين هم: الشافعي، وأحمد، وإسحاق وأبو عبيد، وله من المعرفة بالفقه واللغة والتأويل ما هو أشهر من أن يوصف، وقد كان في الزمان الذي ظهرت فيه الفتن والأهواء، وقد أخبر أنه ما أدرك أحدا من العلماء يفسرها -أي تفسير الجهمية-.

وروى اللالكائي والبيهقي بإسنادهما عن عبد الله بن المبارك أن رجلا قال له: يا أبا عبد الرحمن أني أكره الصفة -عني صفة الرب-. فقال له: عبد الله بن المبارك وأنا أشد الناس كراهية لذلك، ولكن إذا نطق الكتاب بشيء قلنا به، وإذا جاءت الآثار بشيء جسرنا عليه ونحو هذا.

أراد ابن المبارك أنا نكره أن نبتدئ بوصف الله من تلقاء أنفسنا حتى يجيء به الكتاب والآثار.

وروى عبد الله بن أحمد وغيره بأسانيد صحاح عن ابن المبارك أنه قيل له: بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه، ولا نقول كما تقول الجهمية: أنه هاهنا في الأرض. وهكذا قال الإمام أحمد وغيره.

وروى بإسناد صحيح عن سليمان بن حرب الإمام سمعت حماد بن زيد وذكر هؤلاء الجهمية فقال: إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء.

وروى ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن سعيد بن عامر الضبعي -إمام أهل البصرة علما ودينا من شيوخ الإمام أحمد- أنه ذكر عنده الجهمية فقال: هم أشر قولا من اليهود والنصارى، وقد أجمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله على العرش، وهم قالوا: ليس على شيء.

وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة: من لم يقل: إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة، ولا أهل الذمة. ذكره عنه الحاكم بإسناد صحيح.

وروى عبد الله بن الإمام أحمد بإسناده عن عباد بن العوام الواسطي -إمام أهل واسط من طبقة شيوخ الشافعي وأحمد- قال: كلمتُ بشرا المريسي، وأصحاب بشر فرأيت آخر كلامهم ينتهي أن يقولوا ليس في السماء شيء.

وعن عبد الرحمن بن مهدى الإمام المشهور أنه قال: ليس في أصحاب الأهواء شر من أصحاب جهم، يدورون على أن يقولوا ليس في السماء شيء، أرى والله أن لا يناكحوا ولا يوارثوا.

وروى عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية عن عبد الرحمن بن مهدى قال: أصحاب جهم يريدون أن يقولوا: إن الله لم يكلم موسى، ويريدون أن يقولوا: ليس في السماء شيء، وإن الله ليس على العرش. أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا.

وعن الأصمعي قال: قدمت امرأة جهم فنزلت بالدباغين فقال رجل عندها: الله على عرشه، فقالت محدود على محدود، فقال الأصمعي كفرت بهذه المقالة.

وعن عاصم بن علي بن عاصم -شيخ أحمد والبخاري وطبقتهما- قال: ناظرت جهما فتبين من كلامه أنه لا يؤمن أن في السماء ربا.

وروى الإمام أحمد بن حنبل الشيباني قال أخبرنا سريج بن النعمان، قال: سمعت عبد الله بن نافع الصائغ قال: سمعت مالك بن أنس يقول: الله في السماء، وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان.

وقال الشافعي: خلافة أبي بكر الصديق حق قضاه الله في السماء وجمع عليه قلوب عباده.

وفي الصحيح عن أنس بن مالك قال: كانت زينب تفتخر على أزواج النبي r تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات. وهذا مثل قول الشافعي.

وقصة أبي يوسف -صاحب أبي حنيفة- مشهورة في استتابة بشر المريسي حتى هرب منه لما أنكر الصفات وقال بقول جهم قد ذكرها بن أبي حاتم وغيره.

وقال أبو عبد الله محمد بن أبي زَمَنِين -الإمام المشهور من أئمة المالكية- في كتابه الذي صنفه في أصول السنة قال فيه: باب الإيمان بالعرش.

قال: ومن قول أهل السنة: أن الله عز وجل خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق ثم استوى عليه كيف شاء، كما أخبر عن نفسه في قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5]، وقوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾[الحديد:4] الآية.

فسبحان من بعد وقرب بعلمه، فسمع النجوى، وذكر حديث أبي رزين العقيلي؛ قلتُ يا رسول الله: أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال «في عماء ما تحته هواء وما فوقه هواء ثم خلق عرشه على الماء» قال محمد: العماء السحاب الكثيف المُطْبِق -فيما ذكره الخليل- وذكر آثارا أخر.([62])

ثم قال: باب الإيمان بالكرسي. قال محمد بن عبد الله: ومن قول أهل السنة أن الكرسي بين يدي العرش، وأنه موضع القدمين. ثم ذكر حديث أنس الذي فيه التجلي يوم الجمعة في الآخرة، وفيه فإذا كان يوم الجمعة هبط من عليين على كرسيه، ثم يحف الكرسي على منابر من ذهب مكللة بالجواهر، ثم يجيء النبيون فيجلسون عليها.

وذكر ما ذكره يحيى بن سالم صاحب التفسير المشهور: حدثني العلاء بن هلال عن عمار الدهني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الكرسي الذي وسع السموات والأرض وموضع القدمين، ولا يعلم قدر العرش إلا الذي خلقه.

وذكر من حديث أسد بن موسى ثنا حماد بن سلمة، عن زر عن ابن مسعود قال: ما بين السماء الدنيا والتي تليها مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه.

ثم قال في باب الإيمان بالحجب، قال: ومن قول أهل السنة أن الله بائن من خلقه يحتجب عنهم بالحجب فتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾[الكهف:5]، وذكر آثارا في الحجب.

ثم قال: في باب الإيمان بالنزول، قال: ومن قول أهل السنة أن الله ينزل إلى سماء الدنيا، ويؤمنون بذلك من غير أن يحدوا فيه حدا، وذكر الحديث من طريق مالك وغيره. إلى أن قال: وأخبرني وهب عن ابن وضاح عن الزهري([63]) عن ابن عباد قال: ومن أدركت من المشائخ -مالك وسفيان وفضيل بن عياض وعيسى بن المبارك ووكيع- كانوا يقولون: إنّ النزول حق.

قال ابن وضاح: وسألت يوسف بن عدي عن النزول، قال: نعم. أومن به ولا أحد فيه حدا. وسألت عنه ابن معين، فقال: نعم أٌقِرُّّ به ولا أحد فيه حدا.

قال محمد: وهذا الحديث يبين أن الله عز وجل على العرش في السماء دون الأرض، وهو أيضا بين في كتاب الله وفي غير حديث عن رسول الله r، قال تعالى ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾[السجدة:5]، وقال تعالى ﴿ءَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ(16)أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾[الملك:16-17]، وقال تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾[فاطر:10]، وقال ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾[الأعراف:18 و61]، وقال تعالى ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾[آل عمران:55]، وقال ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾[النساء:58].

وذكر من طريق مالك قول النبي r للجارية «أين الله؟» قالت: في السماء. قال «من أنا؟» قالت: أنت رسول الله. قال «فاعتقها».

قال: والأحاديث مثل هذا كثيرة جدا، فسبحان من علمه بما في السماء كعلمه بما في الأرض، لا إله إلا هو العلي العظيم.

وقال قبل ذلك في الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه، قال: وأعلم بأن أهل العلم بالله وبما جاءت به أنبياؤه ورسله، ([64]) يرون الجهل بما لم يخبر به عن نفسه علما، والعجز عن ما لم يدع إليه إيمانا، وأنهم إنما ينتهون من وصفه بصفاته وأسمائه إلى حيث انتهى في كتابه، وعلى لسان نبيه.

وقد قال -وهو أصدق القائلين- ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾[القصص:88]، وقال ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾[الأنعام:19]، وقال ﴿وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾[ آل عمران:28 و30]، وقال ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾[الحجر:29]، وقال ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾[الطور:48]، وقال ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾[طه:39]، وقال ﴿وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾[المائدة:64]، وقال ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾[الزمر:67]الآية، وقال ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾[طه:36]، وقال ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾[النساء:164]، وقال تعالى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[النور:35] الآية، وقال ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾[البقرة:255] الآية، وقال ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾[الحديد:3]، ومثل هذا في القرآن كثير.

فهو تبارك وتعالى نور السموات والأرض، كما أخبر عن نفسه، وله وجه ونفس وغير ذلك مما وصف به نفسه، ويسمع ويرى ويتكلم، هو الأول لا شيء قبله، والآخر الباقي إلى غير نهاية ولا شيء بعده، والظاهر العالي فوق كل شيء والباطن بَطُنَ([65]) علمُه بخلقه فقال: وهو بكل شيء عليم، قيوم حي لا تأخذه سنة ولا نوم.

وذكر أحاديث الصفات ثم قال: فهذه صفات ربنا التي وصف بها نفسه في كتابه، ووصفه بها نبيه، وليس في شيء منها تحديد ولا تشبيه ولا تقدير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11]، لم تره العيون فتحدَّه كيف هو، ولكن رأته القلوب في حقائق الإيمان. ا.هـ([66])

وكلام الأئمة في هذا الباب أطول وأكثر من أن تسع هذه الفتيا عشره، وكذلك كلام الناقلين لمذهبهم.

مثل ما ذكره أبو سليمان الخطَّابي في رسالته المشهورة في الغنية عن الكلام وأهله، قال: فأما ما سألت عنه من الصفات وما جاء منها في الكتاب والسنة. فإن مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، وإنما القصد في سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي والمقصر عنه.

والأصل في هذا: أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويُحتذا في ذلك حذوه وأمثاله. فإذا كان معلوما أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف.

فإذا قلنا: يد وسمع وبصر وما أشبهها، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه، ولسنا نقول: أن معنى اليد القوة أو النعمة، ولا معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول إنها جوارح، ولا نشبهها بالأيدي وبالأسماع وبالأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول إن القول إنما وجب بإثبات الصفات لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لأن الله ليس كمثله شيء، وعلى هذا جرى قول السلف في أحاديث الصفات. هذا كله كلام الخطابي. ([67])

وهكذا قاله أبو بكر الخطيب الحافظ في رسالة له أخبر فيها أن مذهب السلف على ذلك.

وهذا الكلام الذي ذكره الخطّابي قد نقل نحوا منه من العلماء ما لا يحصى عددهم مثل أبي بكر الإسماعيلي، والإمام يحيى بن عمار السجزي، وشيخ شيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي([68])، صاحب منازل السائرين وذم الكلام وهو أشهر من أن يوصف، وشيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني، وأبي عمر بن عبد البر النمري إمام المغرب، وغيرهم.

وقال أبو نعيم الأصبهاني صاحب الحلية في عقيدة له قال في أولها: طريقتنا طريقة المتبعين الكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ قال: فمما اعتقدوه أنّ الأحاديث التي ثبتت عن النبي r في العرش واستواء الله يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، وإن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم([69])، وهو مستو على عرشه في سمائه دون أرضه وخلقه.

وقال الحافظ أبو نعيم في كتابه محجة الواثقين ومدرجة الوامقين تأليفه: وأجمعوا أنّ الله فوق سمواته عالٍ على عرشه مستو عليه، لا مستول عليه كما تقول الجهمية أنه بكل مكان خلافا لما نزل في كتابه ﴿ءَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾[الملك:16]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾[فاطر:10]، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5]، له العرش المستوي عليه والكرسي الذي وسع السموات والأرض، وهو قوله ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾[البقرة:255]، وكرسيه جسم، والأرضون السبع والسموات السبع عند الكرسي كحلقة في أرض فلاة، وليس كرسيه علمه كما قالت الجهمية؛ بل يوضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه، كما قاله النبي r، وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده والملائكة صفا صفا، كما قال تعالى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾[الفجر:22]، وزاد النبي r وأنه تعالى وتقدس يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده فيغفر لمن يشاء من مذنبي الموحدين، ويعذب من يشاء. كما قال تعالى ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾[آل عمران:129، المائدة:18، الفتح:14]. ([70])

وقال الإمام العارف معمر بن أحمد الأصبهاني -شيخ الصوفية في حدود المائة الرابعة في بلاده- قال: أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر بلا كيف وأهل المعرفة والتصوف من المتقدمين والمتأخرين.

قال فيها وأن الله استوى على عرشه بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تأويل، والاستواء معقول والكيف فيه مجهول، وأنه عز وجل مستو على عرشه بائن من خلقه، والخلق منه بائنون، بلا حلول ولا ممازجة، ولا اختلاط ولا ملاصقة؛ لأنه الفرد البائن من الخلق، الواحد الغني عن الخلق، وأن الله عز وجل سميع، بصير، عليم، خبير، يتكلم، ويرضى ويسخط، ويضحك، ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكا، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء، فيقول: هل من داع فاستجيبَ له؟ هل من مستغفر فاغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر، ونزول الرب إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه، ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال، وسائر الصفوة من العارفين على هذا. ا.هـ([71])

وقال الشيخ الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال في كتاب السنة: ثنا أبو بكر الأثرم، ثنا إبراهيم بن الحارث -يعني العبادي- حدثنا الليث بن يحيى، قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث، قال أبو بكر -وهو صاحب الفضيل- قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؛ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ فقال ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ(2)لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4)﴾[الإخلاص]، فلا صفةَ أبلغُ مما وصف به نفسه.

وكل هذا: النزول، والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الإطلاع، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطَّلع. فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف؟ فإذا قال الجهمي: أنا أكفر بربٍّ يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء.

ونقل هذا عن الفضيل جماعة؛ منهم البخاري في أفعال العباد، ونقله شيخ الإسلام بإسناده في كتابه الفاروق فقال: ثنا يحيى بن عمار ثنا أبي، قال ثنا يوسف بن يعقوب، قال ثنا حرمي بن علي البخاري وهانئ بن النضر عن الفضيل.

وقال عمرو بن عثمان المكي في كتابه الذي سماه التعرف بأحوال العباد والمتعبدين قال: باب ما يجيء به الشيطان للتائبين، وذكر أنه يوقعهم في القنوط، ثم في الغرور وطول الأمل، ثم في التوحيد، فقال: من أعظم ما يوسوس في التوحيد بالتشكل أو في صفات الرب بالتمثيل والتشبيه، أو بالجحد لها والتعطيل.([72]) فقال بعد ذكر حديث الوسوسة:

وأعلم -رحمك الله- أن كلما توهمه قلبك، أو سنح في مجارى فكرك، أو خطر في معارضات قلبك من حسن أو بهاء، أو ضياء أو إشراق، أو جمال، أو سنح مسائل، أو شخص متمثل: فالله تعالى بغير ذلك بل هو تعالى أعظم وأجل وأكبر، ألا تسمع لقوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾[الشورى:11]، وقوله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾[الإخلاص:4] أي لا شبيه ولا نظير ولا مساوي ولا مِثل، أو لم تعلم أنه لما تجلَّى للجبل تدكدك لعظم هيبته، وشامخ سلطانه، فكما لا يتجلى لشيء إلا اندك، كذلك لا يتوهمه أحد إلا هلك، فَرُدَّ بما بيّن الله في كتابه من نفسه عن نفسه التشبيه والمثل والنظير والكفْء.

فإن اعتصمت بها وامتنعت منه أتاك من قبل التعطيل لصفات الرب تبارك وتعالى وتقدس في كتابه وسنة رسوله محمد r فقال لك: إذا كان موصوفا بكذا أو وصفته أوجب له التشبيه فأكذبه؛ لأنه اللعين إنما يريد أن يستزلك ويغويك ويدخلك في صفات الملحدين الزائغين الجاحدين لصفة الرب تعالى.

وأعلم -رحمك الله تعالى- أنَّ الله تعالى واحد لا كالآحاد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، إلى أن قال: خلصت له الأسماء السَّنية فكانت واقعة في قديم الأزل بصدق الحقائق، لم يستحدث تعالى صفة كان منها خليا، واسما كان منه بريا تبارك وتعالى، فكان هاديا سيهدي، وخالقا سيخلق، ورازقا سيرزق، وغافرا سيغفر، وفاعلا سيفعل، ولم يحدث له الاستواء إلا وقد كان في صفة أنه سيكون ذلك الفعل، فهو يسمى به في جملة فعله، كذلك قال الله تعالى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾[الفجر:22] بمعنى أنه سيجيء، فلم يستحدث الاسم بالمجيء، وتخلف الفعل لوقت المجيء، فهو جاء سيجيء، ويكون المجيء منه موجودا بصفة لا تلحقه الكيفية ولا التشبيه؛ لأن ذلك فعل الربوبية، فيستحسر العقل وتنقطع النفس عند إرادة الدخول في تحصيل كيفية المعبود، فلا تذهب في أحد الجانبين لا معطلا ولا مشبها، وارض لله بما رضي به لنفسه، وقِف عند خبره لنفسه مسلما مستسلما، مصدقا؛ بلا مباحثة التنفير ولا مناسبة التنقير. ([73])

إلى أن قال: فهو تبارك وتعالى القائل أنا الله، لا الشجرة الجائي قبل أن يكون جائيا، لا أمره المتجلي لأوليائه في المعاد؛ فتبيض به وجوههم، وتفلج به على الجاحدين حجتهم، المستوي على عرشه بعظمة جلاله فوق كل مكان تبارك وتعالى، الذي كلم موسى تكليما، وأراه من آياته، فسمع موسى كلام الله لأنه قربه نجيا، تقدَّس أن يكون كلامه مخلوقا أو محدثا أو مربوبا، والوارث بخلقه لخلقه السميع لأصواتهم، الناظر بعينه إلى أجسامهم، يداه مبسوطتان، وهما غير نعمته، خلق آدم ونفخ فيه من روحه -وهو أمره تعالى وتقدس أن يحل بجسم، أو يمازج بجسم، أو يلاصق به تعالى عن ذلك علوا كبيرا، الشائي له المشيئة، العالم له العلم، الباسط يديه بالرحمة، النازل كل ليلة إلى سماء الدنيا ليتقرب إليه خلقه بالعبادة، وليرغبوا إليه بالوسيلة، القريب في قربه من حبل الوريد، البعيد في علوه من كل مكان بعيد، ولا يشبه بالناس.

إلى أن قال ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾[فاطر:10]، القائل ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ(16) أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾[الملك:16-17] تعالى وتقدس أن يكون في الأرض كما هو في السماء جل عن ذلك علوا كبيرا. ا.هـ([74])

وقال الإمام أبو عبد الله الحارث بن إسماعيل بن أسد المحاسبي في كتابه المسمى فهم القرآن قال -في كلامه على الناسخ والمنسوخ وأن النسخ لا يجوز في الأخبار- قال: لا يحل لأحد أن يعتقد أن مدح الله وصفاته ولا أسماءه يجوز أن ينسخ منها شيء.

إلى أن قال: وكذلك لا يجوز إذا أخبر أن صفاته حسنة عُليا أن يخبر بذلك أنها دنية سفلى، فيصف نفسه بأنه جاهل ببعض الغيب بعد أن أخبر أنه عالم بالغيب، وأنه لا يبصر ما قد كان، ولا يسمع الأصوات، ولا قدرة له، ولا يتكلم، ولا الكلام كان منه، وأنه تحت الأرض لا على العرش جل وعلا عن ذلك.

فإذا عرفت ذلك واستيقنته علمت ما يجوز عليه النسخ وما لا يجوز، فإن تلوت آية في ظاهر تلاوتها تحسب أنها ناسخة لبعض أخباره كقوله عن فرعون ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ﴾[يونس:90] الآيات، وقال ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾[محمد:31].

وقال: قد تأول قوم أن الله عنى أن ينجيه ببدنه من النار لأنه آمن عند الغرق، وقال: إنما ذكر اللهُ أن قوم فرعون يدخلون النار دونه، وقال ﴿فَأَوْرَدَهُمْ النَّارَ﴾[هود:98]، وقال ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾[غافر:45]، ولم يقل بفرعون، قال: وهكذا الكذب على الله؛ لأن الله تعالى يقول ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾[النازعات:25]، كذلك قوله ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾[العنكبوت:3] فاقرأ التلاوة على استئناف العلم من الله عز وجل عن أن يستأنف علما بشيء؛ لأنه من ليس له علم بما يريد أن يصنعه لم يقدر أن يصنعه -نجده ضرورة-.

قال ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[الملك:14]، قال: وإنما قوله (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ) إنما يريد حتى نراه، فيكون معلوما موجودا؛ لأنه لا جائز أن يكون يعلم بالشيء معدوما من قبل أن يكون، ويعلمه موجودا كان قد كان، فيعلم في وقت واحد معدوما موجودا، وإن لم يكن وهذا محال.

وذكر كلاما في هذا في الإرادة.([75])

إلى أن قال: وكذلك قوله ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾[الشعراء:15] ليس معناه أنه يحدث له سمعا، ولا تكلف بسمع ما كان من قولهم، وقد ذهب قوم من أهل السنة أنَّ لله استماعا في ذاته، فذهبوا إلى أنَّ ما يعقل من أنه يحدث منهم علم سمع لما كان من قول؛ لأن المخلوق إذا سمع حدث له عقد فهم عما أدركته أذنه من الصوت، وكذلك قوله ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ﴾[التوبة:105]، لا يستحدث بصرا محدثا في ذاته،([76]) وإنما يحدث الشيء فيراه مكونا كما لم يزل يعلمه قبل كونه.

إلى أن قال: وكذلك قوله تعالى ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾[الأعراف:18 و61]، وقوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5]، وقوله ﴿ءَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾[الملك:16]، وقوله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾[فاطر:10]، وقال ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾[السجدة:5]، وقال ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾[المعارج:4]، وقال لعيسى ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾[آل عمران:55] الآية، وقال ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾[النساء:158]، وقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾[الأعراف:206].

وذكر الآلهة أن لو كان آلهة لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا حيث هو فقال ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾[الإسراء:42]، أي طلبه، وقال ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾[الأعلى:1].

قال أبو عبد الله فلن ينسخ ذلك لهذا أبدا.

كذلك قوله ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾[الزخرف:84]، وقوله ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾[ق:16]، وقوله ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾[الأنعام:3]، وقوله ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾[المجادلة:7] الآية، فليس هذا بناسخ لهذا، ولا هذا ضد لذلك.

واعلم أن هذه الآيات ليس معناها أن الله أراد الكون بذاته فيكون في أسفل الأشياء، أو ينتقل فيها لانتقالها، ويتبعض فيها على أقدارها، ويزول عنها عند فنائها، جل وعز عن ذلك، وقد نزع بذلك بعض أهل الضلال، فزعموا أن الله تعالى في كل مكان بنفسه كائنا، كما هو على العرش، لا فرقان بين ذلك، ثم أحالوا في النفي بعد تثبيت ما يجوز عليه في قولهم ما نفوه؛ لأن كل من يثبت شيئا في المعنى ثم نفاه بالقول لم يغن عنه نفيه بلسانه، واحتجوا بهذه الآيات؛ أنّ الله تعالى في كل شيء بنفسه كائنا ثم نفوا معنى ما أثبتوه، فقالوا: لا كالشيء في الشيء.

قال أبو عبد الله لنا قوله ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾[محمد:31]، ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ﴾[التوبة:94]، و﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾[الشعراء:15]، فإنما معناه حتى يكون الموجود فيعلمه موجودا، ويسمعه مسموعا، ويبصره مُبْصَرا لا على استحداث علم ولا سمع ولا بصر.

وأما قوله ﴿إِذَا أَرَدْنَا﴾[الإسراء:16]، إذا جاء وقت كون المراد فيه.

وأن قوله ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5]، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾[الأعراف:18 و61] الآية، ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ﴾[الملك:16] ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾[الإسراء:42]،([77]) فهذا وغيره مثل قوله ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾[المعارج:4]، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾[فاطر:10]، هذا منقطع يوجب أنه فوق العرش، فوق الأشياء كلها منزه عن الدخول في خلقه، لا يخفى عليه منهم خافية؛ لأنه أبان في هذه الآيات أنه أراد أنه بنفسه فوق عباده لأنه قال ﴿ءَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ﴾[الملك:16]، يعني فوق العرش والعرش على السماء؛ لأن من قد كان فوق كل شيء على السماء في السماء، وقد قال مثل ذلك في قوله ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾[التوبة:2]، يعني على الأرض، لا يريد الدخول في جوفها. وكذلك قوله ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾[المائدة:26] يعني على الأرض لا يريد الدخول في جوفها، وكذلك قوله ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾[طه:71] يعني فوقها عليها.

وقال ﴿ءَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ ﴾، ثم فصل فقال ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ﴾[الملك:16]، ولم يصل فلم يكن لذلك معنى -إذ فصل قوله (مَنْ فِي السَّمَاءِ)، ثم استأنف التخويف بالخسف-، إلا أنه على عرشه فوق السماء.

وقال تعالى ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾[السجدة:5]، وقال ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾[المعارج:4]، فبين عروج الأمر وعروج الملائكة، ثم وصف وقت صعودها بالارتفاع صاعدة إليه فقال ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾[المعارج:4]، فقال صعودها إليه، وفصله من قوله (إِلَيْهِ) كقول القائل إصعد إلى فلان في ليلة أو يوم، وذلك أنه في العلو وأن صعودك إليه في يوم، فإذا صعدوا إلى العرش فقد صعدوا إلى الله عز وجل، وإن كانوا لم يروه ولم يساووه في الارتفاع في علوه فإنهم صعدوا من الأرض وعرجوا بالأمر إلى العلو، قال تعالى ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾[النساء:158]، ولم يقل عنده.

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ(36)أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ ثم استأنف الكلام فقال ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾[غافر:36-37]، فيما قال: قال لي أن إلهه فوق السموات.

فبين الله سبحانه وتعالى أنّ فرعون ظن بموسى أنه كاذب فيما قال: قال وعمد لطلبه حيث قاله مع الظن بموسى أنه كاذب ولو أن موسى قال إنه في كل مكان بذاته لطلبه في بيته أو في بدنه أو حُشِّه،([78]) فتعالى الله عن ذلك ولم يجهد نفسه ببنيان الصرح.

قال أبو عبد الله: وأما الآية التي يزعمون أنها قد وصلها ولم يقطعها كما قطع الكلام الذي أراد به أنه على عرشه فقال ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾[المجادلة:7] فأخبر بالعلم ثم أخبر أنه مع كل مناج ثم ختم الآية بالعلم بقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[المجادلة:7]، فبدأ بالعلم وختم بالعلم، فبين أنه أراد أنه يعلمهم حيث كانوا لا يخفون عليه، ولا يخفى عليه مناجاتهم، ولو اجتمع القوم في أسفل وناظر إليهم في العلو فقال: إني لم أزل أراكم وأعلم مناجاتكم لكان صادقا -ولله المثل الأعلى أن يشبه الخلق- فإن أبوا إلا ظاهر التلاوة، وقالوا هذا منكم دعوى. خرجوا عن قولهم في ظاهر التلاوة؛ لأن من هو مع الاثنين فأكثر هو معهم لا فيهم، ومن كان مع شيء خلا جسمه وهذا خروج من قولهم.

وكذلك قوله تعالى ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾[ق:16]؛ لأن ما قرب من الشيء ليس هو في الشيء ففي ظاهر التلاوة على دعواهم أنه ليس في حبل الوريد.

وكذلك قوله ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾[الزخرف:84]، لم يقل في السماء ثم قطع -كما قال ﴿ءَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾[الملك:16] ثم قطع فقال ﴿أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ﴾[الملك:16]- فقال (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ) يعني إله أهل السماء إله أهل الأرض وذلك موجود في اللغة، تقول فلان أمير في خراسان، وأمير في بَلْخ، وأمير في سمرقند، وإنما هو في موضع واحد، ويخفى عليه ما وراءه، فكيف العالي فوق الأشياء لا يخفى عليه شيء من الأشياء يدبره، فهو إله فيهما إذ كان مدبرا لهما، وهو على عرشه وفوق كل شيء تعالى عن الأشباه والأمثال.([79])

وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف في كتابه الذي سماه: اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات قال في آخر خطبته: فاتفقت أقوال المهاجرين والأنصار في توحيد الله عز وجل، ومعرفة أسمائه وصفاته وقضائه، قولا واحدا وشرعا ظاهرا، وهم الذين نقلوا عن رسول الله r ذلك حتى قال «عليكم بسنتي» وذكر الحديث، وحديث «لعن الله من أحدث حدثا» قال: فكانت كلمة الصحابة على الاتفاق من غير اختلاف، وهم الذين أُمرنا بالأخذ عنهم إذ لم يختلفوا بحمد الله تعالى في أحكام التوحيد وأصول الدين من الأسماء والصفات، كما اختلفوا في الفروع، ولو كان منهم في ذلك اختلاف لنُقل إلينا كما نقل سائر الاختلاف، فاستقر صحة ذلك عند خاصتهم وعامتهم حتى أدوا ذلك إلى التابعين لهم بإحسان، فاستقر صحة ذلك عند العلماء المعروفين حتى نقلوا ذلك قرنا بعد قرن؛ لأن الاختلاف كان عندهم في الأصل كفر ولله المنة.

ثم إني قائل: وبالله أقول أنه لما اختلفوا في أحكام التوحيد وذكر الأسماء والصفات على خلاف منهج المتقدمين من الصحابة والتابعين، فخاض في ذلك من لم يعرفوا بعلم الآثار، ولم يعقلوا قولهم بذكر الأخبار، وصار معولهم على أحكام هوى حسن النفس المستخرجة من سوء الظن به([80]) على مخالفة السنة، والتعلق منهم بآيات لم يسعدهم فيها ما وافق النفوس، فتأولوا على ما وافق هواهم وصححوا بذلك مذاهبهم، احتجت إلى الكشف عن صفة المتقدمين، ومأخذ المؤمنين، ومنهاج الأولين؛ خوفا من الوقوع في جملة أقاويلهم التي حذر رسول الله r أمته ومنع المستجيبين له حتى حذرهم.

ثم ذكر أبو عبد الله خروج النبي r وهم يتنازعون في القدر وغضبه، وحديث «لألفين أحدكم» وحديث «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» وأن الناجية ما كان عليه هو وأصحابه.

ثم قال: فلزم الأمةَ قاطبة معرفةُ ما كان عليه الصحابة،([81]) ولم يكن الوصول إليه إلا من جهة التابعين لهم بإحسان المعروفين بنقل الأخبار ممن لا يقبل المذاهب المحدثة، فيتصل ذلك قرنا بعد قرن ممن عرفوا بالعدالة والأمانة، الحافظين على الأمة ما لهم وما عليهم من إثبات السنة.

إلى أن قال: فأول ما نبتدئ به ما أوردنا هذه المسألة من أجلها، ذكر أسماء الله عز وجل وصفاته مما ذكر الله في كتابه، وما بين r من صفاته في سنته، وما وصف به عز وجل نفسه مما سنذكر قول القائلين بذلك مما لا يجوز لنا في ذلك أن نرده إلى أحكام عقولنا بطلب الكيفية بذلك ومما قد أُمرنا بالاستسلام له. ([82])

إلى أن قال: ثم إن الله تعرف إلينا بعد إثبات الوحدانية، والإقرار بالألوهية: إن ذكر تعالى في كتابه بعد التحقيق، بما بدأ من أسمائه وصفاته، وأكده عليه السلام بقوله، فقبلوا منه كقبولهم لأوائل التوحيد من ظاهر قوله لا إله إلا الله.

إلى أن قال بإثبات نفسه بالتفصيل من المجمل، فقال لموسى عليه السلام ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾[طه:41]، وقال ﴿وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾[ آل عمران:28 و30.].

ولصحة ذلك، واستقرار ما جاء به المسيح عليه السلام فقال ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾[المائدة:116].

وقال عز وجل ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾[الأنعام:54]، وأكد عليه السلام صحة إثبات ذلك في سنته فقال يقول الله عز وجل «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي».

وقال «كتب كتابا بيده على نفسه أن رحمتي غلبت غضبي»، وقال «سبحان الله رضي نفسه» وقال في محاجة آدم لموسى «أنت الذي اصطفاك الله واصطنعك لنفسه».

فقد صرح بظاهر قوله أنه أثبت لنفسه نفسا، وأثبت له الرسول ذلك؛ فعلى من صدق الله ورسوله اعتقاد ما أخبر الله به عن نفسه، ويكون ذلك مبنيا على ظاهر قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾[الشورى:11]. ([83])

ثم قال فعلى المؤمنين خاصتهم وعامتهم قبول كل ما ورد عنه عليه السلام بنقل العدل عن العدل حتى يتصل به r، وأن مما قضى الله علينا في كتابه ووصف به نفسه ووردت السنة بصحة ذلك أن قال ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ثم قال عقيب ذلك ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾[النور:35]، وبذلك دعاه r «أنت نور السموات والأرض»، ثم ذكر حديث أبي موسى «حجابه النور -أو النار- لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» وقال (سُبحات وجهه) جلاله ونوره، نقله عن الخليل وأبي عبيد، وقال: قال عبد الله بن مسعود: نور السموات نور وجهه.([84]) ([85])

ثم قال: ومما ورد به النص أنه حي، وذكر قوله تعالى ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾[البقرة:255] والحديث «يا حي يا قيوم برحمتك استغيث».

قال ومما تعرف الله إلى عباده أنْ وصف نفسه أن له وجها موصوفا بالجلال والإكرام فأثبت لنفسه وجها، وذكر الآيات.

ثم ذكر حديث أبي موسى المتقدم فقال في هذا الحديث مِن أوصاف الله عز وجل (لا ينام) موافق لظاهر الكتاب ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾[البقرة:255]، وأن له وجها موصوفا بالأنوار وأن له بصرا كما علمنا في كتابه أنه سميع بصير.

ثم ذكر الأحاديث في إثبات الوجه, وفي إثبات السمع والبصر, والآيات الدالة على ذلك.

ثم قال: ثم إن الله تعالى تعرف إلى عباده المؤمنين, وأنه قال: له يدان قد بسطهما بالرحمة. وذكر الأحاديث في ذلك, ثم ذكر شعر أمية بن أبي الصلت, ثم ذكر حديث: «يلقى في النار وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع فيها رجلَه»([86]) وهي رواية البخاري وفي رواية أخرى «يضع عليها قدمه».

ثم ما رواه مسلم البَطين عن ابن عباس: أنَّ الكرسي موضع القدمين. وأن العرش لا يقدر قدره إلا الله, وذكر قول مسلم البطين نفسَه, وقول السدي, وقول وهب بن منبه, وأبي مالك, وبعضهم يقول: موضع قدميه. وبعضهم يقول: واضع رجليه عليه.

ثم قال: فهذه الروايات قد رويت عن هؤلاء من صدر هذه الأمة موافقة لقول النبي r متداولة في الأقوال و محفوظة في الصدر، ولا ينكر خلف عن السلف، ولا ينكر عليهم أحد من نظرائهم, نقلتها الخاصة والعامة مدونة في كتبهم، إلى أن حدث في آخر الأمة من قلل الله عددهم ممن حذرنا رسول الله r عن مجالستهم ومكالمتهم, وأمرنا أن لا نعود مرضاهم, ولا نشيع جنائزهم, فقصد هؤلاء إلى هذه الروايات فضربوها بالتشبيه وعمدوا إلى الأخبار فعملوا في دفعها إلى أحكام المقاييس, وكَفَّروا المتقدمين, وأنكروا على الصحابة والتابعين وردوا على الأئمة الراشدين فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل. ([87])

ثم ذكر المأثور عن ابن عباس, وجوابَه لنجدة الحروري؛ ثم حديث الصورة وذكر أنه صنف فيه كتابا مفردا, واختلاف الناس في تأويله.

ثم قال: وسنذكر أصول السنة وما ورد من الاختلاف فيما نعتقده فيما خالفنا فيه أهل الزيغ, وما وافقنا فيه أصحاب الحديث من المثبتة -إن شاء الله-.

ثم ذكر الخلاف في الإمامة واحتج عليها, وذكر اتفاق المهاجرين والأنصار على تقديم الصديق وأنه أفضل الأمة.

ثم قال: وكان الاختلاف في خلق الأفعال, هل هي مقدَّرة أم لا؟ قال: وقولنا فيها أنَّ أفعال العباد مقدرة معلومة وذكر إثبات القدر.

ثم ذكر الخلاف في أهل الكبائر ومسألة الأسماء والأحكام، وقال: قولنا فيها أنهم مؤمنون على الإطلاق, وأمرهم إلى الله, إن شاء عذبهم, وإن شاء عفا عنهم.

وقال: أصل الإيمان موهبة يتولد منها أفعال العباد فيكون أصل التصديق والإقرار والأعمال, ([88]) وذكر الخلاف في زيادة الإيمان ونقصانه، وقال: قولنا إنه يزيد وينقص. قال: ثم كان الاختلاف في القرآن مخلوقا وغير مخلوق، فقولنا وقول أئمتنا أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأنه صفة الله منه بدأ قولا، وإليه يعود حكما.

ثم ذكر الخلاف في الرؤية وقال: قولنا وقول أئمتنا فيما نعتقد أنَّ الله يُرى في القيامة، وذكر الحجة.

ثم قال: اعلم رحمك الله أني ذكرت أحكام الاختلاف على ما ورد من ترتيب المحدثين في كل الأزمنة. وقد بدأت أن أذكر أحكام الجمل([89]) من العقود، فنقول ونعتقد أنَّ الله عز وجل له عرش، وهو على عرشه فوق سبع سمواته([90]) بكل أسمائه وصفاته، كما قال ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5]، و﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾[السجدة:5]، ولا نقول أنه في الأرض كما هو في السماء على عرشه؛ لأنه عالم بما يجرى على عباده ثم يعرج إليه.

إلى أن قال: ونعتقد أن الله تعالى خلق الجنة والنار، وأنهما مخلوقتان للبقاء([91]) لا للفناء.

إلى أن قال: ونعتقد أن النبي r عرج بنفسه إلى سدرة المنتهى.

إلى أن قال: ونعتقد أن الله قبض قبضتين فقال «هؤلاء للجنة وهؤلاء للنار».

ونعتقد أن للرسول r حوضا، ونعتقد أنه أول شافع وأول مشفَّع، وذكر الصراط، والميزان، والموت، وأن المقتول قُتل بأجله([92])، واستوفى رزقه.

إلى أن قال: ومما نعتقد أنَّ الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، فيبسط يده فيقول «ألا هل من سائل» الحديث، وليلة النصف من شعبان،([93]) وعشية عرفة، وذكر الحديث في ذلك. قال: ونعتقد أن الله تعالى كلم موسى تكليما، واتخذ إبراهيم خليلا، وأن الخلة غير الفقر، لا كما قال أهل البدع.

ونعتقد أنّ الله تعالى خص محمدا r بالرؤية، واتخذه خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا.

ونعتقد أن الله تعالى اختص بمفاتح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾[لقمان:34]الآية.

ونعتقد المسح على الخفين ثلاثا للمسافر ويوما وليلة للمقيم.

ونعتقد الصبر على السلطان من قريش([94]) ما كان من جور أو عدل، ما أقام الصلاة من الجمع والأعياد، والجهاد معهم ماض إلى يوم القيامة، والصلاة في الجماعة حيث ينادى لها واجب إذا لم يكن عذر أو مانع، والتراويح سنة، ونشهد أن من ترك الصلاة عمدا فهو كافر، والشهادة والبراءة([95]) بدعة، والصلاة على من مات من أهل القبلة سنة، ولا ننزل أحدا جنة ولا نارا حتى يكون الله ينزلهم،([96]) والمراء والجدال في الدين بدعة.

ونعتقد أن ما شجر بين أصحاب رسول الله r أمرهم إلى الله، ونترحم على عائشة ونترضى عنها([97]).

والقول في اللفظ والملفوظ؛ وكذلك في الاسم والمسمى بدعة، ([98]) والقول في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق بدعة، واعلم أني ذكرت اعتقاد أهل السنة على ظاهر ما ورد عن الصحابة والتابعين مجملا من غير استقصاء، إذْ تقدم القول من مشائخنا المعروفين من أهل الإبانة والديانة إلا إني أحببت أن أذكر عقود أصحابنا المتصوفة فيما أحدثته طائفة نسبوا إليهم ما قد تخرصوا من القول بما نزه الله تعالى المذهب وأهله من ذلك.

إلى أن قال: وقرأت لمحمد بن جرير الطبري في كتاب سماه التبصير، كتب بذلك إلى أهل طبرستان في اختلاف عندهم؛ وسألوه أن يصنف لهم ما يعتقده ويذهب إليه فذكر في كتابه اختلاف القائلين برؤية الله تعالى؛ فذكر عن طائفة إثبات الرؤية في الدنيا والآخرة.

ونسب هذه المقالة إلى الصوفية قاطبة، لم يخص طائفة، فبين أن ذلك على جهالة منه بأقوال المخلصين منهم، وكان من نسب إليه ذلك القول -بعد أن ادعى على الطائفة- ابن أخت عبد الواحد بن زيد، والله أعلم محله عند المخلصين، فكيف بابن أخته، وليس إذا أحدث الزائغ في نحلته قولا نسب إلى الجملة؛ كذلك في الفقهاء والمحدثين ليس من أحدث قولا في الفقه، وليس فيه حديث يناسب ذلك ينسب ذلك إلى جملة الفقهاء والمحدثين.

وأعلم أنّ ألفاظ الصوفية وعلومهم تختلف، فيطلقون ألفاظهم على موضوعات لهم، ومرموزات وإشارات تجري فيما بينهم، فمن لم يداخلهم على التحقيق، ونازل ما هم عليه رجع عنهم وهو خاسئا وهو حسير.

ثم ذكر إطلاقهم لفظ الرؤية بالتقييد. فقال: كثيرا ما يقولون: رأيت الله يقول. وذكر عن جعفر بن محمد قوله لما سئل هل رأيت الله حين عبدته؟ قال: رأيت الله ثم عبدته. فقال السائل: كيف رأيته؟ فقال: لم تره الأبصار بتحديد الأعيان، ولكن رؤية القلوب بتحقيق الإيقان.

ثم قال: وإنه تعالى يرى في الآخرة كما أخبر في كتابه وذكره رسوله r.

هذا قولنا وقول أئمتنا دون الجهال من أهل الغباوة فينا.

وأن مما نعتقده أن الله حرم على المؤمنين دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وذكر ذلك في حجة الوداع. فمن زعم أنه يبلغ مع الله إلى درجة يبيح الحق له ما حظر على المؤمنين -إلا المضطر على حال يلزمه أحياء للنفس- لو بلغ العبد ما بلغ من العلم والعبادات فذلك كفر بالله، والقائل ذلك قائل بالإباحة وهم المنسلخون من الديانة.

وأن مما نعتقده ترك إطلاق تسمية العشق على الله تعالى؛ وبيَّن أن ذلك لا يجوز لاشتقاقه، ولعدم ورود الشرع به، وقال: أدنى ما فيه أنه بدعة وضلالة، وفيما نص الله من ذكر المحبة كفاية.([99])

وأن مما نعتقده أنَّ الله لا يحل في المرئيات، وأنَّه المتفرد بكمال أسمائه وصفاته، بائن من خلقه، مستو على عرشه، وأن القرآن كلامه غير مخلوق، حيث ما تلا ودرس وحفظ.

ونعتقد أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلا، واتخذ نبينا محمدا r خليلا وحبيبا، والخلة لهما منه على خلاف ما قاله المعتزلة إن الخلة الفقر والحاجة.

إلى أن قال: والخلة والمحبة صفتان لله هو موصوف بهما ولا تدخل أوصافه تحت التكييف والتشبيه، وصفات الخلق من المحبة والخلة جائز عليها الكيف، فأما صفاته تعالى فمعلومة في العلم، وموجودة في التعريف، قد انتفى عنهما التشبيه، فالإيمان به واجب، واسم الكيفية عن ذلك ساقط. ([100])

ومما نعتقده أنّ الله أباح المكاسب والتجارات والصناعات وإنما حرم الله الغش والظلم، وأما من قال بتحريم تلك المكاسب فهو ضال مضل مبتدع؛ إذْ ليس الفساد والظلم والغش من التجارات والصناعات في شيء، إنما حرم الله ورسوله الفساد لا الكسب والتجارات، فإن ذلك على أصل الكتاب والسنة جائز إلى يوم القيامة.

وأن مما نعتقد أن الله لا يأمر بأكل الحلال ثم يعدمهم الوصول إليه من جميع الجهات؛ لأن ما طالبهم به موجود إلى يوم القيامة، والمعتقد أنَّ الأرض تخلو من الحلال، والناس يتقبلون في الحرام فهو مبتدع ضال، إلا أنه يقل في موضع ويكثر في موضع؛ لا أنه مفقود من الأرض.([101])

ومما نعتقده إنا إذا رأينا مَنْ ظاهره جميل لا نتهمه في مكسبه وماله وطعامه، جائز أن يؤكل طعامه، والمعاملة في تجارته، فليس علينا الكشف عما قاله، فإن سأل سائل على سبيل الاحتياط جاز إلا من داخل الظَّلَمة.

ومن ينزع عن الظلم وأخذ الأموال بالباطل ومعه غير ذلك: فالسؤال والتوقي؛ كما سأل الصديق غلامه، فإن كان معه من المال سوى ذلك مما هو خارج عن تلك الأموال فاختلطا، فلا يطلق عليه الحلال ولا الحرام، إلا أنه مشتبه؛ فمن سأل استبرأ لدينه كما فعل الصديق، وأجاز ابن مسعود وسلمان الأكل منه وعليه التبعة. والناس طبقات والدين الحنيفية السمحة.([102])

وأن مما نعتقد أن العبد ما دام أحكام الدار جاريةً عليه فلا يسقط عنه الخوف والرجاء، وكل من ادعى الأمن فهو جاهل بالله، وبما أخبر به عن نفسه ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾[الأعراف:99]، وقد أفردت كشف عوار كل من قال بذلك.

ونعتقد أن العبودية لا تسقط عن العبد ما عقَل وعلِم ما له وما عليه، فيبقى على أحكام القوة والاستطاعة؛ إذ لم يسقط الله ذلك عن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ومن زعم أنه قد خرج عن رق العبودية إلى فضاء الحرية بإسقاط العبودية والخروج إلى أحكام الأَحدية المُسْدِية بعلائق الآخرية, فهو كافر لا محالة, إلا من اعتراه علة, أو رأفة؛ فصار معتوها. أو مجنونا, أو مبرسما، وقد اختلط عقله, أو لحقه غشية يرتفع عنه بها أحكام العقل, وذهب عنه التمييز والمعرفة؛ فذلك خارج عن الملة مفارق للشريعة.

ومن زعم الإشراف على الخلق يعلم مقاماتهم ومقدارهم عند الله بغير الوحي المنزل من قول رسول الله r فهو خارج عن الملة, ومن ادعى أنه يعرف مآل الخلق ومنقلبهم و على ماذا يموتون عليه ويختم لهم, بغير الوحي من قول الله وقول رسوله r فقد باء بغضب من الله.([103])

والفراسة حق على أصول ما ذكرناه, وليس ذلك مما رسمناه في شيء.

ومن زعم أن صفاته تعالى بصفاته ويشير في ذلك إلى غير آية العظمة والتوفيق والهداية وأشار إلى صفاته عز وجل القديمة: فهو حلولي قائل باللاهوتية والالتحام, وذلك كفر لا محالة. ([104])

ونعتقد أن الأرواح كلها مخلوقة. ومن قال إنها غير مخلوقة فقد ضاهى قول النصارى –النسطورية- في المسيح, وذلك كفر بالله العظيم([105]).

ومن قال: إن شيئا من صفات الله حال في العبد, أو قال بالتبعيض على الله فقد كفر؛ والقرآن كلام الله ليس بمخلوق ولا حال في مخلوق, وأنه كيفما تُلي وقرئ وحفظ: فهو صفة الله عز وجل وليس الدرس من المدروس, ولا التلاوة من المتلو, لأنه عز وجل بجميع صفاته وأسمائه غير مخلوق, ومن قال بغير ذلك فهو كافر.

ونعتقد: أن القراءة الملحنة بدعة وضلالة. ([106])

وأن القصائد بدعة, ومجراها على قسمين: فالحسن من ذلك من ذكر آلاء الله ونعمائه, وإظهار نعت الصالحين وصفة المتقين, فذلك جائز, وتركه والاشتغال بذكر الله والقرآن والعلم أولى به, وما جرى على وصف المرئيات, ونعت المخلوقات, فاستماع ذلك على الله كفر, واستماع الغناء والربعيات على الله كفر, والرقص بالإيقاع ونعت الرقاصين على أحكام الدين فسق, وعلى أحكام التواجد والغناء لهو ولعب.

وحرام على كل من يسمع القصائد والربعيات الملحنة الجائي بين أهل الأطباع على أحكام الذكر, إلا لمن تقدم له العلم بأحكام التوحيد, ومعرفة أسمائه وصفاته, وما يضاف إلى الله تعالى من ذلك وما لا يليق به عز وجل مما هو منزه عنه فيكون استماعه كما قال ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾[الزمر:18] الآية.

وكل من جهِل ذلك وقصد استماعه على الله على غير تفصيله فهو كفر لا محالة، فكل من جمع القول وأصغى بالإضافة إلى الله فغير جائز إلا لمن عرف بما وصفت من ذكر الله ونعمائه، وما هو موصوف به عز وجل مما ليس للمخلوقين فيه نعت ولا وصف بل ترْك ذلك أولى وأحوط، والأصل في ذلك أنها بدعة، والفتنة فيها غير مأمونة، على استماع الغناء و الربعيات بدعة، وذلك مما أنكره المطلبي ومالك والثوري ويزيد بن هارون وأحمد بن حنبل وإسحاق، والإقتداء بهم أولى من الإقتداء بمن لا يُعرفون في الدين، ولا لهم قَدَم عند المخلصين.

وبلغني أنه قيل لبشر بن الحارث: إنّ أصحابك قد أحدثوا شيئا يقال له القصائد، قال: مثل أيش؟([107]) قال: مثل قوله:

اصبري يا نفس حتى تسكني دار الجليل

فقال: حسن، وأين يكون هؤلاء الذين يستمعون ذلك؟ قال: قلت: ببغداد. فقال: كذبوا والله الذي لا إله غيره، لا يسكن ببغداد من يستمع ذلك.

قال أبو عبد الله: ومما نقول -وهو قول أئمتنا- إن الفقير إذا احتاج وصبر ولم يتكفف إلى وقت يفتح الله له كان أعلى، فمن عجز عن الصبر كان السؤال أولى به على قوله r «لأن يأخذ أحدكم حبله» الحديث.

ونقول إن ترك المكاسب غير جائز إلا بشرائط موسومة من التعفف والاستغناء عما في أيدي الناس، ومن جعل السؤال حرفة وهو صحيح، فهو مذموم في الحقيقة خارج.

ونقول: إنّ المستمع إلى الغناء والملاهي فإن ذلك كما قال عليه السلام «الغناء ينبت النفاق في القلب»، وإن لم يكفر فهو فسق لا محالة.

والذي نختار: قول أئمتنا: إن ترك المراء في الدين، والكلام في الإيمان مخلوق أو غير مخلوق، ومن زعم أن الرسول r واسط يؤدي وأن المرسل إليهم أفضل: فهو كافر بالله، ومن قال بإسقاط الوسائط على الجملة فقد كفر.ا.هـ([108])

ومن متأخريهم الشيخ الإمام أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني، قال في كتاب الغنية: أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار فهو أن يعرف ويتيقن أن الله واحد أحد.

إلى أن قال: وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾[فاطر:10]، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾[السجدة:5]، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان؛ بل يقال: إنه في السماء على العرش كما قال ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5].

وذكر آيات وأحاديث إلى أن قال: وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش. قال: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف. وذكر كلاما طويلا لا يحتمله هذا الموضع، وذكر في سائر الصفات نحو هذا.

ولو ذكرتُ ما قاله العلماء في هذا لطال الكتاب جدا.

قال أبو عمر بن عبد البر: رَوينا عن مالك بن أنس وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة والأوزاعي ومعمر بن راشد في أحاديث الصفات أنهم كلهم قالوا: أمروها كما جاءت. قال أبو عمر: ما جاء عن النبي r من نقل الثقات، أو جاء عن أصحابه رضي الله عنهم فهو علم يُدان به؛ وما أُحدث بعدهم ولم يكن له أصلٌ فيما جاء عنهم فهو بدعة وضلالة.

وقال في شرح الموطأ لما تكلم على حديث النزول قال: هذا حديث ثابت النقل، صحيح من جهة الإسناد، ولا يختلف أهل الحديث في صحته، وهو منقول من طرق سوى هذه، من أخبار العدول عن النبي r، وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش استوى من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة في قولهم: إن الله تعالى في كل مكان بذاته المقدسة.

قال: والدليل على صحة ما قال أهل الحق قول الله -وذكر بعض الآيات-.

إلى أن قال: وهذا أشهر وأعرف عند العامة والخاصة من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم.

وقال أبو عمر بن عبد البر أيضا: أجمع علماء الصحابة والتابعون الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾[المجادلة:7]، هو على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك من يحتج بقوله.

وقال أبو عمر أيضا أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز؛ إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدّون فيه صفة محصورة.

وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج: فكلهم ينكرونها ولا يحملون شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون: بما نطق به كتاب الله وسنة رسول الله r وهم أئمة الجماعة.

هذا كلام ابن عبد البر إمام أهل المغرب.([109])

وفي عصره الحافظ أبو بكر البيهقي مع توليه للمتكلمين من أصحاب أبي الحسن الأشعري، وذبه عنهم، قال في كتابه الأسماء والصفات: باب ما جاء في إثبات اليدين صفتين لا من حيث الجارحة لورود خبر الصادق به، قال الله تعالى ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، وقال ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾[المائدة:64].

وذكر الأحاديث الصحاح في هذا الباب، مثل قوله في غير حديث؛ من حديث الشفاعة «يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده»، ومثل قوله في الحديث المتفق عليه «أنت موسى اصطفاك الله بكلامه، وخط لك الألواح بيده» وفي لفظ «وكتب لك التوراة بيده»، ومثل ما في صحيح مسلم أنه سبحانه «غرس كرامة أوليائه في جنة عدن بيده»، ومثل قوله r «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها بيده كما يكتفؤ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة».

وذكر أحاديث مثل قوله «بيدي الأمر»، «والخير في يديك»، «والذي نفس محمد بيده»، و«إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل»، وقوله «المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين»، وقوله «يطوى الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟»، وقوله «يمين الله ملآ لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار،([110]) أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه وعرشه على الماء، وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع». وكل هذه الأحاديث في الصحاح.

وذكر أيضا قوله «إن الله لما خلق آدم قال له ويداه مقبوضتان إختر أيهما شئت. قال: اخترت يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين مباركة». وحديث «إن الله لما خلق آدم مسح على ظهره بيده» إلى أحاديث أخر ذكرها من هذا النوع.

ثم قال البيهقي: أما المتقدمون من هذه الأمة فإنهم لم يفسروا ما كتبنا من الآيات والأخبار في هذا الباب؛ وكذلك قال في الاستواء على العرش وسائر الصفات الخبرية مع أنه يحكى قول بعض المتأخرين.([111])

وقال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطال التأويل: لا يجوز رد هذه الأخبار ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله، لا تشبه صفات سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها؛ لكن على ما روى عن الإمام أحمد وسائر الأئمة.

وذكر بعض كلام الزهري، ومكحول، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وسفيان بن عيينة، والفضيل بن عياض، ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، والأسود بن سالم، وإسحاق بن راهوية، وأبي عبيد، ومحمد بن جرير الطبري، وغيرهم في هذا الباب. وفي حكاية ألفاظهم طول.

إلى أن قال: ويدل على إبطال التأويل: أنّ الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفوها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغا لكانوا أسبق إليه لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة.

وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتكلم، صاحب الطريقة المنسوبة إليه في الكلام في كتابه الذي صنفه في اختلاف المصلين، ومقالات الإسلاميين، وذكر فرق الروافض والخوارج والمرجئة والمعتزلة وغيرهم.

ثم قال مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث جملة: قول أصحاب الحديث وأهل السنة: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وبما جاء عن الله تعالى، وما رواه الثقات عن رسول الله r، لا يردون شيئا من ذلك، وأن الله واحد احد فرد صمد لا إله غيره، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله على عرشه كما قال ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5]، وأن له يدين بلا كيف كما قال ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، وكما قال ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾[المائدة:64]، وأن له عينين بلا كيف كما قال ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾[القمر:14]، وأن له وجها كما قال ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾[الرحمن: 27].

وأن أسماء الله تعالى لا يقال إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج، وأقروا أن لله علما كما قال ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾[النساء:166]، وكما قال ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾[فاطر:11]، وأثبتوا له السمع والبصر ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة؛ وأثبتوا لله القوة كما قال ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾[فصلت:15]، وذكر مذهبهم في القدر.

إلى أن قال: ويقولون أن القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في اللفظ والوقف من قال باللفظ وبالوقف فهو مبتدع عندهم، لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال غير مخلوق.

ويقرون أنّ الله يُرى بالأبصار يوم القيامة، كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون، ولا يراه الكافرون لأنهم عن الله محجوبون، قال عز وجل ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾[المطففين:15].

وذكر قولهم في الإسلام والإيمان والحوض والشفاعة وأشياء. ([112])

إلى أن قال: ويقرون بأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا يقولون مخلوق، ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار.

إلى أن قال: وينكرون الجدل والمراء في الدين والخصومة والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل، ويتنازعون فيه من دينهم، ويسلمون للروايات الصحيحة، كما جاءت به الآثار الصحيحة التي جاءت بها الثقات عدل عن عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله r؛ لا يقولون كيف ولا لم؟ لأن ذلك بدعة عندهم.

إلى أن قال: ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال تعالى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾[الفجر:22]، وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾[ق:16]. ([113])

إلى أن قال: ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة، والتشاغل بقراءة القرآن، وكتابة الآثار، والنظر في الآثار والنظر في الفقه مع الاستكانة والتواضع، وحسن الخلق مع بذل المعروف، وكف الأذى وترك الغيبة والنميمة والشكاية، وتفقد المآكل والمشارب. قال: فهذه جملة ما يأمرون به، ويستسلمون إليه، ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله وهو المستعان.([114])

وقال الأشعري أيضا في اختلاف أهل القبلة في العرش: فقال قال أهل السنة وأصحاب الحديث إن الله ليس بجسم ولا يشبه الأشياء، وأنه استوى على العرش كما قال ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5]، ولا نتقدم بين يدي الله في القول؛ بل نقول استوى بلا كيف، وأن له واجها كما قال ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾[الرحمن:127]، وأن له يدين كما قال ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، وأن له عينين كما قال ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾[القمر:14]، وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾[الفجر:22]([115]) وأنه ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث، ولم يقولوا شيئا إلا ما وجدوه في الكتاب أو جاءت به الرواية عن رسول الله r.

وقالت المعتزلة: إن الله استوى على العرش بمعنى استولى وذكر مقالات أخرى.

وقال أيضا أبو الحسن الأشعري في كتابه الذي سماه الإبانة في أصول الديانة -وقد ذكر أصحابه أنه آخر كتاب صنفه- وعليه يعتمدون في الذب عنه عند من يطعن عليه، فقال: فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة. فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرِّفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون.

قيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها؛ التمسك بكلام ربنا وسنة نبينا، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل – رحمه الله تعالى نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته- قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل؛ الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين؛ فرحمة الله عليه من إمام مقدم وجليل معظم وكبير مفهَّم.

وجملة قولنا: أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبما جاءوا به من عند الله، وبما رواه الثقات عن رسول الله r، لا نردّ من ذلك شيئا؛ وأن الله واحد لا إله إلا هو فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله، وأن الجنة حق والنار حق، وأن الساعة آتية، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله مستو على عرشه كما قال ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5]، وأن له وجها كما قال ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾[الرحمن:127]، وأن له يدين بلا كيف كما قال ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، وكما قال ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾[المائدة:64]، وأن له عينين بلا كيف كما قال ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾[القمر:14].

وأنَّ من زعم أن أسماء الله غيرُه كان ضالا -وذكر نحوا مما ذكر في الفِرَق-.

إلى أن قال: ونقول إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيمانا، وندين بأن الله يقلب القلوب بين إصبعين من أصابع الله عز وجل،([116]) وأنه عز وجل يضع السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، كما جاءت الرواية الصحيحة عن رسول الله r.

إلى أن قال: وإن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة عن رسول الله r، التي رواها الثقات عدلا عن عدل([117]) حتى ينتهي إلى رسول الله r.

إلى أن قال: ونصدق بجميع الروايات التي أثبتها أهل النقل من النزول إلى سماء الدنيا، وأن الرب عز وجل يقول: «هل من سائل؟ هل من مستغفر؟» وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافا لما قال أهل الزيغ والتضليل.

ونعوِّل فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع المسلمين وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله ما لم يأذن لنا به، ولا نقول على الله ما لا نعلم، ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة كما قال ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾[الفجر:22]. ([118])

وأن الله يقرب من عباده كيف شاء كما قال ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾[ق:16]، وكما قال ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى(8)فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾[8-9].

إلى أن قال: وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي مما لم نذكره بابا بابا. ثم تكلم على أن الله يُرى واستدل على ذلك، ثم تكلم على أن القرآن غير مخلوق واستدل على ذلك، ثم تكلم على من وقف في القرآن وقال: لا أقول أنه مخلوق ولا غير مخلوق، ورد عليه.

ثم قال: باب ذكر الاستواء على العرش.

فقال: إن قال قائل ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول إن الله مستو على عرشه كما قال ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5]، وقال تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾[فاطر:10]، وقال تعالى ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾[النساء:158]، وقال تعالى ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾[السجدة:5]، وقال تعالى حكايةً عن فرعون ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ(36)أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾[غافر:36-37]، كذب موسى في قوله إن الله فوق السموات، وقال تعالى ﴿ءَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ﴾[الملك:16]، فالسموات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السموات قال (ءَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ)؛ لأنه مستو على العرش الذي هو فوق السموات، وكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السموات، وليس إذا قال (ءَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) يعني جميع السموات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات، ألا ترى أن الله عز وجل ذكر السموات فقال تعالى ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ﴾[نوح:16]، ولم يرد أن القمر يملؤهن وأن فيهن جميعا.

ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله على عرشه الذي هو فوق السموات، فلولا أن الله على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطونها إذا دعوا إلى الأرض. ([119])

ثم قال: فصل: وقد قال القائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية أن معنى قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5] أنه استولى وملك وقهر، وأن الله عز وجل في كل مكان وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة، لأن الله قادر على كل شيء، والأرض فالله قادر عليها وعلى الحشوش وعلى كل ما في العالم، فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء -وهو عز وجل مستول على الأشياء كلها- لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار؛ لأنه قادر على الأشياء مستول عليها، وإذا كان قادرا على الأشياء كلِّها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله مستو على الحشوش([120]) والأخلية. لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص العرش دون الأشياء كلها.

وذكر دلالات من القرآن والحديث والإجماع والعقل.([121])

ثم قال: باب الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين.

وذكر الآيات في ذلك، ورد على المتأولين لها بكلام طويل لا يتسع هذا الموضع لحكايته، مثل قوله: فإن سئلنا أتقولون لله يدان؟ قيل نقول ذلك، وقد دل عليه قوله تعالى ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾[الفتح:10]، وقوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، وروى عن النبي r أنه قال«إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته»، وقد جاء في الخبر المذكور عن النبي r «أن الله خلق آدم بيده وخلق جنة عدن بيده وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده».

وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيدي ويريد بها النعمة، وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها، وما يجري مفهوما في كلامها، ومعقولا في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل البيان أن يقول القائل: فعلت كذا بيدي ويعني بها النعمة، بطل أن يكون معنى قوله تعالى (بِيَدَيَّ) النعمة.

وذكر كلاما طويلا في تقرير هذا ونحوه.([122])

وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقِلاَني([123]) المتكلم -وهو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري؛ ليس فيهم مثله لا قبله ولا بعده- قال في كتاب الإبانة تصنيفه: فإن قال قائل: فما الدليل على أن لله وجها ويدا؟ قيل له: قوله ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾[الرحمن:127]، وقوله تعالى ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، فأثبت لنفسه وجها ويدا.

فإن قال: فلم أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة إن كنتم لا تعقلون وجها ويدا إلا جارحة؟ قلنا: لا يجب هذا كما لا يجب إذا لم نعقل حيا عالما قادرا إلا جسما أن نقضي نحن وأنتم بذلك على الله سبحانه وتعالى، وكما لا يجب في كل شيء كان قائما بذاته أن يكون جوهرا؛ لأنّا وإياكم لم نجد قائما بنفسه في شاهدنا إلا كذلك، وكذلك الجواب لهم، إن قالوا يجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفات ذاته عرَضا واعتلوا بالوجود، وقال: فإن قال: فهل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل له معاذ الله؛ بل مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5]، وقال الله تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾[فاطر:10]، وقال ﴿ءَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾[الملك:16].

قال: ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه والحشوش والمواضع التي يُرغب عن ذكرها، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان، ولصحَّ أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا وإلى يميننا وإلى شمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله.([124])

وقال أيضا في هذا الكتاب صفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفا بها وهي الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه والعينان واليدان والغضب والرضا.

وقال في كتاب التمهيد كلاما أكثر من هذا لكن ليست النسخة حاضرة عندي، وكلامه وكلام غيره من المتكلمين في مثل هذا الباب كثير لمن يطلبه، وإن كنا مستغنين بالكتاب والسنة وآثار السلف عن كل كلام. ([125])

وملاك الأمر أن يهب الله للعبد حكمة وإيمانا بحيث يكون له عقل ودين، حتى يفهم ويدين، ثم نور الكتاب والسنة يغنيه عن كل شيء؛ ولكن كثيرا من الناس قد صار متنسبا إلى بعض طوائف المتكلمين، ومحسنا للظن بهم دون غيرهم، ومتوهما أنهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيرهم، فلو أتي بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشيء من كلامهم.

ثم هم مع هذا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لهم، فلو أنهم أخذوا بالهدى الذي يجدونه في كلام أسلافهم لرُجي لهم مع الصدق في طلب الحق أن يزدادوا هدى، ومن كان لا يقبل الحق إلا من طائفة معينة، ثم لا يتمسك بما جاءت به من الحق: ففيه شبه من اليهود الذين قال الله فيهم ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[البقرة:91]. فإنَّ اليهود قالوا: لا نؤمن إلا بما أنزل علينا قال الله تعالى لهم (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم، يقول سبحانه وتعالى لا لما جاءتكم به أنبياؤكم تتبعون، ولا لما جاءتكم به سائر الأنبياء تتبعون، ولكن إنما تتبعون أهواءكم، فهذا حال من لم يقبل الحق، لا من طائفته ولا من غيرها، مع كونه يتعصب لطائفته بلا برهان من الله ولا بيان.([126])

وكذلك قال أبو المعالي الجويني في كتابه الرسالة النظامية:([127]) اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها وإلتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب.

فقال: والذي نرتضيه رأيا وندين الله به عقيدة اتِّباع سلف الأمة، والدليل السمعي القاطع في ذلك إجماع الأمة وهو حجة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة.

وقد درج صحب رسول الله r على ترك التعرض لمعانيها، ودرك ما فيها، وهم صفوة الإسلام، والمستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محتوما: لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل: كان ذلك هو الوجه المتبع، فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزُّه الباري عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب تعالى فليجر آية الاستواء والمجيء وقوله ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾[الرحمن:127]، وقوله ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾[القمر:14]، وما صح من أخبار الرسول r كخبر النزول وغيره على ما ذكرناه. ([128])

قلت: وليعلم السائل أن الغرض من هذا الجواب ذكر ألفاظ بعض الأئمة الذين نقلوا مذهب السلف في هذا الباب، وليس كل من ذكرنا شيئا من قوله من المتكلمين وغيرهم يقول بجميع ما نقوله في هذا الباب وغيره؛ ولكن الحق يقبل من كل من تكلم به، وكان معاذ بن جبل يقول في كلامه المشهور عنه، الذي رواه أبو داوود في سننه: إقبلوا الحق من كل من جاء به وإن كان كافرا -أو قال فاجرا- واحذروا زيغة الحكيم، قالوا: كيف نعلم أن الكافر يقول كلمة الحق؟ قال: إنَّ على الحق نورا. أو قال كلاما هذا معناه.([129])

فأما تقرير ذلك بالدليل، وإماطة ما يعرض من الشبه وتحقيق الأمر على وجه يخلص إلى القلب ما يبرد به من اليقين ويقف على مواقف آراء العباد في هذه المهامه، فما تتسع له هذه الفتوى، وقد كتبت شيئا من ذلك قبل هذا وخاطبت ببعض ذلك بعض من يجالسنا، وربما أكتب إن شاء الله في ذلك ما يحصل به المقصود.([130])

وجِماع الأمر في ذلك أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه، وقصد اتِّباع الحق وأعرض عن تحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسماء الله وآياته.

ولا يحسب الحاسب أنَّ شيئا من ذلك يناقض بعضه بعضا ألبتة؛ مثل أن يقول القائل ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾[الحديد:4].

وقوله r «إذ قام أحدكم إلى الصلاة فإنّ الله قِبل وجهه» ونحو ذلك فإن هذا غلط([131]) وذلك أن الله معنا حقيقة، وهو فوق العرش حقيقة كما جمع الله بينهما في قوله سبحانه وتعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[الحديد:4].

فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شيء وهو معنا أينما كنا، كما قال النبي r في حديث الأوعال «والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه».

وذلك أن كلمة (مَعَ) في اللغة إذا أُطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قُيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنه يقال ما زلنا نسير والقمر معنا أو والنجم معنا، ويقال هذا المتاع معي لمجامعته لك، وإن كان فوق رأسك فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة.

ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا) إلى قوله (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ)، دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها أنه مطَّلِع عليكم، شهيد عليكم، ومهيمن عالم بكم، وهذا معنى قول السلف: إنه معهم بعلمه. وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته.([132])

كذلك في قوله ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ إلى قوله ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾[المجادلة:7]الآية، ولما قال النبي r لصاحبه في الغار«لا تحزن إن الله معنا» كان هذا أيضا حقا على ظاهره، ودلت الحال على أن حكم هذه المعية هنا معية الإطلاع والنصر والتأييد.

وكذلك قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾[النحل:128]، وكذلك قوله لموسى وهارون ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾[طه:46]، هنا المعية على ظاهرها، وحكمها في هذه المواطن النصر والتأييد.

وقد يدخل على صبي من يخيفه فيبكي فيشرف عليه أبوه من فوق السقف فيقول: لا تخف أنا معك، أو أنا هنا، أو أنا حاضر ونحو ذلك. ينبهه على المعية الموجبة بحكم الحال دفع المكروه؛ ففرق بين معنى المعية وبين مقتضاها، وربما صار مقتضاها من معناها، فيختلف باختلاف المواضع.

فلفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع يقتضي في كل موضع أمورا لا يقتضيها في الموضع الآخر، فإما أن تختلف دلالتها بحسب المواضع، أو تدل على قدر مشترك بين جميع مواردها -وإن امتاز كل موضع بخاصية- فعلى التقديرين ليس مقتضاها أن تكون ذات الرب عز وجل مختلطة بالخلق حتى يقال قد صرفت عن ظاهرها.

ونظيرها من بعض الوجوه الربوبية والعبودية، فإنهما وإن اشتركتا في أصل الربوبية والعبودية فلما قال ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ(121)رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾[الأعراف:121-122]، كانت ربوبية موسى وهارون لها اختصاص زائد على الربوبية العامة للخلق، فإن من أعطاه الله من الكمال أكثر مما أعطى غيره: فقد ربَّه وربَّاه ربوبية وتربية أكمل من غيره. ([133])

وكذلك قوله ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾[الإنسان:6] و﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾[الإسراء:1].

فإن العبد تارة يعني به المعبد فيعم الخلق كما في قوله ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾[مريم:93]، وتارة يعنى به العابد فيُخَص، ثم يختلفون فمن كان أعبد علما وحالا، كانت عبوديته أكمل، فكانت الإضافة في حقه أكمل، مع أنها حقيقة في جميع المواضع.

ومثل هذه الألفاظ يسميها بعض الناس مشككة لتشكك المستمع فيها، هل هي من قبيل الأسماء المتواطئة، أو من قبيل المشتركة في اللفظ فقط، والمحققون يعلمون أنها ليست خارجة عن جنس المتواطئة؛ إذْ واضع اللغة إنما وضع اللفظ بإزاء القدْر المشترك، وإن كانت نوعا مختصا من المتواطئة فلا بأس بتخصيصها بلفظ.([134])

ومن علم أن المعية تضاف إلى كل نوع من أنواع المخلوقات -كإضافة الربوبية مثلا- وأنَّ الاستواء على الشيء ليس إلا للعرش، وأن الله يوصف بالعلو والفوقية الحقيقية، ولا يوصف بالسفول ولا بالتحتية قط، لا حقيقة ولا مجازا: علم أن القرآن على ما هو عليه من غير تحريف.

ثم من توهم أن كون الله في السماء بمعنى أن السماء تحيط به وتحويه، فهو كاذب إن نقله عن غيره، وضال إن اعتقده في ربه، وما سمعنا أحدا يفهم هذا من اللفظ، ولا رأينا أحدا نقله عن واحد، ولو سئل سائر المسلمين هل تفهمون من قول الله ورسوله إن الله في السماء أن السماء تحويه؟ لبادر كل أحد منهم إلى أن يقول: هذا شيء لعله لم يخطر ببالنا.

وإذا كان الأمر هكذا فمن التكلف أن يجعل ظاهر اللفظ شيئا محالا لا يفهمه الناس منه، ثم يريد أن يتأوله بل عند الناس إن الله في السماء وهو على العرش واحد، إذْ السماء إنما يراد به العلو، فالمعنى أن الله في العلو لا في السفل، وقد علم المسلمون أن كرسيه سبحانه وتعالى وسع السموات والأرض، وأن الكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وأن العرش خلق من مخلوقات الله لا نسبة له إلى قدرة الله وعظمته، فكيف يتوهم بعد هذا أن خلقا يحصره ويحويه، وقد قال سبحانه ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾[طه:71]، وقال ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾[آل عمران:137] بمعنى على ونحو ذلك، وهو كلام عربي حقيقة لا مجازا، وهذا يعلمه من عرف حقائق معاني الحروف، وأنها متواطئة في الغالب لا مشتركة.([135])

وكذلك قوله r «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قِبل وجهه، فلا يبصق قِبل وجهه» الحديث حق على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش، وهو قبل وجه المصلى؛ بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات؛ فإن الإنسان لو أنه يناجي السماء أو يناجي الشمس والقمر لكانت السماء والشمس والقمر فوقه وكانت أيضا قبل وجهه.

وقد ضرب النبي r المثل بذلك -ولله المثل الأعلى- ولكن المقصود بالتمثيل بيان جواز هذا وإمكانه لا تشبيه الخالق بالمخلوق،([136]) فقال النبي r «ما منكم من أحد إلا سيرى ربه مَخْلِيًّا به» فقال له أبو رَزِين العُقَيْليْ: كيف يا رسول الله وهو واحد ونحن جميع؟ فقال النبي r «سأنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، هذا القمر كلكم يراه مخليا به وهو آية من آيات الله، فالله أكبر» أو كما قال النبي r.

وقال «إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر»، فشبه الرؤية بالرؤية، وإن لم يكن المرئي مشابها للمرئي، فالمؤمنون إذا رأوا ربهم يوم القيامة وناجوه كل يراه فوقه قبل وجهه كما يرى الشمس والقمر، ولا منافاة أصلا.

ومن كان له نصيب من المعرفة بالله والرسوخ في العلم بالله يكون إقراره للكتاب والسنة على ما هما عليه أوكد.([137])

واعلم أن من المتأخرين من يقول: مذهب السلف إقرارها على ما جاءت به مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، وهذا اللفظ مجمل فإن قوله ظاهرها غير مراد، يحتمل أنه أراد بالظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين؛ مثل أن يراد بكون الله قبل وجه المصلي، أنه مستقر في الحائط الذي يصلي إليه، وأن الله معنا ظاهره أنه إلى جانبنا، ونحو ذلك، فلا شك أن هذا غير مراد.

ومن قال: إن مذهب السلف إن هذا غير مراد فقد أصاب في المعنى لكن أخطأ بإطلاق القول بأن هذا ظاهر الآيات والأحاديث، فإن هذا المحال ليس هو الظاهر على ما قد بيناه في غير هذا الموضع، اللهم إلا أن يكون هذا المعنى الممتنع صار يظهر لبعض الناس فيكون القائل لذلك مصيبا بهذا الاعتبار، معذورا في هذا الإطلاق.

فإن الظهور والبطون قد يختلف باختلاف أحوال الناس، وهو من الأمور النسبية، وكان أحسن من هذا أن يبين لمن اعتقد أن هذا هو الظاهر، أن هذا ليس هو الظاهر، حتى يكون قد أعطى كلام الله وكلام رسوله حقه لفظا ومعنى.

وإن كان الناقل عن السلف أراد -بقوله الظاهر غير مراد عندهم- أن المعاني التي ظهرت من هذه الآيات والأحاديث مما يليق بجلال الله وعظمته ولا يختص بصفة المخلوقين، بل هي واجبة لله أو جائزة عليه جوازا ذهنيا، أو جوازا خارجيا: غير مراد، فهذا قد أخطأ فيما نقله عن السلف، أو تعمد الكذب، فما يمكن أحد([138]) قط أن ينقل عن واحد من السلف ما يدل -لا نصا ولا ظاهرا- أنهم كانوا يعتقدون أن الله ليس فوق العرش، ولا أن الله ليس له سمع ولا بصر ولا يد حقيقة.

وقد رأيت هذا المعنى ينتحله بعض من يحكيه عن السلف، ويقولون: إن طريقة أهل التأويل هي في الحقيقة طريقة السلف، بمعنى أن الفريقين اتفقوا على أن هذه الآيات والأحاديث لم تَدُلَّ([139]) على صفات الله سبحانه وتعالى، ولكن السلف أمسكوا عن تأويلها، والمتأخرون رأوا المصلحة في تأويلها، لمسيس الحاجة إلى ذلك، ويقولون: الفرق بين الطريقين أن هؤلاء قد يعينون المراد بالتأويل، وأولئك لا يعينون لجواز أن يراد غيره. ([140])

وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف: أما في كثير من الصفات فقطعا، مثل أن الله تعالى فوق العرش، فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم -الذي لم يحك هنا عشره- علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما اعتقدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم قد صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك.

والله يعلم أني بعد البحث التام ومطالعة ما أمكن من كلام السلف، ما رأيت كلام أحد منهم يدل -لا نصا ولا ظاهرا ولا بالقرائن- على نفي الصفات الخبرية في نفس الأمر؛ بل الذي رأيته أن كثيرا من كلامهم يدل -إما نصا وإما ظاهرا- على تقرير جنس هذه الصفات، ولا أنقل عن كل واحد منهم إثبات كل صفة؛ بل الذي رأيته أنهم يثبتون جنسها في الجملة، وما رأيت أحدا منهم نفاها، وإنما ينفون التشبيه، وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه، مع إنكارهم على من ينفي الصفات أيضا؛ كقول نعيم بن حمّاد الخزاعي شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها.

وكانوا إذا رأوا الرجل قد أغرق في نفي التشبيه من غير إثبات الصفات قالوا: هذا جهمي معطل. وهذا كثير جدا في كلامهم، فإن الجهمية والمعتزلة إلى اليوم يسمون من أثبت شيئا من الصفات مشبها -كذبا منهم وافتراء- حتى إن منهم من غلا ورمى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بذلك، حتى قال ثمامة بن الأشرس من رؤساء الجهمية: ثلاثة من الأنبياء مشبهة موسى حيث قال ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾[الأعراف:135]، وعيسى حيث قال ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾[المائدة:116]، ومحمد r حيث قال «ينزل ربنا».

وحتى إن جل المعتزلة تُدخل عامة الأئمة مثل مالك وأصحابه، والثوري وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وإسحاق بن راهوية، وأبي عبيد، وغيرهم في قسم المشبهة.

وقد صنف أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن درباس الشافعي جزءا سماه تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة، ذكر فيه كلام السلف وغيرهم في معاني هذا الباب، وذكر أن أهل البدع كل صنف منهم يلقب أهل السنة بلقب افتراه، يزعم أنه صحيح على رأيه الفاسد؛ كما أنَّ المشركين كانوا يلقبون النبي بألقاب افتروها.

فالروافض تسميهم نواصب، والقدرية يسمونهم مُجَبِّرَة،([141]) والمرجئة تسميهم شكاكا، والجهمية تسميهم مشبهة، وأهل الكلام يسمونهم حَشْوِية ([142]) ونوابت([143]) وغثاء وغثرا، إلى أمثال ذلك، كما كانت قريش تسمى النبي r تارة مجنونا، وتارة شاعرا، وتارة كاهنا، وتارة مفتريا.

قالوا: فهذه علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامة، فإن السنة هي ما كان عليه رسول الله r وأصحابه اعتقادا واقتصادا وقولا وعملا؛ فكما أن المنحرفين عنه يسمونهم بأسماءٍ مذمومة مكذوبة -وإن اعتقدوا صدقها بناء على عقيدتهم الفاسدة-، فكذلك التابعون له على بصيرة الذين هم أولى الناس به في المحيا والممات باطنا وظاهرا.

وأما الذين وافقوه ببواطنهم وعجزوا عن إقامة الظواهر، والذين وافقوه بظواهرهم وعجزوا عن تحقيق البواطن، والذين وافقوه ظاهرا وباطنا بحسب الإمكان: فلابد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيهم نقصا يذمونهم به، ويسمونهم بأسماء مكذوبة -وإن اعتقدوا صدقها- كقول الرافضي: من لم يبغض أبا بكر t وعمر فقد أبغض عليا؛ لأنه لا وَلاية([144]) لعلي إلا بالبراءة منهما. ثم يجعل من أحب أبا بكر وعمر ناصبيا، بناء على هذه الملازمة الباطلة التي اعتقدها صحيحة أو عاند فيها وهو الغالب.

وكقول القدري: من اعتقد أن الله أراد الكائنات وخلق أفعال العباد: فقد سلب من العباد الاختيار والقدرة، وجعلهم مجبورين كالجمادات التي لا إرادة لها ولا قدرة.

وكقول الجهمي: من قال أن الله فوق العرش فقد زعم أنه محصور، وأنه جسم مركب محدود وأنه مشابه لخلقه.

وكقول الجهمية والمعتزلة: من قال أن لله علما وقدرة فقد زعم أنه جسم مركب، وأنه مشبه؛ لأن هذه الصفات أعراض، والعرَض لا يقوم إلا بجوهر متحيز، وكل متحيز جسم مركب أو جوهر فرد، ومن قال ذلك فهو مشبه؛ لأن الأجسام متماثلة.

ومن حكى عن الناس المقالات وسماهم بهذه الأسماء المكذوبة بناء على عقيدته التي هم مخالفون له فيها فهو وربه([145]) والله من ورائه بالمرصاد، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله. ([146])

وجماع الأمر أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام ، كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة:

قسمان يقولان: تجري على ظواهرها.

وقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها.

وقسمان: يسكتون.

أما الأولون فقسمان:

أحدهما: من يجريها على ظاهرها، ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، فهؤلاء المشبهة، ومذهبهم باطل أنكره السلف وإليهم يتوجه الرد بالحق.

الثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله، كما يجري([147]) ظاهر اسم العليم، والقدير، والرب، والإله، والموجود، والذات، ونحو ذلك، على ظاهرها اللائق بجلال الله، فإن ظواهر هذه الصفات في حق المخلوق: إما جوهر محدث، وإما عرض قائم به.

فالعلم والقدرة والكلام والمشيئة والرحمة والرضا والغضب ونحو ذلك في حق العبد أعراض.

والوجه واليد والعين في حقه أجسام.

فإذا كان الله موصوفا عند عامة أهل الإثبات بأن له علما وقدرة وكلاما ومشيئة -وإن لم يكن ذلك عرضا يجوز عليه ما يجوز على صفات المخلوقين- جاز أن يكون وجه الله ويداه صفات ليس أجساما يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين.

وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطَّابي وغيرُه عن السلف، وعليه يدل كلام جمهورهم، وكلام الباقين لا يخالفه، وهو أمر واضح فإن الصفات كالذات، فكما أن ذات الله ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس المخلوقات، فصفاته ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقات.

فمن قال: لا أعقل علما ويدا إلا من جنس العلم واليد المعهودين.

قيل له: فكيف تعقل ذاتا من غير جنس ذوات المخلوقين، ومن المعلوم أن صفات كل موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته؛ فمن لم يفهم من صفات الرب -الذي ليس كمثله شيء- إلا ما يناسب المخلوق فقد ضل في عقله ودينه.

وما أحسن ما قال بعضهم: إذْ قال لك الجهمي كيف استوى؟ أو كيف ينزل إلى سماء الدنيا؟ أو كيف يداه؟ ونحو ذلك، فقل له: كيف هو في ذاته؟ فإذا قال لك: لا يُعلم ما هو إلا هو، وكنه الباري تعالى غير معلوم للبشر، فقل له: فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة لموصوف، لم تعلم كيفيته، وإنما تعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي لك، بل هذه المخلوقات في الجنة قد ثبت عن ابن عباس أنه قال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء.

وقد أخبر الله تعالى أنه لا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين، وأخبر النبي r «أن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر».

فإذا كان نعيم الجنة وهو خلق من خلق الله كذلك فما ظنك بالخالق سبحانه وتعالى.([148])

وهذه الروح التي في بني آدم قد علم العاقل اضطراب الناس فيها، وإمساك النصوص عن بيان كيفيتها، أفلا يعتبر العاقل بها عن الكلام في كيفية الله تعالى؟ مع أنا نقطع بأن الروح في البدن، وأنها تخرج منه وتعرج إلى السماء، وإنها تسل منه وقت النزع كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة، لا نغالي في تجريدها غلو المتفلسفة، ومن وافقهم حيث نفوا عنها الصعود والنزول، والاتصال بالبدن والانفصال عنه، وتخبطوا فيها حيث رأوها من غير جنس البدن وصفاته، فعدم مماثلتها للبدن لا ينفي أن تكون هذه الصفات ثابتة لها بحسبها، إلا أن يفسروا كلامهم بما يوافق النصوص، فيكونون قد أخطئوا في اللفظ، وأنَّى لهم بذلك؟

ولا نقول إنها مجرد جزء من أجزاء البدن كالدم والبخار مثلا أو صفة من صفات البدن والحياة وإنها مختلفة الأجساد ومساوية لسائر الأجساد في الحد والحقيقة كما يقول طوائف من أهل الكلام بل نتيقن أن الروح عينٌ موجودة غير البدن وإنها ليست مماثلة له وهى موصوفة بما نطقت به النصوص حقيقة لا مجازا فإذا كان مذهبنا في حقيقة الروح وصفاتها بين المعطلة والممثلة فكيف الظن بصفات رب العالمين. ([149])

وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها، أعني الذين يقولون ليس لها في الباطن مدلول هو صفة الله تعالى قط، وأن الله لا صفة له ثبوتية؛ بل صفاته إما سلبية وإما إضافية، وإما مركبة منهما، أو يثبتون بعض الصفات وهي الصفات السبعة أو الثمانية أو الخمسة عشر، أو يثبتون الأحوال دون الصفات، ويقرون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث على ما قد عرف من مذاهب المتكلمين.

فهؤلاء قسمان:

قسم يتأولونها ويعينون المراد مثل قولهم استوى بمعنى استولى؛ أو بمعنى علو المكانة والقدر، أو بمعنى ظهور نوره للعرش، أو بمعنى انتهاء الخلق إليه، إلى غير ذلك من معاني المتكلفين.

وقسم يقولون الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه.([150])

وأما القسمان الواقفان:

قسم: يقولون يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله، ويجوز أن لا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك، وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم.

وقوم يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات.

فهذه الأقسام الستة لا يمكن أن يخرج الرجل عن قسم منها.

والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها القطع بالطريقة الثابتة([151]) كالآيات والأحاديث الدالة على أن الله سبحانه وتعالى فوق عرشه، ويعلم طريقة الصواب في هذا وأمثاله بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك، دلالة لا تحتمل النقيض، وفي بعضها قد يغلب على الظن ذلك مع احتمال النقيض، وتردد المؤمن في ذلك هو بحسب ما يؤتاه من العلم والإيمان، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.([152])

ومن اشتبه عليه ذلك أو غيره فليدعُ بما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله r إِذَا قَامَ يصلي مِنَ اللّيْلِ، قال «اللّهُمّ رَبّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ. فَاطِرَ السّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ. أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقّ بِإِذْنِكَ إِنّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَىَ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».

وفي رواية لأبي داود: أنه كان يكبر في صلاته ثم يقول ذلك.

فإذا افتقر العبد إلى الله ودعاه, وأدمن النظر في كلام الله وكلام رسوله وكلام الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين: انفتح له طريق الهدى.

ثم إن كان قد خبر نهايات إقدام المتفلسفة والمتكلمين في هذا الباب, وعرف أن غالب ما يزعمونه برهانا هو شبهة, ورأى أن غالب ما يعتمدونه يؤول إلى دعوى لا حقيقة لها, أو شبهة مركبة من قياس فاسد, أو قضية كلية لا تصح إلا جزئية, أو دعوى إجماع لا حقيقة له, أو التمسك في المذهب والدليل بالألفاظ المشتركة.

ثم إن ذلك إذا ركب بألفاظ كثيرة طويلة غريبة عمن لم يعرف اصطلاحهم, أو همت الغر ما يوهمه السراب للعطشان, ازداد إيمانا وعلما بما جاء به الكتاب والسنة, فإن الضد يُظهر حسنه الضد وكل من كان بالباطل أعلم كان للحق أشد تعظيما, وبقدره اعرف إذا هُدي إليه.

فأما المتوسطون من المتكلمين فيخاف عليهم ما لا يخاف على من لم يدخل فيه, وعلى من قد أنهاه نهايته, فإن من لم يدخل فيه فهو في عافية, ومن أنهاه فقد عرف الغاية, فما بقى يخاف من شيء آخر, فإذا ظهر له الحق وهو عطشان إليه قبله، وأما المتوسط فيتوهم بما يتلقاه من المقالات المأخوذة تقليدا لمعظمه([153]) تهويلا.

وقد قال بعض الناس: أكثر ما يفسد الدنيا: نصف متكلم، ونصف متفقه، ونصف متطبب، ونصف نحوي، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان.

ومن علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم في الغالب في قول مختلف، يؤفك عنه من أفك، يعلم الذكي منهم والعاقل أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حجته ليست ببينة وإنما هي كما قيل فيها:

حجج تهافت كالزجاج تخالها حقا وكل كاسر مكسور

ويعلم العليم البصير بهم أنهم من وجه مستحقون ما قاله الشافعي t حيث قال: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال: هذا جزاء من اعرض عن الكتاب والسنة وأقبل على الكلام.

ومن وجه آخر إذا نظرت إليهم بعين القَدَر([154]) -والحيرة مستولية عليهم والشيطان مستحوذ عليهم- رحمتهم وترفقت بهم، أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء، وأعطوا فهوما وما أعطوا علوما، وأعطوا سمعا وأبصارا وأفئدة ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾[الأحقاف:26].

ومن كان عليما بهذه الأمور: تبين له بذلك حِذْقُ السلف وعلمهم وخبرتهم حيث حذروا عن الكلام ونهوا عنه وذموا أهله وعابوهم؛ وعلم أن من ابتغى الهدى في غير الكتاب والسنة لم يزدد من الله إلا بعدا.

فنسأل الله العظيم أن يهدينا صراطه المستقيم؛ صراط الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين. آمين.

والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على محمد خاتم النبيين وآله وصحبه أجمعين. ([155])

--------------------------------------------------------------------------------

([1])الخراءة التي هي كيفية وهيئة وآداب قضاء الحاجة، التي جاءت في الأثر: علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة.

([2]) بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذه الرسالة الموسومة بالحموية رسالة عظيمة في تقرير مذهب السلف، في صفات الله جل وعلا، وهي جواب سؤال ورد لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وسبب السؤال أنّ مذاهب الناس في زمنه كان أكثرها على غير الهدى في باب صفات الله جل وعلا، فكثير منهم أشاعرة، وماتريدية، وثَم معتزلة قليل، وثَم من أهل الفرق الأخرى أيضا جماعات، وهؤلاء كلهم في باب الصفات ضُلاَّل ولم ينج في باب الصفات إلا من تبع السلف الصالح، ولهذا كانت الحاجة ماسة لكثرة ما خاض الناس في هذا الباب في زمن شيخ الإسلام وما قبله أن يُبسط القول في مذهب السلف المنجي في باب صفات الله جل وعلا.

ومن المتقرر أن طريقة النجاة في هذا الباب أن يسلك فيها طريقة سلف هذه الأمة؛ لأن الله جل وعلا وصف السلف بأنهم خير القرون، قال«خيركم قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» وكونهم خير القرون يدل على أنهم جمعوا من العلم أسلمه وأعلمه وأحكمه، وجمعوا أيضا من العمل ما كان على صواب فيه إخلاصهم ومتابعتهم.

وهذا الباب باب صفات الله أعظم أبواب الدين؛ لأن به معرفة الله جل وعلا والعلم به، فإن الله جل جلاله لن تره العيون في هذه الدنيا، وما آمن به من آمن لرؤية وإنما رأته القلوب بحقائق الإيمان، وهذا الإيمان أعظمه العلم بالله جل وعلا وبأسمائه وبنعوت جلاله وصفات كماله وجماله.

فلما كان الإيمان بصفات الله جل وعلا بهذه المثابة نجزم قطعا بأنه لا يمكن أن لا يذكر باب النجاة فيه في الكتاب والسنة؛ لأن هذا أعظم ما تصح به القلوب وأعظم ما يكون به الهدى، فإن العبد كلما كان أعرف بالله جل وعلا كان أتبع لشرعه وكان أتقى لله جل وعلا.

ونقطع أيضا أنّ الله جل جلاله قد أكمل لنا الدين وبين ذلك لنا رسول الله r -وهذه هي المقدمة الثانية-، وكمال الدين يقضي بأن ما كان في ذلك الزمن الأول هو العلم المحكم، العلم الكامل في باب صفات الله جل وعلا وفي غيره، فقول الله جل وعلا ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾[المائدة:3] من الدين الكلام في العقائد ومن ذلك الكلام في صفات الله جل وعلا؛ بل ذلك ما به تصح القلوب، وتشرق الأرواح على المعارف الربانية والحقائق الإلهية، وإذا كان كذلك كان ذكره على وجه الكمال في الكتاب والسنة لا بد منه، بل كان ذكره متيَقَّنا لم؟ لأنّ الله أكمل لنا الدين، أتمَّ علينا النعمة، وهذا من الدين، وهذا الإكمال يقتضي أن طريقة الصدر الأول طريقة محكمة في هذا الباب، وأن ما فهموه من الكتاب والسنة في هذا الباب هو العلم وهو الحكمة، وهذا فيه -كما أشار الشيخ - فيه إبطال لقول من قال: إن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم. فهذه المقالة باطلة -كما سيأتي-؛ لأنها مبنية على أن الصدر الأول الذين هم خير هذه الأمة لم يُحكموا هذا الباب وإنما طلبوا فيه السلامة، وفرق بين السلامة والعلم والحكمة والإحكام؛ لأن السلامة مرتبة دون العلم والإحكام، فلهذا كان قول من قال إن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، باطل من وجوه متعددة.

هذا التأصيل من شيخ الإسلام والتقديم لكي يدخل في هذا البحث، وما ذكر مبني على هاتين المسألتين.

([3]) الوُجدية بضم الواو نسبة إلى الوجود، الفطرة الوجدية نسبة إلى الوجود يعني الوجود الأول الذي كانوا عليه...

([4]) من عرف حال السلف من الصحابة فمن بعدهم، خاصة في عهد النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ بالنسبة للصحابة، وبعد حياته عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ يجزم قطعا أنهم لا يمكن أن يتفقهوا في أمور الدين المختلفة في أبواب الطهارة والصلاة والعبادات والبيوع وإلى آخره ولا يتفقهون في باب صفات الله جل وعلا؛ بل نجزم ونقول من المحال ألا يكون الصحابة اعتنوا بهذا الباب اعتنوا بهذا الباب اعتناء عظيما؛ لأن الأمم مجمعة على أن معرفة الله جل وعلا غاية المطالب وأن عبادته سبحانه وتعالى والوصول إليه غاية المقاصد وأشرف المقاصد، العلم بالله جل وعلا بما هو عليه سبحانه وتعالى من نعوت الجلال وصفات الكمال، هذا مطلب مهم وكل طالب علم أو طالب هدى يسعى في فهم صفات الله جل وعلا؛ لأن هذا به العلم الحق، والله جل وعلا هو معبوده فلا بد أن يعلم معبوده، كيف يعلمه؟ هل يعلمه بالعقليات؟ وبإعطاء المقاييس العقلية له جل وعلا؟ فيدرك الصفات من جهة العقل، كما فعل الفلاسفة من قبل؟ أم يدرك ذلك عن طريق الوحي؟

الأصل في هذا الدين التسليم للنصوص ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾[الأحزاب:36]، فما فيه نص من الكتاب أوالسنة وجبت متابعته.

فنقول من المحال أن يكون السلف من الصدر الأول غير معتنين بهذا الباب.

وهذه المقدمات من شيخ الإسلام ضرورية لا بد أن ترجع إليها من أول الكتاب، وتكتب المقدمات الحجة على المخالفين، فقدم بذلك للوصول إلى حقيقة وهي أن طريقة السلف في ذلك واضحة، وأنها مسطورة، وأنها مأخوذة من النصوص، وأنها هي الأعلم والأحكم والأسلم جميعا.

هذه مقدمات حتى يدخل في البحث في قوة لأجل الحجة للمخالفين في هذا الباب.

ومن المعلوم أن طريقة السلف في صفات الله جل وعلا هي أنهم يمِرُّونها كما جاءت، وأنهم لا يدخلون فيها بلا تأويل ولا تفسير يخرجها عن ظاهرها، وطريقتهم فيها أنهم يأخذون بحقيقة ألفاظها، وبظاهر ألفاظها، فباب الغيبيات باب تسليم لا تعمل فيه العقول ولا تصح فيه الأقيسة، وخاصة ما يتعلق بالله جل وعلا، لهذا طريقة السلف فيه التسليم بما دل عليه الظاهر، وظاهر النصوص ليس هو التشبيه أو التمثيل، وإنما ظاهر النص هو ما دل عليه النص من إثبات الصفة ومن معناها، أما الكيفية فهي التي يتطرق إذا تُحدِّث عنها إلى التمثيل أو إلى التشبيه، وأما الظاهر المجرد الظاهر المتعلق بالمعنى فإنه لا مدخل للكيفية فيه، ولهذا من القواعد المقررة في هذا الباب -كما سيأتي مفصلا- أننا نقول في باب الصفات: نأخذ بظاهر ما دلت عليه النصوص، ونثبت ظاهر ما دلت عليه النصوص، وهذا الظاهر ما دل عليه اللسان العربي في هذا النص.

يدلنا على ذلك قطعية معلومة بلا نزاع وهي أن النبي عليه الصلاة والسلام يأتيه الناس المختلفون في ذكائهم وفهمهم وفي علمهم وإدراكهم، يأتونه من خارج المدينة ومن خارج مكة، ويأتونه ويسألونه ويتلو عليهم القرآن ويتكلم عليهم بحديثه عليه الصلاة والسلام، وفي ذلك علم صفات الله جل وعلا، ثم لم يُتبع ذلك عليه الصلاة والسلام بكلام يدل على أن ظاهر تلك الألفاظ غير مراد، أو أنّ اللغة التي نفهم بها ما دلت عليه تلك الكلمات في باب الصفات أن لا نأخذ بها، وهذه قطعية يأتيه الجميع فيتلو عليهم القرآن، ويتلو عليهم ما أنزل الله جل وعلا، ويخبرهم بالسنة، وفي ذلك صفات الله ولم يعقب ذلك بشيء يصرفها عن ظاهرها، فدلت [.....] هو ظهور المعنى وأن صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه ليس بجائز؛ لأنه ما علمهم ولا في مسألة أن يصرفوا الألفاظ في الصفات ولا في الغيبيات عن ظاهرها المتبادر منها، وإذا قلنا الظاهر فإنه يقابله التأويل، وإذا قلنا الحقيقة فإنه يقابل ذلك المجاز، والمجاز غير التأويل، والظاهر غير الحقيقة.

([5]) في أوّل الكلام مر معك قوله (هؤلاء المبتدعة من المتفلسفة) وهذا من أقوال أهل الكلام الذي سمعت، ومن الناس من يقول: إن أهل الكلام ليسوا بفلاسفة، والفلاسفة شيء وأهل الكلام شيء آخر. وهذا في الواقع غلط؛ لأن أهل الكلام من الفلاسفة؛ لكن فلسفتهم كانت مع وضع الاتصال بين الحكمة والشريعة.

فالفلاسفة أقسام:

فلاسفة نهجوا نهج اليونان في الفلسفة، وجعلوا طريقة اليونان هي الأصل، وجعلوا النصوص محمولة على طريقة أهل اليونان، هؤلاء الذين يقال لهم فلاسفة الإسلام أو الفلاسفة الإسلاميين.

ومنهم من الفلاسفة من جمعوا بين الحكمة -وهي الفلسفة- وما بين الشريعة فركبوا منها الكلام، وذلك أنهم قالوا نأخذ بما دل عليه العقل من القوانين التي يطلب بها الحكمة، نأخذ بما دل عليه العقل بشرط أن لا يخالف الشرع، فإذا خالف الشرع أخذنا بالوحي، وبالتالي جعلوا نصوص الوحي محكومة بالعقل.

ولهذا ألف ابن رشد وغيره كتبا فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال ككتابه: فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال. وكتاب: مناهج الأدلة. له، وكتب كثيرة، فأهل الكلام هم الذين جمعوا بين الفلسفة والشريعة، ركَّبوا منهما شيئا جديدا غريبا سمي علم الكلام.

فشيخ الإسلام دقيق حينما يقول (من المتفلسفة) فأهل الكلام الذين يقولون طريقة الخلف أعلم وأحكم من طريقة السلف ليس هذا في الواقع كلام الفلاسفة الإسلاميين، هو كلام أهل الكلام، وأهل الكلام فلاسفة بالاعتبار الذي ذكرت.

وهذا الظن الفاسد منهم -وهو أن طريقة الخلف أعلم وأحكم- جعلهم يخوضون في نصوص الغيبيات بتأويلات غريبة، بما يصرفها عن حقائقها، كما قال شيخ الإسلام هنا بأنواع المجازات وغرائب اللغات، يريد بغرائب اللغات ونحو ما ذكره ابن العربي في كتابه عارضة الأحوذي حينما تكلم على حديث الاستواء يعني في حديث فيه ذكر الاستواء ونحو ذلك قال: فإن قلتَ ما معنى الاستواء في كلام العرب؟ قلنا: الاستواء في كلام العرب يرد على خمسة عشر معنى هي الأول الثاني العاشر الخامس عشر. ذكرها جميعا، ثم قال: فإن قلت على أيها تحمل الآيات؟ قلنا: هذا غير ممكن، فلا ندري على أَيِّها يحمل: فلابد من نفي أصل المعنى؛ لأنه لا ندري أي المعاني يراد فيكون معنى استوى غير معلوم، هذه طريقة لبعضهم الذين يصرفون الحقائق بغرائب اللغات، ولهذا ولهذا تحذر إذا وجدت في كتب بعض الناس في العقائد كثرة التحاليل اللغوية في آيات الصفات، إذا قال هذه الكلمة من آيات الصفات ترد بعدة معاني كذا وكذا وكذا، ثم يسكت فلا يذكر المعنى المراد، فهذا دليل شيء من الخوض في هذا الأمر، بخلاف من قال إن هذه الصفة في كلام العرب ترد لعدة معاني وكلها ثابتة في حق الله، مثل طريقة طائفة من العلماء كابن القيم يذكر للفظ عدة معاني ويقول كلها صحيحة بحق الله جل وعلا مثل ما قال في تفسير (العزيز):

وهو العزيز فلن يرام جنابه أنا يرام جناب ذي السلطان

وهو العزيز بعزة وهو وصفه فالعــز حينئذ ثلاث معاني

يعني بعد كلام له.

المقصود أنه تارة المفسر يفسر في كتب الحديث أو في كتب التفسير اللفظ من الصفات أو من الغيبيات، ويأتي بمعان ويسكت، فهذا يحذر منه، وتارة يقول يأتي بمعان وهذه كلها ثابتة والمعنى بصفات الله هو كذا، فهذا إذا موافقا لطريقة السلف فيقبل.

([6]) عندكم كلها في باب الدين؟ كأنها (في باب أصول الدين)، على كل حال المعنى (باب الدين) المقصود (أصول الدين) لا المقصود الفروع.

([7]) هذا الشهرستاني في أول كتابه نهاية الإقدام، هو أيضا كتاب فيه عجائب أعني على طريقة المتكلمين.

([8])هذا الرازي فخر الدين الرازي وهو من عمداء الكلام -وهم الأشاعرة الذين نحو منحى المعتزلة في تقرير المسائل- في أول كتاب له اسمه أقسام اللذات لم يطبع، موجود منه نسخة خطية في أسبانيا في مكتبة [....]

المقصود من الشاهدين أن أولئك الذين أتوا ذكاء ولم يؤتوا زكاء، أنهم يتندَّمون في آخر عمرهم على ما مضى من ترك طريقة السلف، فالغزّالي أبو حامد المعروف توفي وصحيح البخاري على صدره يعني ينظر في الحديث، وكأنه ندم -فيما ذكروا- على مضي عمره في غير طريقة السلف ولم يدرك طريقة السلف.

وكذلك الشهرستاني فيما سمعت، وكذلك الرازي، وجماعات أيضا عندي بعض أسمائهم، فيما اطلعت عليه يندمون في آخر أعمارهم؛ لأنهم أذكياء ويصلون في آخر الأمر إلى أنهم ما جمعوا حقائق بعلم الكلام؛ لأن علم الكلام يعارض الشريعة، يعارض الوحي، الحقيقة أنه لا يحصل منه الإنسان على تحقيق.

مثلا الآمدي وهو من رؤوس أهل الضلال في العقائد حينما تكلم عن تقرير كلام الله جل وعلا وأنه كلام قديم وأن القول بأنه كلام نفسي حادث هو قول الأشاعرة وهو قول الحق إلى آخره، قال: لكن يشكل على هذا شيء عظيم عندي، وهو أن في القرآن ألفاظا جاءت بصيغة الماضي ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾[المجادلة:1]، ﴿قَدْ نَعْلَمُ﴾[الأنعام:33]، ونحو ذلك من الأفعال التي فيها الخبر عن شيء حدث في الزمن الماضي، قال: وهذا له احتمالان: إما أن يكون قد سبق فعلا، وإما أن يكون الكلام غير مطابق للواقع، وإذا كان الكلام غير مطابق للواقع فهو الكذب، قال وهذا عندي مشكل يعني استعمال الأفعال في صيغة الماضي، (قَدْ سَمِعَ) إذا كان الكلام؛ كلام الله جل وعلا في القرآن قديم، وقال الله جل وعلا (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) معناه أنه قد سمع، حصل السمع وتحقق، فهل هناك شيء قد سُمع قبل ذلك؟ يُشكل على أصولهم؛ لأن من أصولهم أنه ليس ثمّ مخلوقات يعني جنس المخلوقات، ليس بقديم في مسألة تسلسل الحوادث، وهو إما الخبر يكون كذب في نفسه، وإما أن يكون أحيل على شيء ماضٍ وهذا يبطل أصلا من أصول الأشاعرة، قال وهذا مشكل عندي جدا، وهذا ذكي وانتبه لهذه المسألة.

وهكذا كثير من حذّاق الأشاعرة وحذّاق المتكلمين يترددون في إثبات ما راموه؛ لأنه يخالف الواقع، ويخالف الشريعة، ويخالف النصوص، وإنما يشتد الواحد منهم في مسألة وهي إذا دخل في باب التأويل، إذا دخل في باب التأويل من جهة اللغة هنا تعظم الشبهة عنده، أما إذا دخل بعقليات؛ تأصيلات عقلية فإن العقل يناقضه عقل، ولهذا تجد أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه درء تعارض النقل والعقل، قال: إن الأصل الذي أصله الرازي حيث قال هو في قانونه العام الذي رد عليه شيخ الإسلام بكتاب درء التعارض قال الرازي: إما أن نجعل النقل مقدم على العقل فهذا...[انتهى الوجه الأول من الشريط الأول] فهذا فيه إثبات الدليل قبل المدلول لأنه ما عرفنا صحة النقل إلا بالعقل، تقديم العقل على النقل مستقيم هذا في أصله، جاء شيخ الإسلام وانتبه إلى ناحية وجهة في هذا البرهان في إبطاله مع عدة جهات مهمة جدا تنتبه لها، وهو أنه قال: تقول إذا اختلف العقل والنقل، العقل هذا عقل من؟ ونحن نجدكم أيها المتكلمون تختلفون في العقليات، تختلفون مع الفلاسفة، أنتم تختلفون فيما بينكم في كثير من العقليات، وهناك أقوال لأهل الكلام في المسألة الواحدة، وكذلك تختلفون مع الفلاسفة وهم عندكم حكماء، فالعقل هذا الذي اختلف مع النقل، عقل من؟ وجواب السؤال: أنه ليس ثم عقل محدود؛ أنه عقل فلان، وإذا كان كذلك كان العقل غير منضبط، وإذا صار غير منضبط وجب أن تدخل في العقل هذا عقل السلف؛ لأنهم جزء من العقول، وإذا عقل السلف دخل فحجتهم أقوى ولا مناقضة بين عقل السلف وما بين النقل في النصوص.ف

هذا التأصيل مهم في أنهم يستعملون كلمات تناقشهم في دليلها، فهنا طريقة الخلف أعلم وأحكم من أي شيء وأحكم من أي شيء لم؟ لعقلهم، هذا العقل اختلفوا فيه، بل هم اعترفوا في آخر أعمارهم كما سمعت في أن عقولهم لم تكن صحيحة:

............................ وحاصل دنيانا أذى ووبال

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

قيل وقالوا لاختلاف العقول في ذلك، فإذن مناقضة العقل للنقل هذه باطلة، فوجب التسليم إذن لما دلت عليه النصوص، والذين سلموا لما دلت عليه النصوص هم السلف الصالح، فلذلك صارت طريقة السلف أسلم أعلم وأحكم.

هذا الذي يريد أن يصل إليه شيخ الإسلام.

([9]) يعني عقيدة صافية (على عقيدة أمي) يعني ما دخلتها هذه الكلمات، وهذه أريد أن تستفيد منها فائدة عظيمة وهي قول هذا المتكلم (أموت على عقيدة أمي) في إبطال قول من قال: إن عامة الأمة والسواد الأعظم من الأمة على طريقة الأشاعرة والماتريدية، أو على غير طريقة السلف.

طريقة الأشاعرة والماتريدية موجودة في أذهان من درسها، في أذهان المتكلمين، في أذهان العلماء منهم، أما العامة فلو تأتي تسأل عاميا في أي بلد، أثبت لك ما أثبت القرآن، ما قام في ذهنه إلا ما يسمع بظاهر اللفظ، فهذا يقول (أموت على عقيدة أمي) أمك لماذا لم تكن مثلك؟ لأنه هو انصرف عن الفطرة بالتعليم، فلهذا لا يجوز أن يُتسامح في قول من قال إن عامة الأمة أشاعرة، أو السواد الأعظم على غير طريقة السلف، أو على هذه الطريقة الوهابية؛ بل العامة في باب الصفات لا في باب توحيد العبادة، في باب الصفات لا يعرفون الطرق الكلامية ولا يعرفون التأويلات يسمعون ويسلمون، لو تأتي لهم بتفسير ابن جرير وابن كثير وتقرؤه عليهم لما استنكروا فيه شيئا، بخلاف من تعلم فإنه خرج عن فطرته إلى شيء آخر، وهذا يقول (أموت على عقيدة أمي)، فأمه على الفطرة وهو بما تعلّم فسدت فطرته وخرج عن طريق السلف، فالعامة من المسلمين لا يعرفون هذه الطرق ولا التأويلات وإنما هم يسلمون للنصوص.

([10]) (عند الموت) يعني إذا جاء الموت شكُّوا في معلوماتهم السابقة فماتوا على غير عقيدة، ماتوا مترددين، متذبذبين، متشككين. نسأل الله العافية والسلامة.

([11]) [السؤال:.... غير مسموع]

هذه ما ودّي أنك سألت عنها؛ لأنه استعملها بعض الفضلاء، بعض الأئمة (طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم) ويريد بها من استعملها ممن هم مأمونون؛ بأن طريقة السلف الاستمرار الإثبات؛ إثبات الظاهر والاستمرار على هذا الإثبات، وطريقة الخلف –يعين من تأخر على السلف- طريقتهم إثبات ما أثبته السلف بأنواع البراهين، مثل الآن طريقتنا في الشرح، تقرير العقائد، طريقة شيخ الإسلام فيها التفصيل والبرهان والردود، فيها إثبات الصفات لكن على طريقة برهانية، فيها طول وشرح، لكن السلف ما عندهم هذا، السلف آمنوا بالصفات، وأمروها على ظاهرها، آمنوا بظاهرها ظاهر اللفظ وأثبتوا ما فيها من المعنى، دون خوض في البراهين، دون خوض في التفصيلات؛ لكن من الخلف من أثبت ما أثبتته السلف لكن على طريقة التفصيل والبرهان، فهذا معناه صحيح.

ولهذا نقول في تفسير هذه العبارة: قد يستعملها بعضهم ويريد بها معنى صحيحا، هنا يريد بكلمة الخلف ما يشمل المتأخر جميعا، ولا يريد بالخلف المتكلمين؛ لأن المتكلمين حين قالوا: طريقة الخلف أعلم وأحكم، يريدون بالخلف: المتكلمين، وهذا الذي يعني المعنى الصحيح يريد بالخلف المتأخر؛ لأن الخلف من تبع أو من جاء بعد من سلف يقال له خلف، الألف واللام هنا إما للعهد وهو مراد المتكلمين، وإما للجنس؛ جنس من تأخر وهو مراد من عني بها معنى صحيحا.

([12]) بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فأول ما سمعتم من الكلام تبعٌ لما قبله في بيان فضل الصحابة رضوان الله عليهم وفضل التابعين وتبع التابعين على المتهوكين الحيارى المتأخرين من المتكلمين والمتفلسفة.

ولاشك أنّ الصحابة رضوان الله عليهم ومن تبع هداهم، أفضل وأزكى وأعلم وأحكم؛ ذلك لأن العلم والحكمة مكتسبة، فإما أن تكتسب عن طريق العقل، وإما أن تكتسب عن طريق الشرع عن طريق النص.

فإن كانت مكتسبة عن طريق العقل فالعقل بإجماع الناس يخطئ ويصيب، يدرك الحق وقد يخفى عليه، والأخذ من الكتاب والسنة هذا فيه العصمة؛ لأنّ الكتاب وحي من الله جل وعلا؛ ولأنّ السنة وحي من الله جل وعلا، فمن أخذ بالكتاب –بنصوصه- وأخذ بالسنة فقد نطق بالعلم والحكمة؛ لأنه متيقن الصحة.

وأما العقل فإنه دون ذلك بمراتب لتعرضه للخطأ.

لهذا أولئك لما جعلوا الأصول العقلية هي المقدَّمة صاروا مفضولين، وصار الصحابة رضوان الله عليهم ومن تبع هداهم هم أعلم والأحكم في باب أسماء الله جل وعلا وصفاته وباب معرفة الله بعامة، فلا يتصور أن هؤلاء المتكلمين ومن نحى نحوهم الذين ورثوا علوم الهند واليونان، كما قال الشيخ وورثوا أقوال اليهود والنصارى الصابئة لا يمكن أن يكونوا مقاربين لسلف هذه الأمة الذين قال فيهم عليه الصلاة والسلام «خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»، والخيرية راجعة إلى الصفات، ومن أعظم الصفات التي يكون بها الفضل: العلم والعمل، فدل على أن علم الصحابة والقرون المفضلة أغزر وأحكم، وعلى أن عملهم أزكى وأطيب، وبهذا ظهر فضلُهم على من عداهم.

الصابئون فيما ذكر قال (ضلال اليهود والنصارى والصابئين) جاء ذكرهم في القرآن كما هو معلوم﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾[البقرة:62] فُسر ذلك بوجهين من التفسير:

½إما أن يكون الصابئون ملة من الملل؛ يعني أتباع رسول من الرسل، هم موجودون في شمال الجزيرة يعني في العراق وبعض الشام في الوقت الحاضر -يعني من حيث التقسيم-؛ ولكنهم في القديم كانوا أتباع رسول من الرسل، ولهذا قال جل وعلا ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ﴾[البقرة:62].

½والقول الثاني أن الصابئين طائفة لهم نحلة انتحلوها وليسوا بتبعٍ لرسول.

وهذا بخلاف استعمال العرب لهذه الكلمة؛ لأن استعمال العرب لكمة صبأ بمعنى خرج عن دينه، صبأ محمد يعني خرج عن دينه، هؤلاء صابئة يعني خارجون عن دينه الذي نشؤوا عليه فيما زعموا.

([13]) (إما نص وإما ظاهر) النص يُراد به ما لا يَحتمل غيره، نص وظاهر هذه الألفاظ الأصوليين في بحثهم في الاستدلال، الركن الثالث من الأصول الاستدلال.

والنص: ما لا يحتمل غيره؛ يعني لا يتطرق للكلام احتمال أن يراد غير المعنى المفهوم.

الظاهر: ما يحتمل بمرجوحية، يحتمل ولكن هذا احتمال ضعيف؛ ولكن الأرجح، الغالب، الأظهر، هو الاحتمال الأول، فيكون في الظاهر إما احتمال ظاهر بيّن للمعنى، وثَم احتمال ضعيف خفي للمعنى.

فهذا هو الفرق بين النص والظاهر، ولهذا تجد أن السلف يستعملون كلمة ظاهر كثيرا، أمروا على ظاهرها، أمروها كما جاءت، الأخذ بدلالة النص والظاهر، أما قولهم النصوص، والنص، قد جاء في النص، فيريدون بالنص الكتاب والسنة، وهذا ليس المراد منه الاصطلاح الخاص عند الأصوليين بذلك، وإنما راد بالنص الدليل من الكتاب والسنة.

فإذن تنتبه للفرق بين هذين الاستعمالين.

([14]) الأعراف:54، يونس:3، الرعد:2، الفرقان:59، السجدة:4، الحديد:4.

([15])وابن القيم في النونية جمع أنواع الأدلة على العلو، فهذه الآيات والأحاديث في علو الله جل وعلا:

§ علو الذات.

§ وعلو الصفات.

هذه كثيرة جدا يمكن أن تقسم إلى أنواع كما قسمها ابن القيم رحمه الله إلى أكثر من عشرين نوعا.

فهذا –مسألة العلو والفوقية- نص لا تحتمل غيرها؛ لأن الآيات دالة بما لا يحتمل أن المراد علو غير علو الذات, إما علو قهر أو قدر فقط أو علو جبروت أو علو هيمنة ونحو ذلك، أو علو جنس على جنس، وإنما هذه الآيات فيها علو الذات، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾[فاطر:10]، يصعد إليه, الصعود ظاهر المعنى، بيِّن، نص, انتقال الشيء من وضعه إلى ما هو أعلى، وقوله (إِلَيْهِ), وتقديم (إِلَيْهِ) يفيد أن هذا الصعود يكون إليه جل وعلا دون غيره، فهو سبحانه المتصف بالعلو المطلق, كذلك قوله ﴿ءَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾[الملك:16]، (السَّمَاء) هنا بمعنى العلو أأمنتم من في العلو، ولما لم يَحُدَّ ذلك بحد دل على أن السماء هنا هو العلو المطلق، نهاية العلو المتصور, نهاية العلو, فلا أَحَدَ أعلى من الله جل وعلا, الله جل وعلا فوق خلقه بذاته، كما أنه فوق خلقه بصفاته, والعلو من أهل العلم من يقول: إن علو الله جل وعلا على خلقه له ثلاث معان:

- علو الذات.

- علو القهر.

- علو القدر.

ومنهم من يقول العلو قسمان:

- علو الذات.

- علو الصفات.

والمخالفون لطريقة السلف يحصرون علو الله جل وعلا في علو القدر والقهر، أو في علو الصفات، أو في علو جنس الله جل وعلا على جنس خلقه، والله جل وعلا واحد في ذلك الجنس فهو سبحانه المتفرد، فقالوا: العلو علو قدر وقهر وعلو جنس، يعني جنس الربوبية عال على جنس المخلوقين، جنس الرب عال على جنس غيره، كما يقال الفضة أعلى من الحديد؛ بمعني لأن جنسها أعلى، أو يقال الذهب أعلى من الفضة بمعنى أن جنس الذهب أعلى من جنس الفضة، وهكذا.

المقصود من هذا أن هذه المسألة مسألة علو الله جل وعلا -علو الذات- من أبشع ما خالف فيه المخالفون، حتى إن طائفة من أهل العلم كفَّروا من لم يُثبت علو الذات لله جل وعلا.

ولا يثبت علو الذات من الفرق إلا أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح.

([16])(فيها) هنا في قوله (فيعرج بها إلى السماء التي فيها الله تعالى) (فيها) هنا بمعنى (على)، (في) بمعنى: على السماء التي عليها الله تعالى، كما قال جل وعلا ﴿ءَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾[الملك:16]، فسرت السماء هنا بمعنى العلو، فيكون في علا من العلو وفسر السلف هنا السماء بجنس السموات، فتكون (في) بمعنى (على): من على السموات. ومجيء (في) بمعنى (على) معروف، من أمثلة ذلك قوله جل وعلا ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾[طه:71]، والتصيلب إنما يكون عليها من الخارج لا في داخلها.

([17]) لهذا قال جماعة من أهل العلم منهم المناوي من الشافعية وغيره: إنه في النصوص أكثر من ألف دليل على علو الله جل وعلا على عرشه، علو الله جل وعلا، مطلق العلو بدون العرش، فعلو الله جل وعلا أدلته كثيرة بالمئات، علو الذات، كما سمعتم بعضها، فنفيه نفي لنص، ولهذا ذكرتُ لك أن ابن القيم رحمه الله جعلها أنواعا كثيرة؛ يعني جعل الأدلة أنواع؛ لأنه لا يمكن أن تسرد بنوع واحد أوهذا تلو هذا، فهي كثيرة متنوعة.

والعلو والفوقية بمعنى واحد، إذا قيل علو الله جل وعلا أو فوقية الله جل وعلا فهما بمعنى واحد.

([18]) هذا الكلام من شيخ الإسلام رحمه الله كالتفصيل لرد قول من قال: إن طريقة السلف أسلم ولكن طريقة السلف أعلم وأحكم.

فإننا نعلم باليقين أن السلف تكلموا في مسائل الغيبيات ومنها مسائل الصفات بما هو نص أو ظاهر في إثباتها، ولم يأتِ عنهم نقل لا نصًّا ولا ظاهرا في نفي شيء منها، أو تحكيم العقل في شيء منها، أو تخريج بعض تلك النصوص على شواذ اللغة وغرائب اللهجات واللغات، هذا علم يقين، من أبلغ –كما قال- من أبلغ العلوم الضرورية يعني قد يكون بعد التأمل فيه يكون عند الإنسان المتأمل في ذلك أنه علم ضروري لا يحتاج معه إلى استدلال، إذا تأمل كلام السلف ونظر فيه صار عنده علم ضروري بأن طريقة السلف هي الإثبات، وأنهم لم يدخلوا العقل في ذلك، بمنزلة الشيء الذي يلمسه والذي يحسه والذي يراه يعني يصبح أمرا ضروريا عنده لا يحتاج إلى استدلال.

وهذا هو البين لمن رأى طريقة السلف.

إذا افترضا أن كلام أولئك صحيح وهو أن طريقة الخلف أعلم وأحكم، فنقول طريقة الخلف هي الدخول بعقولهم بنصوص الغيبيات والصفات، والدخول بالعقل في هذه يشترك فيه كل من خالف طريقة السلف، ولكن هؤلاء الذين أجمعوا على وجوب الأخذ بالعقل وتأويل النصوص بما يوافق العقل، هؤلاء الذين أجمعوا على تحكيم العقل على النصوص لا نراهم اتفقوا على تلك المسائل التي خاضوا فيها:

فالجهمية أسسوا هذا المبدأ، ولهم نظر في النصوص خاص بنصوص الصفات والغيبيات والأسماء لله جل وعلا.

المعتزلة خالفوا عقل الجهمية، وأثبتوا بعض الصفات، أثبتوا ثلاثا من الصفات، وأعملوا بعض الأقيسة وخالفوا الجهمية؛ لأن الجهمية في أبواب القدر جبرية، والمعتزلة نفاة للقدر؛ للقدرية؛ القدرية يقولون إن العبد يخلق فعل نفسه، فالكلية العقلية ما اتفقوا عليها لا في الصفات ولا في أبواب القدر.

وكذلك إذا نظرت إلى الكلابية أيضا أبطلوا هذا الأصل تبعا للجهمية؛ ولكن عقلهم أداهم إلى شيء آخر غير ما قالته المعتزلة، وغير ما قالته الجهمية.

الكرَّامية ؛ أدّاهم عقلهم إلى شيء.

السَّالمية أدّاهم عقلهم إلى شيء.

الأشاعرة أدّاهم عقلهم إلى شيء تبعوا فيه الكلابية في جل المسائل.

الماتريدية أداهم عقلهم إلى شيء خالفوا به الأشاعرة في مسائل كثيرة معروفة.

المقصود من هذا أنّ أولئك قالوا إن العقل قاطع والنصوص موهمة. فذكر شيخ الإسلام في هذا التأصيل أن تنازعهم في العقليات من أعظم التنازع والاختلاف، أعظم من اختلاف من اختلف في فهم النصوص؛ بل إن نصوص الغيبيات والصفات لم يحصل بين السلف اختلاف فيها.

فهذا القاطع الذي يسمونه القاطع العقلي ويريدون أن يُرجعوا [انتهى الشريط الأول] النصوص إليه وأن لا تُفهم النصوص إلا بعد عرضها على بعض تلك العقليات.

نقول العقليات اختلفتم فيها اختلافا بينا ظاهرا، فهل يمكن أن يُحيل الشارع إلى عقولكم؟ هل يمكن أن يَعدل السلف عن ما دلَّت عليه النصوص نصا ظاهرا ولا يتكلموا في أي مسألة من دلائل العقول، فيُحجب ذلك ويكتمون؟ هل يمكن يكتموا الحق ولا يبينوه لمن بعدهم؟ والنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ يكتم الحق ولا يبين ذلك لمن بعده؟ لا شك أن هذا من أمحل المحال، فيبين... فكل واحد له عقل خاص ينظر به للنصوص.

فإذن الإحالة إلى العقل إحالة إلى شيء غير واضح، ومن قواعد المتكلمين المعروفة الإعمال [بالعقل العام] فيستفاد من ذلك لإبطال نظريتهم هذه وهي تحكيم العقل على النصوص بأن العقل ليس بشيء واضح معلوم متفق عليه، فأي عقل هذا؟

ولو كان الأمر كذلك، كما قال شيخ الإسلام هنا فإن الله جل وعلا يكون أحالك إلى العقل ولم يحتج الناس إلى بعثة الرسل لتُبين لهم صفة الله جل وعلا وما له جل وعلا من الأسماء الحسنى والصفات العلا.

هذا استطراد في بيان طريقة السلف، وأنها تفصيل وإثبات، وليس فيها نفي ولا تأويل ولا تفويض، وأنَّ طريقة الخلف عقليات مختلفة متضاربة، وأنّ السلف لم يختلفوا في ذلك، وأن أولئك اختلفوا أكثر اختلاف وأبين اختلاف.

فهذا الكلام الذي قالوه من أن طريقة السلف أسلم وطريق الخلف أعلم وأحكم باطل؛ لأن ما يوصف بالعلم والحكمة يجب أن يكون متفقا، غير مختلف غير متباين، فإذا كان متضاربا فكيف يكون علما وحكمة؟ وهم يختلفون في المسألة إلى أقوال؛ بل حتى في المذهب الواحد، تجد أنهم اختلفوا في تفسير بعض الألفاظ إلى مذاهب شتى، سبعة، ثمانية، كما عند الأشاعرة في مسائل، وعند المعتزلة في مسائل، إما في جليِّ الكلام أو في دقيق الكلام.

([19]) على تأصيلهم يقولون الكتاب والسنة غير واضحة مجهولة، فلا يرجع إليها في هذه المسائل، هذا كفر والعياذ بالله.

([20])وجوب التحاكم إلى الكتاب والسنة ليس خاصا في الخصومات العملية بين الناس؛ بل حتى في الخصومات العلمية يجب الرد إلى الكتاب والسنة، فهؤلاء الذين تنازعوا في العلميات في مسائل الصفات والإيمان والقدر والأسماء وغير ذلك، هؤلاء اختلفوا فيها ولم يردوها إلى الكتاب والسنة؛ بل قالوا: إن الكتاب والسنة لا يهدي في هذه المسائل؛ بل الذي يهدي هو العقل. فصار ذلك اتخاذا لطاغوت، تجاوزوا به حدَّه، والطاغوت يكون بأشياء منها طاغوت المتكلمين هذا الذي ردُّوا به الكتاب والسنة وتحاكموا إليه، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾[النساء:60]، تحاكموا إلى العقل، تحاكموا إلى الفلسفة، تحاكموا إلى أقوال اليونان، تحاكموا إلى أقوال جهم، إلى أقوال كبرائهم، وتركوا ما يدل عليه الكتاب والسنة.

وهذه هي حقيقة قول المتكلمين، فإن المتكلمين تركوا تحكيم الكتاب والسنة في مسائل الصفات وأخذوا بتحكيم أرائهم وأقوال كبرائهم، وهو من تحكيم الطاغوت.

ويمنع من تكفيرهم عدم الجزم بأنهم أرادوا هذا التحاكم، قد يكونون تحاكموا من غير إرادة له ورغبة، إنما لشبهة فيه، فقوله جل وعلا (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) الإرادة هنا مقصودة، (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) فمن أراد واختار التحاكم إلى الطاغوت لا لشبهة قامت عنده فإنه كافر، ولهذا أهل العلم ما كفروا عامة المتكلمين، وإنما ربما كفروا أفاردا منهم الذين تبينوا منهم الحق وتركوه وتحاكموا إلى الطاغوت رغبة منهم في ذلك وإرادة منهم لأقوال الفلاسفة واليونان، والعياذ بالله بعضهم يضيق إذا جاءت النصوص كما في مصنفات بعض المعتزلة وأشباههم، إذا جاء النص ضاق، تحس أن في صدره حرجا منه.

حتى أني سمعت كلمة لبعض المعتزلة أو من ينحون منحى المعتزلة في هذا الوقت يتكلم عن بعض المسائل في الصفات، لما جاء الكلام العقلي قرر مذهبه، ولكن لما جاءت الأدلة من النصوص تلحظ منه وهو يتكلم أن في صدره حرج من إيرادها، فهذا من أعظم الاختلاف، يتلو النص وفي صدره عدم راحة، يود أنه لو لم يكن في الباب هذا النص، هذا بلاء عظيم.

([21]) هذا زعمهم يقولون: نريد أن نوفق بين الدلائل العقلية والنقلية. هذا عمل المتكلمين، أما الفلاسفة، الفلاسفة الإسلاميين يقولون: نرجع النصوص إلى العقل، العقل عندهم أساس، المنطق، الفلسفة وما دلت عليه التجربة والنظر والتأمل هذا أساس, والنص يرجع إليه إن وافقه أخذ به وإن لم يوافقه حمل على محمل يناسب المقام.

ففرق بين المتكلمين والفلاسفة, الذين يوفقون بين الدلائل النقلية والعقلية, هؤلاء هم المتكلمون الذين يوفقون، مثل ما ألف ابن رشد كتابه ‹فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من اتصال›.

فقد ذكرت لكم في أحد هذه المجالس أنّ طلب الحكمة الذي كان عند اليونان -يعني طلب معرفة الصواب بالأشياء إما الأشياء المنظورة أو غير المنظورة-، هذا يكون بالعلم أو العمل، العلم بالعقليات دخل إلى المسلمين فمن ردّ هذه العقليات من السلف.

ومن قال نقبل ذلك ونجعله أساسا، وإذا وافقته النصوص أخذنا بها وإذا خالفته النصوص تركنا النص؛ لأنه تكون دلالته غير واضحة وهم أهل التجهيل، وهؤلاء الفلاسفة.

وطائفة تقول نأخذ بالنص ونأخذ بالدليل العقلي ونوفق بينهما، فجمعوا بين علوم اليونان وعلوم الشريعة في خليط وعجينة جديدة سُمّيت علم الكلام.

هذا من جهة العلم.

ومن جهة العمل صار عندنا شرائح دخلت اشراقات اليونان وآراء فلسفية في إصلاح النفس، ومما أثّر في الأمة منها القول بالإشراق والخير ونحو ذلك الذي شاع عند الصوفية في آواخر القرن الثالث والرابع وما بعده.

المقصود من العلم المهم أن تعرف كيف دخل الانحراف على المسلمين، كيف دخل؟ ما تفهم الأقوال في العقيدة ولا التفصيلات حتى تعرف تطور ذلك في السنين، في القرن الأول كان كذا، والقرن الثاني كان كذا، وتدرج ذلك، تفهم كل قول ما منشؤه، ولم نشأ الخلاف فيه؟ والأقوال المتضاربة ما سببها؟ أما إذا أخذت الأقوال أقوال الأئمة، أو أقوال المخالفين دون معرفة بتسلسل القول، وكيف نشأ يكون عندك ضعف لإدراك المراد من كلامهم والرد عليهم، إلى آخره، من العلم المهم أن تعلم كيف دخل الانحراف على المسلمين في شتى المجالات؛ في الاعتقاد، في العمل، بالتفصيل إلى آخره.

.. ما أعرف في الحقيقة أن هناك بحثا مفصلا فيه؛ لكن يمكن أن يؤخذ باستطراد من كلام شيخ الإسلام من درء تعارض العقل والنقل ........

([22]) هذا الكلام واضح من حيث دلالته على إبطال ما تكلم به المتكلمون وزعموه دلائل ويقينيات من نقض النصوص بالعقليات.

التنبيه هنا على قوله (ولازم هذه المقالة) هذا يكثر عند أهل العلم أن يذكروا اللوازم التي تلزم على الأقوال الباطلة، وذلك من جهة البرهان؛ لأن من البرهان على إبطال المقالة أو على فسادها أو على ضعفها أن يلزم منها لوازم باطلة، فإذا كان القول يلزم عليه لوازم باطلة فإن القول باطل، وليس هذا من شيخ الإسلام ولا من أهل العلم بإلزام للقائـل بلازم مذهبه؛ لأن التحقيق أن لازم المذهب ليس بمذهب حتى يُصَرِّح صاحبه بمذهبه؛ لكن لازم المذهب يدل على بطلان المذهب، إذا كان ذلك اللازم باطلا، وهذا يستفاد منه في المناظرات، وفي إبطال أقوال أهل الضلال خاصة في العقائد، يستفاد منه أكبر فائدة، فنجد مثلا هنا يقول (لازم هذه المقالة أن يكون ترك الناس بلا رسالة خير لهم في أصل دينهم) معلوم أن المتكلمين لا يقولون أن ترك الناس بلا رسالة خير لهم في أصل دينهم؛ لكن هذا لازم على تلك المقالة، ولما كان هذا اللازم يشترك فيه يعني في بطلانه المتكلمون يشترك في إبطاله المتكلمون وأهل السنة دل على فساد تلك المقالة.

فهذا تنبيه على طريقة من طرق الاحتجاج على إبطال أقوال الخصوم.

([23]) السُّمنية بضم السين.

([24]) هذه الكلمة من شيخ الإسلام مهمة ونفيسة رحمه الله تعالى؛ لأن فيها بيان أصل الضلال في هذا الباب، وأن زعم من زعم أن طريقة المتكلمين هذه أنها أحكم أنها باطلة؛ لأن هذا القول قول فيه الإجحاف بالسلف الصالح -كما مر معنا-، ومن المعلوم أنه لم يأتِ شيء في النصوص ولا في هدي النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ يرشد الناس إلى ألا يأخذوا بظواهر النصوص؛ بل قال «إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا؛ كتاب الله» كما رواه مسلم في الصحيح، ورواه غيره في قوله «كتاب الله وسنتي ولن يفترقا حتى يرد علي الحوض».

وقد قال بعض العلماء: إنه من اليقين القطعي أنّ النبي r لما تلا القرآن وذكر النصوص التي فيه في الغيبيات والصفات وغيرها، كذلك لما ذكر حديث الصفات على الناس، لم يرد أنه أتبعها بشيء يصرفها عن ظاهرها؛ بل أوردها وترك فهم المعنى للناس، وهذا يدل على أنَّ المعنى الذي اشتملت عليه تلك النصوص هو ظاهر اللفظ؛ لأنه لو كان المعنى غير الظاهر معنى آخر يؤول يجب على النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ أن يبينه حتى لا يعتقدوا في الله العقيدة الباطنة، فلما لم يُتبِع ذلك عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ بشيء يصرفه عن ظاهره دلنا على أن الظاهر مراد.

ثم نقول إنّ هذه المقالة وهي مقالة التأويل إنما هي مأخوذة عن الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان، والجهم ابن صفوان كما ذكر في آخر الكلام، وهو كلام مهم، الجهم بن صفوان كان فقيها عنده علم بالفقه بعض الشيء، ووقع له اجتهاد في مناظرة هذه الطائفة من الطبائعيين الذين يقولون بتناسخ الأرواح وهي طائفة السُّمنية، طائفة من طوائف خراسان والهند، ناظرهم في وجود الله جل وعلا فحيَّروه، حتى قالوا عنه إنه تحير فبقي أربعين يوما لا يصلي من شدة الحيرة، وهذا لأجل أنه خاض في مناظرة أولئك دون علم واسع بما يجب وينبغي في مناظرة أمثال هؤلاء، فقاده ذاك إلى أنه يثبت وجود الله لهم، فلم يجد دليلا يثبت به وجود الله جل وعلا إلا ما سُمي فيما بعد بطريقة حلول أو حدوث الأعراض في الأجسام أو طريقة الجوهر الفرد. هذه الطريقة لها تفاصيل؛ لكن المقصود أنها طريقة مخالفة لما جاء في القرآن والسنة من إثبات الله جل وعلا، ولما تقتضيه الضرورة الفطرية في الإنسان أنه جاء لا من فعل نفسه، ولا من فعل والديه، وقد رُكِّبت فيه هذه الآلات تركيبا عجيبا، محال عند كل ذي عقل أن يكون الزمن أو أن تكون الطبيعة أوجدتها على هذا النحو العجيب.

سلك تلك الطريقة التي هي طريقة حلول الأعراض في الأجسام، وقال إنَّ العرض لا يقوم بنفسه – العرض مثل اللون أو الألوان والطبائع الأربعة: الحرارة البرودة والرطوبة واليبس، ومثل الارتفاع والانخفاض والحركة ونحو ذلك، هذه أعراض تكون في الجسم - فلما كان كذلك، قال: إن هذه الأعراض في الجسم الجامد تحل فيه، تحدث فيه، والجسم الجامد هذا لا يمكن أن يكون أحدث تلك الأعراض؛ بل إنما أُحدثت فيه، كذلك هذا الجسم الجامد إذا جزأناه إلى أجزاء صغيرة صغيرة ينتهي إلى ما سَمَّوه بالجوهر الفرد، وهذا الجوهر الفرد يعني الخلية الواحدة أو الجزيء الواحد هذا فيه عرضا أيضا من تلك الأعراض التي ذكرنا.

ومعلوم أن هذا الجزيء الواحد لا يمكن أن يُحدث ذلك العرض لنفسه، لا يحدث الارتفاع في نفسه ولا البرودة ولا الحرارة ولا الرطوبة، إلى آخره، فَعُلم أنه محدَث فيه، وإذا كان محدثا فيه فلا بد له من محدث.

وإذا كان كذلك فخرج هذا الجزيء الصغير، أو خرج هذا الجسم الذي حلت فيه الأعراض، عن حكم الطبيعة؛ لأنه لا يمكن لهذا الجزيء وهو الطبيعة أن يؤثر تلك التأثيرات.

المقصود أنهم سلَّموا له بأن الأجسام لابد لها من محدث، قالوا: من هذا المحدِث؟ قال هذا هو ربي هو الله جل وعلا. فلنا سلموا له بذلك فرح، ثم قالوا له صِفْ لنا ربك، فلما أراد أن يصفه بما جاء في القرآن من الصفات تحيَّر أكثر؛ لأنه وجد أنه إذا وصف الله جل وعلا بما جاء في القرآن فإنه سيعود على دليله الذي ذكر بالإبطال؛ لأنه إذا وصف الله بأنه رحيم بأنه ذو رحمة، فالرحمة عرض ليست بجسم يُرى، إنما هي عرض، فمعنى ذلك أن هذا العرض حل في جسم، وهذا يقضي على برهانه الذي أتى به بالإبطال، لأنه يعود يقول من الذي أحدث الرحمة في ربك يا جهم؟ نظر في الصفات؛ الحركة ، في المجيء والإتيان ونحو ذلك، نظر في الاستواء وهو الاستواء على العرش، والعلو، ونحو ذلك، فتحير فلما لم يجد برهانا على وجود الله إلا ذلك البرهان، قال: إنَّ هذا البرهان قطعي فلابد أن كل ما عاد على هذا البرهان القطعي بالإضعاف أو بالبطلان أنْ يؤول، فأوَّل نصوص الصفات جميعا وهذا الذي تبعه عليه المعتزلة ثم الكلابية ثم الأشاعرة، إلى آخره.

هذا مقصود شيخ الإسلام لما ذكر في هذه الجملة، وهي جملة لها تفاصيل كبيرة معروفة.

([25]) هذا الكلام ظاهر لك في أصل الضلال، والجهم بن صفوان هو الذي أسس تحكيم العقول على النصوص، وأن النص لا يحكم بظاهره حتى يعرض على العقل، ولهذا كل من حكم العقل على النص يقال له جهمي، فالمعتزلة من السلف يقولون عنهم أنهم جهمية، بشر المريسي هذا من كبار المعتزلة وهو من الجهمية، وكذلك الكلابية يطلق عليهم طائفة من أئمة السلف أنهم جهمية، كذلك الأشاعرة يقال عنهم جهمية باعتبار أنهم شاركوا جهما في الأصل الذي به رد دلالة النصوص وهو مشاركتهم له في تحكيم العقل على النص.

إذن نسبة الطوائف وفرق الضلال إلى جهم بالتبعية له في الأصل الذي أصله إن كانوا لا يقولون بكل ما يقول جهم فليست النسبة مقتضية بالمماثلة في كل شيء والمساواة بل إذا وافق في الأصول، وإن زعم أنه لا يقول بقوله.

التأويلات التي ذكرت في كتب الأشاعرة مثل [......] كتاب التأويلات [....] وهو مطبوع، ومثل كتاب الرازي تأسيس التقديس، الذي رد عليه شيخ الإسلام في كتاب كبير سماه [محو التأسيس] وكغيرهم من المعتزلة والماتريدية لما أولوا من النصوص، هؤلاء إنما تبعوا أوائل المعتزلة والجهمية في تأويل النصوص، تبعوا بشرا المريسي وأمثاله، بل إن بشرا المريسي أعرف بدلالات المنقول والمعقول –مثل ما ذَكر- من هؤلاء؛ لأنه لم يخض في تأويل كل الصفات وإنما خاض في تأويل ما يعظم الشبهة عنده في تأويله، وأما هؤلاء المتأخرون فإنهم خاضوا في تأويل كل الصفات التي لا يثبتونها بجراءة وعدم مراعات عقول الناس، ومن أعظم ذلك دخولهم في تأويل العلو وتأويل الاستواء ونحو ذلك من الصفات.

فالمقصود أن الطريقة متتابعة وأنَّ طريقة هؤلاء إنما هي تبع لطريقة بشر المريسي، وبشر المريسي وأتباعه أجمعت الأمة في وصفهم يعني الفرقة الناجية، أجمع السلف في وصفهم الأئمة ومن تبعهم على أنهم ضلاَّل، وكفّرهم طوائف كثيرة من أهل العلم، وهذا ظاهر بيّن، فالأخذ بمقالتهم أخذ بالضلال الذي أجمع على تضليل من قال به السلف الصالح رضوان الله عليهم، ورحمهم الله تعالى.

([26]) بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فأسأل الله جل وعلا أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وأن يبصرنا في ديننا وأن يجعل هذا العلم نورا في القلوب وبصيرة لما نأتي ونذر.

ما ذكره هنا تَعداد للكتب التي توجد فيها أقوال السلف في الاعتقاد، وسمعت منها كتبا كثيرة سيأتي كثير من النقول عنها، كذلك نقل عنها وعن غيرها ابن القيم رحمه الله في كتابه ‹اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية› وينقل عنها أهل العلم نصوص السلف في العقيدة في باب الإيمان والقدر وغير ذلك، هذه الكتب التي ينقل عنها يكتفى فيها بشهرة الكتاب ونقل العلماء عنه، ولا يشترط فيها أن يثبت الكتاب لمصنفه وذلك لأن الكتاب إذا نقل عنه أهل العلم واعتمدوه فإن هذا يكفي في النقل عنه، يعني أن يُعتمد وينقل عنه لأن العلماء نقلوا عنه، ولا يفتقر ذلك إلى صحة نسبة الكتاب إلى المؤلف؛ لأن المقصود ما اشتمل عليه الكتاب من الأقوال، وذلك لأن في بعض ما سمعنا من الكتب شيئا من البحث في نسبة الكتاب إلى مؤلفه مثل كتاب الحيدة للكناني، فإن هناك بحثا [انتهى الوجه الأول من الشريط الثاني] معروفا في نسبته إلى مؤلفه، وهكذا أيضا غيره.

المقصود أن هذه الكتب اعتمدها المتقدمون من أهل العلم ونقلوا عنها، وكلام السلف من حيث الأصول وأيضا أفراد العقيدة موجود في هذه الكتب، من حرص على كلام السلف وجده في هذه الكتب.

المسألة الثانية مما يتعلق بهذا المقام أن كتب المتقدمين من السلف ليست بسهولة الأخذ منها ومنهجية تصور مسائل العقيدة منها كالكتب التي صنفت متأخرة لأئمة السنة كلمعة الاعتقاد والواسطية والحموية والتدمرية هذه وأشباه ذلك؛ وذلك لأن تلك الكتب تعتمد على نقل أقوال السلف، كلام السلف واحد كقواعد في العقائد، وليس يُفهم على أن كل قول منه أصل وقاعدة في بابه، كلام السلف يفهم بعضه مع بعض، سواء كان ذلك كلام الصحابة أو كلام التابعين أو كلام تبع التابعين، أو كلام الأئمة، وذلك لأنه يوجد في كلامهم متشابه، لابد من إرجاع بعضه على بعض، حتى يحكم القول في مسائل الاعتقاد، نعم أكثر كلامهم واضح؛ لكن طالب العلم إذا لم يكن عنده تقعيد جيد في العقيدة، فإنه إذا نظر في كلام الأولين قد يشتبه عليه، ولا يدرك المراد منه، وذلك لأن فهمه يحتاج إلى جمع أقوالهم ومعرفة اصطلاحاتهم؛ بل ومعرفة ما يجري في ذلك الزمن من ردود وأقوال، فمن الكلام المنقول عن السلف ما لا يفهم إلا بفهم بساط الحال الذي كان يعيش عليه ذلك الكلام، وهذا كثير في فهم كلام أهل الفتوى في كل زمان.

ذكر أيضا فيما سمعت كتاب الصفات للبيهقي، والبيهقي معدود في الطبقة الأولى من طبقات الأشاعرة، والطبقة الأولى هي أقرب طبقات الأشاعرة لأهل الحديث، فالبيهقي رحمه الله في كتابه الأسماء والصفات خلّط في أبواب الصفات، ولم يجر فيها على طريقة أئمة السنة المتقدمين، فقسم الصفات إلى صفات ذات وإلى صفات فعل، فما كان من صفات الذَّات وجاء نصه في القرآن يعقد له الأبواب لإثباته، وما كان من صفات الفعل -في بعضها- فإنه يتأوله، ويعقد الباب لذكر ما جاء فيه، يقول مثلا: باب ما جاء في الضحك، باب ما جاء في الإتيان، باب ما جاء في الهرولة، وذكر شيخ الإسلام له لا لأجل أنه من كتب أئمة السنة ولكن لأجل أن أقوال السلف موجودة فيه، فهو كتاب ينقل فيه البيهقي بالأسانيد عن المتقدمين، فتؤخذ منه أقوال السلف في مسائل الاعتقاد في الأسماء والصفات.

([27]) الأصل في الترضي أنه للصحابة، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾[التوبة:100]، ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾[الفتح:18]، وغير الصحابة يجوز أن يُترضى عنهم؛ ولكن بشرط أن لا يكون ذلك شعارا؛ معناه ألا يلتزم مع ذكر من هم دون الصحابة دائما الترضي، مثل الصلاة، فيجوز أن يُصلى على غير الأنبياء لكن لا يكون ذلك دائما على جهة الشعار، صلَّى الله على أبي بكر، كما قال بعض الصحابة فهذا جائز على جهة المرة والمرتين، فالنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ كان إذا أتاه قوم بصدقاتهم صلَّى عليهم، فأتاه ابن أبي أَوْفَى بصدقة قومه قال«اللهم صلِّ على ابن أبي أوفى» أو «على آل أبي أوفى»، وأوسع من الصلاة الترضي، فإنه يسوغ الترضي؛ لكن لا يُجعل ذلك بندية الترضي على الصحابة، يعني يقال مرة مرتين ثلاث، ونحو ذلك، ولا يلتزم مع إمام من الأئمة.

([28]) هذا الكلام قواعد كلها تحتاج إلى تفصيل لكن تأخذون تفصيلها من مظانه.

ننبه هنا إلى التحريف والتعطيل والتكييف والتمثيل هذه العبارة جُمعت من أقوال متنافرة للسلف بفهم مذهب السلف بعامة.

التحريف: صرف اللفظ عن معناه إلى معنى آخر لا يحتمله البتة، قد يكون بزيادة أو نقصان، مثل تفسير استوى استولى، هذا تحريف لا تدل عليه اللغة ولا يحتمله اللفظ، مثل تفسير الإتيان بإتيان الأمر هذا تحريف أيضا؛ لأنه لا دليل يدل على ذلك.

كذلك التعطيل: التعطيل هو الإخلاء يعني إخلاء الرب جل وعلا عن الصفة، فحقيقة قول النفاة أنهم عطلوا الله عن صفاته يعني أخلوه جل وعلا من أن يكون موصوفا بصفة.

والتكييف: أن تُجعل الصفة على كيفية من الكيفيات، يكيف الصفات، فيقول مثلا: كيفية استواء الله جل وعلا هو كذا وكذا، كيفية سمع الله جل وعلا هو كذا وكذا، كيف يسمع؟ يقول كذا وكذا؛ يجيب، هذه الطريقة لبعض الضالين في القديم، يكيفون، وهذا منفي لأن الله جل وعلا إثبات الصفات له إثبات وجود لا إثبات كيفية.

والأخير التمثيل: التمثيل هذا نفي يقول الله جل وعلا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11]، التمثيل قد يكون، التمثيل هو إثبات المثل أو المثلية، قد يكون في صفة من الصفات، وقد يكون إثبات المثل في أكثر من صفة أو في الذات والصفات، وهو خلاف التشبيه، فالتمثيل أن يقال يده كيد الإنسان، استواءه كاستواء الإنسان، هذا يقول هذا مثل هذا، هذا أيضا منفي؛ لأن الله جل وعلا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11].

وتفاصيل هذه الجملة بتعريف هذه الألفاظ الأربعة تجدونها فيما سبق ذكره في شرح الواسطية أو في الكتب المعروفة في ذلك.

قال بعدها كلمة مهمة هي قوله: إنما وصف الله جل وعلا به نفسه أو وصفه به رسوله r حق لا مرية فيه، يُفهم من حيث مقصود المتكلم بكلامه. هذه الكلمة دقيقة؛ وذلك أن مقصود المتكلم بكلامه: تارة يكون من جهة أفراد الكلام، وتارة يكون من جهة التركيب.

مثلا يقول هذا كتابي، تفهم معنى الكتاب هو الذي في ذهنك منه، يقول مررت بفلان، تفهم معنى المرور حيث هو كلمة وفلان تتصوره، هذا استعمال للألفاظ وفهم المعنى العام مبني على فهم هذه الألفاظ.

هذا يسمى المعنى الإفرادي للكلام؛ يعني يفهم الكلام بفهم أفراده، هذا نوع.

والثاني وهو مهم في هذا الباب أن المتكلم يُفهم كلامه بتركيب الكلام بسياق الكلام، وهذا هو الذي يسمى عند الأصوليين بالدلالة الحملية للكلام، هذا في غاية الأهمية للناظر في هذا الباب باب الأسماء والصفات؛ لأن من ادعوا التأويل وأن السلف أوّلوا في باب الأسماء والصفات احتجوا ببعض كلامهم في هذا الأمر، وهم إنما أرادوا دلالة التركيب ومعلوم أن الكلام إذا دل بتركيبه فإنه لا يكون نفيا بما دلت عليه أفراده.

مثال ذلك قول الله جل وعلا ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾[الفرقان:45]، الظاهر الإفرادي للكلام (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ) أن الرؤية تكون لله؛ يعني يرى اللهَ جل وعلا يرى الرب جل وعلا (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ)؛ لكن لما قال (كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) علمنا بدلالة التركيب وهو ما يُفهم به مقصود المتكلم من كلامه أنه أراد قدرة الله جل وعلا ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾[الفرقان:45].

كذلك قوله جل وعلا ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾[النحل:26]، (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ) هل هذه من آيات الصفات فيها الإتيان؟ لا، ولم يحملها السلف على ذلك، وليست من آيات صفة الإتيان؛ لأن المقصود بالإتيان إذا أثبتت الصفة إتيان الذات وليس إتيان الصفات، هنا (أَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ) نقول ليس هذا دليلا على صفة الإتيان لأن التركيب تركيب الكلام يدل على أن المراد إثبات الصفة بقوله (أَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ) ومعلوم أن المتقرر في أنه جل وعلا ليس كمثله شيء أن الله جل وعلا لا يأتي بذاته للبنيان من قواعده، فهو جل وعلا أجلُّ من ذلك ومستوٍ على عرشه سبحانه، وإنما المقصود إتيان صفاته اللائقة في هذا الموضع وهي قدرته وبسطه وقوته وعقابه ونكاله بالكافرين لذلك قال(فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ).

أيضا من أمثلته –نطيل فيها لأجل أهمية ذلك- قوله جل وعلا في سورة البقرة﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾[البقرة:115]، هنا فسر السلف الوجه بالقبلة؛ لأن الوجه من حيث اللفظ يطلق على الجهة ويطلق على الصفة، وجه بمعنى وِجهة، والوجه وجه الله بمعنى الصفة التي هي الوجه المعروفة، هنا ما حُمل على الصفة مع أنها إضافة وجه الله، إضافة صفة إلى متصف، وذلك لدلالة السياق لدلالة التركيب، وهذا ظاهر لقوله (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) لسياق الآيات في القبلة (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) يعني القبلة؛ ولهذا خرجت هذه الآية من أن تكون من آيات الصفات.

كذلك قوله جل وعلا ﴿ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾[القلم:42]، (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) هذه هي الآية الوحيدة التي اختلف فيها السلف هل هي من آيات الصفات أم ليست من آيات الصفات؟ وبعضهم قال من آيات الصفات وبعضهم فسرها بما يخرجها عن كونها من آيات الصفات، لم؟ لتنازع هذا الموضع بين أن يُقصد الفرد فتكون من آيات الصفات، أو أن يكون المقصود التركيب فتكون من غير آيات الصفات، يعني هل يفهم الكلام بفهم كلمة (سَاقٍ)، أو نفهمه مع سباقه ولحاقه فمن فهمه مع سباقه ولحاقه، العرب تقول كشفت الحرب عن ساقٍ إذا كشفت عن هول وشدة، وهذا استعمال تركيبي تستعمله العرب للدلالة على الهول والشدة، فلهذا قال ابن عباس وغيره (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) يعني عن هول وشدة. وآخرون كأبي سعيد وغيره: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ) يعني عن ساق الرحمن جل وعلا فيما جاء في الحديث في الدلالة على ذلك.

المقصود هذا البحث مهم وطويل فروعه، تضبطه بأن ظاهر الكلام قد يكون من جهة اللفظ، وقد يكون من جهة التركيب؛ لأن الذي يفهم به مقصود المتكلم من جهة ظاهر كلامه، لأننا لا نعلم بواطن الكلام، لكننا نعلم ظاهر الكلام، هذا مقصود المتكلم نفهمه من جهة ظاهر الكلام، وهذا الظاهر قد يكون من جهة الأفراد، وقد يكون من جهة التركيب، ولهذا ينقسم الظاهر إلى ظاهر إفرادي وتركيبي.

هذا البحث أطال عليه شيخ الإسلام في مواضع كثيرة من كتبه، وهو معروف من جهة أصول الفقه في الركن الثالث من علم الأصول وهو دلالة الألفاظ أو الاستدلال.

([29]) يعني يلزم من كون الشيء حادثا أن يكون قبل ذلك عدما، حدوث الشيء يستلزم سبق حدوثه بالعدم.

([30]) (كما لا يمثلون) هنا الكاف هذه كاف التقعيد، يعني ما بعدها قاعدة، ذكرت لكم أنه عند الفقهاء والعلماء تتأتي الكاف تارة للتنضيد التمثيل وتارة تأتي الكاف للتقعيد، يعني يكون ما قبلها فرع من فروع ما بعدها ، هنا قال: لا يمثلون صفات الله بصفات خلقه كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه. هنا تمثيل ذاته بذات خلقه هذا شيء مجمع عليه أنه لا تمثل الذات بذات الخلق وإنما الخلاف بين الصفاتية في مسألة الصفات، فإنه كذلك لا يمثلون الصفات بصفات خلقه خلافا للمجسمة، فهم لا يمثلون الصفة بالصفة لأنهم لا يمثلون الذات أصلا بشيء من الذوات، فكما أن ذات الله جل وعلا لا تشبه الذوات وكذلك صفاته لا تشبه الصفات، وهذه القاعدة جاءت في التدمرية تبعا لما ذكره الخطابي في كتاب معالم الإيمان أو نحو ذلك، ذكر قاعدة السلف في هذا أن القول في الصفات كالقول في الذات، يحتذى فيه حذوه، وينهج فيه على منواله.

([31])الجوهر ما يقوم بنفسه، والعرض ما لا يقوم إلا بغيره.

([32]) هذا الكلام من شيخ الإسلام تقرير لأصل متفق عليه، وبهذا الأصل يرد على الطوائف الضالة؛ ذلك هو قول الله جل وعلا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11]، فالله جل وعلا ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، فالذين أوَّلوا، الذين عطلوا الله جل وعلا عن صفاته إما جميعا كالجهمية، وإما بعض الصفات كالصِّفَاتية من المعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية ونحو هؤلاء، هؤلاء وقعوا في التمثيل أولا، ثم وقعوا في التعطيل ثانيا، لأنه لا يمكن أن يعطل الله جل وعلا عن صفة من صفاته إلا بسبب أنَّ الذي عطّل قام في قلبه التمثيل ثم لأجل ما قام في قلبه من المعنى الباطل عطَّل، فمثلا إذا أتى لقول الله جل وعلا ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، وقع في قلبه أن اليدين في هذه الآية مثل يدي المخلوق، فلما وقع في قلبه هذا المعنى الذي هو التمثيل، قال: اليدان هنا بمعنى القدرة، أو بمعنى النعمة. وسبب هذا التأويل أنه وقع في قلبه أن النص فيه التمثيل، فنفى هذا التمثيل الذي قام بقلبه، أو وقع في قلبه بدلالة النص فنقول هذا من شر ما يكون؛ لأنَّ المعطل شر من الممثل؛ لأن الممثل مثَّل أولا والمجسم جسَّم، لكن المعطل مثل في قلبه ثم سعى لنفي هذا التمثيل الذي قام في قلبه وحمل عليه النص أو ظن أن النص يمكن أن يدل عليه فسعى لتأويله أو لدلالة المجاز عليه أو نحو ذلك. لهذا قال هنا كل معطل لا بد أن يجمع بين التمثيل والتعطيل؛ لأنه ما عطل إلا وقد مثل في قلبه أولا، فنفى ما قام بقلبه من المثلية التي نفاها الله جل وعلا بقوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11] سبحانه وتعالى.

تعلمون الكلمة المشهورة عند السلف: الممثل يعبد صنما، والمعطل يعبد عدما، والسني يعبد إله واحدا فردا صمدا.

([33]) ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾[الفتح:28]، هذه الجملة التي سمعنا من كلام المصنف رحمه الله فيها تأصيل فساد تأويل الآيات والأحاديث التي في الغيبيات بالعقل، والعقل قد حكّمه المبتدعة من الجهمية فالمعتزلة فمن بعدهم إلى يومنا هذا، حكموا العقل في ردّ النصوص، ولهذا وصف العقلانيين يشمل كل من ردّ النصوص بحجج أو بتأويلات عقلية.

والواجب على عباد الله أن يسلموا في الأمور الغيبية بما دلت عليه النصوص؛ لأن الله جل وعلا أعلم بخلقه سبحانه وتعالى، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[الملك:14]، وقال جل وعلا ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمْ اللَّهُ﴾[البقرة:140]، وقال جل وعلا ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾[آل عمران:95]، وقال جل وعلا ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا﴾[النساء:87]، وقال﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلًا﴾[النساء:122]، فالله جل وعلا خبره صدق وحق ويأخذ على ما دل عليه في ظاهره، والذين أولوا الآيات والأحاديث في الأمور الغيبية وصرفوها على حقائقها اللائقة بها إلى معان أخر احتجوا بالعقل، قالوا العقل الصريح اضطرنا إلى ذلك، فمثلا حينما نفوا رؤية الله جل وعلا في الآخرة، قالوا: العقل الصريح يردُّ إمكان هذه الرؤية. كما هو قول الجهمية والمعتزلة، قالوا: لأن الذي يرى لابد أن يكون في جهة، ولابد أن يحاط به من جهة الرؤية، وإذا كان في جهة معناه أنه في مكان، وإذا كان في مكان معناه أنه متحيز وأن ثم مكان من مخلوقاته يسعه، وهذه كلها كما يقولون نعلم بالعقل أنها لا يمكن أن تكون؛ أنها باطلة؛ لأن الله جل وعلا ليس بمحاط بشيء من خلقه ولا متحيز بشيء من خلقه من الأمكنة ونحوها، فدلنا ذلك على بطلان الرؤية، وعلى بطلان الاستواء على العرش وما أشبه هذا.

فنفوا الرؤية لأجل هذا الصريح عندهم، وسبب ذلك أنهم جعلوا الصفة من الله جل وعلا من جنس ما يتصف به المخلوق فهم لم يحكموا على الله جل وعلا إلا ما رأوا في الدنيا، ومعلوم أن الفعل الصريح أيضا يدل على أنه يحتمل أن تكون أشياء لا يعقلها العقل.

وهناك مثل بين في ذلك وهو الروح؛ روح الإنسان: فهذه الروح هي في الجسد؛ ولكن هل هذه الروح باقية في الجسد؟ متحيزة به لا تخرج عنه؟ أم أنها تذهب وتجيء وتصعد إلى الله جل وعلا وترسل ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾[الزمر:42]، فهذه الروح لا يعقلها ابن آدم، فدل على أن تحكيم بعض قوانين المخلوقات في بعض، أن هذا ليس من الحكمة، وليس من العقل، فكيف بتحكيم قوانين المخلوقات على الله جل وعلا؟ ولهذا قال سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11]، فلا يجوز أن يوصف الله جل وعلا، أو أن ينفى عنه الوصف في قياس شمولي، ولا بقياس منطقي؛ وذلك لأنه لا ينطبق عليه جل وعلا ما ينطبق على المخلوقات، هذا العقل الذي أولوا به النصوص متناقض أصلا؛ لأننا نجد أنَّ المعتزلة مثلا يثبتون البعث بعد الموت، ويثبتون بعض الصفات.

والنافي للبعث والنافي للصفات التي أثبتها المعتزلة يقول: دلنا العقل الصريح على عدم إثباتها. والمعتزلة يقولون: العقل دل على عدم امتناعها.

ويأتي بعد المعتزلة الكلابية فيقولون المعتزلة أثبتوا ثلاث صفات ونحن نثبت سبعا؛ لأن العقل الصريح دل على إثبات هذه السبع.

والماتريدية وجاءوا وقالوا نثبت ثمان صفات لأن العقل الصريح دل أيضا على إثبات ثمان صفات.

فإذن العقل الذي به تأول المعتزلة النصوص وظن أنه هو الصريح وأنه هو الذي يجب أن تخضع إليه الآيات والأحاديث، خالفهم فيه عقل الكلابية، وعقل الأشاعرة، وعقل الماتريدية، وخالف الأشاعرة أيضا في عقلهم الماتريدية.

فإذن عقول أصحاب هذه الفرق التي تعتمد على العقل بعضها يضاد بعضا، فأي عقل هذا الذي يُحكَّم على النصوص؟ لا مناص من القول في أن هذا العقل لا يوجد؛ لأن أصحاب العقل الذين يحكمونه مختلفون في تحكيمه، وهذا قطعي.

لهذا نقول ما من شيء قال فيه المبتدعة إن العقل يحيله من الأمور الغيبية، إلا وثَم دليل على أن العقل لا يحيله.

وخذ مثلا على ذلك الرؤية التي مثل بها شيخ الإسلام؛ رؤية الله جل وعلا، الأشاعرة أثبتوا الرؤية، والمعتزلة نفوا الرؤية، الأشاعرة قالوا: يرى لا في جهة؛ يعني شيء يكون إدراكه في نفس الإنسان لكن رؤيته لا تكون إلى جهة معينة, والمعتزلة قالوا: إن رؤية الله جل وعلا إن أثبتناها بحسب ما جاء بالآيات والأحاديث فمعنى ذلك أن الله في جهة, وإن نفيناها نفينا أن الله في جهة، وعقل المعتزلة في هذه -من اطراد الإثبات والنفي- صحيح، وأما الأشاعرة فمتناقضون.

ولهذا أهل السنة قالوا بإثبات الرؤية وإثبات علو الله جل وعلا؛ لأن الله سبحانه وتعالى له علو الذات وعلو الصفات سبحانه؛ فإذن هو يُرى وهو في جهة العلو جل وعلا، فالعقل [انتهى الشريط الثاني] مع النقل دلّ على إثبات ذلك وعدم التناقض بين هذا وهذا, ولهذا جعل شيخ الإسلام من الأوجه وهو الوجه الأول: في كل مسألة زعموا أن العقل يحيل الإثبات, نقول في العقل ما يدل على الإثبات، وتضرب بعض المبتدعة ببعض، فالجهمية تضربهم بالمعتزلة, والمعتزلة تضربهم بالأشاعرة, والأشاعرة تضربهم بالماتوريدية, وهكذا في تناسق؛ يعني هذا ضد هذا, هذا ضد هذا، حتى تصل إلى أن قول السنة هو الحق وأن العقل لا يحيل شيء من الصفات.

وأعظم دليل على ذلك أن الله جل وعلا لا يقاس بأحد من خلقه، لا قياس شمول، ولا قياس منطق.

المسألة الثانية التي تعرض لها هي: أن نصوص الصفات تُعلم بالاضطرار ليست دليلا واحدا يمكن تأويله، ولا هما نصان يمكن أن يتأولا؛ ولكن هي كثيرة، كثيرة جدا، حيث إنه يعلم بالاضطرار أنَّ المراد بها وصف الله جل وعلا بهذه الصفات. فوصف الله جل وعلا بالعلم, وصف الله جل وعلا بالقدرة, بالكلام، بالسمع, بالبصر, بالحياة، هذا كثير, كثير جدا في القرآن، ولهذا في هذه الصفات لم ينكرها الأشاعرة, ولم ينكر بعضها المعتزلة كذلك غيرها من الصفات؛ الصفات الذاتية أو الفعلية, كصفة الوجه لله جل وعلا أوصفة اليدين، أو صفة القدم له سبحانه وتعالى, أو صفة الساق، أو غير ذلك من الصفات، كلها ثابتة لله جل جلاله، لا يُدخل فيها بتأويل, لأن التأويل يمتنع في هذا بقوة؛ بل بجزم لأن النصوص كثيرة جدا مما يُعلم معه أنه لا مجال للتأويل قطعا، ولا يدخل فيها التأويل؛ لأن التأويل كلمة أو جملة تأتي ويراد منها غير ظاهرها لقرينة -كما يُعرِّفون التأويل بأنه صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره بقرينة دلَّت على ذلك-, هذا يكون في دليل, يكون في مسألة, أما في نصوص الصفات فهي كثيرة كثرة يمتنع معها أن يكون كل هذه الكثرة يُخاض فيها بالتأويل، وإلا يكون أنَّ النبي r بل النبوات جميعا أتت بما لا يدركه في صفات الله جل وعلا أحد.

([34]) وهذه الثلاث هي صفات الكمال، صفات الكمال في البشر ترجع إلى هذه الثلاث؛ كمال العلم والقدرة والإرادة، إذا كان هناك علم وقدرة وإرادة نتج الفعل أو القول بما يوافق الحكمة، وإذا كان كلامه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ حكمة فإنه ينفى عنه الباطل، فكمال هذه الصفات تنتج أنَّ ما قاله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ هو الحق في نفسه، وكونه عليه الصلاة والسلام كاملا في العلم، وكاملا في القدرة البشرية، وكاملا في الإرادة الجازمة التي ليس فيها تردد، هذا متفق عليه بين الفرق، وإذا كان متفقا عليه فيلزم من ذلك أن يُتَّفق على كونه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ حكيما صادقا فيما أخبر به، وإذا كان حكيما فيما أخبر به عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ من صفات الله، فمعنى ذلك أن ظاهر هذه الصفات مرادة؛ لأنه إذا كان يخبر عن الله بصفات كثيرة في كل مجلس وبتنوعها ولا يكون ظاهرها مرادا، فيقع في الخلق اعتقاد ما ليس ظاهره مرادا، هذا ينافي الحكمة.

ولهذا نقول: هذا البرهان ضد كل مبتدع، فنقول لكل مبتدع تأوَّل أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام في الصفات أو في الغيبيات، نقول: أليس هو عليه الصلاة والسلام أكمل الخلق علما؟ فسيقول: بلى. أليس هو عليه الصلاة والسلام أكمل الخلق قدرة؟ فسيقول: –يعني القدرة البشرية المناسبة له- بلى. أليس هو عليه الصلاة والسلام أكمل الخلق إرادة فلا تردد في قلبه، بل هو جازم بما يعتقده عليه الصلاة والسلام، أكمل الخلق إرادة؟ فسيقول:بلى. فينتج من ذلك أنه أكمل الخلق حكمة، ثم ينتج من ذلك أنّ ما أخبر به هو الموافق للحكمة، وهو هذه الأخبار التي ظاهرها إثبات الصفات، ظاهرها إثبات البعث، إلى آخره.

وإذا كان أكثر الخلق لا يستطيعون الدخول في هذه الأحاديث بالتأويل، وإنما التأويل صنيع الخاصة عند هؤلاء المبتدعة، فإما أن تنفى عنه عليه الصلاة والسلام، فيكون ناقضا لذلك الاعتقاد الأول في أنه عليه الصلاة والسلام كامل العلم والقدرة والإرادة، وإما أن يقال هو عليه الصلاة والسلام حكيم؛ بل هو أحكم الخلق، فيكون إذن في ذلك البرهان على إثبات الصفات والغيبيات.

([35]) ولهذا قال جل وعلا ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾[فاطر:44]، فقال جل وعلا (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ) العجْز إما أن يكون:

§ عن عدم علم أو نقص في العلم.

§ وإما عن عدم قدرة أو نقص في القدرة.

§ وإما عن عدم إرادة أو نقص في الإرادة.

هذا به يكون العجز، ولهذا قال سبحانه (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ) وعلل ذلك يعني لِمَ لم يُعجزه شيء سبحانه؟ علل ذلك بقوله (إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) لكمال علمه وكمال قدرته ليس يعجزه شيء سبحانه وتعالى، فهكذا هو عليه الصلاة والسلام لكمال علمه البشري ولكمال قدرته البشرية وإرادته البشرية كَمُل قوله فعله عليه الصلاة والسلام وصار موافقا للحكمة.

([36]) الفلاسفة الإلهية؛ لأن الفلسفة لها عدة أقسام، فهنا قوله (الفلاسفة الإلهية) يعني الفلاسفة الذين اعتنوا بالإلهيات، والفلاسفة منهم من اعتنى بالرياضيات، ومنهم من اعتنى بالطبيعيات، ومنهم من اعتنى بأثر الأصوات والألحان والموسيقى إلى آخره، ومنهم من اعتنى بالإلهيات هؤلاء هم الذين اعتنوا بما يسميه الفلاسفة ما وراء الطبيعة، قسم من أقسام الفلسفة، وهو أعظمها شأنا عندهم.

يريد أن يقول أنّ الفلاسفة الإلهيين هم الذين اهتموا بالفلسفة الإلهية علموا تلك الحقائق.

([37]) يعني الأشعرية مثل الرازي والآمدي وأشباه هؤلاء.

([38]) قوله (أن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات) يعني -لا من جهة الإثم، إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات من جهة الإثم، لا، قصده من جهة البرهان.

([39]) هذا التقسيم لطريقة الضلاّل في الوحي وفي النظر في النصوص مهم، وتأصيل وتقعيد لهذه الانحرافات العظيمة، فإن الضلال في هذا الباب على ثلاثة أقسام: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل.

وأهل التخييل: سماهم شيخ الإسلام بذلك؛ لأنهم قالوا الغيبيات عرضت في النصوص بما عرضت به من جهة الخيال لا أنها حقائق وإنما هي خيال، فليس ثَم بعث للأجساد وإنما هو خيال، وليس ثم جنة على ذلك الوصف إنما هو خيال، وليس ثَم نار على ذلك الوصف إنما هو خيال، وليس ثَم كذا وكذا وإنما هذه خيالات، وكذلك في أبواب الصفات فإنّ الله وصف نفسه بكذا وكذا وكذا وقالوا هذه أخيلة كلها؛ لأجل أن يتخيل الجمهور من الناس هذه الأشياء، فسئلوا لِمَ يُحتاج إلى ذلك؟ قالوا: لأن فلسفتنا دلت على أن الجماهير لا يُصلحها البرهان العقلي وإنما تصلحها الأخيلة، فإذا جُعلت لهم الأمور بتخييل يناسب ما يحدث الإصلاح عندهم بأن يكونوا أناسا صالحين في الدنيا، يَعْمُرونها دون تعدي وظلم، فإن هذا الذي يناسب ويصلح، فإذن يكون المراد كمن ذكر العذاب تخييل ليخوف الناس حتى يكونوا صالحين عند أهل الوهم والتخييل، وذكر الصفات كذلك المقصود منها التخييل.

وهذا والعياذ بالله أعظم تكذيب لما جاءت به الرسل، ولما أخير الله جل وعلا به في كتبه جميعا، فإن الأخبار لا تقبل النسخ ولا التخصيص؛ لأنّ –الأخبار- إنما مدارها على الصدق أو الكذب والله جل جلاله أخبر بصفة الجنة وصفة النار وأخبر بالبعث في كتبه جميعا، فهذه أخبار لا تتغير بتغير الشرائع ولا بتغير الرسل؛ لأنها خبر صادق من الله جل جلاله، فهذا من قال إنه تخييل هو تكذيب لله جل وعلا ذلك أن الله أخبر بما هو كذب في نفسه، وهذا أعظم ذنب أن يكون المرء مكذبا لله جل وعلا فيما جاءت به الرسل جميعا.

هؤلاء في نصوص الصفات أيضا سلكوا هذا المسلك، فقالوا: في نصوص الصفات ظهرت مظهر التجسيم -كما يقولون- لله وجه، ولله يدان، ولله أعين، ولله جل وعلا صفة كذا وكذا وكذا، وإنما المقصود أن يتخيل الناس أن إلههم له هذه الصفات التي هي من جنس صفاتهم، فيكون قويا قديرا له ذلك، كما يتخيلون الملك القوي في الدنيا فيكون ذلك أبلغ في طاعته وفي عبادته. وهذا قول الفلاسفة الإسلاميين يعني المنتسبين للإسلام الغلاة منهم، وإلا فإن الفلاسفة طبقات في هذا.

وكذلك منهم يعني من الفلاسفة في هذا: الباطنية -لأن الباطنية فلاسفة-، الإسماعيلية وإخوان الصفا والفرق التي تفرعت عن ذلك فإن منهم طوائف تقول بهذا التخييل وحتى النبوات قالوا إنها يمكن أن يتحصل عليها، والحقائق -إذا كانت هذه تخاييل- الحقائق من يدركها؟ يقولون يدركها من صَفَّى باطنه عن الأوهام من الفلاسفة الإلهيين وأشباههم.

المقصود من هذا أن هذا القسم هم الغلاة وهم كفار عند علماء الإسلام؛ بل أجمعت الأمة على كفر من قال بهذا، فمن قال إن شيئا من النصوص إنما هو للتخييل وللإيهام لأجل مناسبة الجمهور وإلا فإنه لا حقيقة له، فإنه تكذيب لما أخبر الله جل وعلا به، وهذا كفر بالاتفاق.

وكذلك الباطنية والفلاسفة من جهة الأعمال أيضا يقولون إن الأمر بالأعمال كان لأجل الإصلاح، فإذا صلحت النفس وأشرقت فلا حاجة إلى العمل، لهذا الفلاسفة وغلاة الباطنية يسقطون على أنفسهم العلم فلا يعملون البتة لا صلاة وصيام ولا زكاة ولا حج ولا سائر الأعمال الصالحة؛ لأن العمل مقصود منه شيء وهو الوصول إلى الحقيقة وتصفية الباطن عن الأغيار، فإذا وصل إلى ذلك سقط عنه ما فُرض على العامة، وهذه طريقة غلاة الباطنية والفلاسفة.

القسم الثاني من الضلال في الوحي؛ أهل التأويل: وأهل التأويل المقصود بهم الجهمية؛ فإن الجهمية هم الذين أسسوا بدعة التأويل بصرف النص عن ظاهره إلى معنى آخر بقرائن عقلية، فلا يصفون الله جل وعلا بما يستحق من الصفات التي أخبر بها عن نفسه أو أخبر بها عنه رسوله r، وإنما يقولون لابد فيها من التأويل لأن البرهان العقلي القاطع دلنا على أنه لا يمكن أن يوصف بهذه الصفات، هذا قول الجهمية الأوائل، فإنه لا يوصف الله جل وعلا عندهم إلا بصفة واحدة وهي صفة الوجود المطلق من القيود، والمعتزلة أتوا بعدهم فأثبتوا ثلاثا من الصفات وأولوا الباقي، ثم الكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب فأثبتوا سبعا، وتبعهم عليها الأشاعرة والماتريدية فجعلوا الصفات سبعا أو جعلوها عشرين بنوع من التفصيل، وأوَّلوا الباقي، وعندهم القاعدة أن التأويل هو طريقة المحققين، وطريقة الناقصين التفويض.

لهذا كل من تفرع عن الجهمية يقول بالتأويل، لهذا السلف كل مؤول يعدونه جهميا، فالأشعري يقولون هو جهمي؛ لأنه أوّل، وبدعة التأويل أتى بها الجهمية فيُنسب كل من تأوَّل إلى جهم لأنه وافقه على هذا الأصل وهو أن التأويل يكون في الصفات، فنفوا على الله جل وعلا ما يستحقه من صفات الجمال والجلال وغير ذلك لأجل التأويل بجامع القرينة العقلية التي أصَّلوها من عند أنفسهم.

الفرقة الثالثة؛ أهل التجهيل: وأهل التجهيل ذكر منهم شيخ الإسلام صنفا وهم صنفان:

§ ذكر أن أهل التجهيل الذين يقولون إنَّ النصوص نصوص الصفات والغيبيات لا يعلم أحدا معناها على الحقيقة، وإنما تمر كما جاءت ولا يُعلم معناها، كما ينقلون مخطئين في فهم ما نقلوا في كلام من نقلوه بأن الأئمة أحمد وغيره قالوا: لا كيف ولا معنى في نصوص الصفات والغيبيات. فيقولون إن المعنى لا يدركه أحد لا جبريل كان يعرف المعنى، ولا الرسول عليه الصلاة والسلام كان يعرف المعنى ولا الصحابة كانوا يعرفون المعنى، فلا أحد يعلم المعنى على الحقيقة، وعلى هذا يكونون أهل تجهيل لأنهم قالوا إن الأمة؛ بل إن جميع الخلق يجهلون معنى النصوص فلا أحد يعلم معنى النصوص الغيبية، وهذا معناه أنهم جهال بما أنزل الله جل وعلا على نبيه r، فمثلا عندهم معنى (يأتي) معنى الإتيان قد يكون هو معنى الرحمة، وقد يكون هو معنى الاستواء، وقد يكون هو معنى الغضب، وقد يكون هو معنى القدرة إلى آخره، فالمعاني لا تفهم بالعربية، وإنما الكلام جرى على هذا النحو لكن معناه لا يعلم، لا أحد يعلم معناه، هذه فرقة وهم الغلاة في هذا الباب، مع أنه منسوب هذا إلى طائفة من المنتسبين إلى السلف كما قال شيخ الإسلام هنا.

§ والطائفة الأخرى من أهل التجهيل: الذين يفوضون المعنى يقولون المعنى لا نعلمه فنفوّض المعنى إلى الله جل وعلا، والرسول r يعلم المعنى ولكن لم يبينه، ومن الصحابة من علم المعنى ولكن لم يبينه، وإنما سِيقت نصوص الصفات والغيبيات هكذا دون تفسير لها، ومعانيها غير هذه الظاهرة منها، لهذا يقولون معنى قول السلف أمروها كما جاءت يعني لا تخوضوا فيها.

وهذا باطل بوضوح؛ لأنهم قالوا كما جاءت، ولم يقولوا أمروها فقط، وإمرارها كما جاءت في نصها العربي كما هو معلوم، وهذا هو المذهب المعروف بمذهب أهل التفويض، مذهب المفوضة، فإن المفوضة أهل التجهيل لأنهم يقولون نجهل المعنى، وهذا قول كثير من المنتسبين لأحمد من المتأخرين، وقول طائفة من المنتسبين للأشعرية من المتأخرين، ويظنون أن هذا مذهب السلف، وهذا باطل فإنه مذهب أهل التجهيل، ولهذا من عقائد الأشعرية التفويض؛ تفويض المعنى من عقائد الأشاعرة، لهذا في منظومتهم المشهورة في الجوهرة:

وكل نص أوهم التشبيه أوِّله أو فوّض ورُم تنزيهَا

أوِّله كطريقة أهل التأويل وهو الكمال عندهم (أو فوّض) المعنى (ورم تنزيها) وهذا قول طائفة منهم.

السلف وأئمتهم يفوضون ولكن يفوضون الكيفية؛ لأن الكيفية لا يعلمها إلا الله جل وعلا، كيف اتصف بهذه الصفة؟ كيف صفته الوجه؟ كيف صفته القدم؟ كيف صفته اليد؟ كيف صفته القدرة؟ لا يعلمها إلا الله جل وعلا، أما معنى اليد فنعلمه معنى الوجه نعلمه، معنى القدم نعلمه، معنى الرحمة نعلمها، إلى آخره.

فإذن التفويض اللائق أنّ يفوَّض ويوكل العلم إلى الله جل وعلا ولا يعلم أحد تأويله إلا الله سبحانه وتعالى هو تفويض الكيفية لا تفويض المعنى، أما تفويض المعنى فهو من التجهيل، وهذا قول طائفة من الضُّلاَّل؛ بل قد قال الأئمة إنَّ أهل التفويض يعني أهل التجهيل شر من أهل التأويل؛ لأنهم سلبوا المعنى أصلا عن النص الذي يعلم، وأولئك أوَّلوا فأبقوا المعنى ولكن أولوا فأبقوا المعنى ولكن أولوه إلى معنى آخر، والمعنى الآخر الذي أوَّله إليه أهل التأويل صحيح في نفسه ولكنه ليس صحيحا بالنسبة لفظ الذي أولوه، فمثلا أولوا الرحمة بأنها الإنعام، الإنعام صحيح في نفسه أن الله متصف بالإنعام، ولكن لا يصلح أن يكون تفسيرا للرحمة؛ لأن الرحمة صفة من حيث هي معلومة المعنى.

المقصود من ذلك أن يُحذر من هذه الطرائق الثلاث، وكلها مناقضة لطريقة السلف، فأعظمها الأولى أهل التخييل وهم كفار، ويليها أهل التجهيل ومنهم من يكفر إذا ادَّعى أن هذه النصوص لا معنى لها البتة، وأخفهم أهل التأويل وأولئك لا يطلق القول بكفرهم؛ ولكن منهم وهم الغلاة؛ غلاة الجهمية وغلاة المعتزلة وأشباههم منهم من حكم بكفره لتكذيبه ما جاءت به النصوص ورده ما دلت عليه. نكتفي بهذا القدر.

.. هو إذا كان يقول أن جبريل لا يعلم، النبي r لا يعلم، الصحابة لا يعلمون، لا أحد يعلم المعنى، هذا صنف.

وإذا كان هؤلاء علموا المعنى، والسادات من العلماء وعلموا المعنى؛ لكن لم يبين المعنى لأحد؛ بل يعلمون ويسكتون هذا قول المفوضة، يقول أنا ما أعلم المعنى، أفوض المعنى لله جل وعلا.

([40]) هذا البحث مهم جدا؛ وذاك لأنّ لفظ (التأويل) لفظ جاء في الكتاب والسنة، وجاء به اصطلاح جديد عند علماء الأصول، وتداخل المصطلحات فيما يأتي به العلماء من مصطلح يكون بخلاف المراد بالمصطلح الشرعي يُحدث لَبْسًا كثيرا إلا عند المحقق من أهل العلم، وذلك أنّ العلماء قد يحتاجون إلى وضع اصطلاح لمعنى من المعاني أو شيء من العلوم، فإذا كان هذا اللفظ الذي اصطلح عليه لمعنى من المعاني بتعريفه موجودا في الكتاب والسنة بمعنى آخر وقع الالتباس؛ في أن المتعاطي لذلك العلم يظن أن المراد بلفظ (التأويل) فيما يرد في الكتاب والسنة هو المراد به في ذلك العلم، وهذا له نظائر ذكرت لكم بعضها فيما مضى، ومنها لفظ (التأويل) هذا فإنه لفظ قد جاء في القرآن وجاء في السنة.

ففي القرآن مثلا قول الله جل وعلا ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ﴾[يوسف:100]، ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾[يوسف:44]، وقال جل وعلا ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾[الأعراف:53]، وقال جل وعلا ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾[النساء:59]، فهذه النصوص فيها استعمال لفظ (تأويل) وهذا اللفظ يراد منه ما تؤول إليه حقيقة الشيء، ما يؤول إليه الشيء أو تؤول إليه حقيقته؛ لأنه مأخوذ من آل يؤول بمعنى صار يصير، آل الشيء إلى كذا وكذا يؤول إلى كذا، ومعلوم أن الكلام قسمان:

§ إنشاء وهو الأمر والنهي والطلب والاستخبار ونحو ذلك.

§ وخبر.

فالإنشاء له تأويل, والخبر له تأويل؛ يعني في النصوص.

فتأويل الإنشاءات امتثالها؛ تأويل الأمر امتثال الأمر، وتأويل النهي امتثال النهي يعني البعد عنه, وذاك لأنه ما تؤول إليه حقيقة الشيء -كما ذكرنا-، هذا التأويل, فحقيقة الأمر بالشيء من الآمر يؤول إلى أنَّ المطلوب امتثاله، وحقيقة ما يؤول إليه النهي أن المطلوب الانتهاء عنه، فأوامر الله جل وعلا ونواهيه تأويلها امتثال الأمر والانتهاء عن النهي.

والأخبار مثل الخبر عن الجنة والنار والخبر عن صفات الله جل وعلا، الخبر عن العذاب, عن النعيم, عن ما يكون في عرصات يوم القيامة، وأشباه ذلك من المغيبات، أو ما يكون من المغيب في الدنيا بعد زمن تنزل القرآن، فهذه تأويلها وقوعها؛ لأنها هي الحقيقة التي تؤول إليها كما قال جل وعلا (هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ)؛ يعني ما تؤول إليه حقيقة تلك الأخبار للوعد والوعيد، وما تؤول إليه الحقيقة هو وقوعها، لهذا قال (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) [انتهى الوجه الأول من الشريط الثالث] يعني يوم يأتي وقوع ذلك وما تؤول إليه تلك الأخبار من وقوعها كما أخبر الله جل وعلا ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ﴾[الأعراف53].إلى آخر الآيات.

هذه المغيبات التي أخبر الله جل وعلا بها إما من صفاته أو أفعاله أو الجنة والنار أوما سيكون في المستقبل أو أخبار الملائكة إلى آخره، ما تؤول إليه حقيقة الخبر منقسم إلى:

§ المعنى الذي يُفهم منه وقوع الشيء.

§ والكيفية لوقوعه.

المعنى والكيفية، فاجتماع المعنى والكيفية يُقال له تأويل وهو أتم التأويل؛ يعني ما تؤول إليه حقيقة إخبار الله عن صفاته هو معناها وكيفية اتصاف الله بها، ما تؤول إليه حقيقة نعيم الجنة -مما أخبر الله به- هو معنى ذلك وكيفيته.

فإذن وقوع تلك الأخبار هو تأويلها، وما تؤول إليه حقيقتها إما أن يكون آيِلاً تأويلا لعناها حيث نفهم الوقوع بمعنى معين، وإما أن يكون تأويلا لكيفيتها يعني مع المعنى.

ولهذا جاء إثبات فهم التأويل وجاء نفيه، تأويل المغيبات، نقول نعلم التأويل ولا نعلمه؛ فنعلمه باعتبار، ولا نعلمه باعتبار؛ فإذا أريد بالتأويل ما تؤول إليه حقيقته من حيث وقوعها من جهة المعنى فقط فإن هذا نعلمه؛ لأن القرآن جاء بلفظ عربي مبين، وعلى هذا وقْف من وقَف من السلف على قوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾[آل عمران:7]، فيعلم الراسخون في العلم التأويل، والله جل وعلا يعلم تأويله، والمراد من هذا بعلم الراسخين المراد منه أنهم يعلمون تأويل المعنى.

والنوع الثاني من تأويل الخبر أن تعلم الكيفية وهذا هو الذي في المغيبات لا يعلمه إلا الله جل وعلا، وعلى هذا قول من وقف من السلف على لفظ الجلالة (اللَّهُ) وعدّه وقفا لازما (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) يعني الكيفية.

لهذا في تفسير الأحلام ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾[يوسف:44]، ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ﴾[يوسف:100] يعني ما تؤول........

أنّ التأويل في الكتاب والسنة يُراد منه ما تؤول إليه حقيقة الشيء، وهذا الشيء قد يكون إنشاء؛ أمر أو نهي، وقد يكون خبرا، ففي الإنشاء آية النساء ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، لأنه هناك أمر ونهي ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾[النساء:59]؛ يعني من جهة إنفاذ أمر الله ونهيه.

والخبر مثل ما في آية آل عمران وآية الأعراف وفي غيرها.

جاء أهل الاصطلاح وعرّفوا التأويل بأنه صرف اللفظ من الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لقرينة، وبعضهم يعرِّف التأويل بقوله صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة، وهؤلاء الذين عرَّفوا بهذا التعريف، الكلام الصحيح ويُحتاج غليه في الفقه في بعض الأشياء، وهذا التأويل منه ما هو صحيح في نفسه، ومنه ما هو ضعيف، ومنه ما هو باطل لا يصح أن يسمى تأويلا حتى عند الأصوليين.

فإذن هذا القسم من التأويل، يُدَّعى في أشياء أنها تأويل وهو لا يصح عليها التأويل حتى في اصطلاح أهل الأصول.

في نصوص الصفات -وهو ما الكلام عليه الآن- يُقال هذه الآية ليس المراد بها الظاهر وإنما المراد بها كذا، وهذا هو الذي يسمى التأويل، وتأويلها كذا؛ بمعنى أن هذا اللفظ في الصفات ليس مرادا، والمراد كذا للتأويل، والتأويل غير المجاز، الظاهر والمؤول غير الحقيقة والمجاز، فهذا التأويل ظنَّه أصحابه حقا لمجيء النصوص به في قوله (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) فعرّفوا التأويل باصطلاحهم وحملوا هذا التعريف على ما جاء في النصوص فوقع الخلط والباطل.

والصواب في هذا أن التأويل على شرح الأصوليين صحيح إذا تمت شروطه، ولكن إنما ينقل اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إذا لم يكن الظاهر مرادا، هذا شرطه، بحيث إنه يُنقل اللفظ عن الظاهر إلى غيره، يُنقل عن الاحتمال الراجح إلى المرجوح، إذا ظهر أنَّ هذا الاحتمال الراجح غير مراد، أو أنَّ الظاهر غير مراد.

ولهذا يتناقض بعض أهل التفويض مثل ما ذكر لكم شيخ الإسلام من أتباع الأئمة الأربعة يقولون: تُمرّ على ظاهرها أو تُجرى على ظواهرها وتأويلها كذا، ما يستقيم، هذا غلط حتى في تعريف التأويل عند أهله، فلا يقال تجرى على ظاهرها ولا يعلم تأويلها إلا الله، هذا تناقض؛ لأن معنى: تجرى على ظاهرها: أنك لم تحتج إلى التأويل فتفهم المعنى على الظاهر.

فإذن لا إعمال لتعريف التأويل هنا.

فإذن تعريف التأويل يكون النزاع أدق فيه مع من يقول: هذا اللفظ ظاهره غير مراد، وإنما المراد كذا وكذا من الاحتمال المرجوح لقرينة كذا وكذا.

وأما من قال الظاهر مراد ولا يَعلم المعنى إلا الله، فهذا خلط من الكلام وتناقض، مثل ما ذكر لك الشيخ تقي الدين رحمه الله.

إذن يبقى الكلام مع من يقول بتعريف التأويل على نحو ما ذكرنا، وجوابه فيما يورد من آيات الصفات أن الظاهر هو الذي ينبغي أن يفهم الكلام عليه؛ ظاهر اللفظ أو ظاهر الكلام؛ لأن السلف قالوا أمروها كما جاءت، وقال بعضهم تجرى على ظاهرها، وإجراؤها على ظاهرها ليس راجعا إلى لفظ، وإنما يرجع إلى اللفظ والتركيب جميعا، فإجراء الكلام على ظاهره يعني ما تفهمه من الكلام على ظاهره، والكلام هذا قد يكون كلمة وقد يكون جملة، فإذا قلنا بهذا فلا احتياج إلى إدخال التأويل في نصوص الغيبيات أصلا، وذلك لسببين:

الأول: أنَّ نصوص الغيبيات لا يُعلم فيها المعنى والكيفية جميعا حتى نقول إنَّ الاحتمال الراجح غير مراد وإنما المراد الاحتمال المرجوح، ومن المتقرر أنَّ صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه أو عن الاحتمال الراجح في تعريف التأويل مشروط بعدم مناسبة الاحتمال الراجح أو الظاهر -كما ذكرتُ لك-، وهذا في نصوص الغيبيات غير متحقق؛ لأننا لا نعلم حقيقة الكيفية وإنما نعلم تأويلها بمعنى المعنى؛ نعلم معناها، أما الكيفية فلا.

فإذن صرفُها ليس له وجه لأنَّ الحقيقة بكمالها معنى وكيفية لا نعلمها، وإنما نعلم المعنى فقط، والمعنى لا يخوِّلنا أن نصرف اللفظ عن احتماله الراجح؛ لأن اللفظ مشتمل على معنى وكيفية، والكيفية غير معلومة فلا بد من إبقاء دلالة اللفظ على ما هي عليه. هذا واحد.

الثاني: أن ظاهر الكلام إذا فهمناه فإننا لا نحتاج معه إلى التأويل؛ لأنَّ ظاهر الكلام يُفهم المراد.

مثال ذلك قول الله جل وعلا ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾[الفرقان45]، في قوله(أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ) ليس ظاهر الكلام أننا نرى ربنا جل وعلا في الدنيا وكيف يمد الظل في الدنيا, ليس هذا ظاهر الكلام، وإنما الذي يفهمه العربي من ذلك (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) يعني إلى بديع صَنعته وإلى بديع قدرته سبحانه وتعالى.

فإذن ظاهر الكلام يفهم منه العربي شيئا لا يحتاج الذي يريد فهمه إلى أن ينظر إلى كلمة فيه؛ لأنه إذا نظر إلى كلمة حجبته عن رؤية الكل، فلهذا احتاج كثير من العجم إلى التأويل؛ لأنهم ما يفهمون الكلام إلا بتركيب أفراده كلمة كلمتين ثلاثة، أما الكلام بعمومه ليس عندهم من فهم إلا بفهم مفرداته، مثل عندما تأتي تدرس مثلا اللغة الإنجليزية أو تدرس لغة أخرى، حتى تفهم الجملة لابد تحللها، تقول هذه معناها كذا وهذه معناها كذا ثم تتصور الجميع، العربي الذي يفهم العربية لا يحتاج إلى أن يحلل الألفاظ، وإنما يفهمه جميعا بفهم واحد وهو المسمّى: الظاهر التركيبي.

فإذن الظاهر يكون ظاهر الكلام بتركيبه وهو الذي يُفهم منه وهذا لا يُحتاج معه إلى التأويل.

مثاله أيضا قول الله جل وعلا ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾[البقرة:115]، ظاهر هذه الآية واضح في أنها ليست من آيات الصفات وإنما المقصود بها الكلام عن القبلة، (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) يعني الوُجْهَة؛ وُجْهَة الله وهي القبلة.

ومثال ذلك أيضا قوله جل وعلا في سورة النحل ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾[النحل:26]، (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ) يعني أتاه الله جل وعلا بعذابه بقدرته من القواعد وليس في الآية كما يفهمها أي عربي صحيح العربية أنّ المقصود منها إتيان الله جل وعلا بذاته إلى ذلك المكان إلى قواعده فيهدمه جل وعلا بإتيانه بذاته من القواعد، ليس هذا هو ظاهر الكلام؛ لأن ظاهر الكلام (فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ) المقصود هنا الإتيان بالصفات ليس إتيان الذات، هذا واضح من ظاهر الكلام، ولهذا لا أحد لا من السلف ولا من الخلف يقول هنا تأويلها أن المراد هنا بالإتيان إتيان الله وتأويلها هو كذا وكذا وإنما المقصود هو الإتيان بالصفات.

وهذا بخلاف قول الله جل وعلا، قالوا –يعين أهل التأويل- ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾[الفجر:22]، وجاء أمر ربك، فتلحظ من الكلام أنه على هذا التأويل ظاهر الكلام يضطرب ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾[الفجر:22]، يصبح المعنى وجاء أمر ربك والملك صفا صفا، هذا تلحظ أن المعنى اختلّ بهذا، ولهذا نقول الظاهر هنا –ما يفهم من ظاهر الكلام- هذا غير ما أولوا به وإنما هو على ظاهره من أن المجيء هو صفة وهكذا.

فإذن المقصود هنا أنّ الظاهر تارة يُفهم بكلمة، وتارة يفهم من تركيب، فما أُدعي فيه التأويل من المواطن التي أُحتيج فيها إلى التأويل مثل الأمثلة التي ذكرنا، فإنه نقول ليس ثم تأويل فيها هنا على اصطلاحكم، وإنما هذا ظاهر فالكلام لم يزل باقيا على ظاهره، والمقصود به الكلام التركيبي.

فتحصلنا من هذا البحث -وله طول تراجعونه في مظانه- أنَّ التأويل صار له ثلاث استعمالات: اثنان منها جاءت في الكتاب والسنة، وواحد في اصطلاح المتأخرين وهو الذي حملوا آيات الصفات عليه وهذا باطل لأنه:

أولا: لفظ محدث اصطلاحي فلا تحكم الاصطلاحات على النصوص.

وثانيا: ما ذكرنا من أن ذلك يُبطل دِلالة الأخبار الغيبية، وهذا باطل أيضا.

([41]) كلام ابن عباس هذا ظاهر ومعنى قوله وتفسير لا يعلمه إلا الله عز وجل فمن ادعى علمه فهو كاذب، المقصود به حقيقة الغيبيات التي انفرد الله بها وهو الكيفية.

([42]) وتدبر القرآن جميعا بقوله ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾[المؤمنون:68]، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾[محمد:24]، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾[النساء:82]، ونحو ذلك من الآيات، تدبر القرآن جميعا هو الذي أُمرنا به، تدبر القرآن جميعا يوجب أن يرد المتشابه منه إلى المحكم كما قال جل وعلا ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾[آل عمران:7]، فالكتاب؛ القرآن منه متشابه ومنه محكم، فمن تدبر القرآن كله كما أمر الله جل وعلا ردّ ما تشابه منه إلى المحكم فخَلَصَ من الإشكال، وكل زائغ عن الحق فاته تدبر القرآن جميعا، فإنه قد يتدبر بعضه، الخوارج تدبروا بعض القرآن وتركوا تدبُّر بعضه، المرجئة كذلك، القدرية كذلك، الأشاعرة، الماتريدية، المعتزلة، الجهمية، جميع الفئات، ضُلاّل الصوفية وهكذا، لكن أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح رحمهم الله تعالى وأجزل لهم المثوبة، هؤلاء تدبروا القرآن كلَّه فما تشابه في موضع ردّوه إلى المحكمات فاتضح لهم الشبيه، اتضح لهم المعنى، سواء ذلك في باب الأسماء أو في باب الأحكام أو في باب المغيبات.

([43]) ما سبق كما ذكر إنما هو أصول لتُعْلَم القواعد التي بنى عليها السلف مذهبهم، والقواعد التي بنى عليها المبتدعة مذاهبهم، وتقاسيم المبتدعة في ذلك، وهذه الرسالة مصنفة لبيان مذهب السلف، ولهذا ما سيأتي في الفصل نُقُول كثيرة طويلة عن السلف، وعن من صنف في عقيدة السلف في هذا الباب، ما ينبئ عن معتقدهم في الصفات، وفي الإيمان، وفي الغيبيات، وفي أشباه ذلك، والمخالفون –كما ذكر- هم يعتمدون العقل ويجعلون السمع تابعا للعقل، هذا أصل من أصول الضلال، وإن المتكلمين جميعا اتفقوا على تقديم العقل على النقل، اتفقوا على أن النقل هو القاضي المحكَّم، وأما السمع الشرع، النقل فإنه شاهد من الشواهد، فإن زكاه العقل قُبِل وإلا رُدّ وهذا جعل الجهمية والمعتزلة والكُّلابية والأشاعرة والماتريدية والإكرامية وأصناف الضالين في هذا الباب، جعلهم فرقة واحدة.

فهذا الأصل يجعل كل من تفرَّع بل كل من قال به يجعله جهميا؛ لأن الجهمية والمعتزلة هم الذين أصلوا هذا الأصل، وأن النصوص تابعة للعقل وليس العقل تابعا للنصوص، ولهذا السلف كل من خالف في هذا الباب يعدونه جهميا، قد لا يكون جهميا من جهة تفاصيل المذهب؛ ولكنه جهمي إذْ تبعهم في الأصل الذي أصلوه وهو أن العقل مقدم على النقل، وأنَّ النقل إذا خالف العقل أو لم يدلَّ عليه العقل فإنه لابد من تأويله أو ردّه.

فإذن كل من خالف منهج السلف فيُعزى إلى الجهمية من هذه الجهة، وقد يُعزى كلٌّ إلى مذهبه باعتبار النسبة الأخص، فالنسبة العامة للمبتدعة في أبواب الصفات والغيبيات: الجهمية، والنسبة الخاصة كلٌّ إلى مذهبه المعتزلي ينسب إلى قومه، والأشعري أشعري وهكذا.

هذا الفصل فيه ذَكَرَ نُقول عن السلف وعمّن نقل مذهبهم وهي مهمة في هذا تأصيلا وتفريعا.

([44]) وكون الله جل وعلا فوق العرش دليله النقل؛ السمع، أما العقل فلا يدل عليه، ولهذا قال أهل العلم: العلو يدل عليه النقل والعقل، وأما الاستواء على العرش فدليله السمع.

([45]) إذن قول السلف (أمرّوها كما جاءت) وفي رواية لبعضهم (أمروها كما جاءت بلا كيف)، قوله (أمروها كما جاءت) يعني بما دلّ عليها ظاهرها، وظاهرها يدل على إثبات الصفة، لهذا قال (أمرّوها كما جاءت ردّ على المعطلة) لأن المعطلة هم نفاة الصفات الذين يُخلون الله عز وجل من صفات الجلال والجمال، فقوله (أمروها كما جاءت) ردّ على هؤلاء المعطلة؛ لأن قوله (كما جاءت) يعني على ظاهرها وظاهرها إثبات الصفات.

وقوله (بلا كيف) حتى لا يتوهم أن ظاهرها فيه الكيفية كما في قوله جل وعلا ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، لأن اليدين لهما كفيفة معينة وكذلك ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾[الطور:48]، ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾[طه:46]، وأشباه ذلك، كيفية السمع، كيفية البصر، كيفية العينين كذلك ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾[القلم42] التي هي ساق الرحمن جل وعلا، كذلك لما جاء في الأحاديث «إن الله ينزل إلى سماء الدنيا آخر كل ليلة» في رواية «في الثلث الأخير» في رواية «في النصف الأخير» كيف ينزل؟ ، و(وإن الله استوى على العرش) ، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5]، كيف استوى؟ ، هذا كله ليس مرادا، فإثبات الصفات إثبات معنى لا إثبات كيفية، مع وجوب أن يقطع الموحِّد الطمع في إدراك الكيفية، لا يمكن لأحد مهما أجال ذهنه أن يدرك الكيفية، مهما فكر وفكر وفكر لا يمكن أن يدرك ولا أن يعلم ولا أن يأتي على ذهنه أصلا كيفية اتصاف الرحمن بصفاته، لا من جهة الصواب في ذلك، ولا من جهة مقاربته، يعني أن كيفية اتصاف الله جل وعلا بصفاته لا يحوم حوله ذهن بشر مطلقا، حتى ولو فكَّر فكل الأوهام والتفكيرات لن يكون منها كيفية اتصاف الله جل وعلا بصفاته.

قال أهل العلم ذلك لأن عقل البشر إنما يدور فيه أحد ثلاثة أشياء:

الأول: أن يدور فيه ما رآه، واحد شفته فيأتي في الذهن صورة هذا المرئي، بناء رأيته إذا أدرت في ذهنك أتى في ذهنك صورة هذا المرئي، وهذا واضح، والله جل وعلا لم يُرَ، فلا يمكن أن يدور في الذهن ذلك.

الثاني: أن يدور في الذهن رؤيةُ مثيله، مثل ما ترى إنسان فتقول أنا رأيت أحدا سُعوديا، والثاني يقول وأنا أيضا رأيت سعوديا، هذا وهذا مثيلان تكوّن صورة من جهة اللباس والهيئة إلى آخره لأنه رأى مثيلا له، رأيت البِناء الفلاني هذا يقول أنا رأيت مثل ذلك، فيتصور هذا ما عند ذاك، وذاك ما عند هذا باعتبار رؤية المثيل، فرؤية المثيل تجعل الصورة والكيفية في الذهن.

النوع الثالث: مما يدور في الذهن ما يكون داخلا ضمن تفريع الجزئي عن الكلي وهو القياس؛ يعني يدور في الذهن من تصور الشيء من جهة الكيفية ما يقاس عليه، مثلا لو أتى أحد وقال لك: هناك خبز في الصين من صفته أنه مستطيل ثم يكون مدوّرا ثم يكون مستقيما، يعني اختلف شكله؛ لكن لمعرفتك بالخبز يمكن أن تتصور كيفية ذلك الخبز لاشتراكه معه في الجنس.

وهذا من جهة التنظير، فإذن الذهن يمكن أن يدور فيه رؤية الشيء أو رؤية مثيل له أو رؤية ما يقاس عليه، وأما غير ذلك فلا يدور في الذهن كيفية شيء أصلا لم يره ولم ير مثيلا له ولاما يقاس عليه، كيف يأتي للذهن؟ فهذا واقع في اتصاف الله جل وعلا بصفاته، فإن اتصافه سبحانه وتعالى وجل وتقدس وتعاظم بصفاته له المعنى وله الكيفية، لنا من ذلك العلم بالمعاني، والعلم بأصل المعنى دون كماله أيضا.

وأما الكيفية فلا يمكن أن تحوم لأحد من البشر على بال، في هذا في يوم القيامة يأتيهم الله جل وعلا في صورة حتى يعرفه خاصة عباده.

فإذن الكيفية مقطوع الطمع عن إدراكها، لهذا قال بعض أهل العلم: كل ما دار بذهنك فالله جل وعلا بخلافه؛ لأنه لا يمكن أن تتصور ذلك، لا يمكن أن يأتي للذهن شيء؛ لأن العقل إنما تأتيه المعرفة لرؤية الشيء أو رؤية مثيله أو رؤية ما يقاس عليه، لهذا كلمة السلف هذه عظيمة جدا (أمروها كما جاءت بلا كيف) وإمرارها كما جاءت ليس تعطيلا لها عن المعنى كما يقول المفوضة.

.. السلف حين قالوا أمروها كما جاءت بلا كيف أرادوا صفات الرب جل وعلا، أما الأمور الغيبية فلا، ليست كل الأمور الغيبية، مثلا الميزان أمر غبي؛ لكن رأينا ميزان فيمكن أن نتصور الميزان في الآخرة من جهة ما يقاس عليه، لكن الله جل جلاله لا يمكن، الجنة رأينا في الدنيا بعض النعيم فيمكن أن نتصور نعيم الجنة؛ لكن على كماله وكيفيته التامة؟ لا، لكن أصول الكيفية يمكن أن نتصورها، وكذلك عذاب أهل النار يمكن أن نتصوره لأننا رأينا مثالا له، فالدنيا هذه جعل الله جل وعلا فيها أمثلة للجنة وأمثلة للنار؛ بل ما من شيء إلا وهو مثال لما في الجنة أو ما في النار، ما من شيء إلا وهو مثال لهذه أو هذه، لهذا قال بعض أهل العلم: إن جميع المؤنسات في الدنيا؛ جهة المنظر ما يؤنس العين، أو ما تلذ له الأذن، أو ما يلذ له المتكلم، أو يلذ له البدن داخل البدن أو خارج البدن، لكل ما في الدنيا، إنما هو مثال يذكرك بالجنة، إذا رأيت شيئا مؤنسا، صاحب القلب الحي يتذكر الجنة مباشرة هذا نعيم جُعل في الدنيا لأهلها نعمة من الله جل وعلا وهو يُذكِّر بالجنة، وكذلك إذا رأيت أي مؤذٍ في الدنيا بجميع أنواع المؤذيات من البشر، ومن الجمادات التي تؤذي، ومن الحشرات والطيور والكواسر والسباع وأشباه ذلك، فإن هذا مثال للمؤذيات.

لهذا لما ذكر بعضهم وجود المؤذيات من الحشرات وأشباه ذلك مما يؤذي، فأجابه بعض أهل العلم بقوله: لتتذكر النار. قال وجود العقارب، وجود الحيات، وجود كذا وكذا وجود السباع وهذا يهجم، قال: هذا لتتذكر النار.

وهذا من توفيق الله لهذا العالم هذا الرد الجميل، هذا واقع، فإن من حب الله جل وعلا في وجود ما تستلذ له وما لا ترغب في رؤيته، أو ما يؤذي، سواء آذاك أو آذى غيرك أنك تتذكر العذاب، تتذكر النار.

فإذن الحجة قامت على العباد بالقرآن، وبآيات الله في الآفاق وفي الأنفس وفي ما حولك، ما من شيء إلا يذكرك بما أخبر الله به، فالعباد إذن كما قال الله جل وعلا ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ(10)فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾[الملك:10-11]، هذا باب واسع. نعم

([46]) مُطَرِّف بن عبد الله الشِّخِّير.

([47]) إذن لقالوا الاستواء مجهول، لو كانوا يجهلون كالمفوضة، لو كان السلف يجهلون المعنى لقالوا الاستواء مجهول، لكن ما قالوا الاستواء غير مجهول وفي بعض ألفاظها الاستواء معلوم هذا يدل على أن معنى الاستواء على العرش يعلمونه هذا فيه رد على هؤلاء. نعم.

([48]) [انتهى الشريط الثالث].

([49])هذا واضح تمام الوضوح، وهو قول السلف (أمروها كما جاءت) فيه إثبات المعنى، وقولهم (بلا كيف) دليل آخر على أنهم يثبتون المعنى؛ لأن من لا يثبت المعنى لا يحتاج أن يقول (بلا كيف)، وإنما الذي يحتاج إلى أن ينفي الكيفية لم يثبت المعنى، فلما نفي السلف الكيفية في إثبات الصفات دلّ ذلك على أنهم يثبتون المعنى، ولكن ينفون العلم بالكيفية، وهذا ظاهر أيضا في قول ربيعة ومالك (الاستواء غير مجهول) يعني علمه، فإن الاستواء في لغة العرب يدل على العلو، يقول العربي إذا كان مرتفعا استوي إلي يعني ارتفع، إلي استوى على الدابة يعني أُعْلُ عليها، استوي على الكرسي يعني أُعْلُ عليه، وعلى هذا قول الله جل وعلا ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾[المؤمنون:28]، يعني علوتم على الفلك واستقررتم عليها.

([50]) (عظمته) مفعول به للفاعل (العقول)، العقول هي الواردة (وردت عظمتَه العقولُ) يعني العقول دخلت ووردت لعظمة الله جل وعلا لتفهم كيف هي عظمته، فرجعت خاسئة، أما المعنى معنى عظمته ومعنى صفاته فهو معلوم. نعم

([51]) الكلام السابق في كلام ابن الماجشون رحمه الله تعالى تفصيل للقاعدة المعروفة؛ أنّ الكلام في الصفات باب واحد، وأنّ بعض الصفات مثل بعض من جهة الإثبات والإيمان، وأنَّ الحق أنه لا يفرق بين صفة وصفة من جهة التعامل معها؛ أعني العلم والإيمان، فكل صفات الله جل وعلا حق كما وصف بها نفسه جل وعلا وكما وصفه بها رسوله r.

فصفة الاستواء مثل صفة السمع والبصر، مثل صفة الاستواء مثل صفة الضحك، مثل صفة امكان رؤية الرب جل وعلا يوم القيامة، أو حصول رؤية الرب جل وعلا للمؤمنين في الجنة و في العرصات وأشباه ذلك.

فهذه الصفات الباب فيها باب واحد، ما نقول إن بعض الصفات يُدخل فيه بالعقل فيقبل المجاز والتأويل وبعضها لا يقبل، مثل ما ذهب إليه طائفة من المتأخرين كالخطَّابي والبيهقي وجماعة.

بل الحق الذي عليه السلف أن هذا الباب باب واحد لا يختلف، ولا نتجاوز فيه ما حُدَّ لنا نؤمن به، فصفة الضحك، وصفة الاستواء، وصفة النظر إلى وجه الله الكريم يعني أن الله جل وعلا ينظر إليه، وصفة السمع والبصر، هذه الصفات كلها شيء واحد من جهة أنها صفات، لا نقول هذه صفة ذاتية فنتعامل معها بكيت وكيت، وصفات فعلية فيدخلها التأويل، وأشباه هذا.

لهذا قعّد العلماء في هذا عدة قواعد ذكرها شيخ الإسلام في التدمرية:

§ منها أن الكلام في الصفات كالكلام في بعض.

§ منها أن الكلام في الصفات الكلام في الذات يحتذا فيها على حذوه وينهج فيه على منواله.

§ ومنها أن إثبات الصفات إثبات معنى لا إثبات كيفية وأشباه ذلك.

فإذا كان كذلك لا نفرّق إذن بين صفة وصفة، فالعقول هي وردت إلى عظمة الله جل وعلا وأرادت أن تتصور كيف يتصف الرب جل وعلا بهذه الصفات رجعت خاسئة حسيرة فيما أرادت؛ بل الواجب التسليم.

والمؤولة أنواع:

§ منهم من أوّل الجميع؛ جميع الصفات.

§ ومنهم من أوّل جميع الصفات إلا ثلاثا المعتزلة.

§ ومنهم من أوّل جميع الصفات إلا سبعا الكلابية والأشاعرة.

§ ومنهم من أوّل جميع الصفات إلا ثمان الماتريدية.

§ ومنهم من أوّل جميع الصفات الفعلية وأثبت الصفات الذاتية كطائفة من المنتسبين إلى الحديث كالبيهقي والخطَّابي وأشباه هؤلاء.

§ ومنهم من لم يلتزم في هذا شيئا واحدا بل أوّل بما يدخل بعقله وأثبت في بعض الأشياء دون بعض كابن حجر وأشباه هؤلاء وابن الجوزي وجماعة، تناقضوا.

فالمؤولة لم يجعلوا الباب بابا واحدا وهم أصناف وطبقات يمكن أن تقسمهم إلى خمس أو ست طبقات، والواجب طريقة السلف هي لا يفرقون في هذا الباب بين وصف ووصف، فإذا تكلموا على صفة الحياء فهو من جنس كلامهم على صفة الاستواء، هو من جنس كلامهم على صفة العلو، الإثبات بلا تكييف ولاتمثيل للرب جل وعلا بخلقه، هوإثبات للمعنى للصفة مع قطع الطمع لإدراك الكيفية والمثلية، جل ربنا وعظم وتقدس سبحانه.

([52]) هذا كما قال الأئمة: لا نتجاوز القرآن والحديث، ابن الماجشون رحمه الله توسع بعبارات للتأثير، القواعد العامة فهذا الكلام، (وما أنكرته نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربك ولا في الحديث عن نبيك عليه الصلاة والسلام فلا تكلفن عمله بعقلك) إلى آخره هذا كقولهم (لا تتجاوز القرآن والحديث). نعم.

([53]) قال المجسمة الذين تجاوزوا القرآن والحديث وجعلوا الله جل وعلا جسما كالأجسام، فإثبات بعض الصفات عندهم دال على صفات أخر، فإثبات القدم دال على وجود الأصابع عندهم، وإثبات الساق دال على وجود الفخذ، وإثبات اليد دال على وجود الساعد والعضد، وإثبات الضحك دال على وجود اللهوات، وإثبات السمع دال على وجود الأذن، وهكذا.

فإذن هناك من عطّل كمن زاد على ما جاء في القرآن والحديث فجعل كل صفة أثبتت دالة على صفة لم ترد باعتبار الالتزام، فجعلوه جل وعلا جسما كالأجسام، لهذا هؤلاء أثبتوا أن الله جل وعلا جسم كالأجسام، وأيدوا ذلك بزعمهم بقول النبي r «رأيت البارحة ربي بأحسن صورة»، وفي بعضها إن كانت لا تصح «على صورة شاب[قطط]» إلى آخره، فهذا باطل لأنه تجاوز، فالمجسمة غلوا وتجاوزوا، والمعطلة جفوا ونقصوا، والحق ما بين هذا وهذا أن لا نتجاوز القرآن والحديث نثبت ما أثبته الله جدل وعلا عن نفسه وأثبته له رسوله r من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل.

([54]) الجسم هو ما يقبل الحركة عندهم، الكلام، الكلام في الصفات يبحثون في هذه الأمور يقسمون الحديث في الصفات، وغيرها إلى قسمين:

§ دليل الكلام.

§ ودقيق الكلام.

دليل الكلام: هذا يتكلمون فيها عن الصفات العامة.

ودقيق الكلام: يتكلون فيها عن التعريفات تعريفات الألفاظ.

فالجسم -عندهم- ما يقبل الحركة، والعَرَض ما لا يقوم بنفسه وإنما يقوم بالجسم، فالعَرَض مثل الألوان، مثل الأحوال الأربعة: الرطوبة، الجفاف، الحرارة والبرودة وأشباه ذلك.

لماذا ذكر الجسم والعَرَض هنا؟

قال (كما تقوله الجهمية أنه يلزم أن يكون جسما أو عرضا فيكون محدثا) هذا لأن جهم أثبت وجود الله جل وعلا عن طريق حدوث الأجسام، وأثبت حدوث الأجسام عن طريق حدوث الأعراض في الأجسام فكانت هذه الأشياء محدثة عنده عن طريق برهان الجسم والعرض، لهذا ذكر هنا قال (كما تقوله الجهمية أنه يلزم أن يكون جسما أو عرضا فيكون محدثا) لأنهم ما أثبتوا المحدثات إلا عن طريق الأجسام والأعراض.

وذلك أن جهم قال لما ناظرته السُّمنيَّة، طائفة من التناسخية في الهند، ناظرته وقالوا له: أثبت لنا وجود ربك. وشككوه فتأمل مدة، وكان من الفقهاء جهم بن صفوان الترمذي كان فقيها، وكان عنده علم بالشريعة وبالنصوص، فنظر كيف يقنع السُّمينة بإثبات وجود الله جل وعلا، فتأمل تأمل في العقليات، فوجد أن البرهان الصحيح هو حدوث الأعراض في الأجسام، فالعَرَض باتفاق بينه وبينهم أنه لا يقوم بنفسه –حرارة، برودة، لون، رطوبة، جفاف- هذه أشياء لا تقوم بنفسها، غير محسوسة، وإنما توجد في غيرها.

فنظر فإذا الجسم تحله الحرارة، تحله البرودة، تحله الألوان المختلفة، الجفاف، والرطوبة، فقال: الجسم حلَّت فيه هذه الأشياء، فدل على أنه مكان للتغيُّر، ومكان لحلول الأعراض فيه، والعرض لا يوجِد نفسَه بالاتفاق، وإنما يُوجَد.

فإذن الجسم أُوجد فيه؛ جُعل فيه العرض؛ أُحدث فيه العرض، فمعناه أن الجسم لابد له من عرض؛ يعني لا يبقى بلا عرض لا يمكن أن لا يكون له لون ولا يمكن أن لا يكون له صفة من الصفات الأرض حرارة برودة رطوبة ويبوسة.

فإذا كان كذلك، فلابدّ من إيجاده، فمن الذي أوجده؟ فقال: إذن هنا الجسم لما كان يقبَل إحداث العرض فيه دل على أنه محدث؛ لأن الجسم لا يكون إلا بعرض؛ لابد له من عرض، فالجسم حقيقته ما يقبل الحركة والعرض فيه، والعرض لا يوجد بنفسه، والأجسام تتغير الأعراض فيها، فدلّ أن الجسم لا يوجد العرض بنفسه، فإذا كان العرض محدث في الجسم، فدل على أن ما حل فيه ذلك المحدث ذلك المتغير محدَث.

فسلموا له هذه القضية، فقالوا: دل ذلك على أن الأجسام محدثة. فقال لهم: فالمحدث لها هو الله جل وعلا.

ثم قالوا له: ما صفة ربك؟ لأنهم هم بالهند كل إله له كذا الآلهة لها صفات، فقالوا ما صفة ربك؟ فنظر فإذا هم أمام مشكلة كبيرة، وهي أنه إذا أثبت ما جاء في الكتاب من الصفات فسيعود ذلك الإثبات إلى برهانه الذي برهنه بالإبطال؛ لأنّ عندنا صفات لا تقوم بنفسها مثل صفة مثلا الإتيان، الإتيان هذا على حسب تعريفهم عَرَض ليس جسم يقبل الحركة هو بنفسه، الإتيان شيء يكون في الموصوف، صحيح؟ مثل مثلا الاستواء، مثل الرحمة، الرأفة، الغضب، الرضا، فوجد صفات كثيرة إن أثبتها كما جاء في القرآن صارت جميعا أشياء غير موجودة بنفسها وإنما توجد في شيء ، الوجه ، اليدين إلى آخره، فوجد أنه لا يستقيم له صفة إلا صفة واحدة لا تطعن على برهانه في وجود الله بالإبطال وهي صفة الوجود، ولهذا قال لا نصف الله جل وعلا إلا بالوجود الأعظم فقط. وما جاء في الكتاب والسنة من الأسماء والصفات يؤولها بمخلوقات منفصلة عن الرب جل وعلا.

المعتزلة سلموا بهذا البرهان ولكن قالوا العقل دليل رابع على إثبات ثلاث صفات، فالبرهان سليم ولكن ثمّ ثلاث صفات دلّ العقل على إيجادها فأثبتوا ثلاثة.

الكلابية قالوا البرهان صحيح والعقل دلّ على إثبات سبعة فزادوا بهذا.

الماتريدية قالوا البرهان صحيح لكن دل العقل على زيادة الثامن وهو صفة التكوين؛ لأنه محدِث فلا بد أن يكون موصوف بالتكوين إلى آخره.

هذا كله يبين لك أن كل من نفى الصفات فهو جهمي؛ لأنه ما نفى الصفة إلا لتسليمه ببرهان جهم في وجود الله جل وعلا، ولهذا إذا كان ثَم حاذق في طريقة الأشاعرة والماتريدية فإذا زُلزل عن هذا البرهان صار ما بعده أسهل؛ لهذا شيخ الإسلام ابن تيمية كرر نقض هذا البرهان الجهمي على وجود الله جل وعلا يعني إبطاله من أوجه كثيرة في كل كتبيه: في منهاج السنة عرض له بالتفصيل، في النبوات عرض له بالتفصيل، في درء تعارض العقل والنقل عرض له بالتفصيل، في الجواب الصحيح عرض له بالتفصيل، في كل موضع يأتي بهذا الكلام، في الرد على الرازي؛ الرد المطول أيضا عرض له بالتفصيل وهكذا.

فإذن هذه الكلمة فيها إشعار بهذا، فكل من نفى صفة من الصفات فإنما كان عن هذا الطريق، لقوله هنا (كيف أنكر على من نفى الصفات بأنه يلزمهم من إثباتها -يعني على حسب قولهم –كذا وكذا كما تقوله الجهمية أنه يلزم أن يكون جسما أو عرضا فيكون محدثا).

هذه كلمة مُهمة مهمة، ولها تفاصيل وفهم مسيرة الانحراف في أقوال الناس في الصفات نابع من هذه المسألة.

فإذا فهمت هذه المسألة جيدا فهمت قدر تفرع الفرق إلى أقوال، ليش قال المعتزلة ثلاث صفات؟ وليش قال الأشاعرة سبع؟ والماتريدية ثمان؟ والكرامية قالوا كذا؟ السالمية لماذا قالوا كذا؟ والمرجئة إلى آخره، كلها مبنية على هذه المسألة.

([55])لا توالي أحدا دون أحد يعني من الصحابة.

([56]) (ولأنْ يَفْقَهَ الرجلُ ) اللام هذه واقعة في جواب القسم تسمى المواطئة، مفتوحة وليست مكسورة (ولأَن).

([57]) الواقف الذي لا يثبت ولا ينفي، ما يدري، لا يقول كذا ولا كذا، هذا يسمى الواقف.

([58]) كتاب الفقه الكبر -لأبي حنيفة النعمان بن ثابت أحد العلماء الكبار المتبوعين في الفقه- كتاب اشتمل على كثير من مسائل الاعتقاد وسماه الفقه الأكبر مقابلة بالأصغر، وكما سمعت حثّ فيه على العلم النافع، وقال (لأن يفقه الرجل كيف يعبد ربّه خير له من يستزيد ويكثر في العلم) لأن العلم نوعان علم مقصود للعمل وعلم غير مقصود للعمل، وإذا كان العبد يكثر من العمل الذي لا يقصد للعمل وهو جاهل أو ينقصه كثير والأكثر فيما يحتاجه للعمل، هذا لا شك أنه من جهله وعدم معرفته بغاية العلم، فالعلم الغاية منه العمل؛ والعمل -عمل قلب وعمل الجوارح- هذا يكون بالعلم بالتوحيد وبالعقيدة الصحيحة، وكذلك بالعمل بالفرائض وفقه ذلك.

والاستزادة بالفنون المختلفة هذا ما يجري على أصحابه شيئا من جهة الفقه الصحيح والأجر والثواب إلا إذا كانوا على علم بما يعبدون ربهم به وفيما يتعاملون به، فإذا كان يبتاع ويشتري يعرف كيف يبتاع وكيف يشتري، وإذا كان له زوجة يعرف كيف يعامل أهله المعاملة الشرعية الصحيحة ويعاشرها بما أمر الله جل وعلا به، وإذا كان له أكثر من زوجة يعرف كيف يعامل هذه وهذه، وإذا كان له أصحاب يعرف كيف يعاملهم بالشرع وهكذا.

فإذا كان في نوع من تعامله يحتاج إلى الشرع؛ إلى معرفة حكم الشرع فيه ولم يطلب علم الشرع فيه، وطلب علم آخر لا يحتاجه من جهة العمل، فهو مقصر ويلحقه الإثم بذلك.

مثل بعض الناس يتوسع في علوم ليست مرادة من جهة العمل مثل التوسع في معرفة السيرة أو التراجم، أو في تخريج الأحاديث، أو في المصطلح، أو في النحو، أو في أصول الفقه، فيفوته العلم بنصوص الكتاب والسنة والعلم بالفقه والعقيدة الصحيحة والتوحيد، وهو يتوسع في علوم -كما يقال- على حساب العلوم الأصلية هذا لاشك أنه خلاف المقصود شرعا، وذكر لك هذا أبو حنيفة رحمه الله تعالى.

أيضا ذكر في هذا الكتاب مسائل كثيرة تتعلق بالاعتقاد، وهذا الكتاب له أكثر من رواية منها رواية أبي مطيع البلخي التي نقل عنها شيخ الإسلام هنا، فهي الرواية المعتمدة عند أصحابه، وله روايات أخر وعند الحنفية من تفصيل هذه الروايات والفروق بينها شيء كثير.

الكتاب عليه مؤاخذات في بعض المواضع مخالف فيها لعقيدة السلف، وهذا يطلب في مكانه في وقت آخر إن شاء الله.

ذكر فيما سمعت: الكلام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذِكره له لغرض مخالفة الخوارج، فإن الخوارج وأشباه الخوارج في ذلك الزمان احتجوا على خروجهم عن طاعة الإمام بنصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبيّن أنه لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر بجماعة تخرج عن الإمام، تخرج عن الطاعة بالسيف أو بغيره؛ لأن هذا كما قال: إنهم ما يفسدون أكثر مما يصلحون. وهذا واقع فإنه ما خرج أحد في تاريخ الإسلام على طاعة الإمام الحق إلا وكان ما يفسد أكثر مما يصلح، ويروم الصلاح ويروم الإصلاح ولكن يحصل من الفساد أكثر مما أراد من الإصلاح.

وهذا ذكره شيخ الإسلام في مواضع كثيرة، وقد أطال في هذا الموضع -يعني في بيان الأمر والنهي- في رسالته المعروفة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبيّن أوجه الصلاح الباقية في طاعة الإمام، وأوجه الفساد في الخروج عنه، وحال الفرق المخالفة.

كذلك ذكر مسألة العلو لله جل وعلا والاستواء على العرش، ومن كذّب وأنكر أن الله جل وعلا في السماء مثل ما قال أبو حنيفة فهو كافر إلا أن يكون له تأويل مستساغ، ولهذا كثير من أهل العلم كفروا الذين ينفون علو الذات لله جل جلاله، والصواب في ذلك أنه لا يقطع في تكفيرهم؛ لأنه قد يكون لهم تأويل فلابد من إقامة الحجة عليهم؛ لأنه وقع في ذلك كثير من علماء كبار في الأمة، ولم ينص المحققون والأئمة على تكفيرهم، فيقال بالكفر من جهة الوعيد والتخويف لكن من جهة التطبيق فلا نعلم أنه طُبق على من أنكر علو الذات من العلماء؛ لأن علماء الأشاعرة والماتريدية هؤلاء يُنكرون علو الذات لله جل وعلا وأن الله مستو على عرشه كما يليق بجلاله جل جلاله، بل يقولون الاستواء بمعنى الاستيلاء والقهر، ويقول العلو بمعنى علو القهر والقدر وليس بعلو الذات.

الاستواء دليله سمعي؛ دليله القرآن والسنة، والعلو دليله فطري مع الكتاب والسنة والإجماع، ففرق بين المسألتين، شيخ الإسلام فيما سمعت قال لك (وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية) لا يقصد بها الاستواء والعلو وإنما يقصد بها العلو واتجاه الداعي، جهة الدعاء؛ يعني الداعي يدعو من أعلى لا من أسفل، يتجه إلى العلو في دعائه، وهذا الاتجاه ليس لأن العلو قبلة الدعاء والسماء قبلة الدعاء كما تقوله المبتدعة، إنما اتجاه إلى المدعو، الله جل جلاله في السماء وهذا فطري قد أجمع عليه الناس: المسلمون والكفار والمشركون؛ بل وحتى الذين لا يعرفون الله جل جلاله، كما ذكر ذلك بعض أصحاب الرحلات قالوا ذهبنا –تسمى برحلة [ابن طبلان] المعروفة- قال ذهبنا إلى قوم ليس لهم دين ولا يعرفون الله؛ ولكن كانوا إذا أصابتهم شدة وقحط أو بلاء أومصيبة خرجوا إلى الصحراء خرجوا إلى خارج البلد فتوجهوا إلى السماء بأدعية وهذا مما ورثوه ممن قبلهم أو هو فطري في الأنفس، وهذا بين واضح.

فإذن الاستواء ليس دليله فطريا، ليس دليله عقليا وإنما دليله السمع، أما الدليل الفطري العقلي فهو في العلو وفي اتجاه الداعي، اتجاه الداعي أنه يدعو متجها إلى العلو طلبا للمدعو جل جلاله هذا فطري، وعلو الله جل وعلا هذا على خلقه علو الذات هذا أيضا عقلي.

فلهذا إذن نقول دليل العلو الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.

فما دل عليه الإمام أبي حنيفة ظاهر من كون الله جل جلاله فوق سمواته مستو على عرشه كما يليق بجلاله وأن إنكار ذلك كفر؛ لأنه جل وعلا أثبت ذلك بقوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5] سبحانه وتعالى.

([59]) لأن الفرق بين الجهمية وغيرهم القول بالحد، القول بالحد هو الفرق، القول (بائن من خلقه) هذا هو التفريق، ولهذا نص كثير من الأئمة قال بحدٍّ، وهذه كلمة لم ترد في الكتاب والسنة؛ لكن لأجل التفريق ما بين الذين ينكرون العلو، علو الذات والاستواء على العرش وبين المقرين به؛ لأنه قد يقول أقرّ بأن الله على العرش استوى ويعني به مستول، أو يعني به معنى آخر في ذهنه، أو يقول لا أدري –أيضا في نفسه- ما معنى استوى؟ لكن إذا قال بحد، أو بائن من خلقه هنا صار المعنى استواء الذات وعلو الذات.

ولهذا دخل كثير من الأئمة في لفظ الحد وألفاظ غير واردة في الكتاب والسنة لأجل الفصل ما بين قول المبتدعة وقول غيرهم، فاتخذوا هذه الألفاظ حتى لا يضيع الحق فيما بين ألفاظ المبتدعة، فاحتاجوا إليها احتياجا حتى يُفرق بين أقوال أهل البدع وأقوال أهل الحق. [انتهى الوجه الأول من الشريط الرابع]

([60]) يعني يقول في كل مكان، هذا المعنى، (يمزج الله بخلقه ويخلط منه الذات بالأقذار والأنتان) يعني يقول الله في كل مكان, أو يخلط منه الذات بالأقدار والأنتان يعني يقول الله في كل مكان والعياذ بالله.

في مكة، في السنة هذه، في رمضان، في الحرم فيه ثلاثة يتكلمون واحد يقول – يبدو واحد من الشباب يناقش مسألة العلو– وأغلظ عليه وشدد، ولا تحتج بقول علماء الأزهر، وهذا الشاب يبدو أنه قال أن هؤلاء علماء الأزهر لا يفقهون شيئا، وأنا أفهم منهم وهؤلاء كذا وكذا فأخذتهم الحمية، هم يتكلمون, أنا أمشي أسمعهم، قال واحد منهم كيف يقول الناس أنَّ الله استوى على عرشه, هو على عرشه يعني في كل مكان, أنا سمعتها من الدكتور عبد الحليم محمود, كان يرددها, كيف هذا.

الشاهد من هذا أن إضلال الناس وقع في هذه المسائل بأقوال العلماء, علماء الظلال أو العلماء المخالفين أوقعوا في الناس خلاف ما دل عليه النص, لهذا بعض الناس يقول أكثر الأمة أشاعرة, هذا غلط وباطل؛ بل أكثر الأمة على السنة في الصفات؛ إلا إذا أتاهم مبتدع يعلمهم غير العقيدة الصحيحة، هنا ينتقلون، أما فطرتهم ما عليه, يسمع ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5]، ما يأتي في ذهنه المعنى الباطل إلا بالتعليم إنما يأتي في ذهنه التسليم (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) سبحانه وتعالى، فيأتي من يقرر له خلاف العقيدة الصحيحة بالتعليم.

ولهذا نقول أكثر هذه الأمة في الصفات على الفطرة، يعني على التسليم؛ إلا إذا أتاهم من يعلمهم العقيدة الأشعرية أو يقرر لهم العقيدة الماتوريدبة، فإنهم يخرجون عن ذلك وتقر في أذهانهم الأقوال المبتدعة؛ لأن العامي ما يعرف كيف يصرف لفظ الكتاب والسنة إلى التأويل، أو إلى المجاز، أو ينفي الحقائق التي دلت عليها النصوص، وإنما هذا بفعل علماء الظلال، الذين أظلوا الأمة، وهذا من المصائب الكبيرة. يأتي من يحتج بقول عالم, هذا كيف تقنعه, لذلك مثلا شاب أو طالب علم صغير يناقش واحد كبير، يقول أنا سمعت من العالم الفلاني الذي فيه كذا وكذا أنه قال كذا أو ذكره في كتابه كذا, كيف تناقض هذا القول، أنت أفهم من فلان, أنت أعلم من فلان, فيذهب في القول في المسألة بالترجيح بقول الرجال، بقول العلماء هذا قال كذا وكذا, لكن أنظر إلى النصوص، فإذا احتجت إلى مناقشة من عنده شبهات في العقيدة وفي التوحيد فلا تدخل في الحكم على القائل؛ لأن الحكم على القائل يصرف ذهن ويصرف قلب المناقَش إلى الدفاع عن هذا المتهم, أو هذا المقدوح فيه, تقول العلم هذا فيه كذا وكذا وكذا، خلاص ينصرف عن أصل المسألة وتأخذه الحمية للدفاع عن[......] من يعظِّمهم يُحدث من الفرقة ما يحدثه الخروج عن الإمام.

لهذا ترى شيخ الإسلام لما كتب الوصية الكبرى عظّم عدي بن مسافر وبين أنه كذا ومقامه في السنة, لما أتى يتكلم شرح كلمات في نصوص الغيب عظّم عبد القادر الجيلاني وما قدح فيه بشيء؛ لأن هؤلاء أئمة طرق صوفية، فقال هؤلاء فيهم وفيهم وذكر النصوص عنهم في رجوعهم للسنة ومحبتهم للسنة ومحبتهم لأهل الحق, فهذا أصل في أنك عند نقاش المخالف لا يستجرك الخلاف إلى أن تتكلم في الشخص؛ لأنه يصد عن قبول الحق، يصبح هناك تعصب هو يتعصب للشخص وأنت تتعصب عليه، فيحجز ذلك عن قبول الحق في المسألة.

المقصود ليس الكلام في العلماء, العلماء أدوات لنقل الشريعة, فإن نقلوها على الصواب فذلك من كرامة الله لهم, وإن نقلوها على الغلط فلا يتبع العالم بزلته و لا يقدح فيه بزلته، إلا إذا احتيج إلى ذلك في مقامات, أما في النقاش تنتبه إلى أنك تقرر الحق وتصبر مهما بالغ في مدح العالم لا تقدح فيه، حتى لا يكون في قلب المتحدث معه حاجزا عن قبول الحق الذي تأتي به؛ لأن النفوس جبلت على تعظيم الأشخاص، فإذا تقدح فيه ولو كان كلامه حقا لكن يؤخر بعض الحق في مصلحة راجحة ويبين الحق في نفسه حتى يقبل.

وهذا هو الذي عمله علماء الملة وأئمة المتقين، فإذا نظرت شيخ الإسلام ابن تيمية فإنه ما تكلم بالأئمة شيء ولو كان عندهم بعض المخالفات، مثل أبي حنيفة رحمه الله, بل جعله من الأئمة الأعلام، كما في كتابه رفع الملام عن الأئمة الأعلام، وأتى من أتى وقال أبوا حنيفة ذها فيه وفيه وقد وقدحوا، وهكذا.

أئمة الدعوة رحمهم الله ما قدحوا في الأئمة الذين حصلت عندهم مخالفات، ما قدحوا في ابن قدامة ولا في النووي مع أنهم أوردوا بعض القصص التي استدل بها المبتدعة، وما قدحوا في ابن حجر ولا في العلماء الذين شرحوا كتب الحديث والمفكرين، وإنما أخذوا منهم ونقلوا الحق، وتركوا ذلك ولم يتعرضوا له.

إذا احتاجوا للتبيين في موقع وأتى نقل مثل نقل للنووي فيه التأويل قال مثلا: والنووي رحمه الله كان يتأول الصفات وكان كذا وينهج منهج كذا وهذا من الغلط، ففرق ما بين الرد على المقالات الباطلة، وما بين القدح في العلماء السابقين الأئمة الذين لهم مقام في الدين.

وتحتاج إلى هذا كثيرا في النقاش و الجدال ومع أتباع المعظمين، فإنه لا يسوغ الخوض في القدح في أولئك المعظمين؛ لأنه يحجب عن قبول الحق إلا إذا احتيج إليه في موضعه، ولكل مقام مقال إذا صُرف عنه [استحال]. نعم.

([61])هذا وعيد (فعليه لعنة الله) لعنة لغير معين، أما لعن المعين فلا يجوز؛ لأن «لعن المؤمن كقتله».

ولعن الكافر فيه قولان لأهل العلم، أصحهما أنه لا يلعن إلا لحاجة؛ لأن المؤمن ليس باللعان، فلعن الجنس غير لعن المعين، مثلا في قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم في الصحيح في النساء الكاسيات العاريات المائلات المميلات قال في أحد الروايات «أينما لقيتموهن فالعنوهن فإنهن ملعونات» هذا يُقصد به لعن الجنس لا لعن المعينة من النساء؛ فإن لعن المعين من المسلمين لا يجوز، لأن «لعن المؤمن كقتله»، ففرق ما بين لعنة الجنس ولعنة المعين على التفصيل الذي ذكرته، مثل ما قال هنا (ومن قال غير هذا فعليه لعنة الله) هذا حتى يحذر من هذا العمل ويخاف منه. نكتفي بهذا.

.. «لعن المؤمن كقتله»، الذي أحفظه أنه حديث.

([62])هذا الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله من النقول، دال على الأصل الذي أصله من أن طريقة أئمة أهل الحديث والأثر والسلف أنهم يثبتون ما جاء في النصوص، وأن لا يتجاوزا ذلك، وأنه لولا أن صفة الرحمن جل وعلا جاءت في النصوص لأمسكوا عن ذلك، وهذا قاعدة عامة عندهم؛ بأنهم لا يصفون الله جل وعلا إلا بما دلت عليه النصوص، لا يخرجون عنه.

كذلك فيما ذكر الفرقان ما بين أهل البدع من الجهمية ومن نحى نحوهم وبين أهل السنة في أن الله جل و علا في السماء، فالجهمية وأتباع بشر المريسي وأشباه هؤلاء يصفون الله جل وعلا -كما هو معلوم- بالمنفيات يجعلون السَّلب مفصلا ويجعلون النفي مفصلا، فيقولون إن الله جل وعلا ليس بـ-يعني في الصفات- ليس في السماء ولا ينزل، وليس بجسم، وليس بذي أعضاء، وليس بكذا وليس بكذا، إلى آخره، فيجعلون معرفة الرب جل وعلا من جهة نفي ما لا يليق به جل وعلا، هذا هو طريقتهم حتى إنهم يصلون بنفي جميع الصفات إلى أنه جل وعلا معدوما، فيرجع قولهم إلى أنه معدوم أو يرجع قولهم إلى أنه جل وعلا ليس له وجود في الحقيقة إلا في أذهان المؤمنين به جل وعلا، ولهذا صار حقيقة قولهم نفي أن يكون الله جل وعلا في السماء، وأنه سبحانه وتعالى في الأرض كما يزعمون، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا.

الذي دلت عليه النصوص وإجماع السلف أن الله جل وعلا في السماء كما قال سبحانه ﴿ءَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ﴾[الملك:16]، وكما في قوله ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ﴾[الأنعام:3]، وكما في قوله جل وعلا ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾[الزخرف:84]، وأشباه هذه الآيات، فالله سبحانه وتعالى في السماء كما دلت على ذلك النصوص، ومعنى كونه (فِي السَّمَاءِ) أنه على السماء، لا أن السماء ظرف له تحيط به. ومعنى (فِي) هنا بمعنى على فيكون قوله (أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) يعني على السماء.

فنحن نعتقد أن الله سبحانه وتعالى على سمائه بائن من خلقه سبحانه وتعالى وأنه مستو على عرشه كما يليق بجلال عظمته وعظيم سلطانه سبحانه.

فالإثبات عندنا مفصل والنفي مجمل بخلاف الجهمية وأرباب البدع، فإنّ عندهم النفي مفصل ليس بكذا وليس بكذا إلى آخره، وأما الإثبات عندهم فإنما يثبتون صفة واحدة وهي صفة الوجود المطلق غير المقيد.

وما ساقه عن ابن أبي زمنين في كتابه السنة واضح في الإيمان بعرش الرحمن جل وعلا، وهذا حق كما دلت عليه النصوص، فالعرش مأخوذة مادته من الارتفاع، ولهذا جعله الله جل وعلا مرتفعا، وله علو على جميع المخلوقات، حتى الجنة فإن عرش الرحمن فوقُها؛ يعني سقفها، فله ارتفاع وعلو خاص على جميع المخلوقات يعني العرش، والله جل وعلا إستوى على العرش، يعني ارتفع عليه وعلا عليه علوا خاصا، عبَّر عنه بعض السلف بأنه جل وعلا استقر عليه سبحانه وتعالى وأشباه ذلك.

فإذن العرش مادته مأخوذة من الارتفاع والعلو، والاستواء عليه أيضا ارتفاع وعلو خاص، فهذا يقضي من الجهتين على أن الله جل وعلا مستو على عرشه سبحانه؛ يعني أنه عالٍ عليه وعلوه عليه، وعلو على جميع المخلوقات، هذا بخلاف من زعم أنه سبحانه في كل مكان فإن مادة العرش تنافي ذلك، فلو آمن بالعرش لآمن بأن الله جل وعلا لابد أن يكون عاليا على العرش، وأن الاستيلاء لا يناسب؛ لأنه لابد أن يكون عاليا على جميع المخلوقات سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا.

([63]) الزهري هذا من هو؟ يراجع، إذا كان أبو مصعب الزهري راوي الموطأ، ماشي لكن يقال له أبو مصعب ما يقال له الزهري، إذن فالزهري هذا هو أبو مصعب تلميذ مالك راوي الموطأ. ماشي.

([64])هذا النقل عن ابن زمنين واضحا في أن طريقة السلف من الصحابة فمن بعدهم رضي الله عنهم هي أنهم يقرون بما جاء في النصوص على ما تقتضيه اللغة، وأن الإيمان بالظاهر هو الإيمان بما تدل عليه اللغة، والكرسي كرسي الرحمن جل وعلا جاء تفسيره عن ابن عباس بأنه موضع قدمين.

واشتقاقه؛ الكرسي اشتقاقه من الجمع؛ لأن مادة (كَرَسَ) هذه راجعة إلى الجمع، فقيل للأوراق المجتمعة كراسة؛ لأنها جمعت، وقيل للكرسي كرسي لأنه أعواد تجمع فيجلس عليه، وقيل أيضا للعلماء كراسي العالَم في اللغة؛ لأنهم جمعوا العلم فأصبحوا يُرجع إليهم، وأما من قال مادة الكرسي راجعة إلى العلم هذا غلط والرواية به عن ابن عباس أيضا مرجوحة أو غلط.

والصواب أن الكرسي خلاف العلم، وأن كرسي الرحمن جل وعلا هو موضع القدمين منه جل وعلا، وهذا الكرسي وسع السموات والأرض، كما قال سبحانه ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَؤودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾[البقرة:255], وأهل السنة متفقون على أن الكرسي موضع القدمين، وأن الرواية عن ابن عباس هذه الموثوقة حجة وأنها لها حكم المرفوع، وأنّ الكرسي بين يدي العرش كالمرقاة يعني أنه بين يديه ليس بعيدا عنه وأنه كالمرقاة إليه ليس مرقاة إليه؛ لكن كالمرقاة إليه؛ يعني كما تضع شيئا أمام شيء، فهو بالنسبة للعرش صغير جدا، وهو موضع قدمي الرحمن جل وعلا, هذا الذي جرى عليه اتفاق أهل السنة في مسألة الكرسي.

وذكر مسألة النزول, والنزول يقولون به على ظاهر ما جاء في الأحاديث, ينزل ربنا آخر كل ليلة إلى سماء الدنيا وهذا النزول بغير حد يحده, ولا يتكلمون في النزول بأكثر مما دل عليه ظاهره؛ بل يمرونها كما جاءت، فلا يقولون نزول مع خلو العرش، ولا نزول بلا خلو العرش ولا يقولون نزول يكون في زمان كذا وفي زمان كذا، وإنما يقرون بظاهر الصفة ولا يدخلون في التفصيل, ولا يحدون حدا للصفات, صفات الرحمن جل وعلا، لا من جهة الكيفية ولا من جهة استغراق المعنى, بل يمرونها كما جاءت على ما دلَّت عليه اللغة، وهذا مهم في العلم بمذهبهم فإنهم يتركون التفسير لا لأجل أنَّ التفسير باللغة غير وارد عندهم ولكن لأجل أن التفسير في اللغة معلوم.

لهذا قال مالك رحمه الله تعالى: الاستواء معلوم يعني في اللغة, يعلمه أهل اللسان فلا يحتاج إلى تفسيره، وفي رواية, الاستواء غير مجهول يعني في اللغة, والكيف غير معقول. وذكر الترمذي رحمه الله في الجامع: أن العلماء يقولون كلمة مالك في النزول، فيقولون: النزول غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة, يعني عن كيفيته وحدِّه.

([65]) البطون كمال مع العلو، الله جل وعلا قال (هُوَ الْأَوَّلُ)........... فليس فوق ذاته ذات وهو جل وعلا مستوٍ على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته، وكذلك هو الظاهر فوق كل شيء من صفاته سبحانه كما فسرها عليه الصلاة والسلام، وأما البطون فإنه يفسر ببطون العلم، وبطون الإحاطة والقدرة، فالبطون بطون صفات لا بطون ذات، ومن قال: إن البطون بطون ذات فهذا يناقض أنه جل وعلا ظاهر ليس فوقه شيء، وهو قول الأشاعرة والحلولية الذين يقولون إن الله في كل مكان، إما من جهة الحلول أو من جهة الوحدة أو من جهة عدم التمُّيز.

فإذن البطون كلمة «الباطن فليس دونه شيء» السلف يفسرونها ببطون الصفات، وهو أن الله جل وعلا أقرب لأحدنا من حبل الوريد، وأقرب إلينا من عنق الراحلة، وأقرب إلينا من أي شيء بصفاته سبحانه؛ لأنَّ القرب قرب العلم هذا هو المراد بالبطون، فهنا قال (بَطُنَ علمُه) هذا التفسير صحيح وافق تفاسير السلف للباطن.

فإذن قوله جل وعلا (وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) فسره عليه الصلاة والسلام بقوله «أنت الباطن فليس دونك شيء»، (ليس دونك شيء) يعني أنه الله جل وعلا أقرب الأشياء إلى العبد، أقرب الأشياء إلى المخلوق من جهة قرب صفاته سبحانه، (فليس دونه شيء) فهو أقرب ما يكون، أقرب حتى من النفس جل وعلا لعلمه بما بخلقه وإحاطته التامة، والله بكل شيء محيط سبحانه.

([66]) هذا من كلام علي رضي الله عنه، قيل له: أتؤمن ولم تر ربك؟ قال: إن لم تره العيون فقد رأته القلوب بحقائق الإيمان. [انتهى الشريط الرابع]

([67])هذا كلام الخطابي أصل، واعتمد شيخ الإسلام في التدمرية في أحد القواعد أن الكلام في الصفات كالكلام على الذات يحتذا فيه حذوه وينهج فيه على منواله. وعلى منواله.

والخطَّابي رحمه الله في الجملة على طريقة السلف؛ لكن له بعض التأويلات رحمه الله تعالى، له اجتهاد في ذلك، وهو معذور في هذا رحمه الله، فهو من أئمة الدين، والعلماء الربانيين، ألف في التوحيد والصفات، وألف في السنة، وله مؤلفات متنوعة في نصرة علوم الكتاب والسنة.

ما ذكره هنا من أننا لا نقول اليد بمعنى القدرة والنعمة؛ لأن هذا هو قول المبتدعة، هذا معنى هو قول من قال من الأئمة الشافعي وأحمد وجماعة نقول الصفات بلا كيف ولا معنى، يعني لا كيف كما يقوله المجسمة، ولا معنى كما يقوله المؤولة، وهنا ذكر أنه غلا فيها قوم فحققوها فخرجوا بها إلى ضرب من التشبيه وجفا قوم فتأولوها أو عطلوها.

والصواب ما بين هذين وأنه إثبات بلا تكييف يليق بجلاله وعظمته كما قال سبحانه ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾[المائدة:64]، وكما قال﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، وكذلك وجهه سبحانه حق على حقيقته صفة له ذاتية ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾[القصص:88]، وكذلك سمعه وبصره وكلامه وتكليمه وعزته وقوته وإرادته ورحمته كل هذا من باب واحد، فكما أن إثبات الصفات إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فإنك لو سألت كل مؤمن بوجود الله جل وعلا، ما كيفية ذاته فإنه لا يمثلها ولا يكيفها لأنه يعرف إلا أن يكون مجسما.

فكذلك نقول إثبات الصفات وجود لا إثبات كيفية، فعندك أهل الاعتزال حينما أثبتوا ثلاث صفات وزاد عليهم الأشاعرة أربعا فأثبتوا سبع صفات، والماتريدية ثمان صفات، ثم محققوهم إلى عشرون صفة، قسموها إلى صفات ذاتية وسلبية ومعاني ومعنوية إلى آخره، كل هذا على أصولهم أن إثبات الذات وجود الذات أنه إثبات وجود لا إثبات كيفية.

فكذلك يقال لهم طريقة السلف الصالح في إثبات الصفات إثبات وجود بلا كيفية.

فنقول: كما أنكم أقررتم في صفة السمع وأنكرتم على المعتزلة يا أشاعرة، بأنَّ السمع ليس هو العلم، والبصر ليس هو العلم، فقولوا كذلك في الرحمة أنها ليست الإرادة، وقولوا كذلك في الغضب أنه ليس إرادة الانتقام، وهكذا، فيلزمكم فيما فررتم منه؛ فيما أثبتم ما فررتم منه، يلزمكم فيما رددتم به على الأشاعرة أن تردوا على أنفسكم به، القاعدة مطردة مأخوذة من قول الخطابي، الكلام على الصفات كالكلام على الذات، أو فرع على الكلام عن الذات، فكلٌّ مثبت لبعض الصفات تطعنه بهذه القاعدة كل بحسبه.

فإذا قال لك الجهمي: أنا أُومن بوجود مطلق بشرط الإطلاق بلا صفة.

فقل له: لم؟

فلابد أن يقول: لأن الصفات الأخر المخلوقات متصفة بها، وأنا أنزه الله جل وعلا عن أن يشابه خلقه.

فقل له: ما من مخلوق من مخلوقات الله إلا له صفة الوجود، فإذن ثَمَّ اشتراك.

فسيقول: قلت أنا إن صفة الله موجود المطلق بشرط الإطلاق.

فنقول له: قل كذلك: صفة الله جل وعلا أو من صفاته اليدان بشرط عدم التكييف، وقل كذلك: صفة الله اليدان بشرط عدم التكييف، فكما أنك اشترطت في الوجود الإطلاق حتى لا يشابه وجوده جل وعلا وجود مخلوقاته، فكذلك قل في كل الصفات ما يخرجها عن مماثلة مخلوقاته.

كذلك المعتزلي يؤمن ببعض الصفات، فألزمه فيما أثبت المماثلة أو المشابهة.

فإنه يقول: أنا لا أشبِّه الله بخلقه.

قل: إثباتك لهذه الصفات فيها تشبيه؛ لأن هذه الصفات عند المخلوق، فالإرادة؛ المخلوق عنده الإرادة، الحياة؛ المخلوق فيه حياة، فلم إذن ما نفيت هذه الصفات لوجود المماثلة؟

فسيقول: هذه لابد لما دل عليها بالعقل، وإذا كان لابد منها فلا يمكن لي أن أتأولها.

فإذن نقول له: إذن قاعدتك في المماثلة أنَّ إثبات الصفة فيه مماثلة، هذه ليست جيدة؛ لأنه لابد أن يخرج شيء عن هذه القاعدة، فإذا أخرجت هذه الثلاث صفات، فأخرج الصفات الأخر؛ لأن الكتاب والسنة دل عليها، وانْفِ عن الرحمن جل وعلا مماثلة المخلوق.

كذلك الأشاعرة يثبتون سبع وينفون البقية، يلزمهم فيما نفوا نظير ما لزم الأولين؛ لأن القاعدة عندهم نفي المشابهة والمماثلة، ودرج عليها الجميع وهي تلزمهم فيما أثبتوا.

المقصود من ذلك أن هذه القاعدة مهمة جدا، وأنه يحتاج إليها المناظر.

والمناظر للمبتدعة إذا حباه الله جل وعلا:

§ فقها في النصوص، ومعرفة بكلام السلف عليها في الصفات.

§ ثم معرفة باللغة وأوجه التوجيه اللغوي.

§ والثالث حسن إلزام ومجادلة ومعرفة لمذاهبهم.

فإنه لاشك سيكون غالبا، كما قال جل وعلا ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾[الأنبياء:18].

وإنما يؤتى من يناظر القوم أو من يتكلم معهم من جهله بهذه الثلاثة جميعا أو بأحد منها، فإنه إذا لم يعلم النصوص ودلالة النصوص على فهم السلف الصالح ربما خانته الحجة، ثم إذا لم يعلم اللغة ربما خانته الحجة؛ لأن ذاك يقول هذا في اللغة كذا، مثل الكرسي الذي مرّ معنا، يقول الكرسي في اللغة العلم، وليس ثَمّ مخلوق محسوس يقال له كرسي، وأنه موضع القدمين، وإنما الكرسي العلم مثل ما جاء عن ابن عباس في أن الكرسي العلم، وفي اللغة العلماء يقال لهم الكراسي؛ لأن الكرسي هو العلم، مثل ما ذكره ابن جرير في تفسيره عند الآية وأطال عليها، ويأتي المحقق في اللغة فيقول الكرسي بمعنى العلم ليس معنى أصليا، وإنما صار العالم كرسيا لجمعه للعلم، فيقول قال الشاعر في وصف قانص.

فلما احتازها –يعني حاز الصيد، رماه السهم فاحتازه؛ يعني أمسكه-.

قال:

فلما احتازها تكرَّس ....................

قال تكرس هنا علم بأنه صاده، يفسرونها بأنه علم بأنه صاده.

وعند أهل العلم بالتوحيد هنا تكرّس يعني جمع (عندما احتازها كان بها بقية حياة فجمعها إليه حتى لا تنفلت).

فيكون إذن حتى ما يريدونه عند من يعلم اللغة يكون حجة عليه.

كذلك مثلا إذا قال اليد تأتي في اللغة ويراد بها النعمة، ويقال فلان له علي يد؛ يعني نعمة وفضل، نقول هذا صحيح في أنه يقال هذا؛ لأن الناس إنما يعطون باليد، فقيل لفلان عليّ يد للقطع عن الإضافة لأنه استعلى حين أعطاه بيده، أما عند الإضافة فلا يمكن أن تكون بمعنى النعمة، فلا يقول قائل من العرب: يد فلان عليَّ. ويعني بها النعمة، ولا يأتي أحد من العرب ويقول لفلان يدان عليَّ، أو عليّ منه يدان. ويقصد بها نعمتين، هذا لا أصل له في اللغة، وأشباه ذلك.

والبيهقي وجماعة ومنهم الخطابي راج عليهم بعض الشبهات اللغوية فما تتخلصوا منها، هذا هو النوع الثاني مما يحتاجه طالب العلم المحقق في العقيدة في اللغة وفي الشواهد وكلام أئمة التفسير عليها وكلام السلف معاني الصفات.

الثالث أن يكون عنده علم بمذاهب القوم ومواقع الحجاج؛ لأنَّ عندهم ثغرات كبيرة في مذاهبهم حتى على أصولهم؛ لأنه ما من أحد يخالف الحق إلا وله نصيب من التناقض، لابد له نصيب من أنه يتناقض، فيقولون بالإثبات مرة، بالتأويل مرة، بالتفويض مرة، وهكذا، فيلزم طالب العلم أن المبتدعة بما يكون معه حجته أقوى وبرهانه أمضى.

نكتفي بهذا القدر، وفقكم الله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

([68]) أليس إسماعيل هو؟ أبو إسماعيل! راجعوها، هو إسماعيل الهروي، راجعوها، هو صاحب كتاب منازل السائرين الذي شرحه ابن القيم في مدارج السالكين. [هو: أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي توفي سنة 481 هـ، قاله المفرغ]

([69])(بائن من خلقه وهم بائنون منه) فسَّرها بقوله (لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم) هذا التفسير صحيح؛ فإن قول السلف بائن من خلقه يعني عدم الحلول وعدم الامتزاج، لهذا فسرها بعضهم بقوله بحد (بائن من خلقه بحد)، يعني أن هناك حدا يمنع حلوله جل وعلا في خلقه أو اختلاطه في خلقه؛ بل هو جل وعلا بائن منه، لا يختلط بهم جل وعلا، ذاته لا تختلط بذواتهم، ولا يحل جل وعلا في شيء منهم، والحلول هنا منفي ما يشمل نوعي الحول العام والخاص. نعم.

([70]) هذا النقل مشتمل على إثبات استواء الله على عرشه وأنه ليس بمعنى الاستيلاء، وأن قول الجهمية إن العرش ليس عليه استواء من الرحمن جل وعلا وإنما هو سبحانه في كل مكان، وهذا باطل؛ لأن استوى في اللغة بمعنى علا وارتفع ارتفاعا خاصا.

ويكون معناه أيضا علا وارتفع واستقر وجلس كما في قوله جل وعلا ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾[المؤمنون:28]، يعني إذا علوتم عليه وارتفعت ثم استقررتم عليه وجلستم، فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك، استوى عليه يعني ارتفع عليه.

وهذا يعني الاستواء على العرش دلت عليه الآيات الكثيرة، والأحاديث الكثيرة.

والكرسي، كرسي الرحمن جل وعلا غير العلم، وغير العرش.

فمن فسر الكرسي بأنه العلم فهو من أهل البدع، بخلاف من فسر الكرسي بأنه العرش فإن هذا غلط؛ لأنه منقول عن بعض السلف؛ لكنه غلط فإن الكرسي غير العرش؛ لأن:

§ مادة الكرسي مأخوذة من الجمع، وأما العرش فمأخوذة من الارتفاع.

§ كذلك ما دلت عليه السنة من أن العرش يستوي عليه الرحمن جل وعلا، والكرسي موضع قدمي الرب جل وعلا.

فإذا نقول الصحيح أنَّ الكرسي غير العرش، وأن الكرسي؛ كرسي الرحمن جل وعلا مخلوق عظيم وسع السموات والأرض.

([71]) هذا الكلام مشتمل على تقرير عقيدة كبار أئمة التصوف في الزمان الأول، فإنهم كانوا في الصفات على منهج أهل السنة، ولم يكن بينهم وبين أهل السنة فرق كما هو مقرر في كتاب الإمام [الكلابادي] رحمه الله التعرف على أقوال أهل التصوف أو ما شبه ذلك أو نحو هذا العنوان، وهو مطبوع ذكر فيه اعتقاد أئمة الصوفية وهو مشتمل على ما يوافق اعتقاد السلف في جل المسائل.

وهذا النقل واضح في مسألتين عظيمتين خالف فيهما الجهمية أهل السنة، وهما الاستواء ومسألة النزول؛ فإن الاستواء فرقان وكذلك النزول فرقان، فنبه على أن الاستواء معقول؛ يعني معقول معناه كما قال الإمام مالك الاستواء غير مجهول يعني المعنى في اللغة، كذلك قوله الكيف مجهول؛ يعني أن إثبات الاستواء إثبات معنى لا إثبات كيفية بلا تشبيه، والتشبيه يستعمله الأئمة المتقدمون بمعنى التمثيل؛ لأن المشبهة في زمانهم هم الذين جعلوا الله جل وعلا يُمثل بالأجسام وله كصفات الأجسام فإذا قالوا بلا تمثيل. يعنون التشبيه الكامل وإذا قالوا بلا تشبيه. فيعنون بذلك التمثيل.

.. وهو سبحانه (فرد)، ولكنه ليس من الأسماء الحسنى، وهو وصف عن الله جل وعلا بأنه (فرد)؛ لكن ليس من الأسماء الحسنى التي ثبتت في الكتاب والسنة ويدعا بها الله جل وعلا؛ لأنه مشتمل على احتمال نقص كلمة (الفرد) تحتمل نقصا، فلهذا لا تدخل في الأسماء الحسنى، نعم.... يعني من جهة أنه ليس بمتعدٍّ؛ لأنه إذا أطلق فلان فرد يعني له ضعف، يعني كأنه ضعيف. نعم.

.. لا هو ما يرد من النفي المفصل في كلام السلف حق، وليس مخالفا للقاعدة؛ لأنه ردّ على أهل البدع، وهناك فرق ما بين الإثبات؛ إثبات الصفات ابتداء وما بين نفي أقوال أهل البدع، فإذا أردت أن تنفي أقوال أهل البدع فلك أن تنفيها مفصلا، وليس هذا من جهة الوصف، ولكن من جهة إثبات الوصف؛ وصف الله جل وعلا بالتفصيل، والنفي يكون لأقوال أهل البدع، فنقول مثلا في قاعدتنا الله جل وعلا ليس بحال في الأمكنة، ولا بممازج، ولا بمخالط، وليس هو جل وعلا مشبها بخلقه، وليس هو جل وعلا معطلا عن صفاته، وأشباه ذلك، هذا رد على أهل البدع جائز، هذا، هذا لا يخالف منهج السلف لأنه يجامع التفصيل في الإثبات. نعم

([72]) يكثر هنا رحمه الله من تسمية شيخ الإسلام، شيخ الإسلام الهروي، شيخ الإسلام الأصبهاني، شيخ الإسلام كذا، وهذه كلمة درجت في تلك الأزمنة على من كان حجة في علومه، فمن كان حجة في علمه وجمع علما كثيرا فيقال له شيخ الإسلام، يعني في العلم الشرعي، فهي تطلق على العملاء في الشرع الذين بلغ علمهم مبلغا عظيما وصاروا أئمة وحجة.

وأول من أطلقت عليه كلمة شيخ الإسلام عبد الله بن المبارك من السلف؛ يعني بهذا المعنى.

أما من جهة الإطلاق فإنها أطلقت أبي بكر الصديق وعلى عمر في حديث صحيح عن النبي r «هما شيخا الإسلام»، وهذا جاء في حديث، لكن المعنى الاصطلاحي هو ما ذكرت لك، وأول من قيلت فيه هو ابن المبارك رحمه الله تعالى، فتوسع الناس فيها حتى صارت منصبا دينيا، في الخلافة أو في الدولة العثمانية صارت منصبا دينيا، يقال منصب شيخ الإسلام يعني كالمفتي، ومشيخة الإسلام دار مثل دار الفتوى، يقال هذا شيخ الإسلام هذا وكيل شيخ الإسلام، إلى آخره، ومعناها على ما ذكرنا.

والإمام لمن كان قدوة مع كونه حجة، وكلمة شيخ الإسلام هذه لجمع العلوم ولو لم يتبع الإمام يزيد عليه بأنه أُتبع وأهل بأن يقتدى به.

([73]) على كل حال الجملة الأخيرة تحتاج إلى بحث لغوي ( مباحثة التنفير ومناسبة التنقير) كأنها غير مستقيمة.

هذا الكلام مشتمل على عدة مسائل:

فمنها أنَّ ما توهمه خيال المرء أو حلم عليه ذكره في صفة الرب جل وعلا؛ يعني في كيفية اتصافه أو دار بخياله، فليعلم بأن الله جل وعلا على خلافه، وهذا لأن كسب المعارف إنما يكون في رؤية الشيء أو مثيله أو بما يقاس عليه، فتتصور شيئا ما في ذهنك إذا رأيته فذُكِّرت به، أو رأيت مثيلا له فذكرت بمثيله، فقلت هذا مثل هذا, مثل هذا بيت مثل بيت, وخبز مثل خبز وأشباه ذلك، أو ما يقاس عليه, يعني ما يمكن أن يجمع بينهما قياس فيكون هذا مع هذا مشترك في الكيفية في شيء، فيمكن أن نتصور ونتوهم ما دلَّت عليه الرؤية أو دل عليه التمثيل أو دل عليه القياس، والله سبحانه وتعالى لم تُرَ ذاته العلية الجليلة، ولم ير مثل له سبحانه وتعالى، ولم ير شيء يقاس عليه.

فإذن لا يمكن أن يتصور الذهن صفة الرب جل وعلا من جهة الكيفية، لا يمكن؛ لأن الذهن لا يكتسب أو القلب لا يكتسب المعرفة وتصور صورة الشيء إلا بهذه الثلاث لا غير.

أما إذا لم يكن ثَم مثيل، ولا ما يقاس عليه أو لم ير الشيء، فإنه لا تأتي الصورة إلى الذهن، وإن أتت صورة، فالصورة من نسج الخيال ليست على جهة الواقع والحقيقة.

ولهذا قال العلماء ما دار في ذهنك فالله سبحانه وتعالى بخلافه؛ لأن الله جل وعلا ليس كمثله شيء ولم يكن له كفوا أحد سبحانه وتعالى.

وما بقي من الكلام واضح، إلا أنه ذكر مسألة أسماء الله جل وعلا وصفاته، وأنه سبحانه كان متسميا بالأسماء متصفا بالصفات قبل أن يفعلها، فقال (خالقا سيخلق، ورازقا سيرزق، وجائيا سيجيء، ومستويا على عرشه سيستوي) وأشباه ذلك، وهذه الكلمة مجملة تحتاج إلى استفصال، فإنها رد على كلام المعتزلة.

وهذه الكلمة التي قالها قد تكون من مذهب السلف وأهل الحديث، وقد لا تكون؛ يعني تكون على مذهب أو على رأي الأشاعرة.

فأما كونها على رأي الأشاعرة، فهذا يحصل بتقرير أهل في هذا الباب، وهو أن المعتزلة قالوا: إن الله جل وعلا لم يستفد اسم الخالق إلا من الخلق، ولم يستفد اسم الرازق إلا من الرزق، ولم يستفد اسم المحيي إلا من الإحياء، ولم يستفد اسم المميت إلا من الإماتة، وهكذا، ولا المصور إلا من التصوير، ولا البارئ إلا من البرء، فقبل أن يخلق ليس له اسم الخلق، وقبل أن يرزق، ليس له اسم الرازق إلى آخره، وهذا كلام المعتزلة، وهو باطل.

فإنّ الله جل وعلا لم يزل متسميا بهذه الأسماء.

الأشاعرة يقولون إنه جل وعلا كانت له هذه الأسماء؛ ولكن لم يشأ أن يظهر أثر الاسم في خلقه، فكان اسمه الخالق ولم يخلق شيئا حتى ابتدأ خلق هذا العلم، وكان اسمه الرازق والرزاق ولم يرزق أحدا وأشباه هذا.

وهذا القول يحوم حوله الكلام الذي سمعتم، وبهذا نقول: إن كان مراده هذا الكلام فهذا غير صحيح؛ بل هو مخالف لمنهج ما عليه أهل الحديث والأثر في أن الله جل وعلا له هذه الأسماء الحسنى، وهذه الأسماء الحسنى والصفات لابد لها من أثرٍ، لابد لها من أثر، والله سبحانه وتعالى لم يزل خالقا عليما قديرا رزَّاقا سبحانه وتعالى، فعالا لما يريد، لم يزل سبحانه يفعل ما يريد. [انتهى الوجه الأول من الشريط الخامس].

فإذن هو جل وعلا يفعل ما يريد، حي خالق رازق قبل خلق هذا العالم، ولا يجوز أن يعتقد أن الله جل وعلا مُتَسَمٍّ بهذه الأسماء دون ظهور أثر هذه الأسماء في خلقه؛ بل هو سبحانه لابد من ظهور آثار أسمائه وصفاته في ملكوته، والملكوت لا يقصد به هذا الملكوت المرئي السموات والأرض إلى آخره؛ بل هو سبحانه له الملكوت كله؛ ما علمنا منه وما لم نعلم، ما سبق هذا المرئي وما سيخلقه.

فإذن نقول إنه سبحانه وتعالى خالق ظهر أثر خلقه ورزاق ظهر أثر رَزقه، ولا بد.

وكلمته أنه (خالق سيخلق) إن أراد بها هذا الملكوت فهذا يوافق قول الأشاعرة، وإن أراد بها جنس المخلوقات، خالق يعني أنه سبحانه وتعالى خالق سيخلق جنس مخلوقات في الأزل أو في القديم فهذا مستقيم، فإذن تعلق الخلق، بأي شيء؟

فإن كان تعلقه بهذا العلم هذا من قول الأشاعرة.

وإن كان تعلقه بجنس المخلوقات بما لا نعلم فإن هذا متفق مع قول أهل الحديث.

.. لا، الأشاعرة ما يقولون بتعطيل الأسماء والصفات، هم ما يلزمهم، هم يقولون متصف لم يظهر أثر اتصافه، لم يظهر أثر فيه، لأنه لا مخلوق.

.. خالف منهج أهل السنة؟ بل وافقهم، بل هو رحمه الله وافق قول أهل السنة في المسألة، شيخ الإسلام قرر منهج أهل الحديث العام، ما نصّوا عليها، لكن مخالفتهم للمعتزلة وللأشاعرة في المسألة وتقريرهم خلاف ما قالوا، علمنا مذهبهم؛ وهو أن الله سبحانه وتعالى حي لم يزل حيا، قدير لم يزل قديرا فعال لما يريد، لم يزل سبحانه وتعالى فعال لما يريد، ولابد أن يكون لهذا أثر، فامتناع الرب جل وعلا عن الفعل زمنا طويلا جدا حتى خلق هذا العالم، يعني أن صفات الرب جل وعلا لم تظهر آثارها في شيء من بريته، هذا ممتنع؛ لأن معنى هذا أنه سبحانه وتعالى متصف بصفات ولا أثر لهذا الاتصاف، فهو سبحانه محيي بلا إحياء على هذا القول، مميت بلا إماتة، خالق بلا خلق، هذا ممتنع، لا شك أنه لابد أن ثَمة ابتداء للخلق في زمان، لاشك أنه لابد لابتداء الخلق في زمان، لكن الزمان محدَث، والزمان نسبي فهل الزمان ابتدأ مع خلق السموات والأرض؛ لأن الزمان زمن يتكرر بشيء، هل ابتدأ مع خلق السموات والأرض وخلق الشمس؛ صار اليوم هو كذا، أو صار اليوم بالنسبة اليوم عند الله جل وعلا كألف سنة مما نعد؟ واليوم في مكان آخر في المريخ يختلف، واليوم في مكان آخر يخنلف، فالزمان كله نسبي ، ثلث الليل ، نصف الليل، هذا نسبي، منسوب يعني منسوب إلى أهل، فالزمان مخلوق، كما أن المكان مخلوق، فالزمان مخلوق، فلهذا لابد للزمان من ابتداء.

الإنسان لا يتصور خلاف الزمان؛ لأنه في معارفه لم يكتسب بالنسبة شيء إلى شيء بالتقدم أو التأخر إلا من جهة الزمن.

فإذن نسبت الأشياء عنده من حيث أن هذا قبل هذا من جهة الزمان، رأى أن فيه هذا قبل هذا أو علم فيه أن هذا قبل هذا، ومعلوم أن هذا من جهة كسب المعارف.

فنظرية المعرفة المعروفة إنما هي قائمة على النسبية، كما قال جل وعلا ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[النحل:78]، فهو سبحانه أخرجنا لا نعلم شيئا، فكل معلومة اكتسبها الإنسان فهي منسوبة، فليس عند الإنسان علم مطلق، وإنما كل شيء ينسبه؛ هذا كبير لأنه رأى أصغر منه، وهذا عالم لأنه رأى أجهل منه، وهذا زمن لأنه احتاج أن يقيم شيئا من جهة حصوله، فهو يوم وراءه يوم؛ لأنه رأى التكرر، شمس شهر، رأى التكرر، سنة، رأى التكرر.

يمكن يعني من جهة النظر لا من جهة الواقع والشرع؛ يمكن أن نصطلح على أن كل عشر سنين أن نسميها سنة، وهذا اصطلاح، فتجعل كل عشرة أشهر شهر يعني ما ممضى من رمضان إلى رمضان، نجعلها شهر، ونجعل رمضان أسبوع؛ يعني من حيث الاصطلاح لا يمنع، يعني كل شيء منسوب عند الإنسان.

ويأتي غلط الإنسان أنه يقيس العالم فيما قبل هذه النسب بالعالم المنسوب، فيأتي ويقول إنما قبل خلق السموات والأرض هو مثل ما بعد خلق السموات والأرض من جهة الزمان، وهذا غير وارد؛ لأن ما بعد خلق السموات والأرض صار الزمن منسوبا إلى علامات حدوث الزمن بما في السموات والأرض؛ يعني الشمس، القمر، الأرض، الحركات إلى آخره، وما قبل ذلك فلا تنسبه إلى الزمن هذا الذي حصل بعد خلق السموات والأرض، أو هذا قائم على أن كل علم يكتسبه الإنسان فهو منسوب إلى شيء، ولهذا غاية ما عند الإنسان من العلم محدودة؛ لأنها منسوبة، فجميع ما يمكن أن يحصله من المعارف منسوب إلى الأشياء التي حوله، والأشياء التي حوله محدودة، فيبقى علمه محدودا.

ولهذا يجب تنزيه الرب جل وعلا عن أن يكون اتصافه بصفاته أو تسميه جل وعلا بأسمائه مقيدا بزمان هو عندنا زمان، أو مقيد بمكان هو عندنا مكان؛ لأن هذا كله راجع إلى ما نكتسبه من المعارف أومن المعلومات، والله سبحانه وتعالى هو العليم بكل شيء المتوحد في الجلال بكمال الجمال.

فإذن أهل السنة والحديث يرون في مقتضى كلامهم حيث خالفوا الأشاعرة والمعتزلة في مسألة الأسماء؛ أسماء الرب حل وعلا والصفات: أنه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد سبحانه، ولا نحد ذلك بحد ولا نقول ابتدأ خلقه بخلق السموات والأرض، أو ما أشبه ذلك؛ فإنه سبحانه له أن يتصرف وأن يفعل كما يشاء لا معقب لحكمه وراد ما يريد جل وعلا.

والإنسان يصل بحد ينتهي فيه تصورُه، يعني إذا امتد في تصوره أن هذه الأشياء سينقطع إما بانقطاع الزمن أو بانقطاع المكان في حسب رأيه، فإذا انقطع الزمن وانقطع المكان انقطع هو، فإنه يمكن أن يبدأ في ذهنه ويمشي إلى أزمان، أزمان، أزمان، ثم يقول ما بعد ذلك؟ يقول إيش بعد هذا؟ أو إيش قبل هذا؟ من الزمن؟ فينتهي تصوره، لم؟ لأنه لا يمكن أن يدرك شيئا غير الزمان، هو لا يعرف إلا الزمن ينسب إليه الأشياء، والزمن هذا أبتدئ، الزمن مخلوق أبتدئ.

فإذن هو سيصل، سيصل لو قدّر أنه يصل إلى ابتداء الزمن، وابتداء الزمن لا يمكن أن نحد به صفات الرب جل وعلا، فالله سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء.

فإذن غلط الذين غلِطوا من المعتزلة والأشاعرة وأشباه هؤلاء في هذه المسألة العظيمة، أنهم نظروا إلى الزمان وإلى هذا العالم، فجاء الغلط من هاتين الجهتين:

½ النظر إلى أن هذا العالم هو الذي خُلق ليس قبله عوالم.

½ومن جهة الزمن أن الزمن محدود بابتداء هذا العالم وهذا أيضا منسوب لا ندري هل هو صحيح أم غير صحيح.

والله سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء من الأزمنة والأمكنة، إلى غير ذلك.

في الجنة الزمن يختلف، اليوم يختلف على ما قد يختلف مروره، يوم القيامة يوم ألف سنة هو يوم واحد، إذن الشمس تدنو من الخلائق، إلى آخره.

فإذن كل هذه الأزمان منسوبة، نسب، الناس يعيشون بنسب تعارفوا عليها، واصطلحوا عليها، وجاءت الشرائع بتقريرها لإصلاح حالهم ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾[البقرة:189]، ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾[التوبة:36]، يعني جعل الله جل وعلا لما خلق السموات والأرض جعل القمر عَوْدُه دلالة على شهر لأنه يحصل به الظهور والاشتهار، واثنا عشرة شهرا فيها ترجع الشمس إلى موضعها الأول، فصار هذا بعد خلق السموات والأرض هو ما يُنسب إليه الأزمنة الشهرية والأزمنة السنوية واليوم إلى آخره.

فهذا نسبي للإنسان، وأما الزمن المطلق فلا نعلمه، مثل ما تقول: الآن نحن أعلى. نحن الآن أعلى أو أسفل؟ ما فيه شيء اسمه أعلا أو أسفل، أما بالنسبة لمن تحتنا في الجوف فنحن أرفع منهم، أما بالنسبة لمن في السطح فنحن أسفل، ما فيه شيء أعلا مطلقا أو أسفل مطلقا، لابد من شيء ينسب إليه، ولهذا غلط من غلط في حديث النزول في قوله «ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر» فقال ثلث الليل يمتد الأرض كلها، فهل يعني ذلك أن الله جل وعلا نازل كل الليل، نظر إلى أن فعل الله جل وعلا في الزمن هو كالزمن الذي ينسبه إلى نفسه، الزمن المنسوب، وهذا تشبيه لصفات الله جل وعلا بصفات خلقه فإن الإنسان هو الذي يبقى إذا كان في الثلث بقي مع الزمان خلاص استغرق هذا الزمان.

الله جل وعلا ليست هذه صفته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11]، بل هو سبحانه ينزل كيف يشاء على الصفة التي شاء جل وعلا.

المقصود أن هذه المسألة مهمّة مهمة جدا للغاية وهي أن المعارف نسبية، وهذه تجيب على جميع الإشكالات التي ترِد على الغيبيات، الغيبيات إذا استشكل شيء منها فيطرد بهذه القاعدة؛ قاعدة النسبي والمطلق، فإذا فهمتها حصّلت خيرا كثيرا.

([74]) الكلام الذي سبق نقله كلام في الجملة موافق لكلام السلف رحمهم الله تعالى، إلا أن قوله (من غير ممازجة أو يلاصق به) كلمة (يلاصق به) هذا نفي أو تنزيه لما لم يرد، أما أن يحل أو يمازج فهذه واضحة؛ لأن الله جل وعلا مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه.

أما الملاصقة به بجسم فهذه تحتاج إلى نظر والأشبه عدم جواز قولها؛ لأن الله سبحانه وتعالى غرس جنة عدن بيديه ولأنه سبحانه خلق آدم بيده، ولأنه سبحانه كتب لموسى الألواح بيده، وأشبه ذلك، ولأنه سبحانه مستو على عرشه بذاته، وهذا يدل على بقاء هذه الأشياء على ظاهرها، فلا يسوغ أن ننفي هذه الكلمة؛ لأنه قد يكون النفي حقا وقد يكون باطلا، ومعلوم أننا في الإثبات نتوقف على النصوص وكذلك في النفي نتوقف على ما جاء أيضا في النصوص.

فهذه لم يرد نفيها وهي محتملة، فلا ينبغي الإثبات ولا النفي، وبعض السلف بعض الأئمة أثبت المسيس، وهذا له محل بحث.

([75]) فهذا الكلام الذي سمعت قاله الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى وهو صحيح، لأن النسخ إنما في الأحكام في الإنشاءات فإن كلام الله جل وعلا منقسم: إلى أخبار وإلى إنشاءات.

والخبر: هو ما يكون قابلا للتصديق وللتكذيب.

والإنشاء: هو الأمر والنهي وما يدل عليهما.

فهذا يعني الإنشاء فيه الامتثال، وأما الأخبار ففيها التصديق أو التكذيب من الخلق، فالأحكام والإنشاءات هي التي يجوز أن تنسخ كما قال جل وعلا ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[البقرة:106]، يعني في الأحكام.

أما الخبر عن الغيب؛ عن الجنة أو عن النار أو عن الملائكة أو عن صفات الله جل وعلا أو أسمائه أو عن الأمم الماضية فهذه لا يجوز أن يدخلها النسخ، ولا أن يعتقد في الآية المتأخرة أنها ناسخة للآية المتقدمة، كما ذهب إليه قوم من الضُّلال من الرافضة والملاحدة وأشباه هؤلاء، فإن هؤلاء ظنوا أن النسخ يكون في الأخبار ويكون في الإنشاءات، وهذا غلط عظيم؛ لأن الخبر يَدخله التصديق أو التكذيب، والخبر كيف يُنسخ؟ إذا قيل بجواز نسخ الخبر، معنى ذلك أن الأول ليس بصدق، والله جل وعلا كلامه حق وصدق كما قال سبحانه ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ قِيلًا﴾[النساء:22]، وكقوله ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا﴾[النساء:87].

ولهذا لا يجوز أن يقال إن هذه الآية في الأخبار هذه الآية نسخت ما قبلها، بمعنى أزالت الحكم.

أما النسخ الذي هو بمعنى إيضاح للمجمل الذي قد يستعمله السلف بمعنى النسخ؛ يعني أن هذه الآية أوضحت مجملا في الآية الأخرى في الغيبيات، فهذا لا بأس أن يكون في الأخبار؛ لأنه من قبيل البيان ليس من قبيل إزالة خبر وإتيان بخبر جديد يقوم مقامه، فكل ما أخبر الله جل وعلا به حق، والعلم علم الله جل وعلا أوّل فهو سبحانه وتعالى لم يزل عالما وعلمه في خلقه يظهر، كما قال سبحانه ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾[البقرة:143]، وفي قوله تعالى في آية محمد ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾[محمد:31]، هنا في قوله (لِنَعْلَمَ)، و(حَتَّى نَعْلَمَ) مثل ما ذكر لك الحارث في آخر الكلام وهو قول السلف أن معناها حتى يظهر علمنا فيها، (حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ) يعني حتى يظهر علمنا السابق في المجاهدين، (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ) يعني إلا ليظهر علمُنا فيكون حجة على الناس حجة على الموافق والمخالف على المطيع والعاصي.

وهذا يجرُّ تبعا للأصل أن الله جل وعلا لا يستأنف علما لم يكن علمه قبل؛ بل هو سبحانه وتعالى لم يزل عالما سبحانه قبل أن يخلق الخلق ويعلم أحوالهم على التفصيل والإجمال سبحانه وتعالى، يعلم الكليات والجزئيات، يعلم الظاهر ويعلم الباطن؛ إذْ هو جل وعلا بكل شيء عليم.

فصفات الله جل وعلا وأسماؤه والأخبار الغيبية هذه كلها من قبيل الأخبار، لا يجوز عليها النسخ، ولا يستأنف سبحانه وتعالى شيئا منها لم يكن عليه؛ بل هو سبحانه لم يزل في صفاته جل وعلا.

([76])هو يريد الكلام على قوله ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾[الشعراء:15] أنه ليس بتكلف؛ يعني مستمع قد يفهم منها الإصغاء، قد يفهم منها تكلف السماع، والله سبحانه وتعالى سميع بالغ في السمع نهاية هذه الصفة من الجمال والجلال لا يتكلف شيئا؛ بل هو سبحانه وتعالى يسمع دبيب النملة السوداء على [الصخرة الصماء] سبحانه وتعالى، ويعلم السر وأخفى، بل حديث المرء في نفسه يعلمه سبحانه وتعالى دون عناء ودون مشقة، فلا يفهم من قوله (إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ) أن هذا بكلفة ومشقة، بل هو سبحانه كامل في صفاته وكل شيء هيِّن عليه جل وعلا، وسع سمعه الأصوات سبحانه وتعالى.

([77])هو هذا الكلام في الحقيقة ليس على الجادة؛ لكن يمكن أن يفسر بتفسير صحيح؛ لأن شيخ الإسلام لما نقله لعله أراد ما اشتمل عليه من إثبات الصفات وما ذكره من الكلام –يعني الحارث – فيه بعض ما لا يتفق مع طريقة السلف في تقرير الصفات، ويمكن أن يحمل على محمل صحيح، ففي آخره جعل السمع والبصر مثل العلم، وهذا ليس كذلك، فالعلم علم الرحمن جل وعلا هو سبحانه يعلم الأشياء قبل حدوثها.

أما السمع فهو سبحانه يسمع الأصوات بعد صدورها من أهلها، أو صدورها من الأشياء، ويرى المبصرات بعد وجودها كونا، مثل ما قال في أول الكلام (يحدث شيئا فيراه كونا فإذا أحدثه جل وعلا رآه) واقترانه أو قرنه السمع والبصر بالعلم في هذا الباب ليس بجيد؛ لأن العلم للأشياء قبل أن تكون، أما السمع والبصر للأشياء فإنها بعد أن تكون، فتعلق العلم عند أهل السنة، متعلق العلم غير متعلق السمع والبصر؛ لكن يحمل على تفسير صحيح وهو أنه أراد الرد على من قالوا بأنه جل وعلا يستأنف علما أو يستأنف سمعا أو يستأنف بصرا وهذا المراد صحيح.

([78]) حش: مكان قضاء الحاجة.

([79]) [انتهى الشريط الخامس] الحارث المحاسبي في هذا الكلام الطويل يريد الرد على طوائف أساءت فهم القرآن، وكتابه فهم القرآن أو تفهيم القرآن مبني على الرد على من أساء فهم القرآن سواء في الأصول أو في الصفات أو في السلوك أو غير ذلك، والكتاب مطبوع، والطوائف التي ظلت في فهم القرآن أصناف منهم من ظلوا في باب التوحيد، وهذا النقل كله مختص بهذا، فمنهم المعتقدون بالحلول وأن الله جل وعلا في كل مكان بذاته في الأماكن الطاهرة وفي الأماكن النجسة في الحش وفي المسجد وفي الشارع وفي كل مكان، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، احتجوا ببعض الأدلة كقوله جل وعلا ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾[الأنعام:3]، وكقوله جل وعلا ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾[الزخرف:84]، وردّوا على بعض الأدلة التي يُرد بها عليهم كقوله ﴿ءَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ﴾[الملك:16]، لأن هذا فيه فصل ثم فيه استئناف وأشباه ذلك مما سمعت من الاحتجاج والرد عليهم.

وحجة أهل السنة واضحة وما قرره الحارث في هذا جيد وواضح، فإن قوله مثلا في آخر الكلام (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) يعني هو جل وعلا الذي يُعبد في السماء وهو الذي يُعبد في الأرض، مع كونه جل وعلا على عرشه مستوٍ عليه كما يليق بجلاله وعظمته سبحانه، كما يقول القائل فلان أمير في كذا وأمير في كذا وأمير في كذا، أو هو الأمير في كذا وكذا وهو في مكان واحد، وإنما يصدر أمره في هذه جميعا، ويطاع في ذلك، فقوله ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾[الزخرف:84] هذا معناه وهو المعبود في السماء وهو المعبود في الأرض، فلا معبود غيره في السماء ولا معبود غيره في الأرض، وأما آية الأنعام ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾[الأنعام:3]، فإن تفسيرها فيه أوجه منها:

½أن قوله (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ) يعني على السموات؛ يعني هو جل وعلا في السموات يعني على السموات، (فِي) هنا بمعنى (على) كقوله ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾[طه:71]، يعني على جذوع النخل ثم تستأنف وتقول (وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ).

½ القول الثاني أن الوقف على (وَفِي الْأَرْضِ) يعني (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) هذا الوقف، ثم تقول (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) فيكون المعنى وهو المعبود الحق في السموات وهو المعبود في الأرض إذْ إنّ لفظ الجلالة علم على المعبود بحق.

½ أو تصلُها جميعا الآية فتقول (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ).

والوجه الأول أظهر هذه الأوجه، والثاني أيضا ظاهر والثالث بين، فيقرأ القارئ يقول (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِص وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) يعني أنه سبحانه على السموات وفي الأرض يعلم فعلمه مع خلقه أو تقول (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) يعني وهو المعبود سبحانه في السموات وهو المعبود في الأرض كآية الزخرف (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ).

هو يريد الردّ -يعني الحارث المحاسبي- على أصحاب الحلول والوحدة النافية لصفات الله جل وعلا.

نكتفي بهذا القدر.

([80]) (هوى حسن النفس المستخرجة) هذه هي الأحكام؛ وصار معلوم لهم على الأحكام المستخرجة من سوء الظن، والأحكام هذه هي أحكام هوى النفس، أو هوى حسن النفس؛ يعني تحسين النفس، ماشي، كلها صحيحة (على الأحكام هوى حسن النفس المستخرجة) يعني هوى تحسين النفس؛ يعني هوى مصدره تحسين النفس، يعني حسن النفس ما تراه النفس حسنة، والمستخرجة هي الأحكام.

([81]) (معرفةُ) هذه وأشباهها تضبطها بأن تسندها إلى ياء المتكلم، فإذا أسندتها إلى ياء المتكلم فالياء مفعول وما بعدها فاعل، تقول مثلا (لزم محمدا القراءةُ), (يلزمني القراءةُ), (كفى محمدا العلمُ), لأنك تقول:كفاني العلمُ، سرني الخبرُ، يسرني علمُك، وأشباه ذلك، فالأفعال من هذا تضبطها ما يشتبه فيها الفاعل بالمفعول، تشتبه على القارئ.

فما أسند إلى ياء المتكلم هذا يكون ما بعده فاعل؛ يعني الياء مفعول وذاك فاعل، تقول سرَّني الخبر؛ يعني سرّ الخبر إياي، كفى محمدا العلم، لأنك تقول كفاني العلم، كفاني المال، وأشباه ذلك.

([82]) ما سبق إيراده من خطبة كتاب التوحيد لأبي عبد الله الخطيب هذا مشتمل على تأصيل منهج التلقي عند أهل السنة والجماعة.

وهذا المنهج مأخوذ من الكتاب والسنة وكلام الصحابة والتابعين في فهم الكتاب والسنة، والتابعون لا يستقلون بأحكام التوحيد؛ بل إنما هم مقرّرون لما جاء في النصوص، فلو جاء عن أحد منهم شيء لم يكن في النصوص -يعني عن التابعين- لكان هذا على عهدة قائله ولا يكون عقيدة ولو تبعه عليها بعض من بعده.

فشرط الاعتقاد الصحيح أن يكون جائيا في الكتاب أو السنة وكان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، فهذا هو قيد الاعتقاد الصحيح وقيد مصدر تلقيه.

فهذا هو الذي أجمع عليه السلف بإجماع المهاجرين والأنصار على ذلك فمن بعدهم.

ثم إن العقل لا مأخذ له في الغيبيات، العقل وتحسين النفوس ورؤية الصواب من جهة عقلية في الأمور الغيبية ليست واردة وليست من مواد التلقي أو من مصادر التلقي عند أهل السنة والجماعة؛ بل التلقي إنما يكون كما ذكرنا من النصوص وما عليه السلف الصالح يعني بما أجمعوا عليه، والعقل إنما هو لفهم النصوص.

فالأمور الغيبية العقلُ لا يحسنها؛ لأن العقل راجع في إدراكه وفي تصوراته إلى قياس الأمور بعضها مع بعض، فهذا هو الذي قرره العقلاء في الكلام في ما يسمى نظرية المعرفة وما يكتسبه الناس من المعارف كيف يكون؟

والأصل في اكتساب الناس المعارف إنما هو بالأقيسة على الضروريات، فالضروريات التي شاهدوها بأعينهم أو سمعوها أو ذاقوها أو لمسوها يقيسون المعارف على ما شاهدوا فتنتج لهم المعارف، وتنتج لهم الأقيسة العقلية والإدراكات العقلية.

ففي ما هو معلوم في المنطق وفي الفلسفة بعامة ما يسمى بنظرية المعرفة؛ يعني ما به تكون معرفة الأشياء فيه:

أولا: الضروريات كما قال جل وعلا﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[النحل:78]، فجعل الأبصار، فجعل الأفئدة، جعل السمع ، قبل ذلك لم؟ لأن هذه هي وسائل التحصيل، فما كان مأخوذا من هذه الحواس فيسمى عندهم ضروري؛ يعني لا يحتاج إلى استدلال نظري لإثباته، بل نقول هذا هو أمامي لمسته سمعته أسمعك الآن لا يحتاج إلى إثبات، ومن احتاج إلى إثبات الضروريات هؤلاء قوم أهل بدع يقال لهم السفسطائية الذين يجادلون حتى في الضروريات.

المقصود أن العقل يدرك المعارف بعد تحصيل الضروريات بقياس ما لم يره على ما رآه، بقياس ما لم يسمعه على ما سمعه، ومعلوم أن المعارف إنما حُصِّلت بأشياء دنيوية، بأشياء مرئية، بأشياء مسموعة بعالم الشهادة.

وقياس عالم الغيب على عالم الشهادة وإدخال العقل في ذلك هذا من مناهج أهل الضلال.

وعندنا -عند أهل السنة والجماعة- أن قياس الغيب على الشهادة باطل شرعا، كما أنه باطل عقلا عند العقل الصريح؛ لأن الأقيسة هذه العقلية مبنية على المدارك الضرورية، والمدارك الضرورية الدنيوية مشهودة، فكونك تقيس غير المشهود على المشهود هذا فيه بطلان في تحكيم حتى القواعد العقلية.

فخلصنا من ذلك: أن قياس عالم الغيب سواء في صفات الله جل وعلا وأسمائه أو في صفة الجنة والنار أو في الميزان أو في الصراط المنصوب على متن جهنم، أو في عالم الملائكة، أو في أي أمر غيبي يأتي في النصوص إثباته، فإن الخوض فيه بدلالة عقلية بمخالفة ظاهر ما دلت عليه النصوص، هذا راجع إلى الأصل الذي ذكرنا، وهو إعمال العقل في قياس عالم العقل على عالم الشهادة، وهذا خلف من القول وباطل من التقرير بل الغيب له قواعده وأقيسته العقلية الصحيحة، والشهادة لها قواعدها وأقيستها الصحيحة فجعل هذا لذاك أو ذاك لهذا لا يصح.

نخلص من ذلك إلى أن العقل التفكير في النصوص في الثواب في العقاب في الغيبيات هذا من الباطل.

([83]) هذا النقل والكلام فيه ذكر صفة النفس لله جل وعلا، والنفس له سبحانه فسرت بتفسيرين:

الأول أن النفس بمعنى الذات يعني انه جل وعلا له ذات؛ لأنه يقال في اللغة النفس بمعنى الذات، كما في قول القائل: جاءني خالد نفسُه؛ يعني ذاته من جهة التأكيد؛ يعني لم يأتِ رسول منه ولم يأت كتاب منه وإنما أتى خالد نفسه يعني بذاته.

وتأتي النفس ويراد بها في المخلوق الروح, الروح كما في أدلة كثيرة منها: قول الرجل في الحديث الصحيح (إِنّ أُمّيَ افْتُلِتَتْ نَفْسَهَا) يعني روحها، ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ﴾[ التوبة:111] يعني أرواحهم، وأشباه ذلك.

وفي صفة الله جل وعلا صفة النفس:

½منهم من أهل العلم من قال: النفس بمعنى الذات. يعني من أهل السنة.

½ومنهم من قال النفس يعني له جل وعلا نفسا خاصة، ونثبت اللفظ ولا نقول هم بمعنى الذات فقط؛ بل نقول له سبحانه وتعالى نفس وهو جل وعلا له ذات ،كما أن له صفات وأفعال والصفات قائمة بالذات.

وقوله جل وعلا ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾[المائدة:116]، هذا ظاهر في إثبات النفس لله جل وعلا كما قال النبي r «سبحان الله رضا نفسه» وأشباه ذلك.

ومنهم من قال في الآية إن هذه بمعنى الذات لأنه (وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) هذا يعني ما تعلمه أنت ذاتُك.

½ لكن بقاء النص على ظاهره، بدون الدخول في تفسير أحد الاحتمالين أولى، فنقول: إن النفس قد يكون المراد بها الذات، وقد يراد به صفة خاصة هي النفس، وقد يكون المراد الاثنين جميعا، وهذا الثالث أولى لأنه ظاهر الكلام لغة، فنقول إذن الأولى أن يقال (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) يعني فيها إثبات صفة النفس للذات.

([84]) ذكر صفة النور لله جل وعلا، والنور المضاف إليه جل وعلا نوعان:

نور هو صفته سبحانه فهو جل وعلا نور، ومن أسمائه النور جل وعلا، وهذا النور من صفاته غير مخلوق؛ صفة من صفاته، كما جاء في الحديث «لو كشفه لأحرقت سَبُحات وجهه -أو سُبُحات وجهه- ما انتهى إليه بصره من خلقه» والسُّبحات هي الأنوار، وهذا صفة من صفاته سبحانه.

والثاني نور مخلوق، وهذا النور المخلوق يبتدئ من الحجاب قال «حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه» فالحجاب نوره هذا مخلوق فيه، وتعالى الله جل وعلا وتقدس، وكذلك نور السموات والأرض ما فيها هذا نور مخلوق، كما قال جل وعلا ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[النور:35]، معناها نوّر السموات والأرض كما في القراءة الأخرى (اللَّهُ نَوَّرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ) يعني هذا النور المخلوق، بل قال ابن عباس وجماعة في الآية؛ آية سورة النور: إنَّ النور هنا مثل ضربه الله جل وعلا لنور الهداية في قلوب أهل الإيمان، لهذا قال في آخرها ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾[النور:35]، (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ) يعني مثل نور هداية في قلوب عابديه (كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ) الآية.

فإذن تقرر أنَّ النور منه ما هو صفة ومنه ما هو مخلوق، والنور المضاف إلى الله جل وعلا على هذين القسمين.

ونور السموات والأرض هذا نور مخلوق، ليس هو نور وجه الحق جل وعلا؛ لأنه سبحانه لو كشف الحجاب لتدكدك ما انتهى إليه بصره [انتهى الوجه الأول من الشريط السادس] من خلقه، ولما قال موسى عليه السلام لربه ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾[الأعراف:143] (تَجَلَّى) أي أزيل الحجاب فوصل نور الحق جل وعلا إلى الجبل جعله دكا؛ يعني من قوة أثر النور.

بل كان السلف يقولون -كسفيان وجماعة وهو مأثور عمن قبلهم ويروى مرفوعا-: أن الحق جل جلاله وتقدست أسماؤه كشف من الحجاب قدر هذه, وأشاروا إلى الخنصر بالأنملة العليا، قدر هذه، قالوا كشف قدر هذه فتدككك الجبل ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾[الأعراف:143]، يعني من قوة النور الذي رآه في لحظة.

المقصود من هذا أن الله جل وعلا موصوف بصفة النور، فنوره سبحانه من صفاته، وله نور مخلوق جل وعلا يضاف إليه إضافة المخلوقات تشريفا وتعظيما.

[سؤال: شيخ النور الذي يدل عليه الحديث هل هو نور الله «نُورٌ فأَنّىَ أَرَاهُ»؟]

..لا، «نُورٌ فأَنّىَ أَرَاهُ» هذا معناه رأيت نورا مثل ما جاء في الروايات الأخرى «نُورٌ أَنّىَ أَرَاهُ» يعني هناك نور وهو نور الحجاب فكيف أراه وبيني وبينه حجاب النور؟ مثل ما جاء في الرواية الأخرى قال «رأيت نوراً» هَلْ رَأَيْتَ رَبّكَ؟ قَالَ «رأيت نوراً» يعني نور الحجاب (حجابه النور) جل وعلا.

..﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾[النور:35]، ﴿اللَّهُ نَوَّرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾[النور:35]، تفسير القرآن بالقرآن قراءة السبعية المتواترة (اللَّهُ نَوَّرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) فمن فسرها الله مُنَوِّر السموات والأرض على هذه القراءة (اللَّهُ نَوَّرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) هي قراءة سبعية وأعلى ما يفسر به القرآن القرآن، فمن قال الله منور السموات والأرض صحيح، الله نوّر على القراءة الثانية المتواترة، هذا أجود الله نوّر السموات والأرض.

.. ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، لا هذا ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾[النور:35].

.. الآن عندك:

§ نور على نور. هذا واحد.

§ أنت نور السموات وأرض. هذا اثنين.

§ الثالث لأحرقت سَبُحات وجهه. هذا ثلاثة

§ قول ابن مسعود: نُور السموات والأرض نُور وجهه. هذا فيه إثبات صفة النور في الوجه.

([85]) هذه كلها، الآن عندك:

§ نور على نور. هذا واحد.

§ أنت نور السموات وأرض. هذا اثنين.

§ الثالث لأحرقت سَبُحات وجهه. هذا ثلاثة

§ قول ابن مسعود: نُور السموات والأرض نُور وجهه. هذا فيه إثبات صفة النور في الوجه.

([86]) رجلَه؛ لأن الغلط في الإعراب في الصفات أو في أسماء الله جل وعلا يغيِّر المعنى.

([87]) ذكر عدة صفات سواء من الصفات الذاتية أو من الصفات الفعلية له جل وعلا.

ومن صفاته الذاتية أنه سبحانه وتعالى حيّ، وأنه جل وعلا له صفة اليدين، وله صفة القدمين، أو الرجل له جل وعلا، كل هذا ثابت في الأحاديث، هذا، والسمع والبصر وإلى آخره.

وهذا هو قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث المتفق على صحته «إنَّ الله خلق آدم على صورته» فالله جل وعلا خلق آدم على صورة الرحمن سبحانه وتعالى؛ يعني على صفاته سبحانه، فخصَّ آدم من بين المخلوقات بأنَّ له من الصفات من جنس صفات الحق سبحانه وتعالى؛ يعني أن الله سبحانه وتعالى له وجه وجعل لآدم وجها، وله سمع وجعل لآدم سمعا، وله بصر وجعل لآدم بصرا، وله أصابع سبحانه وجعل لآدم أصابعا، وله جل وعلا قدمان وجعل لآدم قدمين، وله سبحانه ساق وجعل لآدم ساقا، إلى آخر ذلك.

فهذا اشتراك في الصفة، والاشتراك في الصفة لا يعني الاشتراك في الكيفية؛ لأن هذا باطل، فالله سبحانه وتعالى جعل لآدم من الصفات مثل الصفات التي ذكرنا؛ يعني الصفات سواء الذاتية أو الصفة القوة والغضب والرضا والكلام إلى آخره، هذه الصفات جعل صفات آدم على صفات الرحمن سبحانه وتعالى وكما جاء في الحديث هذا «خلق الله آدم على صورته» و(على) ليست للتمثيل وليست للتشبيه، وإنما هي في اللغة للاشتراك، وهذا الاشتراك حاصل بدلالة النصوص.

فما فصل في هذا الموضع مما ينقله العلماء أجمل في قوله عليه الصلاة والسلام «خلق الله آدم على صورته» فقوله (على) يقتضي -كما ذكرت لك- الاشتراك ولا يقتضي المشابهة ولا المماثلة في الكيفية ولا في الصفة؛ يعني في غاية الصفة، وإنما هو اشتراك في جنس الصفة؛ في أصل معناها.

والصورة في اللغة، الصورة في اللغة هي الصفة، قال هذه صورة الشيء يعني هذه صفته، كما جاء في الحديث المتفق على صحته وقوله عليه الصلاة والسلام «أول زمرة يدخلون الجنة على صورة البدر ليلة التمام» فقوله (على صورة البدر) يعني على صفة البدر ليلة التمام.

فهذا الحديث فيه كما ذكرت الاشتراك في الصفات.

وكذلك من الصفات التي جاءت في الأحاديث أن لله جل وعلا صورة خاصة، والصورة الخاصة غير الصورة العامة، الصورة العامة يعني الصفات، والصورة الخاصة التي هي هيئة اجتماع الصفات، والله جل وعلا له صورة ليست كصورة المخلوق، وهذا بمعنى الصورة الخاصة، وهو جل وعلا له صورة يعني له صفات، وجعل المخلوق له من الصفات على صفات الرحمن سبحانه «خلق الله آدم على صورته» وهذا خاص بآدم؛ يعني لو تأملت كل المخلوقات ما تجد أنها مثل الإنسان في الاشتراك فيما بين صفاته وصفات الرحمن جل وعلا، فصفات الرحمن سبحانه وتعالى تجد معانيها في الإنسان بما يناسب ذات الإنسان.

وهذا هو التحقيق في معنى الحديث، خلافا لمن فهموا منه التمثيل أو التشبيه أو الذين ردوه أو الذين جعلوا معنى الصورة الصورة الخاصة، وليست الصورة العامة التي هي بمعنى الصفات.

[سؤال: ما الفرق بين الصورة الخاصة والصورة العامة]

.. مثل ما الفرق بين الإسلام الخاص والإسلام العام، الإسلام ثلاث مراتب إسلام وإيمان وإحسان، هذه ألفاظ في اللغة يكون اللفظ عاما ويدخل في تقاسيمه خاص هو نفس اللفظ، فالصورة هيئة اجتماع الصفات هذه صورة، الصفات صورة، مثل ما ذكرت لك في الحديث الذي في الصحيحين «أول زمرة يدخلون الجنة على صورة البدر» يعني على صفته في الوضاءة والضياء والكمال كما أجمع عليه الشراح. هذا هو دِلالة اللغة ودلالة موارد الكلمة في الأحاديث.

الله سبحانه له صورة مثل ما جاء في أحاديث كثيرة غير أحاديث الصورة هذا، كما جاء مثلا في قوله «سيأتيهم في غير الصورة التي رأوه عليها أولا، فيقول لهم أنا ربكم، فيقولون له: لا نزال هنا حتى يأتي ربنا. قال: هل بينكم وبينه آية؟ قالوا نعم الساق. فيكشف ربنا عن ساقه فيخر...» إلى آخره.

فجاء في الأحاديث إثبات الصورة لله جل وعلا، وهذه مثل ما قلنا لكم الصورة الخاصة؛ يعني الصورة التي معناها هيئة اجتماع الصفات فالله سبحانه وتعال له صورة تليق بجلاله وعظمته، واجتماع صفاته سبحانه ليست كاجتماع صفات المخلوق، فما خطر في بالك، فإن الله جل وعلا بخلافه، فالمخلوق اجتمع صفة الأصابع مع صفة اليد فيه مع صفة الوجه مع صفة القدمين على هذا النحو الذي أمامك في الإنسان، فالله سبحانه اجتماع صفاته في صورة لا يجوز أن نجعل هذه الصورة كصورة الإنسان؛ لأن هذا تمثيل والقاعدة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11].

والحديث هذا «إن الله خلق آدم على صورته» لفظة (على) تقتضي الاشتراك والمطابقة في الصفات؛ لكن لا تقتضي المماثلة، فالله جل وعلا عُدْ من صفاته سواء الصفات الذاتية أو الصفات الفعلية تجد أن الله جل وعلا خلق آدم على صفاته سبحانه: فالوجه والعينان والسمع والبصر والقوة والإرادة والمشيئة والمحبة والرضا والغضب، والصفات الذاتية: الأصابع والقدم والساق إلى آخره والنفس -يعني عُدْ الصفات-، العلو الاستواء المجيء الإتيان، خذ، لكن هذه الصفات هي معنى قوله «خلق الله آدم على صورته» يعني على صورة الرحمن، فليس في الحديث على هذا شيء جديد، الحديث إجمال تفصيله في الأحاديث الأخرى، فليس فيه جديد هذا الحديث.

وهذا أشار إليه ابن قتيبة في كتابه تأويل مختلف الحديث قال: استعظموا هذا الحديث لعدم إِلْفِهِم له ولعدم سماعهم له، وإلا فليس هو أعجب من نصوص إثبات الصفات كقوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾[المائدة:64]، وكقوله ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾[الرحمن:27]، وكقوله ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾[طه:81]، والآيات يعني في الصفات، هذا وهذا الباب واحد ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11] سبحانه وتعالى.

.. لا، الحديث الذي في الصحيحين جاء بألفاظ مختلفة «خلق الله آدم على صورته»:

فمرة جاء في بدأ خلق آدم «خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا في السماء، فقال له ائتي هؤلاء النفر من الملائكة فانظر بما يحيونك» إلى آخر الحديث، هذا واحد.

الثاني الذي رواه مسلم «إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته»، بعضهم قال على صورته يعني على صورة المضروب.

وفيه مستقل بدون هذا وهذا «خلق الله آدم على صورته».

وفيه «خلق الله آدم على صورة الرحمن»، هذا الحديث الذي صححه الإمام أحمد وإسحاق وجماعة من أهل السنة.

أما من أرجع الضمير إلى آدم فهذا قول الجهمية؛ لأن آدم لم تكن له صورة قبل أن يُخلق، كما قال الإمام أحمد قيل له: فلان يقول على صورته يعني على صورة آدم. فقال: وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلق، هذا قول الجهمية. يعني قول الذين يريدون نفي الصفات؛ يعني معنى على صورته يعني على الصفات، الإمام أحمد يعلم أن على صورته وكذلك أهل اللغة في زمانه -وحتى الجهمية- يعلمون على صورته يعني على صفاته، فإذا قالوا على صورته يعني على صورة الرحمن على صفاته اضطروا إلى إثبات تفصيلاتها في النصوص، ولكن لما أرجعوا الضمير إلى آدم صار المقصود منتفيا، فصار ليس في الحديث إثبات الصفات أصلا.

الحديث هذا يدمغ المؤولة والمشبهة والمعطلة؛ لكن الشأن في فهمه كيف يُفهم.

وأنا أعجب كثير من بعض من ينتسب إلى العلم، ويظن أن الحديث فيه تمثيل أو فيه تشبيه، وهذا لأجل فساد اللغة؛ فإن (على) في اللغة ليست بمعنى (مثل) بالاتفاق؛ (على) ليست بمعنى المثلية، خلق آدم على صورته، على صورة الرحمن، ليس معناه مثل صورة الرحمن، نقول هذا أخلاقه على أخلاق فلان، هذا عمله على عمل فلان؛ يعني أنه يتصف بصفات عمله؛ يشترك معه؛ لكن إذا أتيت إلى الكيفية إلى مقدار العمل لا يقتضي المماثلة في ذلك، قد يقتضي المشابهة (على) قد تقتضي التشابه والتشابه في أصل المعنى لا ننفيه، إنما ننفي التشابه في تمام المعنى يعني في كماله أو في الكيفية.

لهذا شيخ الإسلام أطال جدا في بحثه على هذا الحديث ورد على ابن خزيمة على تضعيفه لحديث «إن الله خلق آدم على صورة الرحمن» ونفيه لمعنى الصورة مما زلَّ فيه ابن خزيمة رحمه الله، في بحث معروف رد عليه في نحو خمسين ستين صفحة كبيرة في بحث من أحسن ما كتب على ذلك، في كتابه بيان تلبيس الجهمية، وفي الرد على الرازي في الجزء الذي لم يطبع.

.. كل صفات الله جل وعلا غير مخلوقة، إذا قلنا صفة معناه أنها غير مخلوقة، لكن النور أضيف إلى الله جل وعلا، فهذا النور الذي أضيف إلى المولى جل وعلا ينقسم إلى قسمين:

§ نور مخلوق.

§ ونور غير مخلوق.

النور المخلوق هذا من جملة المخلوقات يضاف إليه كما يضاف إليه بيت الله وناقة الله إلى آخره.

والنور الذي هو صفة إضافته إليه إضافة صفة إلى موصوف.

.. نور الهداية مخلوق، ما فيه شك

.. النور من التسعة والتسعين في الحديث المعروف.

([88]) لعله يكون أصلُه، أو فيكون أصلَ التصديق، لكن التصديق ما يستعمل مع كلمة أصل، أصلُ التصديق هذه العبارة ما يستعملها العلماء أصلُ التصديق والإقرار، وإنما يقال التصديق والإقرار.

على كل حال المقصود أن الإيمان هو التصديق والإقرار والأعمال؛ يعني تصديق القلب وإقرار اللسان أعمال الجوارح.

([89]) الجمل يعني المجملة، الأحكام المجملة من العقيدة، هذه العبارة كانت عند العلماء.

([90]) العقود جمع عقد وهي العقيدة، عقد القلب على شيء يقال له عقد، تعاقد بينك وبين فلان عقد وبينك وبين الله جل وعلا عقد يعني العقيدة، وجمعها عُقود.

([91]) [انتهى الشريط السادس]

([92]) هذه مسألة (المقتول قُتل بأجله)، خلاف ما بين أهل السنة والمعتزلة القدرية فيها معروف، وهي فرع عن مسألة؛ مسألة كبيرة في القدر ويأتي تقريرها إن شاء الله؛ لكن عندنا أن المقتول قتل بأجله، وعندهم لا، هذا القاتل قطع عليه أجله؛ وذلك لأن الأفعال عندهم خلْق الإنسان غير مخلوقة لله جل وعلا، الأسباب عندهم خلْق الإنسان، فالقدر واحد لا يدخل فيه الأسباب ولا أفعال العبد، والقتل ظلم أو اعتداء، والأسباب التي أدت إليه من فعل الإنسان فخرجت عن القدر، والقدر هو أن أجله كذا، لهذا قالوا المسألة كان يبتلى بها الناس كانت مسألة من المسائل التي يكثر الكلام فيها بين المعتزلة وأهل السنة، في هل المقتول قُتل بأجله أم قُطع أجله، والأجل واحد؟

تقرير مذهب أهل السنة أن المقدَّر هو الأجل مع السبب، السبب الذي يكون به موت الإنسان أيضا مقدَّر، وهو من خلق الله جل وعلا، والله جل وعلا هو الذي خلق العباد، وهو الذي خلق الأسباب، وهو الذي خلق المسببات، فما تغلب قدرة الإنسان قدرة الله وإرادة الإنسان إرادة الله جل وعلا، هؤلاء يقولون إن كان عمره بأجل الثمانين وقتل وهو أبو عشر سنين يقول هذا قطع المخلوق؛ القاتل على المقتول أجله، ولو لم يقتله لعاش ثمانين سنة، لكنه اعتدى فقطع عليه أجله، وهذا خلوص منهم إلى نفي الظلم على الله جل وعلا بالقاعدة التي يقعدها أهل الاعتزال.

المقصود هو أشار إلى هذه لأنها من المسائل التي كان يكثر فيها الحجاج والأخذ والرد بين أهل السنة والقدرية المعتزلة، وهي مبناها على مسألة الظلم وعلى مسألة الأسباب، الأسباب هل الله خالقها؟ ثم الظلم المنفي عن الله ما هو؟

([93]) ليلة النصف من شعبان جاء فيها أحاديث أثبتها بعض العلماء بأن فيها فضلا، والظاهر أن أصل الفضل فيها ثابت، وذهب كثير من أهل العلم إلى أن الليلة النصف من شعبان هي الليلة التي يكون إنهاء الآجال والتقديرات استعدادا ليلة القدر في رمضان، ولهذا كان عدد من السلف يُحيون هذه الليلة يقومون فيها لما ورد فيها من الفضل.

والمحققون يقولون إن ورود الفضل فيها لا يعني أن تُخَصَّ بقيام أو بصيام أو ما أشبه ذلك؛ يعني بقيام من بين الليالي وصيام من بين الأيام لأجل أنها –ليلة النصف أو يوم النصف- فيها فضل ليلة النصف من شعبان؛ لكن هذا الفضل من أجل التقدير ما يحصل فيها من أجل التقدير، والله أعلم بحقيقة ذلك.

([94]) وقوله في السلطان: الصبر على السلطان إذا كان من قريش. هذا لأجل ما جاء في الأحاديث من أن الأئمة من قريش، فالوِلاية ولاية المسلمين العامة والاختيارية ينبغي أن تكون في قريش؛ لأن النبي r قال «الأئمة من قريش ما بقي من الناس اثنان» يعني حين الاختيار، أما إذا حصل تغلب من إمام ودعا الناس إلى بيعته وتغلب بسيفه فهذه تسمى عند العلماء بيعة غلبة ليست بيعة اختيار، وللإمام هذا جميع حقوق الأئمة من قريش لما جاء من الأحاديث لقوله عليه الصلاة والسلام «وإن تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زُبيبة». نعم

([95]) (الشهادة والبراءة بدعة) لأنها معتقد الرافضة يقولون لا ولاء إلا ببراء، ولا شهادة -يعني لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله- إلا ببراءة.

ويعنون بالولاء؛ لا ولاء إلا ببراء: يعني لا مولاة لعلي وآله إلا بالبراءة من جمع الصحابة عدى النفر صاروا مع علي، فلا يصح عندهم موالاة لعلي إلا بالتبري من الصحابة الآخرين.

كذلك الشهادة عندهم لا شهادة لعلي بأنه على الحق، ولا شهادة بأن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله نافعة إلا بالبراءة، فعندهم البراءة أصل في هذا.

ولا شك أن الولاء والبراء أو الشهادة والبراءة بهذا المعنى بدعة؛ بل الولاء والبراء في النصوص ليس المقصود منه البراءة من الصحابة؛ بل البراءة من الشرك وأهله. نعم

([96]) يعني لا يشهد لأحد بجنة أو نار إلا من شهد له أو عليه الرسول r، وأما الكفار الأصليين؛ مشرك أصلي مات على الشرك، أو يهودي أو نصراني، هذا ما يدخل في هذا الكلام بل إذا مات وقد أقيمت عليه الحجة فيبشر بالنار، ويشهد عليه بمعينا، كما جاء في الحديث الصحيح «حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار» وقوله عليه الصلاة والسلام «أبي وأبوك في النار».

وهذا خارج عن قول أهل العلم لا نشهد لمعين بجنة ولا نار إلا من شهد له الرسول r، يقصدون المعين من أهل القبلة، فلا نقول هذا سيعذب بالنار، أو هذا من أهل الجنة قطعا ولا هذا سيعذب في النار قطعا؛ لأننا لا نشهد إلا بالعلم، وهذا لا علم لنا به.

وهذا بالاتفاق بين أهل السنة.

وثَمة مسألة متصلة بهذا فيها اختلاف بين أهل السنة وهي: هل يشهد لغير من شهد له الرسول r؟ اختلفوا:

§ فقال طائفة من أهل السنة وهم الأكثر لا يشهد لأحد على هذا الإطلاق.

§ وقال آخرون يشهد لمن تواتر فضله وإيمانه، وشهد له المسلمون جميعا؛ يعني استفاض خيره وإيمانه وتقواه، وشُهد له بذلك، فمثل هذا يُشهد له بالجنة عند أصحاب هذا القول، كعمر بن عبد العزيز رحمه الله، وكالشافعي، والإمام أحمد وأشباه هؤلاء، وإلى هذا القول كان يميل شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن هؤلاء يشهد لهم، أستدل له بحديث أنه مُرَّ على النبي r بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال «وجبت»، ثم مرّ بجنازة أخرى فأثنوا عليها شرا فقال «وجبت» قالوا يا رسول الله ما وجبت؟ فقال«تلك مرّت فأثنيتم عليها خيرا فوجبت لها الجنة، وهذه مرت فأثنيتم عليها شرا فوجبت لها النار، أنتم شهداء الله في أرضه» يستفاد من هذا أن من استفاض بين المسلمين أنه من أهل الإيمان وكان من السابقين في دينهم بما يعلمه الناس فشهدوا له بذلك أنه يجوز الشهادة له بالجنة على هذا القول.

ولا شك أن الأسلم عدم الخوض في ذلك؛ لأن الله جل وعلا أعلم بخاتمته، وكل من المسلمين يُرجى له، وأهل الإيمان والمقامات العالية نرجوا لهم أعظم؛ لأن الله جل وعلا قوله الحق ووعده الصدق.

([97]) عائشة بالذات لأن الرافضة يتبرؤون منها، ولأن بعض الذين لم يلزموا أنفسهم السنة ربما تكلم في عائشة لما حصل في وقعة الجمل ودخولها في ذلك.

فعائشة رضي الله عنها حينما ذهبت إنما ذهبت للصلح، ذهبت لتحقن الدماء رضي الله عنها، فكانت غايتها أعظم غاية لقول الله سبحانه ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾[الأنفال:1]، فكانت ساعية في تقوى الله لإصلاح ذات البين وكف الشجار بين المؤمنين والتوفيق بين علي رضي الله عنه وبين المخالفين؛ لكن حصلت الحرب والقتال لا باختيار عائشة رضي الله عنها فإنها قيل لها لو ذهبت لهاب الناس مجيئك وقبلوا ما تقولين وسارت على جملها وقيل لهم هذه عائشة زوج النبي r وأحب نسائه إليه بعد خديجة، فإيتوها فإنها تطلب أن لا تريقوا الدماء.

فالخوارج الذين صحبوا عليا ضد معاوية هم الذين أثاروا المقتلة، فسعوا في الفتنة ما بين هؤلاء وهؤلاء، فقالوا لمن مع عائشة إن عليا ومن معه سيصبِّحونكم بالقتال، وذهبوا إلى أولئك وقالوا لهؤلاء إن أولئك سيأتونكم على غرة منتصرين لمعاوية ومن معه، فحصل ما حصل من الوشاية العظيمة هذه، فحصلت المقتلة بغير اختيار علي رضي الله عنه وطلحة والزبير ومن معهم، ولا باختيار عائشة رضي الله عنها، فالجميع لم يكن يختارون مثل هذا الأمر، ولكن وقع بفعل الوشاية.

ولهذا نترحم على الجميع ونترضى عن الجميع، نعلم أن الجميع رجال صدق، وأنهم كما أثنى الله جل وعلا عليهم، ونتولاهم جميعا، وإنما حصلت الفتنة من أهل الفتنة، وأما الصحابة فإنما وقعوا فيها بغير اختيار، ولا رغبة في ذلك، ولكن وقعت بفعل أهل الشر الذين قادوهم لذلك ولا مناص لهم من هذا الأمر.

.. عدم الترضي على الصحابة ليس كفرا، سب الصحابة له أحوال:

§ إذا سب الصحابة جميعا فهو كفر جميعا بلا استثناء.

§ وإذا سب طائفة منهم ولو كانوا الأكثر فهنا:

o إن سبّ تدينا؛ تدينا يعني متأولا فلا يُكَفَّر.

o وإن سبَّ تغيضا بغضا لهم، بغضا لنصرتهم للنبي r فهذا كفر، لقوله جل وعلا ﴿لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ﴾[الفتح:29].

o وإن سب ولعن تنقصا لهم في دينهم فهذا أيضا ليس بكفر؛ لأنه قد يكون جاءه شبهة، هذا مثلا يقول معاوية كذا وكذا من السب رضي الله عن معاوية لأجل مثلا أنه طلب الملك أو لأنه فعل، هذا ليس بكفر وإنما هو فسق من صاحبه، وحرام عليه وكبيرة من الكبائر، «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده فلو أنفق أحدكم مثل أُحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه».

فيه تفاصيل معروفة، خمسة أقوال في السب.

وأما عائشة فمن سبها من جهة عرضها فهو كافر؛ لأنه مكذِّب للقرآن، تنقَّصها في عرضها فهو كافر لأنه مكذب بالقرآن؛ لأن الله أنزل براءتها من فوق سبع سموات، وأما إذا لما حصل منها يوم الجمل وأشباه ذلك، لا لأجل العِرض هذا له حكم سب الصحابة، على التفصيل السابق الذي هو تغيض أو هو تدين.

([98]) اللفظ والملفوظ؛ يعني هل اللفظ بالقرآن مخلوق أو لا؟ هل يجوز أن يقول القائل لفظي بالقرآن مخلوق؟ لما قَوِيَ أهل السنة صارت هذه الكلمة لفظي بالقرآن مخلوق لا يقولها إلا جهمي؛ لأنه يريد أن يهرب من إلزامه بشيء.

فاللفظ مصدر:

§ يُعنى به تارة التلفظ.

§ ويُعنى به تارة الملفوظ.

مثل (خَلْقٌ) يعني به التخليق، ويُعنى به المخلوق، نقول هذا خلق الله، يعني تخليقه سبحانه الذي هو فعله، أو ما انفصل عن فعله وهو المخلوق.

وهذا كثير في المصادر التي على وزن فعل، إما يعنى به الحدث وإما يعنى بها المحدث.

فاللفظ، تقول لفظي هل تعني به التلفظ أو تعني به الملفوظ هل هو الملفوظ الخارج أو حركة اللسان التلفظ؟

معلوم أنه إن أريد الأول وهو التلفظ: فالتلفظ من أفعال العبد، وأفعال العباد مخلوقة.

وإن عُني باللفظ الملفوظ فالملفوظ هو القرآن.

لهذا صارت الكلمة محتملة، واستعمال المحتملات في العقيدة بدعة؛ فإنه لا يجوز أن تستعمل مثل هذه العبارة التي قد تحتمل شيئا آخر فيفهم الناس منها فهم غير سليم.

ولهذا كان الإمام أحمد يقول من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع أيضا؛ لأنها تحتمل هذه وهذه والإطلاق سكت عنه السلف، قد قال جل وعلا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾[البقرة:104]، كلمة (رَاعِنَا) من المراعاة كلمة طيبة؛ لكن يستعملها اليهود من الرُّعُونة، ولهذا نهي عنها للاحتمال، فأخذ أهل السنة من هذا أصلا عظيما وهو: أنَّ الألفاظ المحتملة فيما يتصل بذات الله جل وعلا أو صفاته أو أفعاله أو أمور العقيدة والغيبيات لا يجوز استعمالها، فينهى عنه، فاستعمال مع بقاء الاحتمال والإجمال بدعة.

ولهذا قال ابن القيم رحمه الله:

فعليك بالتفصيل والتبيين فالإجمال والإطلاق دون بيان قد أفسدا هذا الوجود.

فالمجملات والمحتملات لا يستعملها السلف في العقيدة، كلامهم واضح فيها لأن المقام مقام وضوح.

أما الاسم والمسمى، فهذا متعلق بشيئين إما بأسماء الله جل وعلا؛ يعني هل الاسم هو عين المسمى؟ أو هو غيره؟ هل اسم الله الديان أو اسم الله الرحيم هل هو عين الله؟ أو هو غير الله؟ محتملة:

§ إن قلنا الاسم هو عين المسمى فهذا صحيح باعتبار؛ لأن اسم الله جل وعلا دال على ذلك، فالرحيم هو الله جل وعلا، والقدير هو الله جل وعلا، فالاسم دال على المسمى.

§ وإن قلنا هنا الاسم غير المسمى فأيضا صحيح؛ لأن الاسم زائد على الذات.

الأسماء والصفات زائدة على الذات، فالاسم مشتمل على صفة، وصفات الله جل وعلا قائمة بذاته، فهي ليست هي الذات ولا غير الذات يعني باعتبار؛ ليست هي الذات باعتبار، ولا هي غير الذات باعتبار آخر، لهذا صار المقام يحتاج إلى تفصيل.

فمن أهل البدع من قال الاسم هو عين المسمى، ومنهم من قال: لا، الاسم ليس عين المسمى.

وأهل السنة لا يطلقون لا هذا ولا هذا؛ يعني في أكثر أقوالهم أو جمهورهم لا يطلقون هذا ولا هذا؛ لأن هذه من المسائل المحدثة؛ ولأنها محتملة، قد يعنى به وقد يعنى به هذا، وفي كل مقام له حكم.

وأيضا يعنى بالاسم والمسمى مسألة الأسماء والأحكام؛ يعني المسلم والإسلام، والمؤمن والإيمان، فالاسم الإسلام والمسمى به المسلم، والاسم الإيمان والمسمى به المؤمن، والاسم الفسوق والمسمى به الفاسق، والاسم الكفر والمسمى به الكافر، والاسم البدعة والمسمى به المبتدع، وهكذا.

وعندهم هناك الثنائية لا يلزم من وجود الكفر أن يكون كافرا، ولا وجود البدعة أن يكون مبتدعا، ولا يدخلون في أمثال ذلك؛ لكن المسلم من حقق الإسلام فهو مسلم، يطلق عليه هذا، ولا نقول هو مسلم إن شاء الله باعتبار الحال؛ بل نقول هو مسلم، الآن، وباعتبار المآل يجوز أن نقول إن شاء الله، هو مؤمن مادام معه إيمان فهو مؤمن بلا استثناء، وباعتبار المآل -يعني ما يموت عليه- نقول مؤمن إن شاء الله يعني إن شاء الله يموت على الإيمان وهكذا.

والظاهر أنه يعني بالاسم والمسمى المسألة الأولى المتعلقة بالصفات؛ لأن الأكثر يستعمل كلمة الاسم في الأسماء والأحكام أو الاسم والحكم على الصورة الثانية التي ذكرتها.

([99]) هذا الكلام من أوله إلى هذا الموطن: فيه ذكر بعض حال الصوفية الذين سئل عنهم، والأوائل منهم توسعوا في الألفاظ وجعلوها رموزا وإشارات لمعاني يريدونها، ولمصطلح خاص لهم، وتوسع من بعدهم في ذلك حتى وصلوا إلى ألفاظ منكرة ظاهرها الكفر.

واعتذار ابن جرير عنهم محمول على حال الأولين الذين سبقوا وقته رحمه الله، وذكر مثل قولهم: رأيت الله يقول، أو بعضهم يقول رأيت الله يعني بها الأوائل الرؤية العلمية، وهذا جهله من بعدهم، فجعلوا رؤية الله جل وعلا البصرية ممكنة فمنهم من قال أنه كشفت عنه الحجب حتى أصبح يرى الله عيانا إلى آخر ما هو مخالف للشرع عندهم.

عندهم ألفاظ كثيرة أحدثوها باطلة مخالفة للشرع ولا يجوز أن تحمل على اصطلاح خاص، ومنها ما يجوز أن تحمل على اصطلاح خاص، فصار الأمر إلى أن ألفاظ الصوفية المحدثة سواء في ذلك المتقدمون منهم أو المتأخرون على قسمين:

§ منها ما يمكن حمله على معنى خاص.

§ ومنها ما لا يمكن حمله

وما يمكن حمله على معنى خاص هو ما وضح فيه الاصطلاح. وصنف المؤلفون في اصطلاحات الصوفية كالقشيري والسلمي وجماعات.

ومنها ما ليس لهم اصطلاح فيه غلا القول بالظاهر والباطن -والعياذ بالله- حتى صار من ألفاظ بعض كبارهم ما هو كفر في نفسه.

اعتبر أتباعهم عنهم بأن هذا من باب الاصطلاح الخاص كاعتذار القاساني لابن العربي الطائي وابن الفارض وأشباه هؤلاء.

والصواب أن ألفاظهم منها ما يحمل على اصطلاح خاص ومنا ما لا يجوز حمله.

من الألفاظ التي أحدثها الصوفية العشق مثل ما ذكر لك، وقال إن العشق لا يجوز إطلاقه على الرب جل وعلا؛ يعني لا يجوز أن يقول قائل أنا أعشق الله، أو الله معشوقي؛ بل يكتفى بما ورد في الكتاب والسنة من محبة الله جل وعلا أو الخلة وهي أعظم درجات المحبة.

وسبب منع كلمة العشق في حق الله جل وعلا؛ أعشق الله، معشوقي الله وما اشتق من ذلك لأمرين:

الأول: عدم ورودها وهذا الذي علل به فيما سمعتم؛ لأنها لم ترد في الكتاب والسنة فنقتصر على اللفظ الوراد، والعشق نوع من أنواع المحبة، ولكن لكن المحبة وردت والخلة وردت؛ لكن لم يرد العشق هذا يدل على عدم جواز استعماله.

والثاني: هو تعليل لسبب المنع وسبب عدم الورود بالكتاب والسنة، أنَّ العشق فيه تعدٍّ وهو غير المحبة فإن العاشق يتعدى في عشقه على نفسه وعلى معشوقه، فالعشق من درجات المحبة لكن فيها التعدي على النفس، ولهذا كلمة عَشَقَ وعِشْقٌ تدل على تعد حتى في اللغة فيما استعملت فيه، ولهذا لا يجوز أن يقال إن أحدا تعدى في حبه لله على نفسه؛ إذْ محبة الله جل وعلا حق وكذلك لا يجوز أن يتعدى على الرب جل وعلا في حبه له لأن محبة الله جل وعلا له حق؛ لكن عشق العبد لربه هذا فيه تعدٍّ؛ لأن العاشق من غلبه هواه أو من غلبته محبته حتى جعلته يتصرف بعقله أو يتصرف بعلاقته بمحبوبه على غير ما يقتضيه الصواب.

فلهذا منع لفظ العشق فإن لفظ معشوقي وعشق وما اشتق منها لا يجوز لهذين الأمرين؛ لعدم الورد والثاني للتعدي وما أوضحت لكم من التعليل.

.. (رأيت الله يقول) سوء في التعبير هو ما رآه، (رأيت الله يقول) هذا ما رآه، علمت الله يقول، مثل ما تقول رأيت في الكتاب الفلاني كذا أو رأيت الحق في المسألة كذا، هم استعملوا رأيت الله على معنى عندهم يعني أنه صار هذا القول حقا كمقام الرؤية، ففهمها من بعدهم على غير مرادهم بأنهم رأوا الله عيانا، فهم غلطوا في التعبير فقط، رأيت الله يقول يعني علمت الله يقول علما يقينيا هو في مقام الرؤية، فعبروا بتعبير أوقع في الالتباس.

.. التتيم ما يجوز في حق الله لأنه فيه تعدٍّ، ذكر شارح الطحاوية نقلا عن ابن القيم في روضة المحبين ذكر مراتب المحبة عشرة ابتدأها من أولها إلى آخرها، وبين فيها ما يجوز وما لا يجوز.

([100]) يعني هذه المسائل معروفة في العقيدة، المسائل التي مرت، يعني الكلام في القرآن والحلول والاستواء والرؤية والخلة يعني هذه مرّت.

([101]) هذه المسالة كثرت في زمان القرن الثالث الهجري وما بعده.

وهي مسألة التكسب بالتجارة، وأن التجارة أصابها ما أصابها ودخول الحرام فيها، وأن التوكل بترك السبب أفضل، وهذا شاع عند الصوفية، وأحد المسألتين قادت إلى الأخرى، يعني مسألة دخل إلى التجارة أو ما دخلها تركوها، وعللوا ذلك أيضا بحسن التوكل على الله جل وعلا وصنف فيها عدد من أهل العلم مصنفات في الحث على التجارة والصناعة والعمل، ككتاب الخلال، وأيضا للجاحظ رسالة في ذلك التبصر بالتجارة، وكله رد على هذه الطائفة التي زعمت أن ترك العمل أفضل، وأن التوكل على الله جل وعلا بعدم ملابسة الأسباب أفضل، وهذا باطل بل التكسب أفضل، وهو صنيع الأنبياء والمرسلين، وعباد الله الصالحين، وأطيب ما كسب المرء من عمل يده، هذا أطيب ما كسب المرء، فما يأتيه من الصدقات وما يأتيه من العطيات ليس في الطيب مثل كسبه بيده، وأحل ما يكسبه المرء وأنفعه له ما كسبه بيده.

كذلك المسألة الثانية التي ذكرها: وهي مسألة ضيق الحلال، هذه أيضا كان فيها اعتقاد بأن الحلال عدم، وأنه لا يوجد أكل حلال؛ لأن مثلا في العراق في ذلك الوقت أو في الشام الأراضي فتحت وأصبحت أرض خراجية فأعتدي عليها بالإقطاع وبغيره، فصارت بدلا أن تكون ملكا عاما أصبحت ملكا خاصا، فأصبحت إذن مخصوبة وما يخرج منها له حكم الغصب وإلى آخر هذه التدرجات، فأصبح كثيرون من الصوفية يتركون الأكل تماما من كل ما يوجد في السوق لأجل الاشتباه، اشتباه ما يخرج من الثمرات من الأرض المغصوبة.

كما يحكى أيضا حتى عن بعض المتأخرين النووي أنه كان لا يأكل مما تخرجه مزارع دمشق لأجل هذا.

وهذا في الواقع ليس بصحيح، وليس بسائغ شرعا؛ لأن من اعتقد أن الحلال عُدم تماما، فإن هذا اعتقاد بأن الله جل وعلا أحل على عباده شيء ثم عدمه سبحانه، أو حرم عليهم شيء وجعله هو المتعين أزمانا متطاولة دون غيره، وهذا لا يجوز، فالله جل وعلا جعل الحلال موجودا في كل مكان وفي كل زمان لكن يقل ويكثر، نعم قد يقل في موطن ويكثر في موطن، ويقل الحرام في موطن ويكثر في موطن، أما أن يعدم بالكلية في مكان، فهذا لا يقول به فقيه ولا عالم يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله.

الصوفية في جهة الورع زادوا في هذه المسائل زادوا حتى كان بعضهم لا يأكل إلا صيده، وكان بعضهم لا يأكل إلا شيئا أنبته في بيته، وأشباه هذه الأفعال التي هي من الورع المذموم.

.. لا يوصف الله جل وعلا بالتردد سبحانه وتعالى؟ الحديث على ظاهره[انتهى الوجه الأول من الشريط السابع] «وما ترددت في شيء ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته».

التردد:

§ إما أن يكون ناتجا عن عدم العلم أو الجهل بالعاقبة فهذا مذموم.

§ وإما أن يكون التردد للإكرام، لا للجهل إنما تردد إكرام، ما تدري والله تذبح له ذبيحة أو ثنتين، هذا تردد إكرام، ليس ناتج عن عجز أو جهل ولكن بما يكرم به، تردد هل تهدي له كتاب أو كتابين ليس عجزا ولا جهلا ولكن من جهة المناسب.

فالله جل وعلا أكرم عبده المؤمن، ومن أجل إكرامه له تردد فيما يكرمه به، ومعلوم أن التردد إما أن يكون فضلا وإما أن يكون عدلا، فليس التردد فيه للأفعال لجهل عاقبتها وعدم معرفة ما يناسبها؛ بل هذا احتمال أمرين إما الفضل أو العدل والله جل وعلا، قد يتفضل على عباده، وقد يعاملهم بالعدل، وفي كل منهما هو سبحانه وتعالى له الحكمة البالغة، فلا يوصف الله جل وعلا بالتردد لا مطلق ولا مقيد، لا تردد بالاتفاق مطلق، ولا أيضا مقيد يتردد في قبض النفس أيضا لا يوصف لا هذا ولا هذا، لأن معنى التردد هنا غير المعنى الذي يفيده كلمة تردد في غير هذا السياق.

([102]) المسألة الأولى ذكر فيها توقي من مكسبه حرام وأن الأصل في المسلم السلامة فلا يُتورع في معاملة المسلم الذي ظاهره السلامة، وهذا الذي ذكره هو الصحيح في انقسام المسألة إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: معاملة عامة المسلمين الذين لم يظهر من مكاسبهم الريبة، فهذا الصنف وهذا القسم التورع في التعامل معه بدعة، وخلاف هدي السلف، لأن الأصل في المسلم السلامة، ولم يظهر على هذا ما يدل على مكسب خبيث، فإذا تورع لأجل قد يكون عنده مكاسب خبيثة، فهذا بدعة وغلو في التوقي.

والقسم الثاني: من يخالط الظلمة الذين يظلمون الناس في أكل الأموال بالباطل، أو في التعدي على الحقوق، أو بالتعدي على ممتلكاتهم، أو ما أشبه ذلك، وكان ذلك شائعا في الدولة العباسية بكثرة، حتى قيل إن أكثر بغداد أنها منتزعة من أصحابها، حتى قيل أن أكثر دمشق منتزعة من أصحابها؛ يعني من أملاك كانت للناس فنزعت منهم لغيرهم.

فهذا الصنف من عُلم منه أنه يخالط من يأكل أموال الناس بالباطل فيكون عنده المال الحرام، فهذا يسمى صاحب المال مختلط، وصاحب المال المختلط الأقوال فيه أربعة لأهل العلم، والتحقيق أنه لا يجب ترك الأكل مما يقدمه أو يضيف به أضيافه، أو يهديه إلى آخره، أنه لا يجب تركه؛ لأن المال لم تعين للحرام بل المال مختلط من هذا وهذا، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: كل والحرام عليه.

وهذا يدل على أن من لم يتمحض ماله للحرام فإنه لا يجب ترك ماله؛ ترك الأكل من ماله، أو ترك أخذ ماله إلى آخره أو ما أشبه ذلك.

ولكن يستحب -وهذا هو الذي ذكره هنا أنه يستحب من جهة الورع- يعني من استطاع ذلك فإنه يستحب له ذلك، وبعض أهل العلم يرى أن هذا ليس من جهة الاستحباب؛ لكن من جهة التورع فإن تورع فهو أفضل، وإلا فلا يستحب لأن الصحابة كثير منهم لم يتورعوا هذا التورع.

والقسم الثالث: من الأقسام من ماله حرام، يُعلم أن مكاسبه حرام؛ يعني كل ماله حرام، فهذا لا يجوز الأكل من ماله عند جمهور أهل العلم، ما يجوز الأكل من أكله، ولا من ماله؛ لأنك تعلم أنه اكتسبه على وجه محرم، وهذا الحقيقة نادر من جهة الوقوع؛ لأن من هو في الناس لا مكسب له إلا من الحرام هذا نادر.

وأكثر المسلمين أموالهم مختلطة يعني قد يغلب الحرام وقد يغلب الحلال، فأكثر المسلمين؛ بل جل المسلمين من القسم الثاني من يختلط فيه هذا وهذا يعني ممن مكسبه حرام، ولكن الأصل في المسلمين هو الأول -كما ذكرنا أن الأصل السلامة- إلا إذا عُرف؛ لكن من يكسبون مالا حراما فإن الأصل فيهم أنهم خلطوا أموالهم، فلهم حكم من اختلط ماله الحرام بمال حلال.

ولهذا نقول إنه إذا عُلم أن الشيء من مال حرام بعينه؛ يعني أُشتري شيء بمال حرام بعينه فإنه لا يؤكل منه.

ومعلوم أن مسألة الهبات غير مسألة الأكل، الأكل هو أشدُّها، وأما مسألة الهبة فهذه فيها تفصيل، هل الكسب بظلم وتعدي أم هو حرام بلا ظلم.

.. لا، الكافر النبي r أكل من طعام اليهود وهم أكلة الأموال بالباطل، لا هذا في المسلم بس.

..الكافر لا يضر الأكل من عنده، لكن بخلاف التعدي ظلم بهذا بعينه، مثل ما قلت لك، المال الذي كسب بالتعدي، غير الذي كسب بالرضا ولكنه حرام؛ يعني هل الحرمة وصف عارض أو وصف ملازم، هذا فيه بحث، إذا كان عارضا هذا له حكم وإذا كان ملازما له حكم، يعني في الكافر.

([103]) هذه المسائل الثلاث تكلم فيها عن حال غلاة المتصوفة فإن منهم من قال: أنا أعبد الله لا خوفا من عقابه، ولا طمعا في ثوابه، ولكن محبة له، كما يقوله طائفة من كبارهم، فيقول إنَّ العبد ما دام أن أحكام هذه الدار يعني الدنيا جارية عليه فإنه لابد أن يعيش بين الخوف والرجاء؛ خوف عبادة ورجاء عبادة، فيرجو رضا الله ويرجو الجنة ويخاف من عقاب الله من النار وعذابه، هذا هو الإيمان.

وأما من قال أنا أعبد بالمحبة لا بالخوف والرجاء فهذا باطل، ويدل على نوع زندقة وخروج عن طريقة الأنبياء والمرسلين عليهم صلوات الله وسلامه، والخوف والرجاء يجب أن يجتمعا في القلب.

وهل يغلب الخوف الرجاء، أو يغلب الرجاء الخوف؟ فيه تفصيل:

§ أما عامة الناس وأكثرهم ظالم لنفسه، فهذا يجب عليه في حال حياته أن يُغلِّب جانب الخوف على الرجاء، فيُعظم الخوف أكثر من الرجاء حتى ينيب ويُقلع عن ظلمه وعن معاصيه.

§ والخاصة المقتصدون أو السابقون بالخيرات فهؤلاء يقومون على استواء الخوف والرجاء في قلوبهم، الخوف والرجاء يكونان متساوين؛ لا يغلِّب جانب الرجاء فيترك العمل ولا يغلِّب جانب الخوف فيقنط.

§ والحال الثالثة حال أهل المرض -الذين يظن أن مرضهم مرض هلكة- فهذا يجتمع في قلبه الرجاء والخوف، ويعظم خوفه ويعظم رجاؤه، ولكن يكون رجاؤه أعظم؛ لأن النبي r ثبت عنه أنه قال «لا يمت أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه»، وقال «قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء»، فإذا كان في مرض فإنه يجتمع في قلبه الخوف والرجاء، ويعظم عنده الخوف ويعظم الرجاء؛ لكن يزيد في الرجاء لأن الله جل وعلا أمر بإحسان الظن به وأنه رحيم بعباده.

هذا تحقيق المقام في الجمع ما بين الخوف والرجاء.

وعبارات العلماء والأئمة بعضهم أطلق تغليب الرجاء، بعضهم أطلق تغليب الخوف، بعضهم قال بالتساوي، حتى عن الإمام الواحد كالإمام أحمد نقل طائفة من أصحابه عنه تغليب الخوف ونقل آخرون تغليب الرجاء، والتحقيق أن لكل مقام ما يناسبه على هذا التفصيل الذي ذكرت لك، فمن قال نغلب الرجاء فقط حق، ومن قال يغلب حق، ومن قال يتساويان حق كل بما يصلح له من الحالات.

من حالات الصوفية الغلاة أنهم مع انسلاخهم عن الخوف والرجاء يقولون تخلصنا من أمور العبادة إلى مشاهدة الأحدية السرمدية؛ يعني إلى الفناء في الربوبية ومشاهدة تصرف الله في الملكوت يعني ارتفعت عنهم التكاليف، وهذه زندقة وردة؛ لأنه إذا اعتقد أحد أنه وسعه الخروج من شريعة محمد r كما وسع الخضر الخروج من شريعة موسى فإنه مرتد، كل من اعتقد أنه يجوز أن لا يلتزم بأحكام الشريعة وأنَّ أحكام الشريعة لطائفة من الناس وأنه لا يخصهم الخطاب لارتفاع التكاليف عنه وعدم التزامه بالتكاليف، وهذا أيضا ردة وزندقة، مثل ما هو حاصل مع غلاة المتصوفة.

والمسألة الثالثة: هذه أحوال أيضا لغلاة المتصوفة الذين ادعوا أنهم كشفت لهم الحجب فأصبحوا يعلمون الغيب، يعلمون الغيب من جهة أحوال الناس ومقاماتهم، وما سيؤول إليه أمرهم سواء في أمور الدنيا أو أمور الآخرة.

فكل هذه الثلاث أنواع من الزندقة التي هي عند بعض غلاة المتصوفة.

([104]) هاتان مسألتان، كل هذه المسائل عظيمة ومهمة الفِراسة ذكرنا لكم في درس سابق أنواع الفراسة الثلاثة وأنها:

§ فِراسة خَلْقِية.

§ وفراسة إيمانية.

§ وفراسة رياضية؛ والرياضية يعني مما يدخل فيها القياسة وأشباها.

والفراسة الإيمانية التي جاء فيها الحديث «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله»، ذكرت لكم تفاصيل ذلك في كلامنا على الفرقان.

أما المسألة الثانية التي ذكرها بعد الفِراسة هي الحلول هذه وقع فيها طائفة من بداية القرن الثالث الهجري.

والحلول والإتحاد لفظان متباينان، فالحلول شيء والاتحاد شيء آخر.

والحلول ينقسم إلى حلول عام وحلول خاص.

والإتحاد ينقسم إلى اتحاد عام واتحاد خاص.

فالفرق بين الحلول والاتحاد أن الحلول يقبل الانفصال والإتحاد لا يقبل الانفصال.

مثاله أنك لو وضعت سكرا في ماء فحركته، صار حلولا أو اتحادا ؟ صار اتحادا؛ لأن هذا لا يقبل أن ينفصل مرة أخرى، أما لو وضعت في الماء شيئا من الأشياء -حصاة أو وضعت ورقة فصارت في داخله- فهذا يسمى حلول لأنها أصبحت هي والماء شيء واحد.

مثل لو وضعت ورقة الشاي يعمي مثلا (ليبتون) أو غيره في كأس ماء، هنا اجتمع حلول واتحاد أما الحلول فوجود هذه الورقة التي تستطيع أن ترفعها، والإتحاد؛ الشاي هذا الذي بعد أن كان الماء لا لون له أصبح اتحد بالشاي وتغير لونه، هو ماء وتعرف أنه ماء ودخله شيء آخر وهو الشاي فتغير فاتحدا.

لهذا القائلون بالحلول غير القائلين بالاتحاد، والحلول قسمان عام وخاص، والاتحاد قسمان عام وخاص

فالحلول العام: هو قول من يقول هو حل في كل شيء، لكن حلوله من قبيل حلول اللاهوت في المخلوق، يمكن أن يبقى للمخلوق صفة المخلوق ويبقى لللاهوت صفة الإله، مثل من يعتقد في حلوله في الصور الجميلة في كل صورة جميلة يقول انحل فيها الإله، أو حلول الرب جل وعلا في كل مكان، حيث إنه ليس مندمجا في الذات، ولكن فيه تَبَايُن، حالٌّ في كل مكان مع الانفصال.

والحلول الخاص: هو أنه يحل في بعض الأشخاص، مثل ما يقول الصوفية، بعض الصوفية يقول ما في الجبة إلا الله يعني حلول خاص فيه، أو قول النصارى إن الله جل وعلا حل في عيسى فصار عيسى له صفتان صفة الناسوتية البشرية في جثمانه وصفة الإلهية في ما حل فيه، ومثل قول القرامطة والإسماعيلية إن الله جل وعلا حل في الحاكم أو في فلان أو فلان من الناس، هذا حلول خاص.

أما الاتحاد مثل ما ذكرنا لك فهو اتحاد عام وخاص:

أما الاتحاد العام: فهو أن يكون الوجود هو عين الله جل وعلا، الوجود هو عينه، الوجود الذي تراه وجود الأشياء هو وجود الله، وصفة الأشياء هي صفة الله، فهذا يسمى اتحاد، اتحاد بكل شيء وهو قول الاتحادية كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض إلى آخره، مثل ما قال ابن الفارض قبحه الله

لك صلاتي في المقام أقيمها وأشهد أنها لي صلت

فله صلاته، ولنفسه صلت لأجل اتحاده بالخلق، هذا قول أصحاب وحدة والوجود، وحدة الوجود اتحادية لا حلولية؛ لأنهم يقولون الوجود واحد، هو عين وجود الحق جل وعلا، يعني لهم بحوث تفصيلية في هذا.

أو الاتحاد القسم الثاني اتحاد خاص: اتحد ببعض المخلوقات دون بعض، فلم يتحد بكل شيء، نزهوه عن الاتحاد بالأشياء القذرة الأشياء القبيحة، ولكن اتحد ببعض الأشياء دون بعض، فاتحد بالأولياء، اتحد بالصالحين، اتحد بالأنبياء، اتحد بالفلاسفة، فصاروا هم عين وجود الله جل وعلا.

وهذا لاشك جميع الأقوال هذه كفرية، فمن قال بالحلول أي نوع أو الاتحاد أي نوع فهو كافر بالله جل وعلا.

([105]) أما الأرواح فالروح التي أضافها الله جل وعلا لنفسه هي روح مخلوقة، وأضافها الله جل وعلا لنفسه تشريفا، قال سبحانه ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾[الحجر:29]، من روحه الإضافة إضافة مخلوق إلى خالقه؛ لأن الروح مخلوقة، وإضافة المخلوق إلى الخالق تقتضي التشريف مثل﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾[النجم:10]، تشريف العبد ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾[الشمس:13]، الناقة تشريف لها، «بيت الله» تشريف لهذا البيت إلى آخره، وكذلك الروح، طائفة ظنوا أن إضافة الروح لله جل وعلا إضافة صفة إلى موصوف، وهذا غلط وهو الذي به ضلت النصارى، فظنوا أنه لما نفخ الله جل وعلا فيه من روحه أنه حلت فيه اللاهوتية، حل فيه الإله، ولهذا قال ضاهى قول النصارى النسطورية طائفة من النصارى.

([106]) صفة الكلام والقرآن.

القرآن كلام الله ليس بمخلوق، هذا اعتقاد السلف الصالح من أولهم إلى آخرهم منه بدأ جل وعلا قوله وإليه يعود سبحانه وتعالى، وهو كلام الله إذا تلي، وهو كلام الله إذا كتب، وهو كلام الله جل وعلا إذا حفظ، ففي أي صفة كان تناوله العبد فهو كلام الله ليس بمخلوق.

ومعلوم أنه ثم فرق ما بين التلاوة وبين المتلو، وما بين الدراسة والمدروس، وما بين القراءة والمقروء، فكما قال أئمة السلف: الصوت صوت القاري والكلام كلام الباري جل وعلا، فالجهة منفكة لا تلازم بين التلاوة والمتلو؛ لأن التلاوة فعل العبد والمتلو كلام الله جل وعلا، ولهذا بدَّع السلف من قال لفظي بالقرآن مخلوق؛ لأن كلمة لفظي تحتمل أن يكون المراد التلفظ الذي هو عمل العبد فتكون الكلمة صحيحة، تلفظ العبد مخلوق لأن أعمال العباد مخلوقة، وما بين اللفظ الذي هو الملفوظ؛ لأن (فعل) تأتي بمعنى المصدر وتأتي بمعنى المفعول خلْق بمعنى المخلوق ، لفْظ بمعنى الملفوظ وهكذا.

فـ(لفظ) تأتي بمعنى الملفوظ، فالملفوظ هو كلام الحق جل وعلا ليس بمخلوق، فمن قال لفظي بالقرآن مخلوق هو مبتدع؛ لأن هذه الكلمة لا تجوز أن تقال لاحتمال أن يكون المراد باللفظ المصدر أو يكون المراد باللفظ الملفوظ.

فإن كان المراد بالمصدر فهو صحيح أن فعل العبد وتلفظه مخلوق.

وإن كان المراد بالمصدر الملفوظ فالملفوظ كلام الحق جل وعلا ليس بمخلوق.

لكن استعمل هذه اللفظة بعض أهل البدع والاعتزال والجهمية ليستروا قولهم بخلق القرآن، فاستعملوا قولا محتملا حتى لا يؤخذ على أيديهم.

فاستعمال هذا اللفظ لا يجوز.

فإذن مثل ما قال لك هناك فلاق بين التلفظ والملفوظ، وما بين المتلو والتلاوة، والدرس والمدروس إلى آخره.

([107]) مثل أيْشٍ، أيش يعني هذه مختصر أي شيء عربية فصيحة، أيش مختصر أيُّ شيء وتسمى منحوتة.

([108]) هذا الكلام مما يحتاج إلى تفصيل وعناية، وهو تكلم على مسألة المعازف والغناء وسماع الألحان من غير المعازف والقصائد، والقصائد الرُّبعية وأشباه ذلك.

وذكر أن الأشعار أيضا تنقسم إلى قسمين، وهذا كله مبني على قول النبي r «الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح» ولا شك أن ما كان من الشعر في وصف الله جل وعلا وصف آلائه، ووصف الصالحين، والتذكير بالدار الآخرة، والجهاد وأشباه ذلك من المعاني الإسلامية والدينية العظيمة، فإن هذا مما أمر به؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أنشدت الأشعار بين يديه، وقال عليه الصلاة والسلام لحسّان بن ثابت «أهجهم وروح القُدُس معك» وهذا أمر ثابت متفق عليه بين أهل العلم.

لكن التشاغل به عن غيره أيضا من العلم الواجب أو من العلم المستحب هذا لا ينبغي؛ بل الانشغال بالعلم الواجب والمستحب هذا لا شك أولى بل آثر أن ينشغل عنه بإنشاد الأشعار في المعاني الإسلامية العامة.

وأما الأشعار التي في اللهو والمجون وأشباه ذلك، فهذه لا تجوز، ولا يجوز نشرها أيضا من أن ما كان وسيلة إلى الشيء فله حكمه، فالأشعار التي فيها وصف النساء أو وصف الخنا والفجور أو وصف الخمر شرب الخمر ونحو ذلك، نشرها بين الناس يعني إذاعتها أو إقرارها وأشباه ذلك، هذا لا يجوز لأنه وسيلة على الشر.

لكن قد يتناقل العلماء من هذه الأشعار أشياء في الشواهد أو أشياء في الوصف وبيان بعض معاني اللغة وبيان بعض البلاغة تشبيه فهذا، إذا كان بقدره فلا حرج منه، فقد نقل العلماء كثيرا من الأشعار في كتبهم من التفسير وفي شروح الأحاديث ببيان معاني كلام الله جل وعلا وكلام رسوله r، وفي بعضها ما ينكر؛ لأن ذلك ليس مقصودا به المنكر، وإنما المقصود به [حقيقة..].

أما المسالة التي ذكرها من سماع الألحان المطربة والقصائد الزهديات بالألحان فهذا هو الذي كان يسمى في العصر الأول بالتغبير، والتغبير كان بنوع ضرب على الجلود وقد يكون بالدفوف أيضا، وفيه إنشاد للقصائد الزهدية، استعمله طائفة من المتصوفة لأجل إشغال الناس بالقصائد التي تحث على الدار الآخرة، وتزهد في الدنيا، عن الغناء والفجور وأشباه ذلك.

والعلماء أنكروا التغبير وأنكروا سماع القصائد الملحنة يعني بألحان مبتدعة؛ الألحان التي يستخدمها أهل التصوف، بما يشبه الرنة، وعدوا ذلك من البدع المحدثة. ووجه كونه بدعة ظاهر، وذلك أنه يقصد بذلك التقرب إلى الله، ومعلوم أن التقرب إلى الله لا يكون إلا بما شرع، وهذه القصائد على هذا النحو التي كان يلقى في الماضي، ويلقيه المتصوفة في الحاضر، هذا مبتدع محدث لا يجوز ترقيق القلوب به.

أيضا من سماع الألحان ما يتصل بالتعبد بها، وهذا لاشك أنه كفر، مثل ما ذَكَرَ لك بأن سماعها واستماع ذلك تعبدا كفر؛ لأنه:

§ جَعَل من الدين ما لم يأذن به الله جل وعلا هذه واحدة.

§ وجعل أن الله جل وعلا شرع هذا ورضيه ودل عليه وبه يحصل توحيده، كما يعتقده المتصوفة.

فأصل الاستماع استماع الألحان استماع الغناء أصله فسق إذا كان يصحبه معازف، وإذا كان لا يصحبه معازف فهو بحسب الحال وقد يكون فسقا في بعض الأمور كحال الصوفية [انتهى الشريط السابع]

... أن هذا الاستماع عبادة، استماع هذه الألحان المطربة والغناء وأشباه ذلك عبادة، وهذا فسق، وهو عند طائفة كفر.

والثاني أنهم يعتقدون أن الله جل وعلا يستمع هذا اللحن ويرضى به، وهذا كفر؛ لأن الله جل وعلا لا يجوز نسبته إلى الرضا بالفسوق والفجور، تعالى الله جل وعلا عن قولهم.

هذا ما يمكن حمل كلام من نقل عنه شيخ الإسلام هنا بقوله في أكثر من موضع (فاستماع هذا كفر) أو (استماعه على الله كفر في هذا الحال)؛ لأنهم يعنون به تعبد الذي يعتقدون معه أنَّ الله جل وعلا يستمع لهذا ويرضى به، كما قال في أوله فاستماع ذلك على الله كفر؛ يعني اعتقاد أنَّ الله يرضى بهذا ويستمع إليه وينصت إليه سبحانه وتعالى كما يعتقد طائفة من غلاة المتصوفة والجهلة، هذا كفر إذ فيه وصف الله جل وعلا بما يتنزه عنه.

وهذا معنى قوله فيما يظهر، وإلا فالعبارة مشكلة (فكل من جهل ذلك وقصد استماعه على الله على غير تفصيله فهو كفر) يحمل على ما ذكرته لك من الحالين، وهذا يعرف معناه بمعرفة حال أهل التصوف.

ذكرتُ وجهين:

الوجه الأول: أن التقرب إلى الله جل وعلا عبادة، وجعلوه عبادة أذن الله بها ورضيها، وهذا كما قلت لك عند طائفة كفر؛ لأن الله جل وعلا لم يأذن لأحد أن يجعل عبادة يخترعها جديدة بأمر منكر، فيتعبد بالحرام، تعبده بالحرام كفر عند جماهير أهل العلم؛ يعني يفعل حراما ويقول أتعبد الله به، ينظر إلى النساء ويقول أتعبد الله بالرؤية –ما له دخل الاستحلال قد يكون استحلال وقد يكون شيء آخر-؛ المقصود أنه تعبد الله بالحرام، يعني أمر محرم تقرب إلى الله بهذا المحرم، معلوم أن هذا جماهير أهل العلم على رده يعني السماع المحدث، ولذلك قلت لك أنه قول طائفة من العلماء أنه كفر.

والثاني وهو واضح: أنهم يعتقدون أن هذه الألحان التي تقرب إلى الله جل وعلا أن الله رضيها، وأنه يستمع ذلك؛ بل ويقصد الله إلى سماعه، وهذا وصف الله جل وعلا بما لا يجوز أن يوصف به، وهذا كفر.

هذا تخريج لكلامه وإلا كما ذكرت لك فالكلام مشكل.

.. هي عبارته مشكلة لكن بما أوضحته لك ما يصير فيه إن شاء الله إشكال، قال(وقصد استماعه على الله) ، ( فاستماع ذلك على الله كفر).

.. الاستماع في نفسه بدعة محدثة، عند هذا الناقل قد يكون كفرا في المواطن التي ذكرها، طبعا إذا جاءتك المواطن المشكلة من كلام العلماء فإن كلام العلماء فيه متشابه، ما نأخذها بالتسليم إلا بعد رده إلى المحكم، فإذا رددناه إلى المحكم في قواعد التكفير، رجعنا إلى أنه لا يكفر المستمع إلا بأحد الصفتين التي ذكرت لك، إما بالتقرب على الله بالحرام، وهذا عند طائفة كفر حتى حكى العلماء، أن من زنى وقال في أوله بسم الله وعلى بركة الله أنه يكفر بالإجماع -نقل بعض العلماء الإجماع عليه- وإن كان لا يُسلم –لأنه ما أعرف من قال بالإجماع من المتقدمين-، لكن من قال بسم الله على بركة الله فإنه يكفر؛ لأنه هنا يريد الاستعانة بالله هذا الأمر المحرم، ويطلب البركة في هذا الأمر المحرم، كذلك من أراد التعبد بالحرام كالذين قال جل وعلا فيهم ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[الأعراف:28]، هذا يمكن الرجوع إليه؛ لأنه من تعبد بالحرام تقرب إلى الله بما حرَّم هذا عند طائفة من العلماء؛ بل عند الجمهور كفر.

والثاني أنه جل وعلا يرضى بهذا ويستمع إليه وينصت إليه فإن هذا أيضا كفر؛ لأن الله جل وعلا لا يستمع إلى الفسق والفجور ويرضى به.

.. هذا ما فيه كلام الله سبحانه وتعالى يسمع كل شيء.

.. نحن نخرّج كلامه على وفق الأصول، ما نقرر ما يقوله.

([109]) كلام الحافظ أبي عمر بن عبد البر صاحب كتاب التمهيد والاستذكار وغيرهما كلام عظيم تأصيلي مهم في هذا الباب، وهو تقرير لما سبق إيراده وتقريره.

قوله رحمه الله تعالى (إن السلف تتابعوا على أنه في الصفات نمرها كما جاءت بلا كيف) هذا مما اتفق عليه السلف من أئمة في الدين وعلماء المسلمين أمروها كما جاءت وهذا معناه على وجهين:

الوجه الأول: أن قولهم أمروها كما جاءت يعني بلا تفسير، فالأصل أنّ أحاديث الصفات والآيات في ذلك لا تفسر؛ بل تُمر كما جاءت؛ يعني قال فيها وصف الله جل وعلا بكذا، ولا يقال معنى هذا كذا؛ لأن المعاني معلومة عند المستمع، فمعنى قول الله جل وعلا ﴿الرحمن الرحيم﴾ معلوم من صفة الرحمة، و﴿غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾[المجادلة:14]، معلوم صفة الغضب، ﴿ بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾[الصافات:12] على القراءة المعروفة، العجب ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾[الرعد:5]، معروف صفة العجب إلى آخر ذلك، فلا يدخل في هذا بتفسير، إن الله ﴿ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا﴾[البقرة:26]، أيضا صفة الاستحياء معروفة، فهذا يكتفى بإمراره، بذكر ما جاء فيه بدون أن يخاض فيه بتفسير؛ لأن هذه المعاني معلومة، كذلك صفة الوجه صفة اليدين، إلى غير ذلك من الصفات في القرآن وفي السنة.

والوجه الثاني: في معنى قوله أمروها كما جاءت: أن هذا الإمرار وعدم الدخول في الكيفية ولا في بحث المعاني التي ادَّعاها المبتدعة، ولهذا قال طائفة من أهل العلم: أمروها كما جاءت لا كيف ولا معنى، وهذا القول -أمروها كما جاءت لا كيف ولا معنى- موافق لأمروها كما جاءت؛ لأن نفي الكيفية يراد به الكيفية التي ادعاها المجسمة في نصوص الصفات، ونفي المعنى لا كيف ولا معنى هو المعنى التأويلي الذي صرف معاني الصفات إليه أهل البدع، فقولهم لا كيف ولا معنى يعني لا كيف كما كَيَّفَهُ المجسمة ولا معنى كما ادعاه المؤولة، وهو موافق لقولهم أمروها كما جاءت، وبهذا قال طائفة أيضا من الأئمة تفسيرها تلاوتها، فنفس التلاوة تفسير لها؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم ما خاضوا في آيات الصفات بتفسير كما تكلموا بآيات العلم والفقه، وإنما في آيات وصف الله جل وعلا أو في الأحاديث ذكروها وأمروها كما جاءت بلا شيء زائد عن ذلك، فأيقنوا بما وصف الله به نفسه باستوائه على العرش، وهم يعلمون معنى الاستواء في اللغة، لهذا لا حاجة لهم في تفسيره، وكذلك في حديث النزول «إن الله ينزل إلى سماء الدنيا آخر كل ليلة» أو «في الثلث الأخير من الليل» أو «في النصف الأخير من الليل» أو «حين يبقى ثلث الليل الآخر»، أو الأحاديث الجائية في هذا، وهذا كله يقال به ويمر كما جاء، فلا يجوز الخوض فيه بزيادة عن ذلك، إلا بحالة واحدة وهي في حالة الرد على الخصوم.

ولهذا يخطئ بعض المنتسبين إلى طريقة السلف وإلى السنة في أنهم يحدثون العامة بأحاديث الصفات ويفسرونها لهم، هذا ليس هو طريقة السلف طريقة السلف، أن تتلى عليهم الآيات والأحاديث في هذا الباب، وأن يمر كما جاء وأن لا تفسر لهم وإنما يقال لهم إن الله استوى على العرش يؤتى بالآيات في هذا، علو الله على خلقه، الآيات والأحاديث في هذا، يذكر صفات الله سبحانه وتعالى؛ لأنها معلومة يدركها المرء بلغته وبفطرته.

([110]) يجوز أن تقول: سَحَّاءُ الليلِ والنهار أو تقول: سحَّاءُ الليلَ والنهار، فيكون الليل والنهار هذا ظرف، أو سحاءُ الليلِ والنهار على الإضافة، وجهان في رواية الحديث.

([111]) البيهقي رحمه الله من علماء الحديث المعروفين، له كتاب السنن الكبرى والسنن الوسطى والسنن الصغرى، وكتب كثيرة في الحديث، وله كتاب الأسماء والصفات، وطريقته في العقيدة -في الأسماء والصفات بخصوصها- هي طريقة الخطّابي وأشباه هؤلاء، وهم في أعلى طبقات الأشاعرة؛ لأن عندهم دفاع عن المتكلمين، ولأن عندهم كثيرا من التأويل؛ لكنهم أخفُّ من غيرهم.

شيخ الإسلام في موضع له قسم الأشاعرة إلى خمس طبقات، وجعل البيهقي والخطابي وأشباه هذين من الطبقة العليا من الأشاعرة؛ يعني أن ما تأولوه قليل، أو أنهم الأصل عندهم الإثبات بخلاف قومهم؛ فلم يجعلوا هؤلاء كالبيهقي لم يجعلوا القاطع العقلي فيما يزعمون حكما على النصوص، بل نظروا في اللغة وتأولوا تأويلات من جهة اللغة كما هو ظاهر في كتابه الأسماء والصفات.

والبيهقي في الأسماء والصفات تارة يقول باب إثبات يدي للرحمن، أو باب ما جاء في إثبات كذا، وتارة يقول باب ما جاء في كذا، أو باب ما يذكر في كذا ولا يذكر الإثبات، لهذا قال بعض أهل العلم: إنه يثبت الصفات الذاتية كالوجه واليدين وأشباه ذلك، وأما الصفات الفعلية فيتأولها.

وكتابه من الكتب التي اشتملت على أدلة كثيرة في الصفات، واشتملت في كثير من ذلك على تأويلات باطلة، وهو يدافع عن المتكلمين، وينقل كلامهم.

نسأل الله جل وعلا له العفو والرحمة؛ لما له من قدم راسخة في نشر السنة، ورواية الحديث وتدوين ذلك، والاجتهاد، نرجو أن يكون مجتهدا أخطأ في اجتهاده؛ لكنه آثم بما خرج عن طريقة السلف الصالح.

مما ذكر: صفة اليدين لله جل وعلا وصفة الوجه وكل هذا الباب الذي ذكره راجع إلى إثبات صفة اليدين للحق جل وعلا، وهذه الصفة كثيرة النصوص فيها في الكتاب والسنة، وأجمع عليها السلف، والله جل وعلا له يدان وكلتا يديه يمين سبحانه وتعالى، وأنه سبحانه وتعالى متصف فيهما بصفة الكمال.

والمؤولة أوَّلوا اليدين إلى أنواع من التأويل، ذكرناها لكم في عدة مواضع؛ منها تأويل اليدين بأنها القدرة أو بالنعمة أو ما شاكل ذلك.

وإضافة اليد إلى الله جل وعلا إضافة صفة، واليد هي اليد الحقيقية المعروفة، والله جل وعلا لا يقال في حقه إنه متصف بها على نحو كيف وكيف؛ لأنه ما دار في البال فالله جل وعلا بخلافه.

قد ذكرنا القواعد في هذا وتقرير منهج أهل السنة في شرح الواسطية وفي غيره.

المقصود من هذا أن قول البيهقي فيما ذكر كلامه جيد وصواب في نقله للنصوص وتقرير هذه الصفة، وكل الصفات على هذا النحو الذي ذكره في كثرة النصوص فيها، وفي أنها لا يخاض فيها بتأويل.

ومما ذكر أن السلف لم يخوضوا في تفسيرها، إذا جاءت صفة اليدين في كتب التفسير القديمة وفي كلام السلف لا تجد أنه يقول اليدان هما كذا؛ بل معروف اليدان هما اليدان، والله جل وعلا متصف بذلك. نكتفي بهذا.

([112]) كلام أبي يعلى في كتاب إبطال التأويل: تأصيل لرد أنواع التأويل لآيات الصفات والأمور الغيبية. وكتاب إبطال التأويلات ليس من كتب تقرير الاعتقاد الحق في الصفات من كل وجه؛ لكن يستفاد منه ما نقله شيخ الإسلام عنه في تأصيله في رد التأويل؛ لأن أبا يعلى وجماعة من المنتسبين لمذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى ذهبوا إلى الإثبات فغلوا في الإثبات حتى أثبتوا أشياء لم يصح بها الدليل أو لم يرد بها الدليل أصلا؛ ولكن الكتاب معقود لإبطال التأويل في أخبار الصفات، وهذا القدر أورد عليه أدلة كثيرة وأبطل تأويل المبطلين.

ذكر فيه أن الذي يجب: أن يؤمن بظاهر النصوص التي فيها الإخبار عن الله جل وعلا وعن أسمائه وصفاته، وأنه لا يجوز التشاغل بردها ولا بتأويلها، ولا بصرفها عن ظواهرها، بل الواجب حملها على ظاهرها، وهذا حق.

وإذا قلنا الواجب حملها على ظاهرها، فإن الظاهر كما هو معلوم يقابله التأويل، والمجاز يقابله الحقيقة.

فعندنا فيما تحمل عليه آيات الصفات وأحاديث الصفات بل آيات وأحاديث الأمور الغيبية بعامة، أنه يجب حملها على ظاهرها وعلى حقائقها، ولا يجوز حملها على التأويل ولا على المجاز.

والظاهر قسمان كما أن الحقيقة قسمان، فنحمل الآيات والأحاديث على الظاهر، والظاهر للآيات والأحاديث على قسمين:

§ منها ظاهر للألفاظ بمفردها، وهذا يسمى الظاهر الإفرادي، الظاهر للمفردات، فهذا يُفهم الكلام على ظاهره في اللفظ، ولا يجوز أن يحال اللفظ عن ظاهره إلى شيء آخر.

وذلك لأن تعريف التأويل عندهم: صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة، وسبب الصرف -أنهم صرفوه عن ظاهره-، أنه لا يجوز نسبة هذا الظاهر إلى المنسوب إليه، وهذه مقدمة هي الدعوة، هي الدعوة جعلوها مقدمة، لماذا صرفوا اللفظ عن ظاهره؟ قالوا لأنه لا يجوز أن يوصف الله بصفات الأجسام، فجعلوا الدعوى هي البرهان، ولذلك باطل أن يسلط التأويل على الظاهر؛ ظاهر الألفاظ كما في قوله مثلا ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾[المائدة:64]، ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾[التوبة:6]، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾[النساء:164] وأشباه ذلك، ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾[الفرقان:59]، فهذه ظواهر، ظواهر هذه الآيات فيها إثبات الصفة على ما دل عليه معنى الصفة في اللغة، فاليد في اللغة ليست هي القدرة؛ لأن القدرة إذا أريد باليد القدرة أو النعمة فإنها لا تضاف بل تقطع عن الإضافة، فتقول مثلا لفلان علي يدٌ، أو عندي لفلان يدٌ، هذا جاء في كلام العرب وأرادوا بها النعمة؛ لأن النعمة تسدى باليد، ولكن لا يقال يد فلان عليَّ ويراد بها النعمة، أو يدا فلان عليَّ ويراد بها النعمة، فإذا ثنيت وأضيفت فإنه لا يمكن بحال أن يراد بظاهرها هذا المعنى الذي ذهبوا إليه، فيكون الذي ذهبوا إليه غلطا في اللغة، وأيضا فيه تأويل والتأويل لا يجوز لهذا لأنه لا برهان عليه.

إذا تبين ذلك فهذا الظاهر نفهم الآيات على ظاهرها، يعني اللفظ هذا ظاهره فنؤمن به على ما دل به ظاهره، ولا نتشاغل بتأويله ولا برده، ولا بضرب الأمثلة إلى آخره بل نؤمن، والله جل وعلا وصف نفسه بذلك، نؤمن بذلك ولا نخوض فيه.

§ النوع الثاني من الظاهر: ظاهر الجمل الظاهر التركيبي، والظاهر التركيبي أو ظاهر الجمل، هذا معناه ما يفهم من ظاهر الكلام بمجموعه لا بمفرداته.

فإن المقصود من الكلام إفهام المتكلم المخاطَب بما يريد، وقد يُفهم المخاطِبُ المخاطَبَ بمفردات يعني المفرد، وقد يفهمه بمجموع الكلام فإذا ظهر المراد بمجموع الكلام سمي ذلك ظاهرا تركيبيا، والأول ظاهر أفرادي أو لفظي.

والظاهر التركيبي هذا مثلا في قوله جل وعلا ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾[النحل:26]، لم يفهم منها أحد أن فيها إثبات صفة إتيان الله بنيان الكفار من القواعد؛ لأن المراد هنا بالتركيب ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْفُ﴾[النحل:26] المراد أنه إتيان عذاب الله جل وعلا بقدرته سبحانه، هذا يفهم من ظاهر التركيب -تركيب الجمل-، وإذا أتيت إلى قوله (فَأَتَى اللَّهُ) لقلنا فيه إثبات صفة الإتيان لكن هذا غير مراد؛ لأن (فَأَتَى اللَّهُ) هنا نفهمها مع الجملة.

بخلاف قوله مثل في آية البقرة أو في آية الفجر ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾[الفجر:22] وهذا واضح أن الظاهر منها الظاهر الإفرادي نفسه الظاهر التركيبي.

كذلك في قوله ﴿أَلَمْ تَرَى إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾[البقرة:115]، (أَلَمْ تَرَى إِلَى رَبِّك) هل فيه إثبات رؤية الله بالأوصاف كما يدعيه الصوفية يعني غلاة الصوفية؟ لا، هنا المراد الظاهر التركيبي (أَلَمْ تَرَى إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) فظاهر الآية التركيبي دلّ على أن المراد برؤية الله جل وعلا هنا رؤية آثار ربوبيته في خلقه، ولهذا قال ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾[الفرقان:45].

ولهذا لما قيل لشيخ الإسلام إن هناك آية أجمع السلف على تأويلها -وهي قوله جل وعلا في سورة البقرة ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾[البقرة:115]-، فقال: أعلم ما تريدون، تريدون قوله تعالى هذه الآية أصلا ليست من آيات الصفات حتى يقال إن السلف أولوا آيات الصفات؛ بل هذه الآية تركيبها المراد بالوجه هنا الوِجهة، وليس المراد بالوجه الذي هو صفة الله جل وعلا، قال (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) يعني فثم القبلة، فثم الوِجهة وِجهة الله التي أمركم بالتوجه إليها دل عليها قوله قبلها (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) سبحانه وتعالى.

كذلك الحقيقة منقسمة إلى حقيقة إفرادية وإلى حقيقة تركيبية.

وهذا البحث أجاد فيه شيخ الإسلام في أوائل المجلد الثالث من رده على الرازي وهو لم يطبع بعد؛ لأن الرازي ذكر تأويل الآيات والأحاديث، فأصل شيخ الإسلام تأصيلا عميقا قويا كعادته رحمه الله في بيان الظاهر والتأويل وأقسام الظاهر والحقيقة وهذه المباحث.

المقصود أن هذا الذي ذكر أن نؤمن بالظاهر ولا نتشاغل بالتأويل، هذا هو الحق، والظاهر على قسمين والحقيقة على قسمين.

نقل أيضا عن أبي الحسن الأشعري صاحب الطريقة المنسوبة إليه والمعروفة، الكلام الذي نقله في أول عقيدة أهل السنة والحديث واضح: الإقرار بالله وملائكته والإيمان بالصفات، كل هذا واضح.

لكن نحتاج إلى التعليق على قوله (وإن أسماء الله تعالى لا يقال إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج) أسماء الله جل وعلا سمَّى بها الله سبحانه وتعالى نفسه، وأسماؤه مترادفة متباينة، أما ترادفها فباعتبار الذات، كلها تدل على نفس الله جل وعلا وذاته سبحانه وتعالى، فالعليم هو ذات القدير هو ذات الرحيم إلى آخره.

وهي متباينة باعتبار أن كل اسم فيه صفة ليست في الاسم الآخر، فالقدير فيه صفة القدرة، والرحيم فيه صفة الرحمة إلى آخره.

والله جل وعلا لم يزل متسميا بهذه الأسماء قبل أن يخلق الخلق.

والمعتزلة يرون أن أسماء الله جل وعلا سمَّاه بها الخلق، فلم يكتسب اسم الخالق إلا بعد أن خلق الخلق، ولا اسم القدير إلا بعد أن قدر، ولا العليم إلا بعد أن وجد شيئا يعلمه إلى آخره، فالخلق هم الذين كسوه بهذه الأسماء بحسب ما رأوا من صفاته أو من آثاره أو من خلقه إلى آخره.

فعندهم على هذا الأسماء تكون مخلوقة، وهي على هذا عندهم غير الله جل وعلا.

وأهل السنة يردون هذا ويقولون إن أسماء الله جل وعلا سمَّى بها نفسه قبل أن يخلق الخلق سبحانه وتعالى «إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة» وهذا ليس من صُنع الخلق؛ بل هو من تسمية الله جل وعلا لنفسه، فهي الأسماء الحسنى له سبحانه وتعالى.

إذا كان كذلك فأسماء الله لا يجوز أن يقال إنها مخلوقة.

والثاني إن أسماء الله جل وعلا لا يجوز أن يقال [انتهى الوجه الأول من الشريط الثامن] أنَّ الصفات تفسر بمخلوقات منفصلة؛ لأن الله جل وعلا ما قام به ذات واحدة ليست صفاته سبحانه وتعالى منفكة عن ذاته؛ يعني صفاته الذاتية أو صفاته الاختيارية حين تقوم به جل وعلا، ليست منفكة عن ذاته.

فكلمة (غير) تفهم الانفصال، وهذا يوافق معتقد الجهمية والمعتزلة الذين يفسرون الأسماء والصفات التي لا يقرون بها بمخلوقات منفصلة، ولذلك يستعملون كلمة (غير).

إذن هنا في قوله (وإن أسماء الله تعالى لا يقال إنها غير الله) على ما ذكرت لك من مبادئ البحث فيها، كذلك لا يقال إنها مخلوقة، فالغيرية ممتنعة بل هو قول المعتزلة والخوارج، كذلك قول بأنها مخلوقة كذلك من فروع قول بأنها غير الله.

سبق أظن أن مر معنا الكلام على اللفظ والملفوظ، من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع؛ لأن كلمة لفظ تشتمل على لفظ مصدر، اللفظ مصدر، قد يكون المراد به تلفظ، وقد يراد به الملفوظ، فلما احتمل هذا وهذا، صار إطلاق قول القائل لفظي بالقرآن مخلوق بدعة؛ لأن كلمة لفظ تحتمل أن يكون المراد بها التلفظ، والتلفظ الذي هو عمل الإنسان، هذا مخلوق ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾[الصافات:96].

وإن كان قصد باللفظ الملفوظ، فالملفوظ كلام الله جل وعلا، فلا يجوز أن يقول كلام الله ملفوظ.

فإذن قول القائل ما ذكر إن اللفظ مخلوق مثل ما قال (والكلام في اللفظ والوقف، من قال بالوقف واللفظ فهو مبتدع)، فمن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، ومن قال لا أقول لفظي بالقرآن مخلوق ولا أقول ليس لفظي بالقرآن مخلوق بل أتوقف لا أعلم هذا أيضا بدعة، أو أتوقف وأقول القرآن مخلوق أو غير مخلوق فهذا بدعة؛ بل الواجب أن نقول إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن اللفظ قول القائل لفظي بالقرآن مخلوق، هذا لا يجوز أن يقال لأنه يحتمل، مثل ما قال السلف من قال أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، ومن توقف هجروه.

البخاري رحمه الله تعالى هجره محمد بن يحيى الزهري، ومسلم وأبو حاتم، وأبو زرعة، لما أظهر عندهم أن لفظه بالقرآن مخلوق، كما قيل في الرواية.

والبخاري أراد شيئا حقا لكنهم من شدة تمسكهم بالسنة ما اكتفوا منه باللفظ الغير واضح فأطلقوا أنه مبتدع، ولذلك تركوا التحديث عنه حتى مات رحمه الله تعالى.

ترك المجلس وذهب إلى بلده فاستقر فيه مدة، ثم توفي.

لهذا تجد في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ترجم للبخاري قال: محمد بن إسماعيل البخاري أبو عبد الله تركه أبي وأبو زرعة لما أظهر عندهم مسألة اللفظ. يعني متروك.

ومسلم أيضا دافع عن البخاري في هذه المسألة وانحرف عنه بعد ذلك؛ لأنه من تلامذته الخاصين فلما ترجم له ابن أبي حاتم -وهو من أئمة السنة هو وأبوه وأيضا أبو زرعة- قال لما ترجم لمسلم: مسلم بن حجاج النيسابوري صدوق. لأجل هذه المسألة.

فإذن ينبغي إلى الذين ينظرون في التراجم، طلاب العلم، والذين يخرِّجون ويستخرجون أقوال في الجرح والتعديل، أن لا يأخذوا ظاهر اللفظ دون أن يعلموا تواريخ الرواة، وما حصل من الفتن التي حصلت ووأثرها على الناس.

يحيى بن معين أيضا تركه علي بن المديني وحصل ما حصل؛ لأنهم أجابوا في المسألة أو توقفوا فيها؛ يعني فتنة عظيمة حصلت فيمن تقدم وفيمن بعدهم. والله المستعان.

([113]) قوله هنا (وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾[ق:16])

الصحيح هنا في قوله (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ) أن المراد به قرب الملائكة؛ لأن القربة نوعان: قرب عام وقرب خاص.

والقرب الذي يوصف الله جل وعلا به هو القرب الخاص؛ قرب خاص من خاصة خلقه؛ من الداعي «الله أقرب من أحدكم من عنق راحلته» وأشباه ذلك.

أما عامة الخلق فإن قرب الله جل وعلا منهم إنما هو قرب بصفاته العظيمة سبحانه وتعالى، فهو يقرب من خلقه كيف شاء سبحانه وتعالى؛ يعني إما قرب الذات أو قرب الصفات فهو سبحانه وتعالى كيف شاء في ذلك.

فالقرب الذي يوصف فالله جل وعلا به هو القرب الخاص أما القرب العام فهو قرب الملائكة من عباد الله جل وعلا كما في هذه الآية (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) يعني حين الوفاة بقرب الملائكة ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَن الْيَمِينِ وَعَن الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾[ق:17].

وقد أوضحت هذا فيما أذكر مفصلا، ومسألة القرب تقتضي بحثا طويلا في شرح الواسطية فيرجع إليه هناك. نعم

([114]) هذا من أعظم الصفات التي ينبغي أن يكون عليها أهل السنة في سلوكهم، فأهل السنة وأهل الحديث وأهل الأثر وأتباع السلف ليسوا متكلمين بأقوال لا عمل معها ولا سكينة ولا خشوع ولا تواضع؛ بل هم يأمرون بعقيدة صحيحة معها إتباع، ومعها استكانة، ومعها خضوع.

فالسلوك جزء من عقيدتهم لهذا ترى في آخر الواسطية كما مرّ معنا ذكر شيخ الإسلام فصل؛ لأن أهل السنة والجماعة يأمرون مع ذلك بقيام الليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصلاة إلى آخره.

وهنا ذكر الأشعري رحمه الله بعض صفاتهم التي عرفهم الناس بها، فهم يجانبون كل داع إلى بدعة، لا يقولون بالبدع ولا يحبون أهلها ويجانبونها، كذلك يتشاغلون عن القيل والقال بقراءة القرآن وبكتابة الآثار وبالنظر في فقه الأثر؛ فقه السنة، وفي ذلك ليسوا متكبرين على الخلق بل أهل استكانة وتواضع، هذه صفة أهل العلم الراسخين فيه المتبعين للسلف أنهم أهل استكانة وتواضع، أما إذا رأيت الذين يتكبرون تعلم أنهم فقدوا بعض صفات السلف الصالح، حتى ولو كانوا منتسبين إلى طريقة السلف، فطريقة السلف كاملة، فطريقة السلف كاملة، وإنما الشأن في بعض أتباعهم إذا تكبروا أو اغتابوا أو نَمُّوا أو سعوا في الأرض لغير هدي السلف.

فأهل السنة أهل الحديث أهل الأثر أتباع السلف الصالح فيهم خشوع في قلوبهم، خشوع في أقوالهم، خشوع واستكانة وتواضع لله جل وعلا في أحوالهم مع الخلق، ينفعون الخلق ويبعدون المضرة عنهم، ويسعون في نفعهم، ويأبون أن يضروهم بشيء، وكذلك في عباداتهم لهم الهدي، وفي فقهم وفي نظرهم يتبعون الآثار ولا يخرجون عن ذلك، ومعهم حسن خلق مع الناس، وبذل للمعروف وسعي في مصالح الله جل وعلا، وكذلك يكون الأذى أذاهم لا يصل، كما قال عليه الصلاة والسلام «المسلم من سلم المسلون من لسانه ويده» هم يكفون الأذى، ويبذلون الندى، ويحسنون خلقهم مع الناس، ويتركون آفات اللسان من الغيبة والقيل والقال والنميمة والخوف من عباد الله جل وعلا.

بل كلامهم كلام دائما فيه خير، فيه معروف، فيه صلاح، وإذا لم يأت الكلام الصالح سكتوا فهو خير لهم.

هذه صفة أهل العلم صفة أتباه السلف الصالح وهي التي يجب أن نصابر ونصبر على امتثالها، قد يغلط المرء قد يصيبه بعض الغفلة؛ لكن يجب عليه أن يوطن نفسه وأن يطبّع نفسه على الصفات المحمودة، وخاصة في حال قلبه بخشوعه واستكانته، وحال لسانه فيما يتكلم به وما يذر وفي بذله بجوارحه للناس الخير وكف الأذى.

فهذه من كمُلت له كان صالحا، والصالح من عباد الله من قام بحق الله وأتى بحق الله الواجب، وقام بحق المخلوق الواجب، فمن أدى حق الله وأدى حق المخلوقين فهو الصالح من عباد الله، ومن فرّط نقص من صلاحه أو ظهر فيه فساد بقدر ذلك. والله المستعان.

والكلمة هذه الأخيرة التي قالها (وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب) أستدل بها على أن الأشعري ترك المقالة المعروفة عنه؛ لأن الأشعرية له مرحلتان:

المرحلة الأولى التي كان فيها معتزليا؛ لأنه نشأ في حجر الجُبَّائي المعتزلي، وبعد أن عرف مذهب الاعتزال رجع حيث أقام عليه أربعين سنة، رجع إلى مذهب آخر خلط فيه ما بين قول أهل الاعتزال وقول الكلابية، مال إلى أتباع ابن كُلاّب فقال بقولهم.

قالوا وفي آخر أمره صنّف ثلاثة مصنفات ترك فيها المصنفات التي صنفها على مذهب الكلابية، وهذه المصنفات الثلاث هي مقالات الإسلاميين هذه التي نقل عنها شيخ الإسلام هذا النقل، فيه أنه ذكر في هذا الموضع بعد الفصل مقالة أهل الحديث والسنة قال (وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب) والثاني كتابه الإبانة المعروف، والثالث كتابه رسائل أهل الثغر. وهذه الثلاث كلها مطبوعة لبيان منهج أو طريقة أهل السنة في الجملة.

أتباعه -أتباع الأشعري- على مذهبه الذي رجع عنه، يقولون هذه الكلمات التي في مقالات الإسلاميين مدسوسة عليه، كعادة أهل الأهواء في رد الحق، وكتاب الإبانة أيضا لا تصح نسبته إليه وكتاب رسائل أهل الثغر لا تصح نسبتها إليه، وهذا باطل؛ لأن كل هذه الكتب والألفاظ التي فيها تناقلها العلماء من بعد الأشعري إلى وقتنا هذا.

ولهذا كان الحنايلة والأشاعرة بعد الأشعري كان الحنابلة والأشاعرة متفقين غير مختلفين إلى أن حديث فتنة ابن القشيري المعروفة في بغداد في أواخر المائة الخامسة يعني في أربعمائة و في أواخر المائة الخامسة فتفرق الحنابلة والأشاعرة؛ لأن الأشاعرة أخذوا المذهب المتوسط وردوا قول الأشعري في نصرة اهل السنة والحديث وافترقوا واتضح الافتراق إلى وقتنا هذا. نكتفي بهذا القدر.

([115]) قوله في أول الكلام (قال أهل السنة وأصحاب الحديث إن الله ليس بجسم) هذه النسبة لأهل السنة ولأهل الحديث ليست بصحيحة بل أهل السنة وأهل الحديث لا يجاوزون في الإثبات والنفي ما جاء به القرآن والحديث على القاعدة المقررة عندهم؛ أنه لا يتجاوز في صفات الله تعالى القرآن والحديث، فلا نثبت ما لم يثبت في القرآن والحديث بالأقيسة ولا ننفي ما لم يُنف في القرآن والحديث بالأقيسة؛ لأن المنفي له جهات كثيرة، ولفظ هنا الجسم المنفي وأنه ليس بجسم هذا لا يستعمل هذه العبارة أهل السنة ولا يقولون إن الله تعالى جسم لا كالأجسام ولا يقولون أيضا ليس بجسم؛ لأن هذا لم يرد وهذا لم يرد.

ولفظ الجسم هذا يحتمل المراد منه إلى أن الجسم هنا ما له صفات مختلفة ذاتية ومعنوية متشكلة على هيئة صورة، أو الجسم المراد به الأجسام المعهودة المخلوقة.

إذن نريد بالجسم ما له صفات ذاتية معنوية صفات ذاتية وصفات أفعال على هيئة صورة اجتماعها يشكل صورة، فإن الله جل وعلا له صورة سبحانه وتعالى كما ثبت في ذلك في الأحاديث الصحيحة، وصفاته جل وعلا باجتماعها بها يكون صورة الرب جل وعلا، لهذا في الحديث المعروف بعرصات القيامة «قال: هل تعرفون ربكم؟ قالوا: نعم. قال: فيأتيهم في صورة غير التي عرفوها أو رأوه عليها، فيقول: أنا ربكم فاسجدوا لي، فيقولون: لا نسجد إلا لربنا، حتى يأتينا ربنا، قال: هل بينكم وبينه آية؟ قالوا: نعم الساق، فيكشف ربنا عن ساقه، فيخر من كان يسجد له في الدنيا، ويبقى من كان لا يسجد له -يعني من المنافقين-، فيريد أن يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا» الحديث المعروف الصحيح المقصود من هذا أن لفظ الجسم هذا لم يرد، فلا يصح أن ينسب لأهل السنة والحديث نفيا للجسمية ولا إثبات الجسمية فهذا ليس بمثبت ولا بمنفي.

مقصود شيخ الإسلام بهذه النقول مقصود جملة الكلام، ما يقصد منها تحقيقها هو حققها في التدمرية هذه المباحث.

هذا التعليق من شيخ الإسلام، هذا التعليق من كلامه، هو الذي علمنا هذا رحمه الله.

.. نقول الألفاظ المجملة إن فسرت بمعنى صحيح قُبلت، فالنافي من يقول ليس بجسم نقول ماذا تريد بالجسم؟ إن قال أريد بالجسم الأجسام المخلوقة المعهودة فنقول نعم جل وعلا ليس بجسم من الأجسام المعهودة المخلوقة.

وإذا أراد بالجسم صفات الله جل وعلا من أن له جل وعلا وجها وله عينين سبحانه وله سبحانه وتعالى يدان وله عينان وله قدم إلى آخر ذلك، وله صورة سبحانه وتعالى، وله صفات سمع وقوة إلى آخره، قال أنا أريد بنفي الجسم هذا نفي الصورة، وأن الصفات هذه مجتمعة على هيئة صورة فنقول هذا باطل إلى آخره.

مثل ما تفضلت الألفاظ المجملة التي تحتمل معنيين يعني تحتمل هذا وتحتمل هذا هذه لا يطلق إثباتها؛ لأنها أصل لم ترد ولا في القرآن كلها سواء ولله الحمد؛ لأن المقام مقام إيضاح لصفات الرب سبحانه.

.. السّفّاريني له أغلاط في عقيدته، له أغلاط متعددة، سواء في المتن أو في المنظومة أو في الشرح؛ لوامع الأنوار، له فيها أغلاط كبيرة علق على بعضها أئمة الدعوة منهم الشيخ أبا الطين والشيخ سلمان بن سحمان، وتركوا أشياء أيضا لم يعلقوا عليها، مثل قوله ........... أهل الحديث والأشاعرة والماتريدية وأشياء كثيرة من هذا، عنده أغلاط فيها.......رحمه الله تعالى، وهذا الذي أداه إليه اجتهاده في هذه المسائل التي في عصره ما كان أحد يفهمها يعني، في عصره ما كان أحد يفهم مثل فهمه، هو اجتهد وجمع من كلام شيخ الإسلام وكلام الأئمة ما ظن أنه الصواب هو مأجور على ذلك؛ لأن اجتهاد الحاكم يدخل في المسائل العلمية والعملية، فإن لم يستطع غير هذا ولم يعرف غير هذا فهذه قدرته.

([116]) هذا واضح سبق إيضاحه في الشروح المختصرة والمطولة، الإسلام أوسع من الإيمان هذا صحيح؛ لأن أوامر الإسلام ومن ينطبق عليه لفظ الإسلام أو خصال الإسلام، هذا أكثر من خصال الإيمان، والمؤمن أخص من المسلم كما هو معروف، فلهذا اختلف أهل العلم في تمثيل الدوائر في حديث عمر المعروف، قال«الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» إلى آخره «والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله» الدائرة الكبرى ما هي؟ والدائرة الصغرى ما هي؟

بعضهم قال الدائرة الكبرى هي الإسلام، والصغرى هي الإيمان التي في داخلها، على اعتبار أن الإسلام أوسع من الإيمان.

وبعضهم عكس الكبرى هي الإيمان، والصغرى هي الإسلام.

هنا نظر من قال الإيمان والإسلام أن كل مؤمن مسلم، وكل مسلم ليس بمؤمن[ الشيخ يريد: ليس كل مسلم بمؤمن، المفرَّغ]؛ لأن الإيمان أخص من الإسلام، لهذا إذا نظرت إلى أهل الإسلام وأهل الإيمان فأهل الإسلام في أهل الإيمان أكثر؛ لأنهم أخذوا بالإسلام صار أوسع من هذه الجهة، فصارت الدائرة الكبرى دائرة الإسلام والدائرة الصغرى دائرة الإيمان.

ومن نظر إلى أن الإيمان والإسلام يشتركان في شيء فقال الدائرة الصغرى هي دائرة الإسلام والدائرة الكبرى هي دائرة الإيمان؛ لأنه ليس كل مسلم مؤمنا، وهذه تنتبه لها كثيرا يحصل فيها الاختلاف باختلاف الاعتبار.

فيصح أن تجعل الكرة الإسلام داخلها الإيمان باعتبار أوامر الإسلام؛ الإسلام في نفسه لا في أهله أوسع من الإيمان، وإذا عكست ونظرت على أهل الإيمان كل مؤمن مسلم نرسم دائرة الإسلام في داخلها داخل دائرة الإيمان، فهذه صحيحة وهذه صحيحة.

وقوله الإسلام أوسع من الإيمان وهذا صحيح، والمسلمين أكثر من المؤمنين هذا صحيح، من ثمرات هذا الكلام، وإذا قلنا الإيمان أخص من الإسلام هذا صحيح، وإذا قلت الإيمان يشمل الإسلام زيادة يشمل الإسلام وزيادة يعني يصبح الإسلام داخل الإيمان فهذا أيضا صحيح.

فإذن الاعتبارات مختلفة في هذه المسألة تداخل الإسلام والإيمان، حصل فيها النقاش المعروف والبحث المعروف عند السلف، وأئمة كثيرون مثل مالك والبخاري وغيره ممن لهم آراء مختلفة في تداخل الإيمان والإسلام.

[ سؤال: منهج أهل السنة يا شيخ أنهم ينفون نفيا مجملا كيف الجواب عن قولهم أن ....]

النفي عندهم ليس بكمال، فتقول مثلا فلان ليس بكاتب ولا قارئ ولا ذكي ولا عالم ولا صانع، هذا ما فيه شيء، النفي المحض ليس كمالا، النفي المحض ما يدل على شيء، يدل على ضعف المنفي عنه، إلا في حالة واحدة وهي أنك أردت بالنفي كمال ضد المنفي عنه، فتنفي عنه خصالا تريد بها إثبات ضدها، فمثلا يتكلم واحد عن غلط عالم فيقول: فلان غلط. فيأتي واحد ويقول العلام الفلاني ليس بجاهل. لا يقصد في الحقيقة نفي الجهل عنه لأنه عالم هو يقصد أنه ليس بجاهل بل هو عالم في هذه المسألة وفي غيرها، فكيف تُغَلِّطه؟ ففي صفات الله جل وعلا أن النفي يراد منه إثبات كمال الضد يراد منه المدح.

فكل نفي في القرآن أو في السنة متعلق بالله جل وعلا أو بصفاته سبحانه فإنما يراد منه إثبات الصفات، النفي يرجع إلى الإثبات، فقوله سبحانه وتعالى ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ(2)لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾[الإخلاص:2-3] هذا نفي ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾[الإخلاص:4]، المراد من النفي هنا إثبات كمال غناه سبحانه وتعالى وكمال أحديته. كذلك ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ﴾[البقرة:255]، المراد كمال غناه وكمال قيوميته وكمال حياته وقدرته سبحانه وكذلك قوله ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾[فصلت:46]، لكمال عدله سبحانه، وكذلك قوله هنا ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾[المؤمنون:91]، الآية التي هنا ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾[الجن:3]، كل هذا المراد منه إثبات ضد هذه الصفات؛ لأن هذه في المخلوق اتخاذ الصفة والولد، ليش يتخذ المخلوق الصاحبة والولد؟ لحاجته للصاحبة لتخدمه ويسكن إليها وحاجته للأولاد، لإبقاء اسمه وإبقاء ذكره حتى لا ينقطع، أما الله جل وعلا فهو ذو الغنى الكامل سبحانه وتعالى، لا يحتاج إلى أن يلد ولا أن يولد، ولا أن يتخذ الصاحبة، سبحانه وتعالى من إله عظيم سبحانه وتعالى ربنا وتقدس وتعالى.

.. هم لماذا رجعوا إلى النفي؟ لأنهم لا يثبتون الصفات، هم أصلا لا يثبتون الصفات ففروا من الإثبات إلى النفي، فتعرفوا إلى الله جل وعلا بالنفي، لذلك تجد في كتب المتكلمين صفحة كاملة في صفات الله فيها نفي، وما يأتي يثبت، ما يثبت إلا صفة واحدة أو ثلاث صفات أو سبع بحسب مذاهبهم، ولهذا لا يقولون إن النفي نريد بكل نفي إثبات صفات، لو قالوا ذلك ليكون جمعوا جميع المنفيات؛ لكن هم ما يقولون هذا لأنه يأتي للمنفيات المفصلة في النفي، ما ينفون نفيا مجملا ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾[الجن:3]، هذا نفي مجمل مو مفصل، يعني هو مفصل من جهة ولكنه مجمل من جهة الصاحبة والولد، لكن أولئك ماذا يقولون هو ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عَرَض ولا دم ولا أبعاض وليس أعلى ولا أسفل ولا يمين ولا شمال وقدّام ولا خلف وليس وليس في صفحة كاملة أو أكثر يذكرون مثل هذه، يعني كل ما يتعلق بالصفات أو يوهم عندهم شيئا نفوه.

فإذن هم لا يريدون بالنفي إثبات صفة، ولو أرادوا لقلنا يرجع نفيهم إلى نفي مجمل، ويكونون موافقون لأهل السنة ولكنهم لا يقرون بهذا.

([117]) العدل يراد به هنا الثقة، يعني العدل الضابط، ما يطلق العدل ويراد به العدالة بالسلامة من خوارم المروءة دون الضبط، إذا أطلق لفظ العدل في مثل هذا فيراد به الثقة، وإلا فمعلوم أن العدالة وحدها لا تكفي في صحة الإسناد لابد أن ينظم إلى العدالة الضبط؛ لأنهم عرَّفوا الحديث الصحيح أنه ما اتصل إسناده بنقل عدل ضابط عن مثله إلى منتهاه من غير ما شذوذ ولا علة، فقد يستعمل الأولون لفظ العدل ولا يريدون به السلامة من خوارم المروءة أو من البدع فقط، يريدون به العدل الضابط السالم الضابط يعني الثقة، ما عبَّر عنه المتأخرون الثقة، بنقل ثقة عن ثقة.

([118]).﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾[الفجر:22] يعني وجاء ربك، وحالة الملائكة أنهم صفا صفا، وليس أنه الملائكة يجيئون صفا صفا؛ لأن الملائكة تنزل قبل ويصفون صفوفا، كما قال سبحانه في سورة الفرقان ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا(25)الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾[الفرقان:25-26]، الملائكة ينزلون في ضلل من الغمام، والله سبحانه وتعالى يجيء يوم القيامة يصف الملائكة صفوفا، بعد ذلك ينزل الرب جل وعلا على عرشه سبحانه.

([119])ذكر أدلة الاستواء المختلفة المعروفة: من القرآن أدلة متنوعة في علو الله جل وعلا واستوائه على عرشه وذلك دليل الفطرة في علو الله جل وعلا.

ومسألة العلو في الاستدلال غير مسألة الاستواء، العلو أوضح، العلو ثابت بالكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع، وأما الاستواء؛ الاستواء على العرش فهو ثابت بالسمع بالكتاب والسنة وليس مما مصيره العقل أوالفطرة، ولكن علو الله جل وعلا هذا واضح لذلك هو أدخل أدلة الاستواء في أدلة العلو، فانتبه لفرق ما بين أدلة هذا وأدلة هذا، ودليل الفطرة راجع إلى العلو مثل ما ذكره الأخير، الذي يدعو يتوجه إلى السماء، يتوجه إلى العلو هذا لأجل الفطرة التي في قلبه، هذا يصلح دليلا للعلو لا للاستواء على العرش؛ لكن الاستواء على العرش هو علو خاص كما هو معلوم.

.. في الصلاة، لا؛ في الصلاة لا يجوز أن يرفع البصر؛ لأن النبي r لما دعا في الاستسقاء رفع يديه حتى وصل بها إلى وجهه عليه الصلاة والسلام حتى رئي بياض إبطه رفع يديه هكذا وعينيه للسماء لا بأس في ذلك، لكن في الصلاة لا، الصلاة فيها خشوع والبصر السنة فيه يكون موضع السجود.

.. قال (لَعَلِّي [أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ(36)أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَـ]أَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا) أتعرف ليش ذهب يبحث عنه في السماء؟ الكذب يرجع إلى الشيئين وجود إله وكون هذا الإله في السماء، لذلك هو طلب إله في العلو، فالكذب يرجع إلى قوله [انتهى الشريط الثامن].....

.. السنة إذا استسقى الإمام في الجمعة أن يرفع يديه، وأن يرفع الناس أيديهم كما ثبت في البخاري من حديث أنس أن النبي r استسقى يوم الجمعة فرفع يديه عليه الصلاة والسلام ورفع الناس أيديهم، فالإمام إذا استسقى يوم الجمعة يرفع يديه.

والدعاء السنة فيه أن يرفع يديه إلى صدره هكذا، هذه سنة الدعاء، هكذا إلى صدرك، هكذا كان عليه الصلاة والسلام يدعو، إلا في الاستسقاء فإنه تُرفع، ومن شدة الرفع قال بعضهم إنه جعل ظهور كفيه إلى السماء، بعضهم قال جعل بطن كفيه إلى السماء، من شدة الرفع اشتبهت على بعض الرواة، لهذا قال بعضهم –بعض أهل العلم- يجعل ظهور كفيه إلى السماء يدعو، يعني يدعو هكذا، يجعل ظهور كفيه على السماء؛ لكن هذا ليس بجيد بل هذا؛ دعاء الاستسقاء مثل غيره لكن يشتد الرفع بحيث أنه قد تشتبه.

.. رفع النبي عليه الصلاة والسلام يديه ورفع الناس أيديهم، هذا في الاستسقاء، خاص به. يرفع يديه إلى وجهه، الدعاء العادي هكذا هذه السنة، الناس اتبعوا العادة في الدعاء المعتاد هكذا، تضعها في وجهك؟ لا، هذا خلاف السنة ملتصقة أو قريبة بعضها من بعض، ليست متفرقة كهيئة المستطعم المسكين، مثل ما جاء في دعاء عرفة يدعو كهيئة المستطعم المسكين...

.. هذا مذكور عن مجاهد جاءت فيه بعض الآثار يثبتها أهل السنة في الجملة لأجل إثبات الاستواء لكن ما جاءت به أحاديث مرفوعة، هذا ليس مما فيه الاجتهاد.. .. لا، مثل هذا الحديث مثل هذا الأثر أثر مجاهد في قوله تعالى ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾[الإسراء:79] وأن يجلسه تعالى على عرشه هذا كان الناس يمتحنون به في زمن الفتنة في القرن الثاني والثالث لما حصلت فتنة خلق القرآن وقبل ذلك كان الناس يمتحنون بهذا الأثر أثر مجاهد، ومن لم يكن من أهل السنة نفاه وقال لا أقول به، ومن كان من أهل السنة أثبته؛ لأن المراد ليس هو الإجلاس المراد منه فيه التصريح بالاستواء الذي معناه الجلوس، فأوضح الاستواء أنه بمعنى الجلوس إجلاس النبي r مع الرب جل وعلا على العرش، وإلا فالإجلاس لم تثبت به السنة، ما نقول ابتداء أنه من عقيدتنا أنه يجلس عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ نسكت عن ذلك لا نذكرها؛ لكن قالها مجاهد رحمه الله، وابتلي الناس بذلك لأنها تفسر معنى الاستواء، فمن رد هذا؛ لأن بعض الناس يقول أنا أقر بالاستواء ويعني بالاستواء معنى آخر، فهذا الأثر صار فارقا بين الاسم وغيره، فمن لم يقل به قيل أنه من المبتدعة في الزمن الأول، لهذا من أهل العلم طوّل عليه الكلام مثل الخلاَّل في السنة أربعين صفحة أو خمسين صفحة على هذا، وكذلك الدار قطني والطبراني ومن الآثار التي ينبغي الانتباه لمعناها، وإلا فالقاعدة عندكم أنه لا يتجاوز القرآن والحديث. نقف عند هذا.

([120]) الحشوش جمع حُشْ وهي الحمامات وأماكن قضاء الحاجة.

([121]) هذا الكلام من أبو الحسن الشعري رحمه الله كلام حق يخالف ما عليه أهل البدع من معتزلة والرافضة والخوارج والكلابية والماتريدية والأشاعرة أيضا الذين انتسبوا إلى مذهب الأشعري في مرحلته التي كان فيها على مذهب الكلابية.

هذا الكلام واضح وحق وهو أن الاستواء ليس معناه الاستيلاء والقهر؛ وذلك استولى غير استوى، استوى مادة واستولى مادة أخرى، ثم إن الاستواء جاء مخصوصا بالعرش، استوى على العرش، واستوى إلى السماء سبحانه وتعالى، ولما كان مخصوصا الاستواء بأنه على العرش وإلى السماء دلَّ على أن هذين؛ يعني العرش والسماء خُصَّ بالاستواء إلى السماء وعلو عليها مع القصد، واستواء على العرش، وهو علو عليه علوا خاصا، وهذا يدل على أن تعميم الاستواء على الأشياء جميعا هذا غلط على القرآن وتحريف لما أنزل الله جل وعلا، فلفظ (استوى) من حيث اللغة يدل على العلو والارتفاع، وإذا عُدِّي بـ(على) فهو علو وارتفاع على الشيء الذي عُدي عليه بـ(على) كما قال سبحانه ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾[المؤمنون:28]، يعني علوتم وارتفعتم على الفلك، وقوله سبحانه ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ واستوى في القرآن جاءت على ثلاثة أنحاء:

§ جاءت معداة بـ(إِلَى) في قوله﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾[فصلت:11].

§ وجاءت معداة بـ(عَلَى) (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ)، وفي قوله (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ).

§ وجاءت غير معداة بقوله الآيات التي ذكرناها لكم في التفسير ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾[القصص:14]، فآتيناه حكما وعلما، وفي قوله ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾[النجم:6] ونحو ذلك، وكلها راجعة إلى معنى العلو.

المقصود من ذلك أن من فسر الاستواء بالاستيلاء والقهر والملك وأشباه ذلك، فإن التخصيص عنده ممتنع؛ بل متناقض فيكون استيلاؤه جل وعلا على كل شيء، ويكون استيلاؤه على الأمكنة القذرة وعلى الأمكنة المباركة العظيمة كلها استيلاء واحد، فهو سبحانه الذي قهر الأشياء واستولى عليها من غير مغالب، وملكها سبحانه وتعالى بخلقه لها وهي راجعة إليه وأمرها سائر إليه سبحانه وتعالى، ولكن الاستواء جاء مخصوصا بالاستواء إلى السماء والاستواء على العرش، فدل على أن تعميم ذلك غلط على القرآن ومخالف فيما دلت عليه الآيات والأحاديث في ذلك.

نخلص من هذا إلى أن أقوال المبتدعة في هذا مناقضة لدلالات القرآن والسنة ولدلالة اللغة، وكذلك لدلالة العقل التي تمنع أن يكون الله جل وعلا في كل مكان، فإنّ هذا مما يأباه العقل الصريح؛ إذْ لابد أن يكون الخالق الصانع المدبر متميزا عن مخلوقه، فإذا كان المخلوق حالا في الخالق والخالق حالا في مخلوقه غير متميز عنه، فإن هذا مما تأباه والعقول والفطر السليمة.

لهذا مسألة العلو عند أهل السنة والجماعة راجعة في دليلها إلى الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، دليلها هذه الأشياء الخمسة: كتاب وسنة وإجماع وعقل صريح وفطرة سليمة، فإذا كان الأصل صريح والفطرة سليمة يرد به قول هؤلاء المبتدعة.

فمسألة الاستواء مسألة، ومسألة العلو يعني كثر الكلام فيها والتأليف فيها وفيه مصنفات كثيرة وقد قررناها لكم من جاه مختلفة.

لكن الشاهد في هذا الموضع قول الأشعري في إبطال كون الله حالاًّ في كل مكان هو أن الاستواء يكون استيلاء وقهرا لكل شيء؛ لأن هذا يمنعه تخصيص الاستواء في القرآن بالعرش وبالسماء.

.. [ سؤال: من قال إن الله استولى على الأشياء كلها، هل يقال أن الله مستولٍ على الأشياء كلها؟]

من غير مغالبة، إذا كان المقصود من غير مغالبة فما فيه إشكال، هو مستول على الأشياء سبحانه وتعالى من غير مغالبة، ولفظ هذا الاشتقاق استفعل واستولى قد تكون من طرفين، وقد تكون من طرف واحد في اللغة أصلا، ولا يلزم من استولى وجود طرفين متنازعين، ولهذا نقول في بيان المعنى نقول استولى من غير مغالبة ولا منازعة، فملك الأشياء وقهرها سبحانه وهي في ملكه مذ خلقها، فاستيلاؤه سبحانه وتعالى على كل شيء؛ يعني أن كل شيء تحت حكمه وقهره وأمره وتدبيره لقيوميته عليه وولايته سبحانه عليه ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾[الرعد:33]، ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾[البقرة:255].

جاء الاشتباه من لفظة استولى، استولى هي استفعل من وَلِيَ الشيء، أصلها وَلِيَ فاستولى فيها الألف والسين والتاء هذه من استفعل فأصل المادة هي ولي، فيفهم من استولى أنه طلب الوِلاية؛ يعني طلب ملكها، وطلبها قالوا أنه يكون لأن ثم منازعا فيها، وهذا غير دقيق الكلام هذا؛ لأنه راجع إلى أظن أن كلمة استفعل ترجع إلى طَلَبَ، هذا غير صحيح بل استفعل في اللغة قد تكون للطلب وقد تكون لتحقق الصفة فيها، كما في قوله ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾[التغابن:6]، (اسْتَغْنَى اللَّهُ) غني فصار الغنى وصفا لازما له سبحانه، ما طلب الغنى مثل استوى واستولى وكل هذه، ما طلب ذلك لكن كانت صفة له سبحانه وتعالى في غاية ما يكون الوصف.

([122]) صفة اليدين لله جل وعلا ثابت بالكتاب والسنة والأدلة عليها كثيرة، فجاء وصف الله جل وعلا باليد وباليدين وبالأيدي.

والمقصود من الجميع أن الله جل وعلا له يدان؛ لأن المثنى في اللغة وعند الأصول نص في دلالته، خلاف المفرد فإنه قد يراد به الجنس، والجمع أيضا قد يراد به المثنى.

فالمفرد يطلق ويراد به أكثر من واحد في بعض الأحيان، فدلالة المفرد على فرد بخصوصه ليست نصية بل ولا ظاهرة؛ بل قد يكون المراد في الدلالة على واحد ويكون المراد على اثنين أو ثلاثة أو أكثر بحسب الحال؛ لأنه يراد بالمفرد في مواضع الجنس، وهذا يحكمه السياق.

كذلك الجمع؛ الجمع قد يراد به المثنى، ويعبر بالجمع للإضافة إلى ضمير تثنية أو جمع، وقد يراد منه الجمع: ثلاثة أو أربعة أو خمسة.

فلما جاء وصف الله جل وعلا باليد والأيدي وباليدين علمنا أن النص الصريح راجع إلى اليدين كما قال سبحانه ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾[المائدة:64]، (يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) هذا وصف لله فله يدان وليست بثلاثة.

وقوله جل وعلا ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾[يس:71] جمع الأيدي؛ لأن القاعدة العربية أن المثنى إذا أضيف إلى ضمير تثنية أو جمع فإنه يجمع المثنى لأجل سهولة الكلام، كما في قوله سبحانه ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾[التحريم:4]، (إِنْ تَتُوبَا) يعني المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله r (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) ولكل واحدة منها قلب واحد، فجمع القلبين على قلوب؛ لأجل أنه أضافه إلى ضمير التثنية.

فرجع الكلام إلى أن ذكر اليدين الثنتين نص فيهما لا يقبل التأويل، النص لا يقبل التأويل بالإجماع، أما الذي يقبل التأويل؟ الظاهر والمجمل وأشباه ذلك؛ لكن النص الصريح هذا لا يقبل التأويل لأنه نص في دلالته، ومن ذلك الأعداد يعني الدلالات النصية عند الأصوليين كثيرة متعددة، تأتي الدلالة النصية في عشرة أنواع منها الأعداد ومنه التثنية.

فقوله سبحانه (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) يدل على أنهما اثنتان، كذلك قوله جل وعلا لعدوه إبليس ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، هذا دال على أنه من الله جل وعلا خلق آدم بيديه الثنتين، فما جاء في الحديث إن الله خلق آدم بيده المقصود منه الجنس يعني بيديه.

ومن أول اليدين أنه المراد منهما القدرة إنما هو قول طائفة من المبتدعة وأهل الكلام، أو أولوا اليدين أن المراد بهما النعمة، فنقول: هذا غلط وهذا غلط.

فأولا اليد في اللغة إذا أضيفت إلى المتكلم فإنها لا تأتي بمعنى القدرة ولا بمعنى النعمة وإنما يُراد بها الصفة.

والثاني أن قوله ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، لما فسروها بالقدرة أو فسروها بالنعمة بطل إذ قدرة الله جل وعلا ليست قدرتين؛ بل إنما أنها هي قدرة عظيمة واحدة تدخل فيها جميع أنواع القُدَر، أو هي قُدَر كثيرة كثيرة جدا، كون آدم خلق بقدرتين هذا باطل وخُلْفٌ من القول وكلام لا معنى له، وكذلك نقول خُلق بنعمتين فآدم خلقه الله جل وعلا بنعم كثيرة عليه، فكل ما في آدم من خلقه منة من الله جل وعلا عليه.

وهذا التأويل يؤولون به ترويجا على الجهال في آية صورة ص ﴿ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، ولكنهم [يَشْرقون] إذا جاءت الآية ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾[المائدة:64]، هذه لا تحتمل قدرتين ولا تحتمل نعمتين.

الوجه الثالث فيما قرره الأشعري هنا أن اليد ربما أتت في لغة العرب بمعنى النعمة لكن تأتي بمعنى النعمة بشرطين:

الأول: أن تكون نكرة وليست بمعرفة.

والثاني: أن تقطع عن الإضافة.

فلا تقول العرب هذه اليد لفلان عليّ؛ يعني هذه النعمة، وإنما تقول هذه أو لفلان عليّ يدٌ، هذه التي تقولها العرب فتعبِّر بالنكرة.

والثاني أنها تقطعها من الإضافة وتنون، ولا تقول العرب: يد فلان عليّ، يد محمد عليّ، تريد به نعمة محمد، لا، إذا أرادت النعمة قطعت فقالت: لمحمد عليَّ يدٌ، يعني نعمة أو لمحمد عليَّ إصبعٌ، أيضا، إذا كانت نعمة قليلة إذا كانت نعمة كبيرة قالوا لفلان يدٌ فيقطعونها عن الإضافة ويُنَكِّرون. هذا جاء.

وهذا من قبيل المقاربة؛ لأن اليد هي وسيلة الإعطاء؛ إعطاء النعمة وإيصال النعمة إلى المنعم عليه باليد، فقالوا لفلان عليَّ يدٌ؛ لأن الأصل في اليد المعروفة هي اليد المعروفة لفلان عليُّ يد وعنوا بها النعمة؛ لأنَّ النعمة لا تصل إلا باليد يد المرسل أو يد من أنابه، فإكراما له قالوا عن نعمته: إن له عليهم يد، إكراما ليده وإعلاء لها، هذا سائغ في اللغة.

أما التعبير بأن يد فلان علي أو يداه علي فهذا لاشك أنه غلط على العربية وعلى لسان العرب.

فتحصَّل من هذا أن لله جل وعلا يدين سبحانه كما يليق بجلاله وعظمته لا تماثل يد المخلوق، وإنما هي يد عظيمة تليق به جل وعلا، وكلتا يديه يمين سبحانه وتعالى.

وأما تفسير من فسر اليد بالنعمة أو بالقدرة هذا من تفاسير المبتدعة الضلال وأهل الكلام ومن شايعهم.

([123]) البَاقِلاَني بالتخفيف، نسبة إلى بيع البَاقِلاَء، بالتخفيف، وإذا شددت تقول: البَاقِلِّي. فالباقلاني هي بالتخفيف لا بالتشديد.

([124]) هذا الكلام واضح سبق تقريره في إثبات صفة الوجه لله جل جلاله وإثبات صفة اليدين.

وذكر هنا قاعدة مرّ تقريرها: وهي أن إثبات الصفات لله جل وعلا -إثبات الوجه واليدين والقدم وسائر صفات الحق سبحانه- إثبات للصفة، لا من جهة كونها جارحة؛ يعني لا من جهة كونها عضو كالأعضاء التي معنا؛ لأننا لا نعقل في الإنسان؛ في مخلوق إلا هذا، فنثبت لله جل وعلا ما عَقَلْناه فقط، لا شك أن هذا باطل فإن إثبات الصفة لله إنما هو من جهة الإثبات أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أثبتها، وليس عَقْلُنا أن الصفة هذه لا ترد أو لا نعقلها في المخلوقات فيما رأينا إلا جارحة أن نثبت لله صفة من حيث كونها جارحة.

بل نقول نثبت لله صفة من حيث هي والله أعلم كيف يتصف بصفاته، فنحن نصدق القرآن والحديث ولا نتجاوز القرآن والحديث، ولا ندخل في ذلك بآرائنا، نحن لا نعقل في الحياة الدنيا إلا أشياء، نعقل أشياء من الوصف؛ لكن لا يعني ذلك أن كل الاحتمالات والأنحاء هي فيما رأينا، بل الله جل وعلا أظهر لنا بعض خلقه، فرأينا بعضه، وبعض خلقه لم نره فكيف بذاته سبحانه وتعالى.

فإذن لا يجوز أن نقيس عالم الغيب على عالم الشهادة؛ بل عالم الغيب مستقل بنفسه في مخلوقات الله في الجنة والنار والملائكة، فكما أنه لا يقاس فما في الجنة على ما في الدنيا، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس من الجنة في دنياكم إلا الأسماء. في الجنة أنهار وفي الدنيا أنهار وليست الأنهار كالأنهار، وفي الجنة شجر وطير وأكل ونساء وليس كطير وأكل وشرب الدنيا، فكيف، هذه صفات مخلوقات الله، الملائكة لها أجنحة مثنى وثلاث ورباع فهل هي مثل أجنحة الطير، وأنواع ذلك، ليس الأمر كذلك، فكيف إذن -إذا كان في الصفات الغيبية في المخلوقات لا تشارك فيما نراه بحقيقة الاتصاف- فكيف بصفات الحق جل جلاله وتقدست أسماؤه؟

فإذن إثباتنا للصفات يعني إثبات لها من حيث الوجود، أما الكيفية فالله أعلم بها، والإنسان لا يبني على ما رآه على أنَّ كل شيء محتمل، لا، هناك أشياء أخرى محتملة لا نعلمها، من حيث الاحتمال من حيث هو، وكذلك من وجود أنواع المخلوقات التي نراها، فدلَّ ذلك على أن الله جل وعلا لا يجوز أن يقاس اتصافه باتصاف خلقه فيما أخبر به عن نفسه أو أخير به عنه رسوله r، وهذا هو الذي قرره الباقلاني رحمه الله. نعم

([125]) هذا التمثيل الذي مثله الباقلاني؛ ذكر عددا من الصفات واختياره لها موفق، وذكر الصفات التي يثبتها الأشاعرة الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة، وذكر الصفات التي يؤولونها وينكرونها الصفات الذاتية والصفات الاختيارية، وذكر بعد ذلك الوجه وذكر العينين واليدين وذكر الغضب والرضا، الوجه والعينان واليدان صفات ذاتية والغضب والرضا صفات اختيارية فعلية، فجمع بين ما يقرره الأشاعرة وما يقرره أهل السنة في صفات الذات وفي صفات الأفعال.

وفي هذا الذي ذكر رد على كل الطوائف، على المعتزلة والجهمية والأشاعرة والكلابية والماتريدية بهذه الصفات التي ذكر، فكان تمثيلا موفقا.

([126])هذا وصف لأهل البدع جميعا، فإنهم يتعصبون للأشخاص وينتصرون لهم، ولا ينتصرون لدلالات الوحي من الكتاب والسنة، هذا وصف كل أهل الأهواء على هذا النحو، إذا قالت الرجال قدموها والنصوص عندهم فيها نظر.

ولهذا شيخ الإسلام أطال من النقول في هذا الكتاب عن العلماء السابقين في تقرير الصفات والعقيدة الصحيحة ليكون في ذلك أبلغ تأثير والرد على المخالفين.

ولاشك أن هذه الصفة من صفة أهل الأهواء، فإن أهل الأهواء دائما إنما يتعلقون بمعظميهم، وإذا أتاهم معظمهم بشيء من الكلام قبلوه، فربما جادلوا في دلالة الكتاب والسنة، ثم إذا قلت قاله فلان من معظميهم، قال قاله؟ فيقبله؛ لأن إمامه أو لأن متبوعه أو كبيره قالها، وهذا من علامات سوء النظر، ومن علامات عدم التوفيق الخذلان.

نعم يحتاج إلى قول الأئمة إذا كانت دلالة الدليل محتملة، فنأخذ، نحتاج إلى كلام العالم والإمام لتبيين المعنى؛ لكن إذا كان المعنى واضحا إذا كان المعنى نصا يشترك الجميع في فهمه كذكر صفات الله جل وعلا وذكر العقيدة الصحيحة، فإن هذا مما لا يتنازع الناس في فهمه؛ بل هذا واضح لكثرة الأدلة الدالة عليه، فهي دلالة نصية لا تحتمل تأويلا ولا تحتمل أوجها، فإنما دلالتها على ما دلت عليه نصية قاطعة.

وهذه ينبغي أن يحذر منها كل صاحب اتِّباع، أن يحذر من أن يرد الحق لقول أحد، أن يحذر من أن يترك دلالة الوحي لقول أحد؛ بل يجب عليه أن يجعل كلام الناس تبعا لكلام الله جل وعلا وكلام رسوله r، إذا كانت الدلالة ظاهرة أو نصا فإنه لا يلتفت بعدها إلى قول أحد، وإذا كنت محتملة فيها فهم تعارض في الآيات محكم ومتشابه أو عام وخاص أو مطلق ومقيد واشتبه عليه الأمر، فيرجع في فهم ذلك ولا شك إلى أهل العلم فيكون قول العالم مريحا له، بأن فهمه صواب أو أن فهمه غير صحيح.

فأهل السنة لا يعظمون أئمتهم ويغلون فيهم بحيث يجعلون كلامهم حكما على النصوص، ولا يجفون بحيث يجتهدون في الفهم دون مرجع ومرجعية يرجعون إليها في فهم الكتاب والسنة وطريقة السلف الصالح والطريقة والقواعد المقررة في الملة؛ بل يكونون على وسط في ذلك؛ فهم يعظمون أهل العلم ويحبونهم وتولونهم ويدافعون عنهم وينصرونهم، ويعلمون أن أهل العلم إنما هم فضلهم الله جل وعلا بفهم الكتاب والسنة فهم الوحي، فإذن هم وسطاء وأدلاء في فهم دلالة النصوص؛ يشرحون للناس معنى ما أنزل الله على رسوله r، يشرحون للناس ما فهموه من الشريعة ما فهموه من الوحي، وأما أن يكون العالم مستقلا بفهم أو تشريع أو تقعيد أو نحو ذلك فهذا لا يقبل منه، وهذا لاشك أنه بلاء كبير، فنحن لا نغلوا ولا نجفوا ونترك أقوال أهل العلم ونقول نستقل بفهم النصوص ونترك العلماء، ولا نقول نأخذ بكلامهم حرفيا في كل ما قالوه من العلماء المتقدمين والمتأخرين؛ بل نأخذ بكلامهم في دلالتنا لفهم النصوص لفهم الوحي؛ لأنا متعبدون باتباع الوحي والعلماء من أراد جعلهم الله أدلاء لفهم الوحي وكفى بها منزلة، والمعطوف على المرفوع مرفوع.

.. اليد هل هي يمين أو شمال؟ هذا ليس خلافا في العقيدة، العقيدة أن لله جل وعلا يدين هذا بالاتفاق؛ لكن النصوص تعارضت، ففي الحديث الذي في النصوص قال «إن المقسطين على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين» إلى آخر الحديث، فهذا يدل على أن لله جل وعلا يدين، وعلى أنَّ يديه سبحانه يمين، وجاء في مسلم أيضا أنَّ الله جل وعلا يأخذ بشماله القسط يخفضه ويرفعه قال.

المقصود فيها ذكر الشمال الذي رواه مسلم في الصحيح ومن أهل العلم من ضعفها وفي الواقع تفرد بها أحد الضعفاء راح من بالي لفظ الحديث ....[انتهى الوجه الأول من الشريط التاسع]

...ومن قال فيه إثبات الشمال لله جل وعلا قال: قوله (كلتا يديه يمين) في الخير، (كلتا يديه يمين) في الوصف؛ لأن المخلوق تعارف على أنه اليمنى أشرف من اليسرى، اليمنى يأكل بها الشريف من الأشياء، واليسرى أو الشمال للأشياء المستكرهة، فاليمنى مشرَّفة.

فقال (كلتا يديه يمين) يعني أن يدي الرحمان جل وعلا كلا منهما فيها الخير والوصف الكامل وأنه لا يعترى أحد يديه نقص؛ بل كلها في الوصف واحدة بل كلها في الكمال واحدة، فليست إحداهما أكمل من الأخرى.

فهذا الخلاف ليس خلافا في العقيدة هذا خلاف في فهم الأدلة، هذا الدليل أصح دلالته أو هذا دلالته أصح؛ لكن العقيدة كلتا يدي الرحمان جل وعلا يمين.

والصحيح عندي أنه لا يقال إن لله جل وعلا شمالا لأن الحديث الذي فيه الشمال إسناده ضعيف، مع أنه أثبتها بعض الأئمة كإمام هذه الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في آخر كتاب التوحيد، وذكر في المسائل قوله إثبات اليدين لله جل وعلا، وبعد هذا قال التصريح بالأخرى أنها الشمال، وهذا معروف، وإليه يميل بعض مشايخنا الموجودين الآن حفظ الله الجميع ورحم الأموات.

المقصود هذه مسألة راجع إلى النصوص ليست خلافا في الاعتقاد، ولذلك حتى لما ذكر حتى الأولون هذه المسألة لم يذكروها خلافا. نكتفي بهذا

([127]) الرسالة النظامية مطبوعة باسم العقيدة النِّظامية، وصنفها لـوزير نظام الملك، سميت نظامية نسبة إلى من صنفت لنظام الملك، أو للمدرسة النظامية أيضا التي نسبت أيضا للوزير نفسه الذي هو نظام الملك.

([128]) نقل فيما سمعتم نقلا عن العقيدة النظامية للجويني، وهو آخر النقول التي يريد منها شيخ الإسلام رحمه الله تقرير تتابع العلماء على نفي التأويل وعلى الإثبات.

والعقيدة النظامية على طريقة الأشاعرة، والأشاعرة في آيات الصفات والغيبيات على فرقتين: منهم من يؤول، ومنهم من يفوِّض المعنى. والمؤولة من الأشاعرة، والمفوضة أيضا من الأشاعرة.

وفي هذا الكتاب أو في هذه العقيدة النظامية أو الرسالة النظامية جرى فيها على التفويض؛ تفويض المعنى، ويَظن أن هذا هو مذهب السلف.

وهذا كثير في المتكلمين الذين تابوا وتركوا طريقة أهل البدع والكلام إلى ما يظنونه طريقة أهل الحديث والسنة، يظنون أن طريقة السلف هي تفويض المعاني وترك التعرض لها، وأننا نثبت استواء لا نعلم معناه، ونؤمن باستواء لا نعلم معناه، ونزول لا نعلم معناه وهكذا في نظائرها، ويدان لا نعلم معناها، وهذا لاشك أنه شرٌّ من التأويل، التفويض شر من التأويل، لأن:

المؤول قال إن هذه الكلمات نزلت بلسان عربي ونفهمها باللسان العربي واللسان العربي أدى إلى هذا التأويل، فيكون غلِط من جهة أنه حمل اللسان العربي ما لم يحتمله، وأوَّل مع عدم ورود التأويل لغة أو جوازه شرعا.

وأما المفوض -مفوض المعنى- فإنه يزعم أن هذه الصفات الكثيرة جدا في القرآن والسنة أنه لا يعلم معناها، لها ألفاظ لا يعلم معناها، فهم داخلون في فرقة أهل التجهيل الذين يقولون نجهل المعاني، فعندهم أكثر القرآن مجهول المعنى، هذا فيه إبطال بما يلزم وإن لم يلتزموه، إبطال للاحتجاج بالقرآن ولكونه قائما على وصف الرب جل وعلا ووصف ما يستحقه سبحانه وذكر الغيبيات والجهة والنار وذكر الملائكة والأنبياء إلى آخره.

فإذن العقيدة النظامية هذه هذا على حالها، ولذلك طبعها وتحمس لها أول ما طُبعت الكوثري لاشتمالها على ما يُظن أنه مذهب السلف؛ ولكنه هو في الواقع مذهب أهل البدع قد قال قائلهم في جوهرته:

وكل نص أوهم التشبيه أوِّله أو فوِّض ورُم تنزيها

التأويل والتفويض كلاهما من مذاهب المبتدعة، من مذاهب المتكلمة، من مذاهب الأشاعرة وأشباههم.

فتفويض المعنى ضد مذهب السلف، مذهب السلف يجرون الظواهر ويؤمنون بها على مواردها مثل ما قال؛ لكن لا يفوضون المعنى، الإيمان بها على مواردها يعني على ما وردت في اللغة، وهذا صحيح، ومعلوم أن ما يستحق الرب جل وعلا من الصفة التي وردت في الكتاب والسنة على كمالها وشمولها مع عدم مماثلته سبحانه لخلقه في اتصاف الصفة كيفية وتمام صفة وكمال معنى، فله من الصفات ما يستحقه سبحانه، وللناس للمخلوق ما يناسب ذاتهم الوضيعة.

لما فرغ شيخ الإسلام من هذا الأصل الهام، وهو كثرة إيراد النقول عن العلماء للتدليل على إبطال التأويل وعلى الإثبات، وأن القول في أمور الصفات وأمور العقيدة راجع إلى الأخذ من الكتاب والسنة وعدم التعرض لها بتأويل، وأن موردها مورد واحد لا يتعدد، وأن العقل ما هو أعلى بالفهم، وليس مصدرا لإبداء الحق، وإنما الحق في القرآن والسنة دون غيره، النقول التي من أول قرأنا إلى الآن علق عليها بعد ذلك، وختم هذه الرسالة بتأصيل المنهج العام للسلف في الاعتقاد بما نسمعه إن شاء الله.

([129]) وهذا منهج عام لإقامة الحجة وإيضاح المحجة في أبواب الدين كله، وهو أنه لا يلزم من نقل الناقل عن كتاب أنه يزكيه مطلقا، وقد ينقل عنه ما وافق فيه الحق تأييدا للحق وإن كان خالف الحق في غير ذلك، فلا يُعاب على من نقل من كتاب اشتمل على حق وباطل، إذا نقل ما اشتمل عليه من الحق.

وأيضا تكثير النقول عن الناس على اختلاف مذاهبهم هذا يفيد في أن الحق ليس غامضا؛ بل هو كثير، شائع، بيِّن.

وأيضا لا يلزم من اختلاف الناقل مع المنقول عنه أن يترك الاستفادة مما قاله.

لهذا ينقل علماؤنا عن بعض المتكلمين، وعن بعض المفسرين الذين عليهم ملاحظات، كـ: ما ينقلون عن أبي السعود مثلا، وعن الرازي وعن القرطبي، وأشباه هؤلاء، الذين عليهم ما عليهم من ملاحظات في العقيدة؛ لكن ينقلون ما أصابوا فيه، فإذا أصاب القائل فإنه يُنقل عنه إذا احتيج إلى ذلك في تقرير الحق في مسألة ما، كما فعل شيخ الإسلام ها هنا.

فيقبل الحق ممن جاء به ولو كان كافرا.

كما قُبِل الحق من الشيطان في قصة أبي هريرة مع الشيطان في صدقة الفطر المعروفة، حيث جاء يأخذ فمسكه أبو هريرة، ثم جاء يأخذ فمسكه، ثم جاء يأخذ فمسك، ثم قال له: ألا أدلك على كلمة إذا قلتها كنت في أمان، أو عصمتك ليلتك كلها؟ إقرأ آية الكرسي كل ليلة فإنه لا يزال عليك من الله حافظ حتى تصبح. فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، فقال عليه الصلاة والسلام «صدقك وهو كذوب» سَلِم بهذا التعليم، وأخذ به مع أنه من الشيطان.

كذلك النبي عليه الصلاة والسلام أقر إفادة اليهود والنصارى لنا بما فيه تنزيه رب العالمين وعدم التشريك به في قول من قال ما شاء الله وشاء محمد، فقال عليه الصلاة والسلام «قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد»؛ لأن اليهود قالوا: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تنددون.

كذلك قالت طائفة من النصارى: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تنددون. تنددون يعني بقول ما شاء الله وشاء محمد، فأخذنا هذا منهم مع أنهم ليسوا بأهل توحيد، هم أهل شرك وهم أهل التنديد الأعظم بالله؛ لكن ينطق الله بعض عباده بالحق وإن كان على الباطل في بعض أموره.

لهذا ذكر الأئمة -أئمة الدعوة رحمهم الله- وخاصة الشيخ محمد رحمه الله في مسائل كتاب التوحيد: أنّ صاحب الهوى يكون له فهم فيؤخذ من فهمه، فلهم ذكاء فيؤخذ من ذكائهم ما أصابوا فيه.

وهذه قاعدة عامة في طريقة الأئمة.

فإذن فهذه النقول الكبيرة من مخالفين في العقيدة، ومن متكلمين، ومن أشاعرة فيما نقل شيخ الإسلام في هذه العقيدة الحموية تدلُّ على أن النقل لإقامة الحجة وللتكثير والإفادة منه عن من عليه نزعة اعتقاد باطل أنه لا بأس به إذا كانت الحاجة للنقل عنه قائمةً: إما في إقامة الحجة أو في تكثير من قال بهذا القول أو لغرض شرعي صحيح.

.. كلامي واضح؟، لا تبني على شيء في ذهنك، خذ الكلام مستقلا.

.. مرَّ معنا من هذا كثير، فيه إطلاقات!! هو لا يريد أن كل ما نقل صواب، هو مجمل ما نقل هو الرجوع إلى مذهب السلف، هذا بالاتفاق لكن فهمه هو لمنهج السلف هو الذي أخطأ فيه؛ لكن الاتفاق من كل من نقل عنهم شيخ الإسلام أن الرجوع إلى مذهب السلف هو الحق وهو الذي يجب، وعدم الخوض فيما لم يخض به السلف، هذه القاعدة الكلية للأمور الغيبية، أما فهمه هو لمذهب السلف، فهذا غلط منه لا يعود على القاعدة بالإبطال؛ مثل من يقول قاعدة حق ثم إذا جاء لتفسيرها أخطأ، هذا القاعدة تكون مقبولة وتفسيره يُرد، هذا مر معنا كثير، تعقبنا ما أورده أو ما نقل شيخ الإسلام في مواضع كثيرة أخطؤوا، فيه أغلاط في العقيدة وأغلاط في... نعم

([130]) فالظاهر أنه كتب رحمه الله تعالى كتب كتبا في ذلك، فمن أعظمها وأجلها قدرا في هذه المسائل كتاب درء تعارض العقل والنقل، أو كتاب العقل والنقل الذي قال فيه ابن القيم رحمه الله لما عدد كتب شيخ الإسلام، قال:

واقرأ كتاب العقل والنقل الذي ما في الوجود له مثيل ثاني

يعني في وجود في زمان شيخ الإسلام من الكتب المؤلفة

واقرأ كتاب العقل والنقل الذي ما في الوجود له مثيل ثاني

فرد فيه على أهل البدع على اختلاف أقوالهم على الفلاسفة وعلى الباطنية يعني في أصول مذهبهم وعلى المبتدعة وعلى نفاة الصفات وأمثال هؤلاء.

كذلك كتاب الرد على الرازي في كتاب تأسيس التقديس؛ فإنه أيضا من الكتب العظيمة جدا في هذا الباب، فهو وكتاب درء تعارض العقل والنقل أعظم ما ألف في أبواب الصفات والغيبيات والعقائد بجملتها.

([131]) هذا شروع من شيخ الإسلام في رد الشبه على مذهب السلف.

فإن من الشبه التي وردت على مذهب السلف أن طريقة السلف في ذلك تؤول إلى التناقض، تؤول إلى أن بعضها ينقض بعضا ويخالف بعضا، وأن إثبات الظواهر لا يستقيم مع العقل، فبعضها يخالف بعضا من أساسه.

مثل الاستواء والمعية؛ فإذا قلنا الاستواء على عرشه، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾[الحديد:4]، فهذا وهذا مخالف، وإن الله قبل وجهك، ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾[البقرة:115]، وأشباه ذلك. فيقولون هذا تناقض لو أثبتنا الاستواء لتناقضنا مع الآيات الأخرى، فعندهم أن الإثبات والإيمان بالظاهر يؤول على التناقض، وهذه من أعظم ما أُدْلِي به على مذهب السلف، وردها في هذه الرسالة وفي غيرها.

([132])هذا ظاهر الخطاب وحقيقته في هذا الموضع، أنها معية علم ليست معية ذات، نعم، وهو سبحانه مع خلقه جميعا بعلمه وإحاطته وإطلاعه وقدرته إلى غير ذلك من مقتضيات المعية العامة.

وكذلك هو مع المؤمنين والمحسنين والمتقين وأهل البر والإحسان، ومع أهل الصلاح، ومع أهل الإيمان بعامة بحسب مراتبهم في ذلك، للتوفيق والتأييد وما تقتضيه المعية الخاصة.

ويدل على تأصيل المسألة بما ذكره شيخ الإسلام عليه رحمه الله أنَّ كلمة (مع) إنما تقتضي المقارنة المطلقة، ولو كان ثم بعد في الذوات، فالله سبحانه قال لعباده المؤمنين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾[التوبة:119]، (كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) يعني في صفاتهم، أخلاقهم؛ الصدق في الإيمان، الصدق في الإخلاص، الصدق في العبادة، الصدق في السلوك، الصدق في امتثال الشرع، كونوا معهم؛ يعني مقارنين لهم في تلك الصفات، وإن لم يكونوا معهم بذواتهم، فإن كان معتزلا على رأس جبل فكن مع الصادقين.

وهذا يدل على أن المعية لا تقتضي مقارنة الذات للذات، لا تقتضي اختلاط الذات بالذات، وإنما تقتضي المقارنة.

ويقال أيضا فلان معه زوجه، وفلانة معها زوجها إذا كان عقد الزوجية باقيا، وإن كانت هي في بلد وهو في بلد؛ لأن المراد ما تقتضيه المعية من المقارنة في كل مقام بحسبه.

وهذا التفصيل العام لا بد أن تلحظه في كل مسائل الصفات، والمسائل الغيبية في الرجوع إلى المعنى اللغوي العام، والمعاني اللغوية العامة قد يمكن تفسيرها، وأحيانا لا يمكن لكل أحد أن يفسرها؛ لأن المعنى العام الكلي ليس له وجود في الخارج، إنما يوجد كليا في الأذهان، وفي الخارج يوجد مخصصا مضافا؛ يعني في الواقع يوجد مخصصا مضافا.

وإذا كان كذلك فتفسيره يغلب على ذهن الأكثرين حتى من أهل اللغة أن يفسره بما في الخارج لغرض التقريب؛ ولكن المعنى الكلي الذي يصدق على ما تراه وما لا تراه، هذا قد لا يوفق إليه كل أحد، ولهذا إذا جاء بعض الناس فتكلم في معنى الرحمة أو في معنى النزول أو في معنى الغضب أو في معنى الرضا أو في معنى الأسف أو في ما أشبه ذلك، ربما فسرها بما يراه في الخارج، فيغلبه الحس الذي يراه؛ ما يحسه وما اكتسبه من معارف على الأمر الكلي النظري الذي لا يوجد إلا في الذهن.

ومعلوم أن الله جل وعلا في اتصافه بالصفات وما أثبت لنفسه في كتابه أو في سنة نبيه عليه الصلاة والسلام فإنه له أكمل المعنى سبحانه، أكمل المعنى للصفة، وأشمل المعنى وأعظمه وأنزهه، وهذا ما لا يمكن كل أحد أن يعبر عنه لغلبة النظر إلى الخارج خارج الذهن في التعبير عن المعاني.

هذا تنتبه له كثيرا لأن بعضهم يأتي إلى أفراد أهل السنة ممن ليسوا بمحققين أو ليسوا بمتمكنين بالعلم، فإذا اراد أن يثبت الصفة قال بيِّن لي معنى الغضب، بيِّن لي معنى الرضا، بيّن لي معنى المعية، فإذا أخذ في البيان ربما عجز لأنه لا يعرف القواعد الكلية للغة في تفسير الألفاظ، ولا المعنى الكلي المجرد عن الإضافة والتخصيص.

وهذا مما ينبغي التنبه له، وهذا مثال أورده شيخ الإسلام على ما يدخل ضمن هذه القاعدة في كلمة (مع)، فإن (مع) لا تقتضي في اللغة إلا اقترانا، وقد يكون اقتران ذات بذات، وقد يكون اقتران ذات بصفات، واقتران الذات بالذات قد يكون مع قربها، وقد يكون مع بعدها، وقد يكون مع اتصالها، وقد يكون مع انفصالها؛ لأنه هو الاقتران المطلق، مطلق الاقتران، مثل ما تقول سرت والقمر معنا والنجوم معنا إلى آخره، مع ديمومة ما بينك وبينه.

إذن فالرجوع إلى المعنى الكلي بشرط كونه كليا، هذا من أعظم الحجج في رد التأويل؛ لأن الخارج خصص وأضاف، والمعنى الكلي يضاف على الله جل وعلا بما تستحقه ذاته على قاعدة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11].

وعلى العموم هذه المسائل لها إن شاء الله بسط آخر في موضعه، وتحتاج إلى بصر عميق في اللغة في دلالاتها دلالات الأفراد والمعاني الكلية ودلالة الوضع وأشباه هذه العلوم.

.. أنا ما أعلم كتابا من كتب اللغة تكلم على الكليات بشرط كونها كليات، ما فيه؛ لأنهم يريدون أهل اللغة إيضاح المعاني التي يستعملها الناس، والناس إنما يستعملون كلامهم، ويستعملون في أشعارهم وخطبهم، وجاء أيضا في كلام العرب الأولين وفي كلام الناس المتأخرين جاء في كلامهم ما هو في الخارج، ما هو واقع أمامهم؛ يعني المعاني المضافة المخصصة، فلذلك يأتي التفسير للمعاني المضافة المخصصة؛ لكن الفقيه في اللغة قد يأخذ من أصل الاشتقاق معنى كلي.

والكتب المؤلفة في هذا الباب في اللغة بعضها يصيب في المعنى العام، وبعضها يغلب عليه التخصيص مثل ما ذكرت لك لأجل الإفادة، لأن المعنى العام نظري، فتحديده لا حاجة إليه، والإيمان بصفات الله جل وعلا إيمان لما اشتملت عليه من المعنى الذي تعرف مطلقه، أما المعنى المطلق الكامل فهذا كلي، البيان له يحتاج إلى علوم كثيرة.

.. نحن الآن رجعنا للخارج؛ لكن المعنى الكلي يمكن أن يُفسر، لكن يصعب على الأكثرين أن يفسروه، أما تفسيره هو كلمة [...] لابد لها معنى –واضح؟- لابد أن يكون لها معنى عام.

.. المضادة ما هي تفسير، المضادة ليست بتفسير.

يزيد الإشكال في المعاني الكلية إذا كان بحثا عن الصفات النفسية في الإنسان، إذا كان -ليست الصفات الظاهرة- يعني التي يُرى أثرها مثل ما ذكرت ولا ترى فيها؛ يعني مثل اليد الأصابع مثل النزول، مثل الاستواء، مثل الهرولة إلى آخره، مثل السمع والبصر هذه كلها، القدرة الكلام هذه كلها يمكن تفسيرها بوضوح؛ لكن قد لا يمكن كل أحد تفسيرها بالمعنى الكلي؛ لكن المعاني القلبية في الإنسان، المعاني النفسية في الإنسان، إخراج معنى كلي يشمل المعنى بشرط كونه كليا مطلقا هذا صعب على الأفراد، لكن ما يقال ما لها تفسير لها معنى، الغضب، تكون أنت من نفسك تعرف الغضب وتعرف أنك غضبت، ثم تظهر آثار الغضب، فهذا الغضب الذي تعرفه من نفسك قبل ظهور آثاره هو أصله الذي يناسب المخلوق، ولله جل وعلا كمال ذلك بغير مماثلة للمخلوق، وهذا تفسير بالواقع؛ يعني إرجاعه لما يعرفه من نفسه، أما بالتفسير اللفظي الغضب والرضا وإلى آخره، الذين فسروه، فسروه بأشياء ترجع إلى الخارج، والخارج كما هو معلوم بما رأوا، والله جل وعلا لم يروه ولم يعرفوا كيف يتصف بصفاته، لذلك لم يفسروا هذه الألفاظ نعني علماء اللغة.

الآن يذكر شيخ الإسلام تفصيل لهذا.

([133])هذا إرجاع كلمة الربوبية إلى التربية.

وهذا أحد وجهي التفسير لها أن الرب هو الذي ربَّى الخلق بنعمه.

والتفسير الثاني المشهور أن الرب هو السيد المطاع، فالرب هو المالك هو السيد المطاع.

.. دائما في الإنسان تكثر، حتى في أمورك العادية، من ليس دقيقا يرى حالة فيعممها وهذه كثيرة، قد يكون التعميم مع سلامة قصد، وقد يكون تجني يرى حالة حالتين يقول هذا كذا أو باين كذا أو أكيد كذا وأنه رأى مرة أو مرتين، مع أن النظر المطلق النظر الكامل يقتضي احتمالات أكثر من هذا، فلا يسوغ تعميم شيء برؤية بعض أفراده حتى يكون الاستقراء تاما أو أغلبيا؛ لأن الاستقراء حجة إذا كان تاما أو أغلبيا؛ لأنه ما من قاعدة إلا ولها شواذ يعني واحدة ثنتين ثلاث تخرج عنها. فإذا كان ثَم استقراء تام أو أغلبي يمكنك أن تقول: هذا كذا أو هذا داخل في كذا إلى آخره، أما إذا كانت واحدة أو ثنتين أو جاء إلى الذهن أو غلب على الظن حالة معينة، ويريد أن يؤول المعنى لها أو يحوِّل الوجهة لها، فهذا ولا شك أنه تجني، وهذا من التجني العلمي، وهذا يؤدي إلى اختلاط العلم بالجهل، كثير من الأخطاء التي أخطأ فيها الناس من أحكام وفي الرقى وفي أحوالهم جاءت من هذا القبيل، يتبادر إلى الذهن حالة معينة أو احتمال، فيعمم هذا الاحتمال يجعله واحدا، يجعله أكيدا، يجعله قطعيا، ثم تنتهي إليه.

وإنما العاقل ينظر إلى احتمالات كبيرة، ولهذا يأتي نظر المتبصر في كل فن بفنه، المتبصر باللغة يكون نظره واسعا عن من لم يكن متبصرا باللغة، الفقيه يكون نظره أوسع من المتفقه الذي عرف مسألة مسألتين عشرة مائة، يظن أنها هكذا؛ لكن ذاك يأتي في مسألة تصير واسعة عنده يعني واسعة النظر، فيقارن بين هذه وهذه يجمع بين هذه وهذه، ويفرق، يأخذ بالقواعد إلى آخره؛ يعني أن صاحب الاختصاص يتسع أفقه في النظر إلى الشيء، في النظر إلى مسألة، بحيث إنه عند غيره لا يخطر له على بال أن تكون المسألة بهذه السعة كلها، ولهذا طالب العلم على العموم يكون دقيقا في تعبيره عن العلم، هذه دائما أوصيكم بها أن تكون في تعبيرك عن العلم دقيقا، وأن لا تعبر عن العلم بما تحسه من نفسك، حتى تكون عندك عليه حجة، ودائما تنظر إلى المطلقات العامة حتى يسع كلامك الزمان الذي أنت فيه والزمان الذي يأتي، لا تخصص شيئا بغير تخصيص جازم له، تقول هذا هو كذا، لا في المكتشفات ولا في الأمور العادية، يكون المرء أوسع، فلا يتكلم بشيء إلا بحجة واضحة، لا يقيد حتى يأتيه حجة في التقييد؛ لأن المؤمن بل لأنّ طالب العلم أو العالم ربما أُخذ كلامه على أنه حجة للشريعة أو على الشريعة، فقد يقال: هذا شوف كلامه. مثل ما قيل في أزمنة مضت بعيدة وقريبة في أشياء كثيرة.

فطالب العلم دائما ينظر إلى الأمور المطلقة من حيث هي، سواء في الصفات التي يعرفها أو في الصفات التي لا يعرفها، ينظر لها مطلقة، ثم بعد ذلك ينزل منها إلى التخصيص، ويفهم أن هذا التخصيص لا يعارض الإطلاق؛ بل هو بعضه، [انتهى الشريط التاسع] فيقيد في كلامه يعرف أنه ما تجاوز القدر العلمي الحق في نفسه؛ لأنك إذا كنت متجردا لم يصاحبك في نظرك إلى العلم هوى أو عجلة فإنك تصيب، أما إذا صاحبك في نظرك للعلم هوى أو تعجُّل فإنك تخطئ العلم ولا بد، سواء من ذلك المسائل النظرية أو المسائل العملية.

فينتبه طالب العلم لهذا دائما في أن يكون نظره وأفقه واسعا في النظر للمسائل العلمية والمسائل العملية، ولا يحكم بشيء إلا بحجة.

ولهذا يكثر من الأئمة تكثر الوصية بالاحتجاج بالكتاب والسنة والرجوع إلى القرآن والسنة فهو من الحق المطلق الذي لا يخطئ من استدل به؛ لأن فيها الحق الذي هو الحق، أما إذا أتى نظر الناس وعقل الناس إذا كان مستقلا فإنه لابد أن يخطئ، وإذا كان راجعا للكتاب والسنة بفهمها فإنه يصيب في ذلك.

على العموم هذه مسائل نظرية فتحها الأخ عبد الرحمن -جزاه الله خيرا- ينبغي الانتباه لها؛ الدقة في الألفاظ، طالب العلم لا يقول شيء إلا وهو مفكر فيه، في دلالته أبعاده بقدر الإمكان، ولابد أن يخطئ مع ذلك لأن البشر لابد أن يخطئ؛ لكن يكون خطؤه قليلا، أما إذا توسع كل ما جاء في باله قاله بدون قواعد عقلية وقواعد نظرية ولا حجج، هنا يصير الخلاف كثير وتكثر الأقوال في الشريعة.

لهذا قال ابن الجوزي أو قال غيره: لو سكت من لا يعلم لقلَّ الخلاف، لو سكت من لا يعلم من أول الزمن إلى يومنا هذا، لو سكت من لا يعلم لقل الخلاف، يصير الخلاف محدودا لأن الميدان الذي يمكن فيه الخلاف قليل جدا المسائل التي يمكن فيها الخلاف قليل؛ لكن خاض من لا يعلم فاتسع الخلاف، سواء في ذلك المسائل الفلسفية العقلية المجردة، أو المسائل الحياتية أو المسائل الشرعية، إلى آخره.

([134]) الألفاظ دلالتها على معانيها -يعني عند أهل اللغة مع تنازع فيما سأذكر- راجعة في كلامهم إلى: تواطؤ ترادف تخالف مشتركة، هذه: متواطئة مترادفة متخالفة مشتركة.

وفي المتواطئ يدخل المشككة هذه أربع بس، تواطؤ ترادف تخالف تشارك إلى آخره، فيه منازعة فيها منازعة تحقيقية لغوية. نذكرها بَعْدِين.

تذكر هذه الأربع في مقدمات أصول الفقه تذكر هذه الأربع والفرق بينها إلى آخره.

([135]) وهذا صحيح هذا تحقيق وهذا هو التحقيق، الترادف غير موجود، والاشتراك قليل، والتواطؤ غالب، هذا هو التحقيق في الألفاظ.

.. متواطئة في اللفظ، اللفظ واحد لكن المعنى مخصص.

([136]) سبحان الله العظيم، الأرض بالنسبة للسماوات كما هو معلوم صغيرة، كل سماء تحيط بالأرض، سماء الدنيا تحيط بالأرض، ثم السماء التي بعدها طبقة فوقها، ثم السماء التي بعدها طبقة فوقها، فهي طباق، والسموات والأرض وسعها الكرسي ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾[البقرة:255]، وهي كحلقة ملقاة في ترس، أو كحلقة ملقاة في فلاة، والسموات السبع بالنسبة للكرسي كدراهم سبعة، يعني تناهي في الصغر، مثل ما تأتي إلى نقطة صغيرة وتحطها وسط كرة كبيرة، فهي الكرة لو كانت بعيدة عنها، مثلك أنت الآن السماء، الآن السماء أمامك ولكنك أنت متناهي في الصغر، وين رحت السماء أمامك، رحت يمين السماء أمامك، رحت شمال السماء أمامك، وهذا مثل من مخلوقات الله جل وعلا ولله المثل الأعلى في ذلك.

يبين لك أن هذه الحقائق التي جاءت في النصوص حق على ظاهرها؛ لكن مشكلة البشر أنهم لا يعقلون من الحقائق إلا ما أدركوه بحواسهم، هذا يعطل باب الإيمان بالغيبيات، الغيبيات مطلقة والحواس مقيدة، فلا يجوز الحكم على المطلق بالمقيد في هذه الأمور، ما أطلق شيء ماله حدود، كيف تقيده بما له حدود، فإذن الأرض كلها صغيرة بالنسبة للسموات صغيرة بالنسبة للكرسي، والكرسي بالنسبة للعرش كيف مقامه والله جل وعلا قدرته وعظمته، فإذن صارت الأرض بمن عليها متناهي في الصغر.

.. لا، هذا يقول إنّ عرشه على سمواته بس، قال: ويحك أنظر ما تقول، شأن الله أعظم من ذلك، إنّ عرشه على سمواته كمثل القبة وأشار أو هكذا، قال إن عرشه على سمواته هكذا، وأشار بيديه، لهذا العرش على السموات وأشار.

ظاهر الحديث ضعيف، الحديث مضطرب فيه اضطراب؛ لكن المعنى هو هذا، لذلك العلماء يقولون في العقائد العرش على السموات كالقبة، العرش على السموات كالقبة، طبعا لا يعني كالقبة أنها أصغر منها، لا، الآن السماء على الأرض قبة يعني بمعنى أنها هكذا، والأرض بالنسبة للسماء صغيرة، يعني لا يفهم من كون العرش على السموات كالقبة، أن السموات أكبر منه، لا، أو أن القبة صغيرة، لا، هذا شكله؛ شكله كالقبة. نكتفي بهذا القدر، وفقكم الله، لما يحبه ويرضى.

([137]) هذا الموضع وهو الكلام على المعية، أو الكلام على ما يصح أن يُقَرَّبَ به وصف الله جل وعلا -والله سبحانه له النعت الأعلى- يمكن أن تَضرب له كثيرا من الأمثلة على ما جاء في الكتاب والسنة، فإنّ الله سبحانه ضرب الأمثلة العامة التي تقرب صفاته سبحانه سواء كانت صفات الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات بعامة.

وهنا قال (لله المثل الأعلى) وهذا منزع من الآية فإن الله سبحانه وتعالى ﴿لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾[الروم:27]، ومعنى المثل الوصف والنعت الأعلى فالله سبحانه له المثل الأعلى يعني الوصف الأعلى والنعت الأعلى، والنبي r ضرب الأمثال، والله له المثل الأعلى، وهذه ينبغي إذا قُرِّبَ شيء من ذلك مما يتعلق بحق الله جل وعلا فيقال له سبحانه ولله المثل الأعلى في ذلك، تنزيها له سبحانه عن أن يكون ثم مثل أو وصف يطابق ما هو عليه سبحانه من كل جهة، ولهذا قال سبحانه ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ﴾[الروم:28] إلى آخر الآية.

وقال سبحانه ﴿ فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[النحل:74] فالأصل أن ضرب الأمثلة يعني الأوصاف التي تقرب ما لله جل وعلا من ربوبية وألوهية وأسماء وصفات وأشباه ذلك أنه لله جل وعلا ولرسول r؛ لأنه قال (فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) لكن يسوغ لأهل العلم العالمين بالله جل وعلا وبما يستحق أن يضربوا مثلا في ذلك زائدا عما جاء في النص في أمثلة الكتاب والسنة إذا كان ذلك ظاهرا في ..... عندهم إذا كانوا من العلماء الراسخين في الدين.

وهذه الكلمة (ولله المثل الأعلى) المثل الأعلى يعني الوصف الأعلى، إذا كان كذلك فلا يجوز أن يُطلق أحد أنه مثل أعلى لك، لا في أمورك ولا في سلوكك، مثلا يقال من مثلك الأعلى؟ فيقال مثلي الأعلى فلان من الصحابة، أو من العلماء أو نحو ذلك المثل الأعلى هو الله جل وعلا، فلا يجوز أن يقال فلان هو المثل الأعلى؛ لأن الأعلى هو الرب سبحانه، والوصف الأعلى هو وصف الرب جل وعلا، فلله الأسماء الحسنى والصفات العلا، وهذا هو الصحيح في إطلاق مثل هذه الكلمة.

المقصود ليس هذا، المقصود أن النبي r ضرب لنا أمثلة في ذلك، منها قوله عليه الصلاة والسلام في رؤية القمر «ما منكم من أحد إلا وسيرى ربه كما يرى أحدكم القمر ليلة التمام» هذا في روايات مختلفة ساقها ابن تيمية هنا بعض الألفاظ فيها.

فإذن المثل هنا تعلق للرؤية، شبّه المقال الرؤية بالرؤية، وإن كان المرئي غير مشبه بالمرئي.

وهذا يُقَرِّب لك مسألة المعية التي غلط الناس فيها، كذلك في الصفات جميعا، فإنّ المعية لا تقتضي إذا قلنا إنّ الله جل وعلا معنا سبحانه حقيقة لا تقتضي أن تكون معية ذاتية، ولا أن تكون معية كمعية الفرد للفرد؛ لأن القمر مع المسافر وغيره؛ ولأن الرب سبحانه سيُرى يوم القيامة كما يرى القمر يشترك فيه الجميع مع علوه سبحانه وتعالى في الرؤية، وكذلك علوه سبحانه وتعالى في المعية.

المقصود من هذا أن المعية إذا أثبتت فإنها تثبت على ما دل عليه معناها في لغة العرب، ومعناها في لغة العرب لا يدل على اختلاط، ولا على مماسة، ولا على قدر زائد عن الاشتراك أو الاقتران، والاقتران هذا يكون كما ذكرنا اقترانا في الصفات كما قررناه لكم سابقا.

كذلك في غير المعية مثل الرؤية التي أنكرها المعتزلة أصلا، أو أنكر كونها في جهة الأشاعرة، فإن التمثيل كان تمثيلا للرؤية بالرؤية، وتمثيل الرؤية بالرؤية هذا يقتضي أن الرؤية حق وأنها في جهة، وأن ذلك كما يليق بالحق جل وعلا «ما منكم من أحد إلا وسيرى ربه»، وقال «سترون ربكم كما ترون البدر ليلة التمام لا تضامون في رؤيته» وأشباه ذلك.

([138]) (أحدا) لأنها مفعول به، وهذه كلام شيخ الإسلام غريبة، فما يمكن أحدا نقل، مثل ما تقول ما يمكنني فعل ذلك، لا يمكنني فعل كذا، الاسم الظاهر أو الضمير إذا اتصل بيمكن فإنه يكون مفعولا به ثم الفاعل يأتي بالمصدر.

([139])لم تَدُلَّ إذا جاء الفعل المشدد الآخر ودخل عليه جازم فيفتح تقول لم تقرَّ قرَّ دخلت عليها لم؛ لم تقرَّ أعين الأعداء، لم تدلّ الأدلة، علَّ؛ لم تعُلَّ، نصَّ؛ لم ينصَّ أحد من أهل العلم على ذلك، الفعل المشدد الآخر إذا أدخلت عليه جازما يعني جازما من أنواع الجوازم لم إلى آخره كل هذا يفتح فهو يفتح لالتقاء الساكنين فهو لم يضم لأنه لو ضم نفى دخول الجازم ولم يكسر لأن الفعل لا يدخله الكسر والسكون ممتنع، فلجؤوا إلى الفتح ولأنها أخف الحركات.

([140]) هذا الكلام يحتاج إلى بسط طويل وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى أجمل وفصل هذا في مواضع كثيرة من كتبه كما فصله قبله أئمة أهل العلم.

وتقرير هذا الموضع أنّ الكلام في الظاهر من نصوص الصفات ما هو؟ وقول من قال من الناس: مذهب السلف إمرارها أو إقرارها على ما جاءت مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، وبيان ما في هذا القول من المنافاة لمذهب السلف، وذلك لما فيه من الإجمال أو الغلط، هذه كلها مسائل تحتاج إلى بيان طويل.

لكن خلاصة ذلك أن تنتبه إلى أصل هذه المسألة، وأصلها راجع إلى دلالات الألفاظ في اللغة، ودلالات اللفظ في اللغة على ثلاثة أقسام:

إما أن يدل اللفظ على المعنى بلا تخلف لأي فرد من الأفراد، هذا يسمى النص.

وإما أن يكون دلالة اللفظ على المعنى أو على أفراد المعنى ظاهرة، وهذه قد يتخلف فيها بعض الأفراد؛ يعني احتمالا لغويا، هذا الذي يسمى عندهم حقيقة اللفظ وظاهر اللفظ، والحقيقة يقابلها المجاز، والظاهر يقابله عندهم -يعني عند المتأخرين- التأويل.

والثالث المجمل الذي لم يستبن معناه، يحتمل هذا ويحتمل هذا ويسمى مجملا.

فإذن الألفاظ:

§ إما أن تكون نصا.

§ وإما أن تكون ظاهرة، وهذا الظاهر الثاني قد يكون حقيقة التي يقابلها المجاز، وقد يكون ظاهرا الذي يقابله التأويل.

§ والثالث قد تكون مجملة.

والصفات صفات الله جل وعلا دائرة ما بين كونها نصا وما بين كونها ظاهرا، فبعضها نص لا يحتمل التأويل، واستفادة التنصيص قد يكون من دليل واحد وقد يكون من مجموع أدلة:

فمثال الدليل الواحد كقوله سبحانه ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾[الأعراف:59، 65، 73، 75، هود:50، 61، 84، المؤمنون:23، 32]، هذا نص صريح في عموم بطلان الآلهة جميعا بلا استثناء، وإثبات العبادة الحقة في الله جل وعلا، هذا إذا كانت من دليل واحد.

إذا كانت من مجموع أدلة مثل صفة العلو لله سبحانه، ومن مثل صفة اليدين لله جل وعلا، وجميع الصفات الذاتية، الرحمة صفة الوجه وأشباه ذلك لله جل وعلا، فإن هذه تنصيصية لا تحتمل غيرها؛ لأنها جاءت بها أدلة كثيرة تنفي الاحتمال الذي قد يعرض -طبعا نعني بالاحتمال الاحتمال اللغوي، لا الاحتمال العقلي- تنفيه وتحدد المراد لو كان ثم احتمال في اللغة.

فهذا وجه مجيء التنصيص أو كيف نعرف أنها نص ولذلك من أنكر ما نُصَّ عليه، وقولنا نُصَّ عليه يعني ما صار اللفظ دالا على مراده بالنصية فإنه كافر، إلا إذا كان ثم شبهة قوية عرضت، مثل ما عرض لنفاة العلو ما عرض، وكثير من أهل العلم يكفر من أنكر علو الرحمن جل وعلا على خلقه.

والثاني من الألفاظ؛ الألفاظ التي دلت على المعنى لما هو دون النص وهو الظاهر، وهذا -كما ذكرت لك- قد يكون من جهة –يعني عند المتأخرين– جهة الحقيقة، قد يكون من جهة الظاهر، وتقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، وظاهر ومؤول، هذا اصطلاح حادث وإلا فكلام العرب يدل على معناه إما بنصية وإما بظهور، وهذا الظهور قد يكون من جهة الحقيقة وقد يكون من جهة الظاهرية، كما أن النص يكون حقيقة لا غير.

إذا تبين لك ذلك، فالظهور هنا إذا قلنا دل ظاهر المعنى على كذا فإن كلام العرب دال على ما اشتمل عليه المعنى بظاهره وبحقيقته، ولكن الحقيقة والظاهر تنقسم إلى حقيقة إفرادية وحقيقة تركيبية، وكذلك الظاهر إلى ظاهر إفرادي وظاهر تركيبي؛ يعني ما نستفيد منه المعنى يعني من الألفاظ بلفظ واحد، فهذا يسمى حقيقة إفرادية، وبالسياق أو بأدلة مختلفة فهذه تكون تركيبية.

كذلك الظاهر كقوله مثلا ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾[الفرقان:45]. (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ) هنا (أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ) هذا فيه إضافة الرؤية إليك توجه إلى الرب جل وعلا، ومعلوم أن ذلك غير مراد، وهذا لا يعني تأويلا أو صرفا عن الظاهر؛ بل ظاهر الكلام أن المراد، ظاهر الآية أن المراد هو رؤية قدرة الله جل وعلا وآثار صنعته في خلقه، لأنه قال بعدها (كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ)، وكقوله جل وعلا في آية النحل ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾[النحل:26] ليست هذه من آيات الصفات فيها الإتيان؛ لأن المقصود هنا إتيان صفات الله إتيان قدرة الله جل وعلا لقوله بعدها (كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) هذا يقال له حقيقة تركيبية أو الظاهر المركب وهو الظاهر الذي يفهم من السياق.

فكلام العرب يفهم على حقيقته يفهم على ظاهره والظاهر معناه المعنى الذي دل عليه اللفظ على ما ذكرت لك، وهذا كما ذكرت يحتاج إلى تفصيل طويل في شرحه وبيانه؛ لأنه يجمع ما بين العقيدة والأصول.

التنبيه الذي يلي هذا على هذه المسألة التي تكلم عليها شيخ الإسلام أن من تكلم في أن الظاهر غير مراد نظر إلى المعنى الإضافي، فقال إن الظاهر غير مراد. والآيات التي في الصفات والأحاديث التي في الصفات أو في الغيبيات عموما لا يُنظر فيها إلى المعاني الإضافية؛ لأنه إذا نظر فيها إلى المعاني الإضافية كان ثم تمثيل أو تشبيه مذموم، وإنما ينظر فيه إلى المعنى الكلي الذي لا يدخله التخصيص أو لا تدخله الإضافة، فإذا نُظر إلى المعنى الكلي لظهوره أضيف إلى الرب جل وعلا ما يليق به سبحانه وتعالى وتقدس وتعاظم ربنا.

وهذا المعنى الأصلي أو الكلي قد يكون بالوضع معروفا، وقد يكون بكلية تقعيدية في اللغة يُنَصُّ عليها، والوضع الأول كما هو معلوم الوضع الأول هو الأصل في اللغة، والوضع الأول على قسمين:

§ وضع أسماء وهذه قد علمها الله جل وعلا آدم في أصل اللغة التي تكلم بها آدم، ثم تشعبت إلى لغات أهل الأرض على اختلاف بينهم في الألفاظ؛ لكن على اشتراك في الدلالات ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾[البقرة:31].

§ ثم المعاني والاشتقاقات والأفعال والمصادر وتنوع الدلالات فهذا يختلف باختلاف أهل الأرض في لغاتهم وقواعدهم ولهجاتهم إلى آخره.

فإذن الوضع الأول من جهة الأسماء يمكن أن يُعقل؛ لكن من جهة المعاني فإنه -كما ذكرت لك- مبني على أن المعاني لم تُعَلَّم، فإذن صارت راجعة إلى الناس في مواضعتها، والناس فيها توضعوا عليه يرجعون فيما تواضعوا عليه إلى ما أدركوه؛ يعني إلى ما جعلوه مضافا مخصصا بخلاف المعاني الكلية فإنهم لا يدركونها، ولهذا صار هناك فرق ما بين الأسماء والمعاني فيقع الاختلاف في المعاني كثيرا، وأما في الأسماء فيقل الاختلاف.

فإذا ذكر الوجه وذكرت اليدين وأشباه ذلك من الصفات التي هي راجعة إلى الأسماء -يعني أسماء أشياء ليست مصادر ولا معاني- فهذه تجد أن الخلاف فيها -يعني حتى مع المخالفين الخلاف فيها مع المخالفين قليل-؛ لأن هناك من يثبتها وإنما يأتي الكلام في المعاني، مثل صفة الرحمة والغضب والرضا والنزول والاستواء إلى غير ذلك من الصفات، وهذا سببه كما ذكرت لك أن المعاني كلية ينظرون فيها إلى ما تواضع عليه طائفة من أهل اللغة أو من الناس أو من العرب المتقدمين مع أن كلامهم إذا ورد فإنه يرد مخصصا مضافا وقد يرد أمثلة من المعاني الكلية تستنبطها.

نذكر مثالا لذلك: مثل لفظ الجناح كلمة جَناح هذه جعلها المتأخرون أصلا في الطاهر قالوا الجناح حقيقة في الطائر؛ لأنه هو الذي له الجناح، وأما الإنسان فتشبه يده بالجناح أنها كجناح الطائر من جهة الاستعارة، ويجعلون قوله تعالى ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ﴾[الإسراء:24] الجناح هو اليد أو اليدين هذا على جهة الاستعارة، وذلك لأنهم جعلوا الجناح الذي هو من الأسماء ولكنه في الأصل معنى جعلوه صادقا على الطائر دون غيره.

وفي الحقيقة هو راجع إلى المعنى لا إلى الاسم، وذلك لأن لفظ جَنَحَ يَجنح جنوحا والاسم منه الجَناح والجُناح هذا كله راجع إلى الميل.

فالمعنى الكلي الذي يتفرع منه بأنواع الإضافة والتخصيص وما يناسب الأعيان المختلفة هذا راجع إلى الميل فقال جل وعلا ﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾[الأنفال:61] يعني مالوا إليه ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾[الممتحنة:10] يعني لا ميل عن الشريعة، لا ميل عن طاعة الله، لا إثم عليكم في ذلك لاحظنا هذا من جهة المعنى.

فجاء من جهة الاسم أطلق على ما كان يميل من أعضاء المخلوق، أطلق عليه جناح في الطائر، لأن بدن الطائر الأصل فيه الاستقامة ولا يميل نفس البدن، وهذا الجسم الذي يميل يذهب ويجيء سمي جناحا في الطائر، وأيضا في الإنسان ويصدق عليه هذا الاسم فهو جناح، جناح فيه، ولهذا قال جل وعلا لموسى ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾[القصص:32] فسمَّى اليد جناحا، وقال في موضع آخر ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾[طه:22] يعني إلى جنبك وأشباه ذلك فهذا كله راجع إلى أصل المعنى.

فإذن تنتبه إلى أن هناك أسماء قد تكون أسماء من جهة اللغة؛ لكنها من جهة الاشتقاق جُعلت أسماء برؤية المعاني، وهذا يبين لك أن [انتهى الوجه الأول من الشريط العاشر] قاعدة الحقيقة والظاهر هو الأصل عندنا في جميع ما يفهم من اللغة وفي التفسير، وهذا يرجع إلى انقسامها إلى أسماء مما علَّمها ربنا جل وعلا آدم، وأنه علمه بلغة غير اللغة العربية كما هو معروف؛ لكن نقول من حيث الألفاظ تغيرت؛ لكن من حيث الدلالات دلالات الأسماء بقيت لأن المسميات موجودة لكن الألفاظ التي يعبر بها عن المسميات اختلفت، ثم المعاني التي اشتقت للأشياء، اشتقت للأسماء؛ المصادر، أسماء اشتقت من المعاني يعني معناه أنها ليست أسماء جامدة.

وهذا موضع يحتاج أيضا منك إلى توسع فيه لأنه هو العمدة في فهم إبطال التأويل، هو العمدة في إبطال المجاز، هو العمدة في إبطال دعوى من قال إنَّ الوضع الأول هو كذا؛ لأن الوضع الأول لا يُعلم، إن كان معاني كلية وفُسِّرت بالتخصيص والإضافة، فنعلم أنها ليست الوضع الأول، الوضع الأول فيها غير مسلم به، وإن كانت من جهة الأسماء التي لا يدخلها اشتقاق، عرفنا أن هذه تدخل فيما علمه الله جل وعلا آدم على اختلاف في ذلك.

إذا تقرر لك هذا، فإن قول من قال ظاهر الآيات والأحاديث غير مراد، فهذه الكلمة محتملة إن قال ظاهرها غير مراد ويريد بهذا الطائر الذي هو غير مراد بالتمثيل فإن هذا صحيح، ظاهرها الذي يبدو للأذهان السقيمة من أن ثم فيها تمثيل صفات الله بصفات خلقه، فإن هذا لاشك أنه غير مراد، وإذا قلنا قال الله جل وعلا ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، فتصور أن الظاهر من يدي الرحمن جل وعلا كيدي المخلوقات فهذا باطل قطعا، نقول ظاهرها غير مراد قطعا؛ لأن الرب سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11]، كذلك في صفة الوجه وفي غيرها من الصفات للرب جل وعلا.

وإن كان المراد من تلك المقالة أن الظاهر غير مراد يعني أن الظاهر الذي فيه إثبات الصفة غير مراد حتى تُؤوَّل، فلاشك أن هذا لا يجوز أن ينسب للسلف، ولا أن يحكى عن السلف أصلا؛ لأن السلف أثبتوا ما دلت عليه الآيات والأحاديث دون دخول في التفسير الذي يخرجها عن معناها الظاهر.

وبالجملة وكما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله -فيما سمعتم- هذه المقالة مقالة خاطئة ولا يسوغ أن تستأنف لقول القائل ظاهرها غير مراد؛ لأنّ الظاهر مراد، والظاهر ليس الذي فيه التمثيل؛ لأن الله الذي وصف نفسه بهذه الصفات هو الذي قال ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾[الشورى:11]. فمن صرفها عن ظاهرها فلأجل سوء في فهمه وسوء في عقيدته؛ لأنه أولا مثَّل وشبَّه ثم بعد ذلك أوّل وصرف عن الظاهر.

وكذلك الحقيقة كل نص فهو حقيقة وظاهر في الدلالة على معناه، وظاهرها مراد، وقول القائل وظاهرها غير مراد هذا غلط ولا يصح أن ينسب إلى السلف.

ومن أجله قال من قال إنه لا فرق ما بين التأويل والتفويض، لا فرق ما بين مذهب المؤولة ومذهب السلف -كما يزعمون-؛ لظنهم أن مذهب السلف أيضا أنه ينفي المعنى اللائق بالله جل وعلا ويكون المعنى غير مراد وكذلك أهل التأويل يقولون المعنى غير مراد على ما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية.

المقصود من هذا أن هذه المسألة كبيرة جدا، وهي أصل باب الكلام في الصفات، وأصل الكلام مع المخالفين، وهي مرتبطة بمباحث لغوية وأصولية وعقدية والجمع بينها يحرر المقام ويتَّضح به حقيقة قول السلف وقوة قول السلف رحمهم الله، وضعف قول المخالفين في المسائل، لا من جهة لغوية، ولا من جهة أصولية؛ ولكن على التحقيق، ولكن جاء الخلط والغلط من جهة أن المتأخرين درجوا على فنون وعلوم أصلوها وجعلوا لها ألفاظا ومصطلحات وصاروا يحملون الشريعة أو يحملون لغة العرب -التي هي قبل ورود هذه العلوم والمصطلحات- يحملونها على قول من تأخر في اصطلاحاتهم فيجعلون كلام العرب منقسم إلى حقيقة ومجاز وظاهر ومؤول إلى آخره، بناء على تقسيماتهم، مع أن كلام العرب كان قبل هذه التقسيمات ولم يخطر ببالهم أصلا أن ثم مثل هذه التقسيمات حين تكلموا بما تكلموا.

وهذا كثير في استعمالاتهم مثل كلام في الوضع الأول هو كذا، وهذا استعارة لأن أصل المعنى هو كذا، ويمكنك أن تنازع في كل موضع يخالف ما عليه أهل التحقيق في أصل ما قالوه بقولك: من قال هذا؟ قالوا والوضع الأول كذا، من قال لك إن الوضع الأول كذا؟ ما فيه دليل عنده إلا نقل، الوضع الأول يعني ما تواضع عليه الناس ما تواضع عليه العرب ما تواضع عليه أهل اللغة، وهل أهل اللغة اجتمعوا في مؤتمر -يعني في الزمن الأول- اجتمعوا في مؤتمر أو في مجتمع عام وقالوا نضع لهذا المعنى كذا ونضع لهذا المعنى كذا يعني مما لا يتصور، وإنما انتشر في اللغة هكذا بمعاني كلية موجودة في الأذهان لكن تخرج بحسب ما يحتاج إليه، تخرج بحسب ما يضاف إليه تلك المعاني.

المعاني الكلية قد لا تجد تفسيرها لأنها كلية لا وجود لها في الخارج ولكنها موجودة في لَمِّ شتات المعاني.

هذه مسألة كبيرة لكن ذكرت لك بعض ما يفتح لك الباب في فهمها، فتنتبه لعظم هذه المسألة.

....أولا قولهم يعني إذا قيل فلان أسد، محمد أسد، فهذا غلط من جهات أن هذا مجاز.

أولا المجاز عرَّفوه: بأنه نقل اللفظ من وضعه الأول إلى وضع ثان لعلاقة بينهما رجع إلى نقل عن الوضع الأول. فإذا كان كذلك فنقول: من قال إن الوضع الأول للفظ الأسد والعرب هو أنه على الحيوان المفترس؟ هذه تحتاج إلى نص وإلى دليل، ولا دليل يثبت ذلك، إلا أن يقول: هذا معروف.

وكل موضع أدعي فالمجاز فارجع فيه إلى التعريف: نقل اللفظ من وضعه الأول إلى وضع ثان لعلاقة بينهما. فقل: من قال إن هذا الوضع الأول؟ من قال إن هذا –مثل الجناح قالوا الجناح هذا حد الطائر- من قال لك إن الأسد هذا في الوضع الأول هو الحيوان المفترس؟ كما ذكرنا لك أنه يكون ثم معنى كلي، فبالتخصيص يختلف.

فلفظ الأسد -من جهة المعنى الكلي هذا- يدخل في كل -يعني المعنى الكلي له- كل من بلغ القوة والقهر لغيره، فهذا يطلق عليه أسد، فما كان من الحيوانات الذي يقهر غيره هو أسد، وعند العرب أسد غير الأسد عندك، الأسد الآن الحيوان المعروف، لكن عند العرب الأسد أوسع، أوسع في الدلالة وكل حيوان قهر غيره التي تفرس هذه يدخلونها في الأسد، فالأسد المعروف أسد، والنمر أسد عندهم، والفهد أسد إلى آخر ذلك، هذا شيء.

الشيء الثاني أن يقال إن القول بالمجاز بالاتفاق باتفاق أهله: أن كل مجاز يصح نفيه، كل مجاز يصح نفيه على اعتبار النفي سُلط على الوضع الأول، فإذا قلت فلان أسد، يصح أن تقول بعدها ولكنه ليس بأسد، وهذا إذا دخلنا في صفات الله جل وعلا فإنه تَجَرُّؤ وتكذيب أيضا.

إذا قلت مثلا في قوله تعالى (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) لكنه لم يستوِ، هذه قاعدة في المجاز باتفاق أهله.

تقول (الرحمن الرحيم) ولكنه ليس بذي رحمة.

وأشباه ذلك في كل موضع أدعي فيه المجاز فإن ضابط المجاز أنه يصح نفيه، على اعتبار نفي الوضع الأول والانصراف للثاني.

رأيت أسدا فكلمني ولكنه ليس بأسد. هذا جناحك اخفضه ولكنه ليس بجناح، في نظائر ذلك.

الثالث مما يبطل القول بالمجاز في مثل ما ذكرت أن المجاز في كلام العرب إذا وجد فهو موجود بلا اسم مجاز -واضح؟- موجود هكذا في لغتهم ولا اسم له عندهم ولم يضعوا له اسما يعنونون لذلك كصنيع المتأخرين من جهة فنية.

وإذا كان كذلك، فإن قول القائل هذا مجاز يحتمل أن يكون:

فيفرع عليه أحكاما وقوانين للمجاز أصَّلَها قبل استقراء كلام العرب وهذا باطل؛ لأنه تحكيم لقوانين متأخرة على وضعٍ قبل ذلك.

والثاني أن يكون سماه مجازا ولكن لن يزيد فيه على ما ورد.

وإذا كان هذا الثاني فنقول هذا صحيح لك أن تسميه مجازا لكن لا تجري عليه قوانين أهل المجاز، لذلك بعض العلماء المتقدين سموا كتبهم بالمجاز مثل أبي عبيدة معمر بن مثنى سمى كتابه مجاز القرآن يعني ما جاز في اللغة من التفسير، وهنا لم يجر عليه قوانين أهل العقائد أو أهل الأصول المعتزلة وغيرهم في ذكر المجاز وتعريفه، لا، ولكنه اعتبر أن هذا جاء عن العرب في موضع كذا، وجاء عنهم في الموضع الثاني كذا فهذا مما يجوز في لسان العرب أن تفسر هذه بهذه.

وثَم فرق ما بين إجراء كلام العرب على المجاز اصطناعيا يعني على جهة أهل الاصطلاح المتأخرين.

والقول الثاني الذي يسمى مجاز دون إرجاع إلى قواعدهم. والفرق بينهما أن صاحب القانون الذي عرف المجاز عرفه بتعريف سيطبقه على كلام العرب، سيطبقه على كلام المتقدمين، سيطبقه على كلام الله جل وعلا وكلام رسوله r، وهذا تحكم في الحقيقة لأنه قَنَّنَ قانونا ثم أراد أن يجري عليه كل الكلام.

لكن نقول الذي يقضي به البرهان الصحيح السليم من الهوى أن يقال كل موضع استعملته العرب في كلامها فهو حقيقة وظاهر ومجاز أيضا، هو حقيقة باعتبار ما دل عليه، وظاهر باعتبار دلالة المعنى دلالة ظاهر اللفظ على معناه، ومجاز يعني بمعنى أنه يجوز في لغتها.

هذه الثلاث حقيقة وظاهر ومجاز إلى آخره إذا استعملتها فهي ألفاظ لا تؤول إلى كلام المتأخرين.

فنرجع من هذا كله إلى أن كلام العرب حجة، والله جل وعلا أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فما استعمل في كلام العرب صار حجة سمِّه حقيقة، سمِّه مجازا، سمِّه ما شئت؛ لكن لا على قوانين أهل الاصطلاح، فإذا قلت هذا حقيقته كذا، هذا ظاهره كذا، هذا مجازه كذا، باعتبار ما يجوز وما يظهر وحقيقة اللفظ كونه دليلا على حقيقة الأمر، فهذا لا شيء فيه.

لكن الإشكال جاء من كونهم قننوا القوانين ثم حكموها على اللغة، وقولنا سمه ما شئت هذا يجعل الدائرة ضيقة، إذْ يخرج هذا الباب عن الأقيسة يخرج هذا الباب عن القياس، وأما القول بالقوانين فإنه يدخل ما لم يرد في كلام العرب -مما يجوز- يدخله في التأويل أو في صرف الحقيقة عن ما هي عليه لأجل القانون.

فتلحظ أنه إذا اقتصرنا على كلام العرب سميناه مجازا، سميناه حقيقة، ظاهرا فإن الدائرة تكون ضيقة، وإذا سلطنا اصطلاح المتأخرين فإنه سيصرف اللفظ عن ظاهره، سيصرف اللفظ عن حقيقته بالقانون، وإن لم يرد ثم استعمال لكلام العربي به، وإن لم يرد استعمال يقال: لا، هذا غير مراد.

وفي الحقيقة إذا قلنا: صرف اللفظ من وضعه الأول إلى وضع ثان لعلاقة بينهما. أو في تعريف التأويل صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة، هذا القرينة ما هي باتفاق أنها قرينة عقلية، العلاقة ما هي؟ العلاقة منها علاقة لغوية ومنها علاقة عقلية.

إذا كان كذلك فكل واحد يمكن أن يقول: عقلي يصرف هذا اللفظ عن ظاهره، عقلي ينقل هذا اللفظ عن حقيقته، في الأمور الغيبية التي لم ير أمثالها، أما التي رأى أمثالها هذه يقرب الناس فيها؛ لأنه لو قال عقلي يخالفه يكذبه الحس؛ لكن في الأمور الغيبية سيأتي كل أحد يدعي أن عقله ينفي ذلك، هذا معناه أن يرجع القانون إلى أمر غير منضبط، وهذا باتفاق أهل المنطق وأهل الحدود أنه يرجع على القانون بالإبطال، فكل ضابط في قانون أو في حد أو في تعريف لا ينضبط لكون حد فيه أو جملة فيه لا تنضبط فإنه لا يصح أن يكون تعريفا.

ولذلك نحن ننازع أصلا في التعريفات هذه، تعريف التأويل ننازع، تعريف المجاز ننازع إلى آخره، في هذه الأشياء التي أحدثت البلبلة في العقيدة، وأحدثت البلبلة في الغيبيات، وفرقت الأمة وكل ذلك من جراء أهل البدع؛ لأنهم اعتقدوا اعتقادات ثم سعوا في العلوم ما يؤصلها، لذلك ما تجد عند أهل السنة هذه التعريفات، ما تجدها، والعلوم ما فسدت إلا لما دخلتها التعريفات، من جميع الفنون، التعريفات على صناعة المناطقة والحدود إذا دخلت خلاص لن تفهمها، إذا انشغلت بالتعريفات الأصولية فلن تفهم الأصول، إذا انشغلت بالتعريفات البلاغية فلن تفهم البلاغة، ولذلك جاء مثلا الذين اشتغلوا بالتعاريف البلاغية السَّكَّاكي والخطيب القديم لأنه معتمد على السكاكي وأشباه هؤلاء، هؤلاء تركوا البلاغة التي هي كلام العرب صرفوها على ما هي عليه على قوانين اصطلاحية يطبقها العجمي مثل ما يطبق واحد زائد واحد يساوي اثنين، لا، لغة العرب تذوق، لغة العرب فهم، لغة العرب إحساس، ليست قانونا، العرب ما اجتمعت وقالت واحد زائد واحد يساوي، الكلمة هذه زائد الكلمة هذه تطلِّع لنا استعارة تخيلية، الكلمة هذه تطلع لنا، هذا كله ليس مرادا.

فدخلت التعاريف فأفسدتها، ولذلك أجمع أهل البلاغة على أن بلاغة أبي القاسم، وعلى أن بلاغة من تقدم مثل العسكري في الصناعتين، والجاحظ وأشباه هؤلاء ومن لم يدخلوا في التعاريف هذه الصناعية، لا شك أنها هي الأولى لأن المتأخرين انصرفوا عن المعاني إلى قوانين فأفسدت الفن.

وهذه لها أمثلة كثيرة:

حتى في مصطلح الحديث: مصطلح الحديث أيضا تجد أن من تعلق بألفاظ المتأخرين في التعريفات لم يطبق عليها أقوال المتقدمين مائة في المائة، يقرب و يجد ما يخالفها.

حتى في اللغة العربية: التعريفات أنظر إلى تعريف نائب الفاعل، نفس تقسيم الفعل إلى ماضي وأمر ومضارع إلى آخره، هذا يسبب إشكال، فيه إشكال معروف في موضعه أيضا، قول هذا نعت وهذا صفة النعت عندهم غير الصفة، النعت عندهم الذي هو من التوابع، والصفة ما كانت راجعة إلى المبنى، مثل اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة لاسم الفاعل، هذه الثلاث فقط التي يطلق عليها صفة، النعت عندهم..؛ لكن في اللغة عندنا وصف الله جل وعلا هو نعته سبحانه، نعت الله هو وصفه.

مثلا عندك في (مَنْ) ترجع لكتب اللغة جميعا تقول (مَن) اسم موصول لمن يعقل أو للعاقل، و(مَا) اسم موصول لغير العاقل، وهذا باطل؛ لأن هذا التعريف يدرج عليه الجميع، فالله جل وعلا يعبر عنه بـ(من) ويعبر عنه بـ(ما)، فمن يقال أنها للعاقل والله ليس في صفاته عاقل ولهذا صار من اسم لمن يعلم لا لمن يعقل.

هذا لو ندخل في الفنون كلها سنجد خلطا كبيرا خلطا في الفنون بعد زمان السلف، وهذا يعلم بعد التحقيق والنظر ومعرفة كيف مشى كل علم؟ كيف توسعت مؤلفاته؟ وكيف تحرك وتحرك أهله وكيف بنى المتأخر على قول من تقدمه؟ ثم يكون من تقدم أحسن التصنيف فأعتمد فصارت مدرسة كبيرة، قد يُنظر إلى من يرجع الناس في المدرسة إلى طريقة الأولين قبل حدوث هذه المدارس أنه ينهى عن العلم إلى آخره.

وهذا يطول الكلام عليه؛ لكن ينبغي لطالب العلم أن يكون عنده بعد نظره في العلوم وفهمه للعلوم -سواء العلوم المساعدة الصناعية الأصول أو مصطلح أو لغة إلى آخره- أن يتعدى بعد فهمها أو إحكامها على طريقة المتأخرين، أن يتعدى اصطلاحاتهم إلى الزمن الأول.

ولذلك إذا نظرت إلى كتاب سيبويه مثلا في النحو هو أفضل مائة مرة؛ هو أفضل بما لا حد له من كتب المتأخرين من شروح الألفية وإلى آخره لأن ذاك ما فيه التقييدات المنطقية التي وردت في كتب المتأخرين، وفيه سعة، وفيه تذوق للنحو جعل النحو مع البلاغة جمع بينهما، جعل النحو والصرف والبلاغة تمشي جميعا؛ بينما المتأخرين جعلوا هذا وهذا للتوضيح، لكن إذا أتى طالب العلم فأحكم يرجع إلى كليات كلام المتقدمين الذي هو اللغة، كذلك في التعريفات المختلفة.

المقصود من هذا أن جناية الانحراف في العلوم بتعريفات لا تنطبق على التحقيق، هذا لاشك أنه أحدث غلطا كبيرا.

خذ مثلا في النحو تأتي مسائل تُجعل مسلمة ولكن هي ليست مسلمة، في النحو جعلت مسائل مسلمة وهي غير مسلمة، مسائل في الأصول جعلت مسلمة، بحيث أنك لو تقول لواحد كذا ......

قوله تعالى ﴿إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾[طه:63] على القراءة الثانية (إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ)، في اللغة، النحو الشائع يقضي بإيش؟ إِنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ، هذين اسم إن، من أين أتى؟ كلهم خاضوا الذين وجهوا هذه القراءة على إضمار الضمير يعني إنه هذان لساحران، وأشباه ذلك، جاء شيخ الإسلام وقال: أصله كلكم اعتمدتم على أن هذان تنصب بالياء؛ لأنها ملحقة بالمثنى، وترفع بالألف لأنها، من قال هذا؟ لاحظ الذهاب إلى أصل الموضوع، أحيانا تأتي أنت وتعتبر شيئا مسلما، وأصل هذا المسلم غير مسلم.

وهذه حالة نفسية قد تُرَبَّى شيء أنت ويكون مسلما وفي الحقيقة غير مسلم، عند البرهان الصحيح غير مسلم، بكثير من الأشياء النفسية والاجتماعية والعلمية.

قال: من قال أن (هذان) أصلا أنها تنصب بالياء، هذه مبنية، لا تقال بالياء أصلا، تقول قال هذان ورأيت هذان ومررت بهذان هذه مبنية في كل الأحوال.

وقراءة من قرأ (إِنْ هَذَانِ) على البناء، و(إِنَّ هَذَانِ) على البناء، فقالوا: له أنت الآن تقول هذا الكلام فيه آية في القرآن فيها نصب. قال ما فيه، ما يوجد إلا (هَذَانِ) تبنى على الألف، و(هَاتَيْنِ) للمرأة تبنى على ﴿أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾[القصص:27]، (هَاتَيْنِ) ليست منصوبة، (هَاتَيْنِ) أصلا مبنية على الياء.

وهذا مذهب الكوفيين، البناء مذهب الكوفيين؛ لكن درج الناس على مذهب البصريين.

إذن مذهب الكوفيين الذي هو أقرب إلى حقيقة النحو -من جهة السماع- من مذهب البصريين، حتى قال بعض مشايخنا في هذا: إن مذهب البصريين هو مذهب مبتدعة النحو، ومذهب الكوفيين هو مذهب سلفيي النحو. يعني من جهة اعتمادهم على النقل، وأما البصريون فاعتمدوا على الأقيسة في ذلك، وعلى الأمثلة والقوانين ثم فرعوا عليها.

يعني قال شيخ الإسلام ما قال، وهذه أعجبت ابن هشام، فجعل كلام شيخ الإسلام لخصه تماما في أحد كتبه في النحو الذي هو في أظن شرح الشذور.

المقصود من هذا أن خوض طالب العلم مع المخالفين ينبغي بل يجب أن يكون من الأسس من القواعد، وإذا ما فهمت أسس الكلام كل كلمة تِفْلاَها، تعرف ما وراءها، فإنك ستكون مقصرا بقدر ما فاتك، والذي ينبغي لك أن تفلي كل مسألة.

نعم العلم كثير واسع؛ لكن لابد، لابد لك من هذا، لو فوَّت بعض الأشياء من الفروع التفريعات حتى تضبط هذه المسألة التي حصل فيها الخلل العظيم، هذا ليس الكثير إن شاء الله؛ لأنه لو فاتك بعض الفروع فإنه إحكامك للأصول التي انطلقت منها هذه العلوم وما حصل فيها من الانحراف.

في الحقيقة جاءت هذه الكلمة، وطالت؛ لكن ربما تفتح لكم أبوابا.

وهذه لو تكلم الإنسان لاحتاج إلى مدة طويلة لو خضنا في كل فن ما فيه، وتحقيق أهله فيه والمسائل.

مثلا عند أصول الفقه هل تجد كتاب سلفي في أصول الفقه؟ ما فيه، الرسالة للشافعي يعني بداية في أصول الفقه؛ لكن ما فيه في أصول الفقه كتاب مأمون من كل جهاته، ما فيه، مؤتمن محقق.

إذن كيف نفهم أصول الفقه؟ نفهم طبعا كلام المتأخرين ونضبطه هذه طريقة صنعة، وتأتي المرحلة التي بعد ذلك نأتي للمسائل ونقارنها بكلام المتقدمين؛ لأنك تجد مثلا أن أصول الفقه كلما تقدمت أسلم من كتب المتأخرة، وأقرب لك لإفهامك للاستنباط والخوض عن الصناعة والتعريفات والمحترزات، تأتي ساعة لتفهم التعريف، ويقول هذا مردود عليه من أوجه ثم يرد تدخل في معمعة؛ لكن لو رأيت كتب المتقدمين وجدتَّ أن أصول الفقه فيها سهلة واضحة وهي التي تنفعك في الاستنباط.

نعم كلام المتأخرين مهم لابد من فهمه لكن المحقق أو طالب العلم الذي يريد أخذ العلم بحقيقته، ينتقل بعده إلى ما تقدم حتى يحكم أصوله.

وهذا يأتي في مسائل في العقيدة واللغة وغير ذلك.

....[ سؤال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، الظاهر غير مراد والحقيقة مرادة؟]

هل قلنا أن الظاهر غير مراد؟ نحن نرد على الذين يقولون أن الظاهر غير مراد، هو الظاهر مراد، نعم، هذه مشكلة التأصيلات تحوز، المقصود أن الظاهر مراد، لكن بعض الناس أطلق قال: الظاهر غير مراد، مثل ما قال لك شيخ الإسلام ابن تيمية هنا، معناه التمثيل، الظاهر الذي هو أن يدي الله جل وعلا كيدي المخلوق، نقول هذا لاشك أنه غير مراد، هذا غير مراد فعلا؛ لأن إثبات الصفات على قاعدة ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن تقال أصلا هذه العبارة حتى في آيات الصفات حتى لو كان المراد بها معنى صحيحا -واضح؟- ، قوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾[المائدة:64]، الظاهر مراد بل لله يدين حقيقة سبحانه وتعالى ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾[المائدة:64]، ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص:75]، الظاهر مراد إلى آخره، فنحن نبطل قول من قال الظاهر غير مراد أو من قال بالمجاز، إلى آخره.

.. هذه من كتب المتوسطين اسمها المُسَوَّدَة ليس المُسْوَدَّة، مسودة آل تيمية، هذه جمع فيها كلام والد شيخ الإسلام وجده، وكلام شيخ الإسلام وهو قليل فيها، كلام شيخ الإسلام قليل فيها، وهو من الكتب المتوسطين، جروا على اصطلاحات شيخ الإسلام له فيها بعض التحقيقات لكنها قليلة.

.. «خلق آدم بيديه» وهنا قال ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾[يس:71] ما قال خلقت، (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) ونتيجة العمل وما ينتج عنه يصدق يصدق عليه أنه عمل اليدين في اللغة، هذا عمل يدي وإن كان نتيجة له، ولهذا قال سبحانه ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ التسلسل في الآثار غير ممتنع عندنا عند أهل السنة، التسلسل في العلل والمعلولات والآثار غير ممتنع فقد يكون أثر ينتج عن أثر، وأثر ينتج عن أثر، والله سبحانه وتعالى هو الذي عمل الأول سبحانه وتعالى وأجرى سنته في أن الأول ينتج الثاني والثاني ينتج الثالث إلى آخره، مثل ألان خلق آدم وخلقك أنت آدم، هو خلقه الله جل وعلا بيديه سبحانه وتعالى، والإنسان مخلوق بيدي الله سبحانه وتعالى، خلق الله سبحانه وتعالى له، وعمل اليدين ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾[يس:71].

.. ما فيه فرق، جرينا على اصطلاحه، قلنا: نص وظاهر ومجمل. هذا الذي في اللغة، كون هذا أن الظاهر ينقسم إلى حقيقة وظاهر هذا دخلنا في الأصول، دخلنا في مباحث لغوية اصطلاحية، واضح؟ لأنّ النص الذي لا احتمال فيه، الظاهر ثَم احتمال فيه، حتى على اصطلاحهم، ومجمل محتمل لهذا وهذا، كل هذا على اصطلاحهم، لكن تقسيم الثلاث جار على اللغة بلا إشكال، تقسيم حقيقة وظاهر ومجاز ومؤول هذا يدخله البحث.

([141]) مُجَبَّرَة ومُجْبِرَة.

([142]) حشوية يعني حشو الوجود ما لهم قيمة.

([143])هذه نوابت الذي ينبت الأشياء التي تنبت ما لها قيمة، كلها ألفاظ تعني أنهم ليسوا بشيء، ألفاظ اخترعها أعداء السنة في وصف أهل الحق لتنفير الناس منهم؛ يعني بأنهم ليسوا بشيء يعني أنهم حشوية ونوابت إلى آخره.[انتهى الشريط العاشر]

([144])الوِلاية الإمارة، والوَلاية المحبة.

([145]) لعلها: وَرِأْيُهُ.

([146]) ما سمعتم من أول الكلام إلى هذا الموطن يبحث في مسألة واحدة، واستطرد في الكلام عليها، وهي ظنُّ المتأخرين أنّ السلف والخلف اتفقوا على أن آيات الصفات وأحاديث الصفات أو الصفات الخبرية التي جاءت في الكتاب والسنة أنه لا يراد بها ظاهرُها، وقد يُعلم المراد وقد لا يُعلم، ظنوا أن الجميع اتفق على أن إيراد فضائلها ممتنع، ثم هل المعنى معروف أو غير معروف؟ على قولين، وكل هذين القولين عندهم لا يخرج على اتفاق الخلف مع السلف، ولهذا يقولون التأويل متفق عليه فالسلف لما لم يثبتوا ظاهر المعنى، وإنما قالوا لا نثبت الألفاظ نجريها على ظواهرها ولا نثبت معانيها، فإن هذا مصير منهم إلى تأويلها، ولكن إلى غير معنى محدد.

وبالتالي فإن زعمهم هذا يؤول إلى تصحيح التأويل بالاتفاق، وسواء كان التأويل إلى معنى كقول المؤولة مثلا الرحمة إرادة النعمة أو أن الغضب إرادة الانتقام وأشباه ذلك، أو أن التأويل إلى غير معناه كقول من يقول نثبت رحمة لا ندري معناها الذي هو قول مفوضة المعنى.

ولهذا جعل الأشاعرة القولين حقا، فجعلوا المفوض للمعنى أو المؤول إلى غير معنى أن هذا منهجا صحيح، وهو قول السلف وقول الخلف، أو المؤول إلى معنى دل عليه العقل أن هذا أيضا قول صحيح، ونظموه في عقائدهم كقول قائلهم:

وكل نصٍّ أوهم التشبيه أوِّله أو فوِّض ورم تنزيها

يعني أوله على معنى معروف، أو فوض المعنى إلى الله؛ يعني لا تؤمن بظاهر ما دل عليه اللفظ.

ولهذا يزعمون أن مذهب السلف هو إثبات الصفات لا على معنى، وإثبات الأسماء لا على معنى، كما قال ابن العربي مثلا في موضع من كلامه في العارضة قال: فإن قلت فما معنى الاستواء، قلنا لك الاستواء يرد في لغة العرب على خمسة عشرة معنى -وذكرها-، ولا نعلم المراد من هذه المعاني في قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾[طه:5]. وكذب، فإن الاستواء في لغة العرب معروف المعنى، واحد، معناه واحد، وهو العلو والارتفاع، هذا هو معنى الاستواء ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾[المؤمنون:28]، ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾[القصص:14]، كل مواردها على ذلك.

فهذا الأصل الذي أصلوه وهو أن التأويل متفق عليه بين السلف والخلف، جعلهم يذمون كل مخالف لهم، فالذين يثبتون الصفات عندهم مشبهة، سواء كان إثبات الصفات إثبات بعض الصفات أو إثبات كل الصفات، فعند المعتزلة الأشاعرة مشبهة، وعند الأشاعرة أهل السنة مشبهة، وعند الجميع أهل الحديث والأثر أهل السنة مشبهة مجسمة حشوية نوابت إلى غير ذلك من الألفاظ التي يشنعون بها.

ومسألة الألفاظ والتشنيع على أهل الحق بالألفاظ البذيئة هذه كانت من العلامات الفارقة، لذلك من صنف من أهل السنة في التوحيد أو السنة يذكر مسألة الألفاظ عند ذكر الافتراق، يقول وعلامة أهل البدع تسميتهم أهل السنة والأثر بالحشوية أو النوابت، فإذا رأيت من يطعن على أهل الحديث والأثر في شيء من هذه الألفاظ أو بأمثالها فاعلم أنه على تأسيس ضلالة؛ لأن المسألة قديمة في التشنيع عن طريقتهم بألفاظ مختلفة، مثل ما سموه في هذا العصر الوهابية وما قبله حتى ينفروا الناس منهم، وهي ألفاظ يتداولها المتأخر عن السالف بالتشنيع وبالصد عن ذكر الله وعن السنة.

فالمقصود أن العبرة اتِّباع الكتاب والسنة وأن السلف متفقون على إمرار هذه الآيات والأحاديث على ظاهرها ومعنى ذلك إثباتها على ما دلت عليه من اللغة، وأنهم مانعون للتأويل وليسوا قائلين به، وأن الخلف الذين زعموا أن السلف أولوا إلى غير معنى، أي فوضوا، أن هذا باطل وأن طريقة الخلف مخالفة لطريقة السلف جملة وتفصيلا.

فشيخ الإسلام يدور حول هذا المبحث؛ لأنّ طائفة من المبتدعة حسّنوا بدعتهم بالتأويل، بحكايتهم اتفاق السلف على التفويض، والتفويض عندهم ضرب من التأويل.

هناك كلمات مرت في كلام المعتزلي يعني إذا أحببتم أن نذكر معناها فلا بأس (من قال أن لله علما وقدرة فقد زعم أنه جسم مركب وأنه مشبه لأن هذه الصفات أعراض والعرض لا يقوم إلا بجوهر متحيز وكل متحيز جسم مركب أو جوهر فرد) هذا أصل، لأن هذا الكلام يتردد كثيرا في كتب القوم وفي كلام شيخ الإسلام أيضا يورد مقالاتهم، هذا مبني على فهم ثلاثة أشياء:

الشيء الأول: الأجسام ونوع الأجسام.

الثاني: نوع العرض ونوع الأعراض.

والثالث: معنى التركيب.

ثم نخلص من الثلاثة هذه إلى بنتيجة، هذه المقدمات الثلاث مهم أن تفهمها، حتى تفهم مثل هذا الكلام وأشباهه، مما يلي من شرح الطحاوية وكتب شيخ الإسلام.

الأول الجسم: الجسم نظروا إليه نظرا فلسفيا، كنظر اليونانيين وأشباههم، فقالوا: الأجسام مركبة من أجزاء صغيرة متناهية في الصغر، هي الجوهر الفرد، الذي يسمى الجزيئات التي لا تقبل الانقسام، فكل جسم عندهم مركب من جواهر فردة، جواهر؛ جوهر يعني لا يقبل الانقسام، الآن يسمونه الذرة أو يسمونه الخلية أو إلى آخره، يعني جزء صغير لا يقبل القسمة، نفرض عندك مائة جزء إذا فسمتها شيء واحد إلى مائة وهذا الواحد من المائة لا يمكن قسمته هذا الذي يسمى جوهرا فردا، جوهر باعتبار أنه الأصل الذي لا يقبل القسمة، وفرد يعني أنه ليس بقابل للاثنينية. الأجسام عندهم مكونة من هذه الأجزاء الصغيرة إلى آخره.

وأهل السنة فيما حكى عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الصفدية وفي النبوات وفي غير ذلك، يقولون إن الأجسام قد تتركب من جواهر فردة، وقد تتركب من جواهر مركبة؛ يعني أن الجسم قد يؤول إلى جزيء واحد لا يقبل الانفصال، وقد يؤول بتقسيمه إلى أكثر من جزيء اثنين ثلاثة مرتبطة منفصلة نظريا؛ لكنها من جهة الواقع غير قابلة للانفصال.

فإذن قول من قال إن الأجسام مبنية على ذرات منقسمة، وأن كل جسم يؤول إلى خلية واحدة، يتصور أن تكون موجودة دون غيرها، هذا ليس من أقوال أهل السنة، بل يقولون قد يكون ذلك في بعض الأجسام، وفي بعض الأجسام لا يمكن أن تكون ثَم جواهر فردة بل لابد أن تكون جواهر مركبة، يعني يؤول التقسيم إلى حقيقة تقبل الانقسام نظريا؛ لكنها واقعيا لا تقبل الانقسام.

وهذا العلم الحديث أيَّد قول أهل السنة في ذلك لأن البحوث المعاصرة الفيزيائية وغيرها تؤيد ذلك حتى في جسم الإنسان وفي الخلايا والمواد المختلفة التي لا محل لبيانها.

عندهم الأجسام هذه صفة جسمية وهي تركبها من الجواهر الفردة، ولها صفة معنوية عرضية وهي حلول الأعراض بها أو قبولها للعَرَض.

والأعراض -وهي المسألة الثانية في بحثنا أو المقدمة الثانية-: الأعراض هي ما يعرض ويزول وصف يعرض بالجسم ويزول، مثل أن يكون مرتفعا، أن يكون له طول، له عرض، له عمق، له ارتفاع، له حرارة، له رطوبة، له برودة، له صفة أخرى من الصفات المعنوية؛ عنده قدرة السمع إلى آخره، هذه كلها أعراض تعرض للجسم وتزول عنه، فهو يعرض له أن يكون طويلا ثم يزول ذلك عنه، يعرض له أن يكون حارّا ثم يزول ذلك عنه، يعرض له أن يكون سامعا ثم يزول ذلك عنه، وهذه الصفات العَرَضية راجعة في الجسم إلى الأجزاء التي تركب منها الجسم، ولذلك صار عندهم إثبات الصفات إثبات للأعراض في الأجسام ومعنى ذلك إثبات للجوهر الفرد، ومعنى ذلك إثبات للتركيب.

فآل بهم القول بالمسألة الثالثة وهي أن القول بإثبات الصفات هو إثبات للأعراض في الأجسام، ومعنى ذلك إثبات بأن الله جل وعلا جسم ومركب؛ لأن العرض لا يحل إلا بجسم، لا يمكن أن تجد ارتفاعا بلا مرتفع بلا جسم، لا يمكن أن تجد عمق طول وعرض بغير جسم؛ يعني شيء يقال له طوله كذا وهو ما معنا شيء، هذا عرض طول عندهم صفة لابد لها من موصوف، كذلك الصفات المعنوية مثل العلم والقدرة إلى آخره كلها لابد لها من موصوف.

المقصود من ذلك أن تنتبه إلى أن هذا البحث بحث كلامي سيِّء ولكن لابد من فهمه لفهم كلام شيخ الإسلام ممعنى كلام القوم.

المسألة الثالثة مسألة التركيب: والتركيب عندهم هو تركب الجسم من جواهره الفردة، أو تركب الجسم من أعراض حلت فيه، ومعنى كونه مركبا: أنْ توجد الأشياء الصفات فيه أو الجواهر، الصفات أو الخصائص الجسمية على وجه الانفصال توجد على وجه الانفصال.

لهذا منعوا كل الصفات على هذا الأساس، ولماذا قدموا بهذه المقدمة ذكرت لكم فيما سلف أصل هذا الكلام، وهو أنهم لم يثبتوا وجود الله جل وعلا إلا عن طريق إثبات الأجسام أو الجواهر الفردة وحلول العرض في الجسم، فإنهم أثبتوا وجود الله جل وعلا عن طريق حلول الأعراض في الأجسام، فقالوا وجود العرض -الذي لا يقوم بنفسه- بالشيء، يدل على أن هذا الشيء مفعول به، وهذا من خصائص الأجسام ومعناه أنه هناك فاعلا إلى آخر السلسلة التي تكلمنا معكم بتفصيل فيها في أول الكلام أظن في الحموية أو في موضع آخر.

إذا حصل هذا فنرجع إلى نتيجة هذا كله أن إثبات صفة العلم والقدرة عندهم معناه إثبات لصفات لله جل وعلا، وهذه الصفات تعرض وتزول؛ يعني العلم والقدرة باعتبار المعين عَلِمَ هذا الشيء فلما انقضى المعلوم انتهى تعلق العلم به، فصار من جهة الأجزاء عارضا ثم زال، فصار عَرَضا.

فإذن العرض لا يمكن أن يقوم بنفسه كما يقوم الجسم، والجسم لا يقوم إلا بجواهر فردة، فرجع الأمر إلى أن إثبات الصفات يستلزم التعدد، يستلزم عندهم التركيب، يستلزم الجسمية، لهذا قالوا عن كل مثبت للصفات أنه مجسم على حسب اعتقادهم؛ لأنه وإن لم يثبت التجسيم وإن نفى التجسيم عن نفسه فهم كل معتزلي وجهمي يقول المثبت للصفات مجسم وإن لم يقل إنه مجسم؛ لأن حقيقة أمره يؤول إلى التجسيم.

وهذا كله راجع إلى أنهم قدموا بمقدمة باطلة في النظر في الجسم والعرض والتركيب أصل هذه المقدمة بحثها بهذا الشكل غلط، وما نتج عنه جعلوه صوابا، ولاشك أن المبني على غلط يكون غلطا.

الحقيقة هم مثلوا وشبهوا الله جل وعلا بخلقه؛ لأنهم لم يتصوروا وصفا إلا على النحو الذي رأوا فجعلوا الصفات تشبيها.

وهذه المسائل يعني بسطها يعني وتحرير المقام فيها يحتاج إلى أطول من ذلك لكن هذه خلاصتها بما تفهم معه المراد.

.. تقول إثبات وجود الله جل وعلا عندهم كان عن طريق إثبات حلول الأعراض في الأجسام، هذا الأصل، فحلول الأعراض بالأجسام دلهم على أن الجسم محتاج؛ مفعول به، فدلَّهم على أن ثَم فاعل، فإذا أثبتنا الصفات صار عندهم الرب جل وعلا مفعولا به يحتاج إلى فاعل؛ لأنهم ما أثبتوا الوجود إلا عن طريق حلول الأعراض في الأجسام، واضح؟ أنت تأخذ باللازم مثل ما ذكرت أن دليل نفي الصفات هو امتناع حلول الأعراض بالأجسام، هذا الذي أصَّله جهم بن صفوان عليه من الله ما يستحق، وتبعه المعتزلة على هذا الأصل العقلي، تبعه عليه الأشاعرة كلهم يثبتون وجود الله على هذه الطريقة؛ لكن المعتزلة أثبتوا بعض الصفات للدلالات العقلية اللازمة، والأشاعرة كذلك للدلالة العقلية اللازمة، قالوا هذه ما تنافي القرآن.

سبق أن أوضحتها لكم بالتفصيل، وهي تحتاج إلى درس خاص؛ لأنها إذا فهمت هذه المسألة كل مسائل الصفات وكلام القوم -أهل الكلام أو المعتزلة أو الأشاعرة- كلها مضبوطة بهذا الباب، إذا فهمت هذه المسألة انتهى، كل الباقي سيفهم، سواء الكلام العقلي لهم أو الألفاظ التي يستعملونها لها دائرة على هذه المقدمات الثلاث الأجسام الأعراض التركيب، إذا فهمت هذه الثلاث انتهى، نعم...

([147]) يَجري أو يَجري.

([148]) بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

اللهم نسألك علما ينفع، ونعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع ومن عين لا تدمع.

اللهم يسر لنا الأمر كله العلم والعمل، وفيما تحب وترضى.

أما بعد: فهذا الكلام الذي ابتدا به شيخ الإسلام هذا المقطع قال فيه (وجماع الأمر أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة) وهذه الأقسام جاءت من جهة السبر والتقسيم؛ يعني أن هذه الأقسام الممكنة:

§ إما أن تجرى على ظاهرها.

§ وإما أن لا تجرى على ظاهرها.

§ وإما أن يسكت فلا يقال نعلم ظاهرها أو لا نعلم ظاهرها.

وكل قسم ينقسم إلى قسمين، فصارت ستة:

فالأولون هم الذين يقولون نجري هذه على ظاهرها، وهؤلاء هم المنتسبون في الجملة إلى السلف الصالح رضوان الله عليهم؛ لأن السلف أجروا الأحاديث على ظاهرها، وما فسروها بما يخالف ظاهرها؛ بل أيدوا ظاهرها [بالتفسير]، وهذا التقرير العام لـ: أن السلف مجمعون من الصحابة والتابعين على عدم صرف هذه الألفاظ عما دل عليه ظاهرها، أخذ به من بعدهم -يعني من بعد الصحابة ومن بعد التابعين- أخذ به طائفتان:

الطائفة الأولى المجسمة: الذين فهموا من الظواهر أنها تشبيه لصفات الخالق بصفات المخلوق، وأنها مثلها اليد كاليد، والعينان كالعينين، والسمع كالسمع، والبصر كالبصر وهكذا، من حيث الكيفية، وهؤلاء هم الذين سماهم السلف المجسمة الممثلة، ووصفوا مذهبهم بالكفر.

هؤلاء أُتُوا من جهة أن إثبات الظاهر ما المراد به؟ ظاهر الألفاظ ما المراد به؟ ظنوا أن الظاهر المراد منه ما يفهمه الإنسان من هذه الكلمة من جهة المعنى والكيفية؛ لأنَّ القرآن أنزل بلسان عربي مبين، فلن يعقل منها إلا هذا وهذا يعني إلا هذا المعنى وهذه الكيفية.

فإذن جاء ضلالهم من جهة فهم معنى الظاهر فهموا الظاهر أنه مثل ما للمخلوق، والسبب أن الله وصف المخلوق بصفات ووصف نفسه الجليلة بصفات وما فرَّق من حيث دلالة الألفاظ بين هذا وهذا بكلام يصرف الكلام عن ظاهره، فجعلوا هذا وهذا سواء، وقوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11]، فسَّروه بغير تفسير المماثلة في الكيفية، وإنما فسروه بمنع المماثلة في تمام المعنى دون الكيفية.

الطائفة الثانية: ممن قالوا بإجراء اللفظ على ظاهره هم –يعني داخلة في القسم الأول الذين يجرون الألفاظ على ظواهرها- الطائفة الثانية ممن يجرون اللفظ على ظاهره: هم المنتسبون للحديث والسنة، فهم مجمعون على أن هذه الألفاظ يجب أن تجرى ظواهرها على الوجه اللائق بالله جل وعلا، وفهموا من كلام السلف أنه يجب إجراء الألفاظ هذه على ظواهرها والإيمان بما دل عليه ظاهر اللفظ، وقالوا ظاهر اللفظ لا يدل على الكيفية ولا يدل على تمام المعنى؛ بل ظاهر اللفظ في المخلوق ما يناسب ذاته، ظاهر اللفظ بالنسبة لجلال الله جل وعلا ما يناسب ذاته، فالمخلوق له من الصفة مثل ما لذاته، والله جل وعلا له من هذه الصفات يعني من ظاهرها ما يناسب ذاته، وذاته كاملة الكمال المطلق وصفاته كذلك، لهذا أجروا القاعدة القول في الصفات كالقول في الذات، يُحتذى فيه حذوه وينهج فيه على منواله، فكما أن إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود ومعنى لا إثبات كيفية.

والأولون -المجسمة- لم يقولوا إنَّ وجود الله جل وعلا مماثل لوجود المخلوق، ولهذا كل من خالف منهج السلف فهو ملزم بالتناقض، فإنه لابد أن يتناقض بين ما أثبت وبين ما نفى، بين ما حمل عليه الألفاظ -حمل عليه الأدلة- وبين ما لم يحمل عليه الأدلة.

المنتسبون للسلف الذين أجروا الألفاظ على ظاهرها هؤلاء ينقسمون على ثلاث طوائف:

½الطائفة الأولى: هم الحقيقون بصحة الانتساب إلى مذهب السنة والحديث، وهم الذين أثبتوا الصفات ولم يخالفوا منهج الصحابة والتابعين فيها؛ بل كان إثباتهم لها إثبات وجود وإثبات معنى على ما دل عليه اللفظ، وهذا هو مذهب أهل السنة والحديث بكل الصفات.

½والطائفة الثانية: الذين قالوا نجريها على ظواهرها، وظواهرها غير معلومة لنا، ومعنى الإجراء على ظاهرها أننا نذكر اللفظ ونسكت عن المعنى، هؤلاء هم المفوضة.

½والطائفة الثالثة: من أجروا هذه الألفاظ على ظاهرها؛ لكنهم غلوا في إجرائها على ظواهرها، بحيث فسَّروا الظواهر باللازم، فأثبتوا صفات لم ترد باللوازم، وهذا عليه طائفة من الغلاة في الإثبات من المنتسبين للحنابلة ولغيرهم، ولهذا قال شيخ الإسلام قال بعضهم: رجلان جنى عليهما أصحابهما جعفر الصادق وأحمد بن حنبل؛ فإن أصحاب جعفر -يعني الشيعة الذين انتسبوا إليه وسُموا بالجعفرية- حرفوا طريقة جعفر وكان فقيها على مذهب أهل السنة، وصرفوا ذلك ونسبوا إليه كتبا في التوحيد وفي الفقه بما يخالف ما كان عليه حقيقة، وكذلك طائفة كبيرة من أصحاب أحمد المنتسبين إليه وليسوا من فقهاء الإسلام في التوحيد وفي السنة وفي الفقه؛ بل كانوا من المنتسبين إليه ومن غير العلماء بمذهبه، غلوا في الإثبات حتى نسبوا أشياء إليه لا يصح أن تنسب إليه، فأثبتوا باللوازم الصفات، وقالوا ظاهر اللفظ لابد له من إثبات ما يلزم منه، لهذا أيدوا هذه اللوازم بالأحاديث الضعيفة الكثيرة، كما فعله طائفة من مثل أبي يعلى في كتابه إبطال التأويلات، وأشباه هؤلاء، فيجعل من لازم إثبات القدم لله جل وعلا إثبات تركب الساق عليها؛ لأن هذا هو الظاهر، ويجعل من إثبات... [انتهى الوجه الأول من الشريط الحادي عشر] وما روي ويثبتون العضد والمنكب والجنب وأمن هذا على حسب اللوازم وما أيده اللازم من أحاديث رويت في هذا فهي إما غير صحيحة وإما لها دلالة غير ما ذهبوا إليه.

المقصود من هذا أن هؤلاء أعني من أثبتوا الظاهر سواء أكانوا مجسمة أو كانوا من أهل الحديث والسنة أو كانوا من الطوائف التي ذكرنا هؤلاء الخلاف بينهم في تفسير معنى الظاهر، فتنتبه إلى أن المراد من تفسير الظاهر ما هو؟ فإذا حدد فحدد فهم هذه المذاهب.

ساق شيخ الإسلام المثالين على أن إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية، وهذان المثالان ساقهما أيضا في كتابه المعروف التدمرية، وهما: مثال الجنة وما فيها، والروح. وهما واضحان في الدلالة على ما أراده رحمه الله.

.. ولا شك هو على قاعدة الإمام مالك المتفق عليها: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول. فالاستواء غير مجهول المعنى، والكيف غير معقول. فثَم كيفٌ لكنه غير معقول، نحن لا ننفي الكيفية لكن ننفي أن تكون الكيفية ككيفية اتصاف المخلوق بالصفات، أما كيفية اتصاف الرب جل وعلا بصفاته فلا يعلمها إلا هو سبحانه. نعم.

([149])في الروح مذهبان:

الأول: مذهب الفلاسفة في الروح.

والثاني: مذهب أكثر أهل الكلام.

الفلاسفة عندهم أن الروح خُلقت في الأزل أو أنها موجودة في الأزل، وللبقاء هي، وأنها تهبط لتدخل الجسد الذي يلائمها، وأنها إذا دخلت الجسد فإنها شيء واحد لا يتجزأ؛ لا ينفك عن الجسد إلا إذا لم يصلح الجسد لبقاء الروح فيه فتنفصل، فإذا انفصلت ذهبت إلى جسد آخر أو حُفظت.

وهذا هو مذهب الفلاسفة المعروف عنهم، وعندهم أنها ملازمة لا تنفك، لا تذهب لا تجيء، شيء واحد غير منقسمة؛ لأنها إذا خرجت معناه أنها ذهبت الحياة.

وأهل الكلام -أعني أكثرهم- يقولون هي جزء من أجزاء البدن مثل [...]، ومثل [الهضم] في الإنسان ومثل حركة القلب ومثل، ومثل ما يجري في بني آدم أو في الكائنات الحية، فالروح والنفس مثل هذه الأشياء جزء من أجزائه، أيضا لا تنفك عنه.

وهذا وهذا لاشك أنهما مخالفان لما دلت عليه النصوص في شأن الروح.

قصده من هذا التمثيل: أن الروح إثباتها بالاتفاق إثبات وجود لا لإثبات كيفية، وكذلك الصفات؛ صفات الرب جل وعلا إثباتها إثبات وجود لا إثبات كيفية. نعم

([150]) عما علمناه يعني بالعقل.

([151]) (والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها القطع بالطريقة الثابتة)، بالطريقة الثانية أو الثابتة؟ ما معنى الثابتة؟ الحقيقة ما هي واضحة. بالطريقة الثابتة كأنها الثانية لكن..، هو قسّم ست أقسام والطريقة الثانية أيدها وكأنه يريد الثانية. أنتم تأملوها.

([152]) هذان القسمان المتوسطان -يعني في التقسيم- وهم الذين قالوا إن هذه لا تجرى على ظواهرها، يقولون: إن هذه الآيات والأحاديث لها معنى باطن لها معنى في الحقيقة؛ لكن المعنى ليس هو ما دل عليه الظاهر لأن الظاهر غير مراد للشارع بدلالة قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾[الشورى:11].

وهذا الظاهر لما ذهب المجسمة إلى فهم الآيات والأحاديث على ظاهرها في التجسيم فيجب أن ينفى دلالة هذا الظاهر، وهؤلاء فروا من شيء إلى غيره لأجل شناعة من أثبت الظاهر وهم المجسمة، ولو فهموا معنى كلام السلف لما عدلوا عنه إلى غيره.

في الحقيقة هذا القول الذي تبناه ابن كلاب وتبعه عليه الأشعري وجماعة.

الأشعري ومن معه لم يكونوا يعرفون حقيقة مذهب السلف، ولذلك يشكل عليه في كثير من المواضع مذهب السلف، فلا يعرفونه، ولما ساق الأشعري في كتابه مقالات الإسلاميين، ساق مذهب السلف ومذهب أهل الحديث، وقال في آخره: وبما قال به أهل الحديث أقول، وإلى ما ذهبوا إليه أذهب. إنما ساق مذهبهم إجمالا، ما ساقه على وجه التفصيل، ولما ساق مذاهب المبتدعة من أصحاب الفرق المختلفة ساقها على مذهب التفصيل، فيفصل أقوالهم في كل مسألة، وليس عنده من العلم بكلام أئمة السنة من التابعين ممن تكلموا في الصفات والأمور الغيبية، وعلماء السنة وممن أتى بعدهم، ليس عندهم من العلم بها ما يجعله يفهم مذهب السلف، وبناء على فهمه وكلامه نشأ الأشاعرة والمتكلمون في أكثر ما ذهبوا إليه، ولهذا لا يفهمون من إثبات الظاهر إلا ما عند المجسمة، هذا أصل الضلال في هذه المسألة؛ لأن الأشعري ما فهم تفاصيل كلام السلف بل ولا علمها، وإنما علم مذهبها جملة.

ولهذا لما صنف كتاب الإبانة تصنيفه له معروف وهو في الجملة مقبول؛ لكنه أيضا فيه إجمال تكلم عن كذا مسألة وأجمل قبول ما عليه الإمام أحمد بن حنبل.

لهذا نقول: إن الذين قالوا لا تجرى على ظواهرها استحضروا لإجراء الظواهر مذهب المجسمة، فأرادوا أن يفروا منه إلى ما لا إشكال فيه، فنفوا إرادة الظاهر، وهذا لاشك أنه أصل باطل في هذا الباب.

هذا منشأ الضلال عند من قال لا تجرى على ظواهرها.

ومنشأ الضلال الثاني أنهم جعلوا العقل أصلا وجعلوا النقل تابعا، وعندهم العقل هو القاضي والنقل هو الشاهد، ولهذا ما دلَّت دلالة العقل على منع اتصاف الرحمن به فإنهم يمنعونه ولو جاء في النص، ولهذا اختلفوا منهم من أثبت ثلاث صفات وهم المعتزلة، منهم من أثبت سبعا وهم الأشاعرة، ومنهم من أبت ثماني صفات وهم الماتريدية، ومنهم من أثبت خمسة عشر، ومنهم من قسم إلى صفات وجودية وسلبية ومعاني ومعنوية وأوصلوها إلى عشرين، إلى تقسيمات لهم منهم من أثبت الأحوال دون غيرها.

فهذه التقسيمات كلها راجع الخلاف فيها على أن دلالة العقل ما هي؟ فلما لم يتفقوا على دلالة العقل لم يتفقوا على ما يثبتون من الصفات، فتنظر مثلا إلى المسألة الكبيرة بين الأشاعرة والماتريدية -وكلهم في الغالب واحد؛ لكنهم اختلفوا في شيء وأربعين مسألة بعضها من جليل المسائل وبعضها من دقيقه فاختلفوا في إثبات الصفات فقال الأشاعرة بإثبات سبع وزاد الماتريدية صفة ثامنة وهي صفة التكوين، وقالوا صفة التكوين يعني أنه سبحانه هو الذي يكون الأشياء فيخلق ويصوِّر ويبرأ بقوله كن فيكون ففهموا من قوله ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾[الحشر:24] صفة التكوين وأنه سبحانه ينشئ ما قدر وما خلق وصور بقوله كن، وكل ما يلزم لتكوين المخلوق هو داخل في ذلك فيحدثونه بأصل الصفات، وهذا الفرق بينهما لأجل أن دلالة العقل لا تمنع، فلابد بصفة خاصة بالتكوين، أما الصفات الأخرى السمع والبصر والكلام والإرادة والحياة والقدرة إلى آخر السبع -إذا كنا نسينا منها شيء- هذه لا تكفي هناك خلق، فأين صفاته؟

فإذن تجد أن الخلاف في الدلالة العقلية، وهذا مما تمسكوا به في تأويل أو تحريف كل الأسماء والصفات.

والدلالة العقلية عندهم على نوعين:

الأول: دلالة عقلية ملازمة دائمة، وهذه هي امتناع مماثلة الله جل وعلا للمخلوق، و امتناع مشابهة، فهذه تجري عندهم في كل الصفة، امتناع المشابهة وامتناع المماثلة، هذه الدلالة العقلية تجعلهم ينفون يقولون هذه الآيات في الصفات ليست على ظاهرها.

والدلالة الثانية: العقلية ليست عامة، وإنما هي خاصة لفظية.

والأول هو المدعى في التأويل.

والثاني هو المدعى في المجاز.

فيقولون مثلا استوى بمعنى استولى، لأنه لا يُعقل من الاستواء استواء المخلوق، وهذا منفي عن الله؛ لأن الله ليس كمثله شيء أو لأن الله لا يشبه المخلوقين فيحيلون عن الدلالة العامة، وكل مسألة أوَّلوا وأحالوا فيها على التأويل، فهو إحالة على الدلالة العقلية العامة؛ لأن التأويل عندهم صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى غيره لقرينة، والقرينة هذه الحقيقة القرينة والعقلية العامة.

والثاني هي الدلالة العقلية الخاصة، وهي الدلالة اللفظية في المجاز فيما ادعوا فيه من الألفاظ أنه مراد به المجاز، وأنه ليس في وضعه الأول بل هو في وضعه الثاني.

وهو مختلف باختلاف الصفات، يقولون الرحمة مثلا إرادة الإنعام هذا تأويل، وإذا قالوا الرحمة هي الإنعام هذا مجاز، فإذا أحالوها صفة من الصفات السبع التي أثبتوها صار تأويلا، وإذا قالوا الرحمة هي النعمة ، مجاز عن النعمة، اليد مجاز عن القدرة وهكذا فهذا يكون مجازا؛ لأنه صار مرجعه إلى اللفظ يعني إلى الدلالة العقلية اللفظية.

وباقي الأقسام يعني فيها غموض ما نطيل الكلام فيها، أعني من قالوا أننا لا نعلم، المراد البتة هؤلاء هم أهل التجهيل، أو قالوا المراد خفي قد يكون هذا قد يكون هذا أيضا هؤلاء يدخلون في قسم أهل التجهيل.

هذا الموضع فيه تفصيل له في أول درء التعارض، في أول درء تعارض العقل والنقل فصّل وأطال شيخ الإسلام لما ذكر مذاهب الناس في الصفات وقسمهم إلى أهل الوهم والتخييل وإلى أهل التجهيل الذين يقولون نجهل المعنى أو الذين صرفوها؛ يعني الأقسام الأربعة الأخيرة.

([153])يتوهم من المقالات المأخوذة تقليدًا، يتوهّم إيش؟ تأويلا لمعظمه؛ لأنه الآن يأخذ الأشياء بالتقليد ما يعرف ووش وراها، انخدع بالألفاظ يعني المتكلمون والضلال وضعوا اصطلاحات وضعوا ألفاظا توهم الناظر فيها أن وراءها علم لا يدركه إلا الخاصة لا يدركه إلا العلماء لا يدركه إلا الأئمة إلى آخره، إنما يؤخذ تقليدا، فتورث هذه الألفاظ تقليدا لهم؛ لأنها تعزل الناظر عن البرهان، فإذا قلدهم فيها أورثته تعظيما لمعظمه وتأويلا لمعظمه. العبارة ماشية صحيحة.

([154]) بعين القدر يعني ما قدر الله عليهم من الضلال وعدم إدراك الهدى والحيرة التي يتخبطون فيها، فانظرهم بعين القدر ترحمهم، وأنظرهم بعين الشرع تبغضهم والله المستعان.

([155]) هذه الجملة من الكلام سمعنا فيها كلام شيخ الإسلام رحمه الله، وهي حرية منك بإعادة النظر وإمعانه في هذا الموطن؛ لأن الناظر في نصوص الكتاب والسنة وفي كلام السلف يُخشى عليه من شيئين:

الأول: يخشى عليه من الغلو في فهمها أو أن يسيطر عليه الشبهة فلا يفهم النصوص كما ينبغي، وهذا وقع فيه طائفة بل طوائف من هذه الأمة.

والثانية: أن يمل من الرجوع إلى النصوص بما دلت عليه وإلى طريقة السلف، ويذهب إلى غير هذا النفي وهذه الطريقة مللا، وهذه من مكايد الشيطان أنه يُمِلُّه من هذا ويقول ما عند الآخرين فيه علم وفيه تفصيل فيعرض عن معرفة تفاصيل كلام السلف وشرحهم وبيانهم للآيات والأحاديث في هذا الباب باب العقيدة والاعتقاد في صفات الله وأسمائه وغير ذلك من أركان الإيمان، فيقبل على ما عند العقلانيين من المتكلمين والمبتدعة والضلال، فإذا نظر في كلامهم رأى في كلامهم عجبا من جهة تنوع الألفاظ وتجددها وكثرة المصطلحات، وهذه قد تغري الناظر بأن وراءها علما، وإنما وراءها كما قال شيخ الإسلام سراب لا العلم فكل الكلام والفلسفة فيه حريق وظلمة حريق للإيمان وظلمة للقلوب، وزخرفوها بالألفاظ والاصطلاحات حتى غدت عجيبة في كثرة ما يوردون وما زعموا أن طريقتهم برهانية صحيحة، فالواقع أن طريقتهم عقلية مخالفة لطريقة السلف والاعتماد على ما جاء في الكتاب والسنة.

فإذن تنتبه على أن أصل الضلال هو الذهاب إلى أحد الطريقين:

الطريق الأول: وهو أن يغلو العبد في النصوص وأن يُحَمَّلَها ما لا تحتمل أو أن تسيطر عليها الشبه فيها ولا يعلم ما دلت عليه علم الحق واليقين.

والثاني: أنه يخشى عليه من الملل؛ الملل من قراءة كتب السنة والحديث والتوحيد على طريقة السلف فيذهب إلى غيرها فيحصل عنده أولا إعجاب ثم بعد ذلك تحصل عنده شبهة ثم بعد ذلك يحصل عنده بدايات الانحراف والضلال ولهذا قال من قال من السلف: لا تصغي إلى ذي هوى بأذنيك فإنك لا تدري ما يوحي إليك.

ولا شك أنَّ كلام المتبعين للسلف قليل كثير الفائدة وأن كلام غيرهم كثير قليل الفائدة إن لم يكن كثيرٌ كثيرَ المضرة.

والمتكلمون أقل كلاما من الفلاسفة والفلاسفة أكثر كلاما من المتكلمين وكل له نصيبه من الضلال عن منهج السلف.

فإذن الواجب علينا أن نضرع إلى الله جل وعلا دائما في أن يرينا الحق حقا، وأن يمنَّ علينا باتباعه في المسائل العظيمة وفي المسائل التي قد تبدو غير عظيمة.

فلنضرع دائما إلى الله في أن يلهمنا الحق وأن يرينا الحق حقا وأن يمن علينا باتباعه.

وأن نضرع إلى الله دائما أن يهدينا طريق عباده المتقين الذين رضيهم ورضي عنهم سبحانه وتعالى، ووصفهم الرب بقوله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا(66)وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا(67)وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا(68)وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا(69)ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾[النساء:66-70].

إذا كان كذلك، فالاهتمام بطريقة السلف لا تنتهي، لا يقول طالب العلم أنا عرفت طريقة السلف عرفت مذهب السلف أريد أن أعرف ما عند أهل الفرق أريد أن أعرف ما عند المتكلمين، ونحو ذلك، فيأتيه النقص والضلال من هذا.

فكلام أهل العلم في الاعتقاد ينسى إذا ما حافظ عليه العبد بالترداد والقراءة، والرجوع على الأصول التي تعلمها بين حين وحين، وإذا تركه واقبل على غيره صار جناية على ما سبق أن تعلمه وانتفع به من كلام أئمة أهل الحق والدين.

أسأل الله سبحانه أن يرفع درجة شيخ الإسلام ابن تيمية، وأن يجزيه عن الموحدين خير الجزاء، فإن في عنق كل موحد ومتبع للسلف في عنقه لشيخ الإسلام رحمه الله منة، ولشيخ الإسلام علينا منة، فيجب علينا أن نسأل الله جل وعلا له دائما رفعة الدرجات وأن يجعله ربنا مع الصديقين ومع أهل المقامات العالية والدرجات الرفيعة.

وأسأله سبحانه أن يمكن في قلوبنا العلم النافع، وأن يثبت ما تعلمنا منه يعني من كتب شيخ الإسلام في قلوبنا، وأن يمن علينا بالدعوة إلى ذلك وبتعليمه وبالصبر عليه، فإن في ذلك الفائدة العظيمة لنا في الدنيا والأخرى.

اللهم فثبتنا وتقبل منا.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.