القِمَارُ وصُوَرُهُ المُحَرَّمَة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدا كما ينبغي بجلال وجهه وعظيم سلطانه، }الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا(1)قَيِّمًا{[الكهف:1-2]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. أما بعد:

فأسأل الله جل وعلا أن يمنحني وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا ممن تفقّه في الدين، وعُلِّمَ الشريعة، كما أسأله سبحانه أن يُعيننا فإنه لا حول ولا قوة لنا إلا به، اللهم فأعننا على أمر ديننا ودنيانا، وامنحنا البصيرة في الدين، والفقه في الشريعة، واجعلنا من نقلة العلم وحملته ومحصليه.

ثُم إن هذه المحاضرات التي تقام في هذا الجامع المبارك، متميّزة في موضوعها؛ حيثُ إنها تُعنى بقه المعاملات، وببعض المسائل المتصلة بذلك، وفقه المعاملات واسع، وقاعدة الشريعة:

¨ أن العبادات الأصل فيها التوقيف، فلا تشرع عبادة إلا بدليل.

¨ وأن المعاملات الأصل فيها الحل فلا تحرم منها معاملة إلا بدليل.

فلهذا من محاسن هذه الشريعة المباركة؛ شريعة الإسلام، أنّ باب المعاملات فيها باب واسع يسع حاجات الناس، مهما اختلفت صفاتهم، ومهما اختلفت أحوالهم، ومهما بعد زمانهم عن زمان النبوة، ومن محاسن هذه الشريعة أن جعلت الأصل في المعاملات الإباحة، إلا ما حرم بدليل من الشريعة، ولهذا تجد أن المحرم في المعاملات قليل بالنسبة إلى كَثرة المباح من ذلك، فصور البيوع أكثرُها مباح، وصور الإجارة أكثرها مباح، وصور الشركات أكثرها مباح، والكفالة، والضمان، إلى غير ذلك، إلى أن تَفِي إلى آخر أبواب المعاملات تجد أن الكثرة الكاثرة منها معاملات مباحة باتفاق أهل العلم أو بالقول الصحيح من المحققين من أهل العلم، وأما المحرم فإنه قليل، ولهذا يجتهد أهل العلم في أن يجعلوا المحرمات في المعاملات تخضع لقواعد معلومة، وبرعاية هذه القواعد يمكن حصر المحرمات بالمعاملات.

فإذن المعاملات أنواعها كثيرة، وصورها متعددة، وثَم قواعد محدودة يمكن أن يفهمها طالب العلم، ثُم بعد ذلك يندرج تحت تلك القواعد فروع متعددة بالنسبة لاختلاف الصور.

لهذا نقول إنّه من حيث تأصيل طالب العلم في فهم المعاملات أن يُعنى:

Éبادئ ذي بدء بفهم القواعد العامة التي تنبني عليها المعاملات.

Éثم يفهم القواعد العامة التي ينبني عليها ما حرم من المعاملات.

ولهذا نجد أن أهل العلم ذكروا أن المحرم من المعاملات من حيث التقعيد يمكن أن يندرج تحت ثلاث قواعد، أو تحت أربع قواعد، ومن هذه القواعد التي يندرج تحتها ما حُرِّم من المعاملات قاعدة الميسر والقمار والغرر ونحو ذلك، وهذه القاعدة هي التي لبيانها تُنشأ هذه المحاضرة، واعتنى بها من نظّم لهذه المحاضرات، فله منها الشكر الجزيل، ونسأل الله له ولمن أعانه على تنظيم هذه المحاضرات التوفيق والسداد، وأن يجزيهم الله عني وعن المستمعين خير الجزاء.

نقول إنّ المحرمات في المعاملات في هذه الشريعة محدودة؛ فثَمّ قاعدة الربا وما يحرم من المعاملات لأجل أنه ربوي، وهذا له محاضرة ربما في هذه السلسلة من المحاضرات، وما نختص بالحديث عنه هو قاعدة الميسر والقمار ومن المعلوم أن هذا الموضوع مهم لأن هذا الموضوع ألا وهو الميسر والقمار -وسيأتيك الفرق ما بين القمار والميسر إن شاء الله تعالى- هذا الموضوع نادر من كَتَبَ فيه من علماء الشريعة وكَتَبَ فيه كتابات محررة، بل تجد أن الكلام الشرعي فيه متفرق بين كتب كثيرة، ولا تكاد تجمع صورا واضحة جدا إلا بمزيد تحقيق ونظر؛ وذلك لغموض هذه المسألة بعض الشيء على كثير ممن كتب، لهذا نقول أن المؤلفات في الربا تجد أنها عشرات، ولكن المؤلفات في الميسر والقمار تجد أنها نوادر، حتى لا تكاد تجد منها ما هو بعدد أصابع اليد الواحدة مما فيه تحقيق أو تحرير.

لهذا نقول الموضوع مهم أن يعتني به طالب العلم، ومن أوجه أهمية هذا الموضوع ما تراه في فتاوى أهل العلم المحققين من علمائنا -حفظهم الله تعالى ووفقهم لكل خير- من تعليل كثير من فتاواهم من المسائل المعاصرة بأن هذا من القمار، وهذا من الميسر، أو يقولون أن هذا محرم لأنه غرر، وهذا التعليل واضح عندهم؛ لأن صورة القمار، صورة الميسر، صورة الغرر، واضحة عندهم، فلابد لطالب العلم المتلقي للفتوى حتى يشرح للناس معنى ذلك أن تكون صورة القمار والميسر والغرر والرهان والمغالبات إلى آخره، أن تكون صور هذه المسائل واضحة عنده، وذلك لأن كلام أهل العلم يعلل في التحريم في بعض المسائل المعاصرة، وبعض الفتاوى التي يجيبون فيها عمن سأل عن بعض الواقع، يجيبون أنها من الميسر أو من القمار، فلهذا ينبغي الاهتمام بهذا الموضوع، وهذه بعض أوجه أهميته وطالب العلم أيضا من اهتمامه بالشريعة يهتم بما جاء في الشريعة، ومما جاء ذكر الميسر، وذكر الغرر، وذكر القمار، في النص، قد قال جل وعلا }يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا{[البقرة:219]، إذن ذكر الميسر موجود وذكر القمار موجود كما في الحديث «من قال لصاحبه تعالى أقامرك فليتصدق» وكذلك الغرر كما روى مسلم في الصحيح عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام «نهى عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ, وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» .

فإذن إذا كانت هذه الألفاظ موجودة في الشريعة وجُعلت قواعد فيما حرم -كما ذكرت لك- أنّ المعاملات ثَم قواعد تضبط المحرمات فيها؛ لأنها قليلة -أي المحرمات في المعاملات-، فإذن لا بد من فقه هذه الألفاظ، ولابد أيضا لطالب العلم حتى يفقه الأحكام الشرعية القمار والميسر والغرر أن يعرف ما كان عليه أهل الجاهلية من الحال فيما يتعاطونه من القمار والميسر، وأن يعلم لما سموا الميسر ميسرا، ولما سموا القمار قمارا، فإذا عرف ذلك تيسر له الربط بين ما حرم في الشريعة وبين ما كان عليه أهل الجاهلية، أيضا مما ينبغي تعاهده وتعلمه أن يعلم طالب العلم أن الشريعة منوطة في أحكامها بمقاصد؛ فتحريم ما حُرِّم مرتبط بمقاصد في الشريعة، ولهذا الذي ينظر في المسائل العصرية المعاصرة الواقعة أو يعتني بالنوازل لابد له أن يفقه أشياء:

Áأولا: أن يفقه كلام العلماء فيما أوردوه في كتب الفقهاء بالدقة؛ يفهم كلام العلماء فيما أوردوه في كتبهم الفقهية بالدقة حتى تتميز له صور المسائل؛ هذا أولا.

Áوالثاني: أن يعلم النصوص التي جاء فيها ذكر المسائل؛ نصوص الشريعة في القمار، نصوص الشريعة في الميسر، نصوص الشريعة في الغرر، نصوص الشريعة في الربا، إلى غير ذلك من الوقائع والقضايا المختلفة.

Áالأمر الثالث: أن يعلم اللغة التي انبنى عليها الاصطلاح الشرعي في التعبير عن تلك المسائل، وفهم اللغة مهم لطالب العلم؛ لأنه بفهم اللغة يعلم حدود ما يدخل في اللفظ الشرعي، أم ضيق ما يدخل في اللفظ الشرعي، فالألفاظ الشرعية تستوعب الألسنة والأمكنة، أما نصوص الفقهاء ونصوص العلماء فهي تطبيق للنصوص على ما عرفوه في زمانهم، ولذلك كلما كان طالب العلم، بل كلما كان العالم أحذق بالنصوص وأعرف بدلالات الألفاظ الشرعية التي جاءت في النصوص -مع فهمه لكلام العلماء- كانت فتواه أقرب للصواب، بل كانت فتواه أصوب؛ لأنه ينزل دلالات النصوص على الواقع المختلف، وكلام العلماء والفقهاء هذا منوط بالزمن، وأما كلام الشارع في القرآن وفي السنة هذا صالح لكل الأزمنة ولكل الأمكنة.

Áالأمر الرابع: أن يعلم طالب العلم ما يسميه أهل الفقه الجمْع والفرْق، يعني القواعد التي تجمع المسائل والفروق بين المسائل، فإن في معرفة علم الجمع والفرق ما يجعل لطالب العلم ملكة في الاجتهاد في هذه المسائل المعاصرة، والواقع الذي يتجدد كما ترون باليوم، وتكثر الوقائع والأحوال في مسائل كلما نصبح أستخفي على صورة جديدة من صور المال، أو صور المعاملات، أو إلى آخر ما يجرى به الزمان وينقل لنا من بلاد كثيرة.

Áالأمر الخامس: الذي ينبغي للعالم أو طالب العلم أن يعتني به حتى يفقه النوازل أن يكون ذا علم بمقاصد الشريعة، ومقاصد الشريعة؛ معلوم أنّ مقاصد الشريعة علم مستقل مهم، فالشريعة بُنيت على:

¨ مقاصد تُحقَّق في العبادات.

¨ مقاصد تُحقّق في المعاملات ككل.

¨ ومقاصد تُحقّق فيما أبيح من المعاملات.

¨ ومقاصد تتحقق فيما حرم من المعاملات.

فإذن الشريعة لها مقاصد، والله جل وعلا جعل الأحكام منوطة بعلل، وهذه العلل قد تكون علل قياسية، وقد تكون حكما ومصالح يرعاها العباد، ولهذا يقول العلماء في القاعدة المشهورة المعروفة الشريعة ”جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها.“

إذا تبين لك ذلك فإن الكلام في مسائل المعاملات وما استجد منها وتوضيح الصورة فيها مُنْبَنٍ على هذه الأصول الخمسة:

v فلا بد من معرفة كلام العلماء والفقهاء وشراح الأحاديث.

v لابد من معرفة نصوص الكتاب والسنة فيما أتى من هذه الألفاظ.

v لابد من فهم اللغة.

v لابد من فهم القواعد؛ لابد من فهم الجمع والفرق.

v لابد من فهم مقاصد الشريعة فيما يعانيه المرء في المسائل.

وإذا فات المرء بعض هذه الأشياء وجد أنه قاصر عن فهم الشريعة كما ينبغي أن تفهم عليه.

هذه المقدمة مهمة حتى يتبين لك أن الموضوع هذا ليس موضوعا سهلا، أعني الكلام في مثل هذه القواعد العظيمة، كقاعدة الربا، كقاعدة الميسر والقمار، وكقاعدة الغرر وأشباه ذلك.

الميسر -وهو موضوع هذه المحاضرة- والقمار جاء في القرآن تحريمه متدرجا؛ فنُهي عنه في أول الأمر ونُبِّه على بشاعته، ثم بعد ذلك نزل تحريمه، قال جل وعلا في سورة البقرة } يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا{[البقرة:219]، وقال جل وعلا في سورة المائدة}إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(90)إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ{[المائدة:90-91]، ففي الآية الأولى بين جل وعلا فيها نفع، ولكن إثمها كبير (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما) فيها منفعة؛ فيها منفعة اقتصادية بعض الشيء لمن يكسب، فيها منافع في إدارة المال من غير تعب ولا كد، في الميسر منافع فيما يكون من إفادة بعض المحتاجين في بعض صوره التي كانت في الجاهلية، نعم فيها منافع للفقراء؛ لأن بعض صور الميسر كانت لنفع الفقراء عند أهل الجاهلية؛ لكن إِثْمُهَا (أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما)، فإثم الميسر أكبر لما؟ لأن الميسر فيه قعود عن العمل، والشريعة جاءت بحثّ الناس على العمل، وعلى الانتشاط، وعلى تقوية الأمة، وأما الميسر فهو انتقال للمال من غير كد ولا تعب؛ يعني في بعض صوره، أو نقول القمار انتقال للمال من غير كد ولا تعب، وذلك لا يهيئ ما تطلبه الشريعة من تقوية الأمة وانتشار الناس وتنمية أنواع الصناعات، وتقوية الأمة بما فيه إعداد للقوة، كذلك فيهما إثم لأن مبنى الميسر على أكل أموال الناس بالباطل، والشريعة جاءت بحفظ المال، وجاءت بدفع الظلم، والله جل وعلا أمر بالقسط، وحرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرما، وكل مسألة فيها ظلم فهي محرمة في الشريعة، ثم قال جل وعلا في سورة المائدة (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ) رجس يعني خبيث، يعني أن هذه خبيثة فالميسر من ضمنها فهو خبيث، ثم وصفه بوصف ثاني فقال (مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) وكونه من عمل الشيطان هذا مما يوجب على المؤمن أن يبتعد عنه؛ لأجل أنه وصف بكونه من عمل الشيطان، لهذا قال العلماء دلت آية المائدة على تحريم ما ذكر فيها من الخمر والميسر بعدة أوجه من التحريم منها:

أنه وصفه بأنه رجس.

والثاني وصفه بأنه من عمل الشيطان.

والثالث أمر باجتنابه فقال (فَاجْتَنِبُوهُ) هذا أمر، ثم قال في آخرها (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ) يعني انتهوا في قول كثير من أهل التفسير، وقال بعضهم قوله (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ) أورده مورد السؤال لأنه أبلغ من الأمر المباشر، كما هي القاعدة المقررة عند اللغويين والبلاغيين في الفرق ما بين التعبير في الأمر ما بين الخبر و ما بين الأمر المباشر؛ فالخبر والاستفهام فيه بما يراد به الأمر إذا عُدل عن الأمر إليه فإنه يدل على أنه أبلغ وأشد في الأمر به.

إذن نفهم من هذا أن الميسر محرم قطعا، والميسر كان عملا تتعامل به الجاهلية، والناس في الجاهلية يتعاملون بأنواع من المعاملات التي حرمت في الشريعة ومنها الميسر، والميسر عندهم كانت له صفات متعددة:

¨ كانوا يتعاملون بالميسر والقمار في المغالبات والرِّهان.

¨ وكانوا يتعاملون بالميسر في المعاملات.

ولهذا قال سعيد بن المسيب لما رواه مالك في الموطأ (كان من ميسر أهل الجاهلية بيع الحيوان في اللحم وبالشاة والشاتين).

إذن فعندنا أهل الجاهلية كان الميسر فيهم على نوعين:

1. ميسر في المغالبات والرهان والمسابقات.

2. والنوع الثاني ميسر في المعاملات.

ولهذا قال علماؤنا إن الميسر الذي حَرَّمته الشريعة في نوعين: ميسر في المغالبات والرهان، وميسر في المعاملات، ويأتي مزيد بسط لهذه الكلمة.

كان من أغراض أهل الجاهلية في الميسر:

· أنه يفتخر بعضهم على بعض هذا واحد.

· من أغراضهم أنهم إذا أرادوا أن يتصدقوا لعبوا بالميسر وبالقداح حتى يخرج من له الفضل في التصدق إذا نحروا جَزورا ونحو ذلك، فكانت فائدة الميسر عندهم في بعض صوره للمساكين؛ يتبارون من يتصدق على المساكين بهذا الجزور المشترك، ولهذا يسمى الجازِر ياسر، ويسمى الجَزور يعني الجمل إذا ذُبح، يسمى أيضا ميسر تسمية للشيء باسم الفعل الذي منه.

وسبب اشتقاقهم هذه الكلمة من الفعل الذي فعلوه كلمة (ميسر)، العلماء اختلفوا فيها قالوا إنها مصدر ميمي كالموعد؛ ميسر والموعد من يسر توعد، ميسرا وموعدا، ومعنى الميسر هنا أنه من اليُسر؛ لأنه يحفظ المال بيسر، أو من اليَسَار لأنه يغتني بهذا الفعل، المقصود أن الميسر فيه من حيث اشتقاق اللغة:

¨ أنه كسب للمال بلا تعب.

¨ والثاني أن الميسر كسب للمال وسبب للغنى ولذلك سمي ميسرا.

إذا تبين ذلك، فهنا سؤال مهم وهو: ما الفرق بين الميسر والقمار؟

هذه كلمة تعمل كثيرا ميسر ومن القمار، العلماء اختلفوا في ذلك اختلافا كبيرا، والحاصل أن لهم قولين في ذلك:

1. الأول: أنّ الميسر والقمار مترادفان؛ فكما أن الميسر يكون في المعاوضات المالية، وغير المعاوضات المالية، فكذلك القمار يكون عن عوض المال، وعن غير عوض المال.

2. وقال آخرون: لا؛ الميسر ثَم فرق بينه وبين القمار في نوعه:

b فإن القمار: مغالبة ومخاطرة -كما سيأتي تفصيل المعنى- مغالبة ومخاطرة فيها المال.

b وأما الميسر: فإنه يشمل كل أنواع المخاطرة بالتعريف الذي سيأتي، مما يكون معاوضة، أو يكون رِهانا، أو يكون معاملة، ولهذا –كما ذكرت لك- قد يكون في الميسر مقابلة المال، وقد لا يكون، ولهذا قال الإمام ابن القيم رحمه الله تبعا لشيخ الإسلام ابن تيمية قال: ”السلف كانوا يعبِّرون بالميسر عن كل ما فيه مخاطرة محرمة، ولم يشترطوا المال في الميسر“، وهذا كما قال الإمام مالك الميسر نوعان: ميسر لهو وميسر مال.

إذا تبين لك ذلك، يظهر أن الميْسر يختلف عن القمار –كما ذكرت لك- من أن القمار ما فيه مخاطرة وغرر المال وأما الميسر فأعم من ذلك.

فإذن الميسر عام والقمار بعض صوره أو أحد شقيه عند أكثر أهل العلم.

ما هو الميسر؟ وما هو القمار؟

الميسر: حقيقته الشرعية أنّ القمار –القمار أحد صور الميسر- نقول الميسر –كتعريف عام ثم نأتي للقمار- الميسر يشمل كل معاملة يدخل فيها المتعامل مع التردد فيها لا يدري، مع التردد فيها، لا يدري هل يغنم أو يغرم.

فإذن ضابط الميسر أنه دخول في معاملة مع جهالة الحصول؛ هل يحصل على ربح فيها، أو يحصل على الشيء أو لا يحصل.

وفرق بين هذا وبين التجارة؛ لأن التجارة فيها تحصيل سلعة، أما الميسر لا يدري هل يذهب ماله بعوض يأتيه، أو لا؛ يذهب ماله ويأتيه الغل.

إذن فكل معاملة دار الأمر فيها في المتعامل مابين تردد –حين دخل- تردد بين غرمه وغنمه فإنها من الميسر، فإن كان غنمه وغرمه ماليا صارت المعاملة قمارا، يوضح ذلك مثال: لو –يعني يُفرق بينه وبين التجارة والميسر والقمار-أراد أن يشتري سلعة وهو يرد أن يبيعها، هذه السلعة أراد منها الربح، فاشتراها فحصلت له السلعة، هنا فيه مخاطرة هل يَربح أو لا يربح؟ لكن هذه الخاطرة لم يمنع منها الشرع؛ لأنه ما من أحد يشتري شيئا ليربح، إلا وقد يربح وقد لا يربح؟ ولهذا قال المحققون من أهل العلم: إنّ الشريعة لم تأتِ بنفي أو تحريم كل نوع من أنواع المخاطرة. بل لا تصلح المعاملات إلا بنوع من المخاطرة، لكن هنا المخاطرة أنواع، فإذا كانت المخاطرة في الربح هل يربح أم لا؟ فهذا لم تحرِّمه الشريعة، لأن الشاري تحصّل على السلعة، فإذن هو دخل في المعاملة، وقد تحصّل على سلعة. هذه صورة تجارة فيها مخاطرة ولكنها مخاطرة لم تحرم.

نأتي إلى صورة الميسر، الميسر معاملة دخل فيها لا يدري هل يغنم أم يغرم؟ هل يحصل على شيء أم لا يحصل على شيء ألبتة؟ ومعلوم أنّ أي متعامل بأي نوع من أنواع التعامل يريد أن يكسب لنفسه شيئا، فهو يدفع مالا في مقابل، أو يدفع عملا وجهدا في مقابل، فإذا كان يدفع ويعمل بشيء وهو لا يدري هل يحصل له أم لا يحصل له، وذاك الآخر هو الذي يستفيد، فإنه يعد ذلك ميسرا؛ لأن حقيقة الميسر ما تردِّد فيه بين الحصول وعدم الحصول، ما تردد عيه بين الغرم والغنم.

والثالث القمار وهو التردد الحاصل بالمال مثل ما يحصل الآن من –يعني في بعض الصّور- من أنّ الشخص يشتري شيئا؛ يشتري ورقة كوبون، أو يسمونها في بعض البلاد اليانصيب، أو عندنا كوبونات مسابقات إلى غيره يشتريها بسعر غال مثلا يشتريها بمائة، وهذه المائة يدفعها وهو لا يدري هل يحصل على الجائزة أم لا يحصل؟ هل يحصل على مردود أم لا يحصل؟ فإذن حقيقة الميسر ونوعه؛ القمار في هذه واضحة من أنه بذل هذا المال، وهو لا يدري هل يحصل على مقابل أو لا يحصل؟ يُنظر هنا إلى هذا البذل للمال هل هو قليل فيغتفر، أو هو كثير فلا يُغْتَفر.

ومن المعلوم أن الشريعة جاءت بالتفريق ما بين قاعدة الغرر والجهالة:

فالغرر: هو تردد في الحصول على شيء.

وأمّا الجهالة: فالشيء موجود، ولكن تُجهل أحد أوصافه، أو يُجهل حاله، أو تُجهل هيئته، أو نحو ذلك.

والغرر منقسم في الأحكام الشرعية إلى ثلاثة أقسام:

1. غرر كثير نُهي عنه، كما في حديث أبي هريرة «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ, وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ».

2. وغرر قليل اغتفرته الشريعة؛ كالغرر فيما اشتريت بيتا، ما تدري عن أساسه هل هو جيد أم ليس بجيد؟ اشتريت مثلا شيئا تلبسه، ما تدري داخل هذه الجبة مثلا أو الفروة، هل ما في داخلها من القطن أو المادة هو جيد أو ليس بجيد؟ يعني ثَمّ شيء من الغرر مغتفر، هذا لا بد منه؛ لأنه ليس من شرط البيع أن تتضح جميع الأحوال على التفصيل، فهذه أنواع من الغرر والمخاطرة معفو عنها.

3. والنوع الثالث غرر متوفِّق؛ ليس بالضخم الكبير، وليس بالقليل، وهذا النوع من الغرر هو الذي اختلفت فيه أنظار أهل العلم، هل يُعفى عنه أو لا يعفى عنه؟ ومن صوره المعاصرة -لهذا الغرر المتوفِّق- ما ذكرته لك من أنواع المسابقات الذي دفع المائة هذه، أو التأمين التجاري؛ بأنّ (ألف أ) من الناس يدفع مائة كل سنة، حتى إذا حصل على سيارته شيء، أو بيته شيء، تُصلَّح له مجانا، وقد يكون بآلاف مألفة، و(باء ب) يدفع مائة، إلى آخره، كل الناس يدفعون –يعني من اشترك- ثم المستفيد من هذه المعاملة قليل، فنظر ناظرون في ذلك: هل هذا من الغرر الكبير؟ أو من الغرر المتوسط؟

¨ ومن أباحه -وهم قليل من العلماء-؛ من أباح التأمين التجاري قال إنّ الذي يبذله المرء قليل في مقابلة ما سيحصل له هو غرر يسير؛ يعني مائة ريال ما تهمك كثيرا، مائتين ريال ما تهمك كثيرا في مقابلة ما سيأتيك من الفائدة.

¨ ومن نظر إلى مجموع الناس، وما يحصل للشركة من الفائدة، قال إن الغرر كبير؛ لأنهم جمعوا عشرات الملايين، أو مئات الملايين، والذي بذلوه للناس في مقابلة ذلك ملايين محدودة؛ يعني أنهم استفادوا من غير كد منهم ولا تعب؛ استفادوا مبالغ كبيرة جدا -مئات الملايين في بعض الأحوال، أو أكثر للشركات الكبيرة- والمبذول هو من الناس، فيكون الذي بذلوه وصلّحوا به ما صلحوا، أو ضمنوا به ما ضمنوا، يكون قليلا في مقابلة ذلك.

وإذا تقرر هذا، فإن نظر المجتهد من أهل العلم ينظر لا إلى الفرد من الناس، بل ينظر إلى حماية الناس جميعا؛ لأن الشريعة جاءت لحماية أموال الناس، كما هو معلوم فإن الكليات التي حافظت عليها الشريعة خمس، ومنها المحافظة على المال؛ مال الفرد وأيضا مال الجماعة، فهذا المال الوفير الذي أخذته شركات التأمين مثلا في مقابلة فائدة أناس قليلين، هذا غرر كبير جدا؛ لأنهم يحصدون مائتين مليون، ثلاثمائة مليون، والذي أنفقوه خمسين مليون مثلا في السنة في بعض أحوال الشركات.

إذا تبين ذلك هنا، إذن في مسألة الغرر المتوفق يكون ثم خلاف بين أهل العلم.

نأخذ الآن مقارنة لك ما بين الغرر والميسر:

الغرر نوع من أنواع الميسر، فالميسر أعم من الغرر، فالغرر يدخل في المعاملات؛ يعني في المعاملات والمعاوضات، والميسر عام يشمل ذلك ويشمل غيره، لهذا عدّ السلف أنواع كثيرة من اللهو الباطل، عدوها من الميسر لأجل ما فيها من مشابهة أهل الجاهلية في ذلك، ولم يعدوها غررا لأنها ليست معاوضة.

فإذن الغرر قد يكون في المعاملات؛ يعني في أنواع التعامل في البيع، في الإجارة، في الشركات، في أنواع الأبواب الفقهية؛ يعني في المعاملات.

أما الميسر فيشمل كل معاملة تُرِدِّدَ فيها هل تحصل أم لا تحصل، والغرر أيضا إذا كان فيه معاملة فينطبق على ذلك، فالميسر يدخل في المسابقات والرِّهان.

وأما الغرر فلا يدخل في المسابقات والرهان، ولهذا نقول مثلا في المسابقات نقول هذه قمار، ولا نقول غرر لأن –مع أن بعض أهل العلم يعبر عنها بالغرر لكنها غرر بمعنى، وهي بالمعنى أكثر إذا كانت مالية قمارا وميسرا- نقول إذن إن الميسر كما ذكرت لك نوعان: نوع في المغالبات والرهان، ونوع في المعاملات. والميسر الذي في المعاملات هو الغرر، ولهذا كل بيع فيه غرر فيدخل باسم الميسر في الاسم الواسع، وأما المغالبات والرهان فهذا يدخل فيه أحوال كثيرة، مثل مل هو معروف عند الناس، تقول أراهنك على كذا وكذا، يعني بشيء يحصل أو لا يحصل، أو نعمل كذا وكذا بالمراهنة، هذا يدفع مبلغ وذاك الثاني يدفع مبلغ، وأيهما فعل أو سبق صاحبه فإنه يكون الآخذ للمال؛ يعني مال الآخر. معلوم أن هذه المغالبة هي أخذ للمال بغير وجه حق، ولهذا نهت الشريعة عن كل أنواع المسابقة والمغالبة والرهان إلا ما كان فيه نصرة للدين وفيه جهاد، لهذا صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال «لا سَبَقَ إلاّ في خُف أوْ نَصْلٍ أوْ حَافِرٍ» لأنّ الخف والنصل والحافر هذه فيها إعداد للجهاد؛ يعني لا عِوَضَ يبذل على مسابقة إلا فيما فيه إعانة للجهاد؛ مسابقة الخيول تبذل فيها عوض لا بأس لأنه فيها إعانة على الجهاد، مسابقة الرمي بالسهام للإصابة؛ بالسهام في الزمن الأول أو بالرماح، أو الآن بالبنادق أو بأشباه ذلك، هذه كلها فيها إعانة على الجهاد، هذه لا تدخل في تحريم المغالبات، فإذن نقول القاعدة أن أنواع المغالبات والرهان محرم إلا ما كان فيه نصرة لدين الله جل وعلا، كما قال عليه الصلاة والسلام «لا سَبَقَ إلاّ في خُفّ أوْ نَصْلٍ أوْ حَافِرٍ»، قال أهل العلم إن العلم من أعظم أنواع الجهاد، ولذلك فإن المغالبة والمسابقة والرهان فيه جائز؛ لأنه قائم على الجهاد، يعني مثلا اثنين يِتْسَابَقُونْ أنا أضع ألف، وأنت تضع ألف ريال، الذي يسبق في حفظ سورة البقرة يأخذ ألفين، هذا فائدة للدين، وفائدة للعلم، أو يحفظون متنا، أو يحررون بحثا، قال طائفة من أهل العلم كابن تيمية وابن القيم وجماعة أنّ هذا مما فيه إعداد للجهاد.

إذن فقاعدة الميسر والمغالبات يُستثنى منها ما كان فيه نصرة لدين الله جل وعلا، والرهان؛ أنواع المراهنات محرمة، فكل رهان ميسر؛ لأنه يُراهن؛ يدخل في هذا النوع على تردد هل يحصل له أم لا يحصل له؟ هل يتحقق يكسب أم لا يكسب؟ وبعض أهل العلم أجاز الرهان استدلالا بحادثة أبي بكر الصديق t لما نزل قول الله جل وعلا}الم(1)غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3)فِي بِضْعِ سِنِينَ{[الروم:1-4]، فكان المسلمون يفرحون بنصرة الروم على الفُرس، وكان المشركون بنصرة الفُرس على الروم، فلما نزلت الآية وكانت الدائرة للفرس، تراهن أبو بكر مع أحد المشركين، فقال أحد المشركين ستغلب فارس أو غلبت فارس. فقال أبو بكر t بل الروم ستغلب. وراهنه على مال، وكسب المالَ أبو بكر t، وأهل العلم في هذا الرهان الواقع من أبي بكر لهم منحيان :

¨ المنحى الأول أنّ هذا منسوخ بتحريم الميسر في المدينة.

¨ والثاني أنّ هذا ليس بمنسوخ بل هو محكم؛ لأن أبا بكر لم يدخل في معاملة الأمر فيها متردد بين الحصول وبين عدمه، حين دخل في المعاملة دخل بوعد الله جل وعلا، بل بإخبار الله جل وعلا، وهذا أوثق أنواع الإخبار؛ لأنه لو ظن هو أو تحقق هو من نفسه بأنه ستحصل، الأبلغ منه أن يخبره المولى جل وعلا وأن يحكم بأن الروم ستغلب، لذلك أبو بكر الصديق حين راهن تسمى المعاملة رهانا، ولكن هو كاسب فيها داخل متيقنا بالكسب لا على غرر ولا على جهالة؛ لأن الله جل وعلا هو الذي أخبر بأن الروم ستغلب }الم(1)غُلِبَتْ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3)فِي بِضْعِ سِنِينَ{[الروم:1-4]، فلما انتهت بضع سنين غلبت الروم، فإذن هذه الصورة لا تدل على إباحة المراهنة ولا تدخل في الميسر ولا في القمار ولا في الغرر؛ لأن أبا بكر الصديق t دخل فيها وهو عالم أنه سيكسب بيقين، فلا تصلح دليلا على إباحة الرهان ولا المراهنة، ولا إباحة بعض صور الميسر.

ما الفرق مابين الرِّهان والقمار؟

الرِّهان فيه توقُّع مع عمل، وأما الميسر فهو توقع بلا عمل هناك؛ يعني أن الميسر والرهان يشتركان في أن كلا منهما فيه تردد في الحصول من عدمه، لهذا صار الرهان من أنواع الميسر، لكن الرهان يختلف عن القمار بأن المراهن لم يعمل عملا يكتسب فيه هذا المال، بينما المقامر فإنه قد يعمل عملا يحصل له هذا الشيء، والعلماء في الفرق ما بين الرهان والقمار في دخول العمل لهم تعابير مختلفة باعتبار العمل تارة، وبعدم اعتباره تارة.

إذا تبين ذلك في تبيين هذه المسألة فأعود ألخص:

uبأنّ حقيقة القِمار الشرعية أن القمار نوع من أنواع الميسر وقد يعبر بعض أهل العلم عن الميسر بالقمار، والقمار بالميسر.

vالثاني أن القمار والميسر كل منهما فيه تردد هل يحصل الشيء أم لا؟

wالقمار فيه بذل للمال بلا عوض يحصّله، يقابله.

xأيضا القمار نوع من أكل أنواع الناس بالباطل، وهو يغامر بماله رجاءَ أنْ يغتني والثاني يغامر بماله رجاء أن يغتني، وهذا فيه بذل للمال من غير عوض، ومن الجهة المقابلة فيها أكل للمال بالباطل بغير وجه حق.

والقاعدة التي يمكن أن يندرج تحتها أكثر الصور المعاصرة مما يُشكل على الناس في قاعدة الميسر والقمار: أنّ –هذه تنتبه لها وهي حصيلة الكلام المتقدم- أن المعاملة التي يدخل فيها الداخل:

Áوالأمر يدور فيها ما بين أن يخرج غانما أو غارما فهي من القمار أو الميسر؛ يعني يدخل وهو متردد هل يكون -يعني لا يدري؛ تردد يعني لا يدري- هل يغنم أو يغرم هذه تكون ميسرا وقمارا. فإذن أعود أكرّر إذا دارت المعاملة التي تتعامل بها، دار بذل المال الذي تبذله، دار بذل العمل الذي تعمله، بين أن تكون غانما شيئا، أو غارما المال أو العمل، فهذه المعاملة من الميسر.

Áالحال الثانية أن تدور المعاملة التي تتعامل بها ما بين أن تكون غانما أو سالما؛([1]) يعني إمّا أن تغنم وإما أن تسلم؛ إما أن تستفيد وإما أنه لا شيء عليك، فهذه الصورة لا شيء فيها وليست من الميسر أو القمار المحرم.

بالمثال:

|مثلا تدخل إلى محل تجاري تجد فيه مسابقة؛ أو يعني جوائز، هنا تأتي الجائزة تنظر فيها، هذه الجائزة التي ستعطى، هل تكون ببذل منك لمال؟ أو بشراء لأشياء غير مرادة لك؟ يعني تبذل خمسين ريال عَشَانْ تأخذ كوبون مثلا، تأخذ قسيمة ستربح أو لا؟ هذا بذلت شيئا، أو تشتري أشياء لا حاجة لك فيها، ما أردتها، وإنما أردت هذه القسيمة؛ أردت المشاركة، فهنا أنت دار أمرُك فيما بذلت بين أن تكون غانما بالجائزة أو غارما لهذا المال، أو شراءك لهذه الأشياء التي لا تحتاجها، فإذا دار الأمر على هذه الصورة صارت الصورة محرمة؛ لأنها ميسر، لأن الأمر في حقيقته دار بين الغنم والغرم، وترددت بين أي الأمرين يحصل لك.

|الصورة الثانية دخلت مثلا في مكان، واشتريت بأي مبلغ، ما يشترط مبلغ معين، أنت خاطب تشتري هذه السلعة بعينها، ثم لما أتيتَ للمحاسبة قال خذ هذا الكوبون عبِّئ اسمك وحط مثلا عنوانك، فهنا دخولك فيها دخولك في هذه المعاملة دائر بين أحد إحتمالين: إما أن تستفيد الجائزة، وإما أن تسلم فلا تخسر شيئا، حينئذ دار الأمر ما بين السلامة، وما بين الغنم، فحينئذ لا تكون المعاملة قمارا ولا ميسرا.

فإذن هذه القاعدة يمكن أن تطبق عليها أكثر الصور المعاصرة التي يسأل عنها الأكثرون في مسائل القمار والميسر.

Áالحال الأولى التي هي ميسر أن تدخل لا تدري هل تغنم أو تغرم.

Áالحال الثانية ليست من الميسر تدخل على أحد احتمالين:

•إما أن تسلم ما تخسر شيء.

•أو أن تستفيد فهذا نوع من أنواع التبرع من المقابل.

وكما ذكرت لك يأتي كثيرا أسئلة من هذا النوع، فيمن يدخل المحلات التجارية وفيها جوائز لمن اشترى بمائة، فيها جوائز لمن اشترى بخمسمائة ريال، فيها جوائز لمن اشترى بألف ريال، إلى آخر ذلك، فهنا إن كان شراؤك مأخوذا يعني أنت محتاجا لهذه السلع ستشتريها للحاجة، فإذن الجائزة تأتي تبعا، يعني احتمال أخذك للجائزة يعني تبعا، فإذن أنت ما بذلت لتأخذ الجائزة بذلت لحاجتك، فحينئذ الجائزة إما أن تغنمها، وإما أن تسلم فلم تدفع مقابلا، وهذه فيه صور كثيرة يمكن أن تطبقها، فيه حالات لا، يكون إما دفع -وهذا من القمار المحرم والميسر الذي هو كبيرة من كبائر الذنوب- لابد تدفع مال، مثل ما ذكرت لك، ما يسمونه اليانصيب، وأشباه ذلك في بلاد أخرى، هنا يحتالون عليه بأنواع الاحتيال.

إذا تبين ذلك فإن هذه الصور والتعاريف تقرب لك حقيقة الأمر، وأنّ الميسر والقمار محرم، وأنه كبيرة من كبائر الذنوب، وأن الشريعة نهت عنه لما في ذلك من حفظ المال العام والخاص، ودفع الغرر، ودرء تلاعب المتلاعبين، وأيضا لما فيه من دورة المال ونمو المال بالطريقة الصحيحة، بما فيه قوة البلاد، وقوة الأمة، وقوة المسلمين، لأن القمار يفضي إلى الخسارة، ويفضي إلى الذل، ويفضي إلى العداوات كما قال جل وعلا}إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ{[المائدة:91].

الميسر إسم عام –ألخص لك بعض المسائل التي وردت- يشمل ميسر اللهو وميسر المعاملات. ميسر اللهو ولو لم يكن فيه مال كما قال الإمام مالك الميسر نوعان: ميسر لهو وميسر مال. وعد علي tوابن عباس وطائفة من السلف كعطاء والحسن وجماعة أن اللعب بالنرد، واللعب بالشطرنج، واللعب بالجور وكعاب الأطفال أنه من الميسر لأنه وسيلته.

الميسر في المغالبات المالية هو القمار، والقمار –وأنا نسيت ربما أن أعرف القمار- القمار مأخوذ في الأصل في اللغة من نور القمر؛ لأن نور القمر متردد بين الكمال والضعف، كل يوم له حالة، فكذلك المقامر كل يوم له حالة. والمقامرة خاصة بالمال تدخل في أنواع المغالبات، والتعاملات المالية.

قاعدة الغرر كقاعدة المغالبة والميسر والقمار قائمة على تردد هل يحصل الشيء أم لا يحصل، إذا دخلت في معاملة بذلت شيئا لا تدري بَذْلُكَ هذا له يحصل معه شيء أم لا شيء وراءه، فإنها تدخل باسم الميسر، أما إذا كانت دائرة ما بين السلامة والغنم فهذه لا تدخل في اسم الميسر .

هناك صور كثيرة من أنواع المعاملات المعاصرة يعدها طائفة من الناس في القمار وهي لا تدخل في القمار، فقط تكون في أكل أموال الناس بالباطل، والقمار –كما ذكرت لك- له تعريفه، والميسر له تعريفه.

هذه المسألة بما ذكرتُ قرّبنا لك تعريف القمار، تعريف الميسر، والرهان، والفرق بين هذه الألفاظ، وأنواع الميسر، وأنواع المغالبات، وما يستثنى من ذلك، ولعل فيما ذكرت فتح باب لمن أراد التوسع لمراجعة هذه المسألة المهمة والقاعدة العظيمة من قواعد المعاملات وهي قاعدة الغرر أو قاعدة الميسر.

أسأل الله جل وعلا أن يمنحني وإياكم مزيد الفقه في الدين، وأن يكفر عنا السيئات، وأن يصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأن يصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأن يصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، كما أسأله سبحانه أن يجعلني وإياكم ممن وفقوا في أقوالهم وأعمالهم، نعوذ بالله أن نقول ما لم نعلم، أو أن نعلم ولا نعمل، كما أسأله سبحانه لي ولكم الدعوة إلى دينه، وأن يوفقنا إلى ذلك بالدعوة والعلم والتعليم في أحوالنا كلها إنه أكرم مسؤول، وأسأله سبحانه أن يوفق علماءنا لما فيه رضاه، وأن يمنحهم مزيدا من البصيرة والتوفيق في الدين، وأن يزيدهم من الهدى في النظر في هذه المسائل الواقعة المعاصرة التي يسأل عنها الناس كثيرا فيما استقدمه كثيرون من بلاد الكفر من أنواع المعاملات، كما أسأل المولى جل وعلا أن يُوفق ولاة أمورنا إلى ما فيه رضاه، وأن يجعلنا وإياهم من المتعاملين على البر والتقوى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

الأجوبة علىالأسئلة:([2])

1- الجواب: الحمد لله، الشركات شراءُ أسهمِها وبيعه جائز بشروط، أهمها أن يكون عمل الشركة مباحا؛ يعني أن تكون الشركة تعمل عملا مباحا كشركة زراعية، أو صناعية، أو ...... ([3]) أو ما أشبه ذلك، ما تكون شركة بنك يعني، مثلا فيه الربا، أو شركة لتصنيع الخمور، أو شركة للمتاجرة بالأفلام الخبيثة، أو شركة إعلامية فيها دعوة الناس للفساد والرذيلة، وأشباه ذلك، فإذا كان نشاط الشركة جائز شرعا فإن شراء أسهمها جائز، ثم إن المشتري لأسهم الشركات له حالان:

•إما أن يحتفظ بهذه الأسهم لكي تجر عليه الأرباح سنويا وهذا جائز.

•والثاني أن يشتري الأسهم لا لينتظر بها سنة حتى يحصل على الأرباح، ولكن ليبيع فيها ويشتري وهذا جائز أيضا.

ويكون لهذه الأسهم حكم عروض التجارة، فعليه أن يُقَوِّمَهَا كلَّ سَنَة ويُخْرِجَ زكاتها كما تُخرج زكاة عروض التجارة، فإذن شراء أسهم الشركات وبيعها، والتربص بها ارتفاع السعر حتى يبيع جائز إذا كان نشاط الشركة غير محرم، ومن قال إنه من القمار هذا ليس بجيد إلا في حالة واحدة، هي غير موجودة في نشاط الأسهم عندنا في هذه البلاد، موجودة في البورصة العالمية من أن هناك أناس لا ينقلون السعر فعلا؛ يشترون الأسهم وتنتقل الملكية، وإنما يخاطر بالشراء للارتفاع؛ ارتفاع السهم أو نزوله، وترى أنه يشتري بالكلام ويبيع بالكلام، لم يدفع مالا، ولم تنتقل السلعة أو الأسهم من ملك فلان إلى ملكه، ثم بعد ذلك يبيع لأجل فرق السعر، فهذا لاشك أنه نوع من المقامرة، أمّا ما هو موجود عندنا في أنه يشتري الأسهم ينقلها باسمه، ثم يتربص بها ارتفاع السعر فيبيع ذلك فهذا جائز، كما ذكرنا والحمد لله على تيسيره.

2- التأمين بحث واسع في حكمه، وفي أصوله الشرعية، وفي أصوله أو صوره المعاصرة، والذي عليه أكثر العلماء أن التأمين التجاري المعروف عندكم أنه محرم؛ لأنّ فيه أكلا للمال بالباطل، لأنّ فيه غررا في المعاملة، ولأنّ فيه قمارا كما ذكرنا، صورة التأمين التجاري ما ذكرته لك في المحاضرة من أن فلان يدفع مائة ريال سنويا تأمينا على سيارته، والثاني يدفع مائة تأمينا على سيارته، فيجتمع للشركة ملايين ثم هي تصلح سيارة من خربت سيارته، أو تعطلت، أو صدمت، أو أصابها حادث، فيكون مردود الشركة أكبر بكثير جدا مما تحصَّلته، المحافظة على المال العام واجبة، فلهذا أكثر أهل العلم يقولون إن التأمين التجاري محرم. وبعض العلماء أجازه لأجل أن الغرر عندهم يسير بالنسبة للفرد، وأن مصلحته أكبر، قالوا هذا الزمان كثرت فيه الأموال، والناس مواردهم محدودة باعتبار الأفراد، فهو يرغب في أن يأمن على نفسه من الكوارث بمساندة غيره إذا دفع، والشركة لا يمكن أن تقوم بذلك إلا اجتمع الجميع، فصورتها متعددة عندهم، لكنها في الحقيقة عندهم تعاونية معنا، وإن لم تكن تعاونية شرطا ولفظا. وهذا فيه نظر والتأمين التجاري الأولى تركه، وأنَّ المرء يتوكل على الله جل وعلا لأجل أن لا يدخل في مثل هذه المعاملات، وهو في الحقيقة محل بحث ونظر ينبغي أن يبحث مرة أخرى ببحث واسع وينظر في عاقبته.

النوع الثاني من التأمين، التأمين التعاوني وهذا أباحه كبار العلماء عندنا فيما أصدرته هيئة كبار العلماء من فتوى في إباحة التأمين التعاوني، التأمين التعاوني صورته غير صورة التأمين التجاري، التأمين التعاوني أن يكون المشتركون في شركة التأمين هذه بصفة شركاء، لهم الربح وعليهم الخسارة، فهُم يتعاونون في أن يُسَدِّدَ بعضهم عن بعض، الشركة ما تستفيد هي يستفيد شخص خارج، إنما الإستفادة ترجع إلى المشتركين، فمثلا فلان من الناس ((أ)) دفع مائة، ((ب)) دفع مائة، ((ج)) دفع مائة، إلى العاشر، اجتمع ألف ريال، فهذه يشتركون فيها وتكون عندهم، ثم إذا مضت السنة ولم يحدث حادث لأحد منهم، فإنّ الألف هذه تعود فائدتها عليهم، فتُنمّى لهم، فإذا دفعوا مائة في السنة المقبلة، فإنّ هذه المائة تُنمَّى لهم أيضا، يعني تحفظ لهم لحوادث هذه السنة، ثم تنمى لهم، يعني أنهم شركاء في شركة تعاونية للتأمين، هؤلاء أعضاؤها لهم غنْمها وعليهم غرْمها، وهذه لا شك أنها صورة شركة بشرط والمؤمنون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا، وهذه الصورة جائزة، ولذلك أفتى كبار العلماء بجوازها، وهي حلٌّ مثالي، لكن هذه لا يستفيد منها أصحاب الأموال وأصحاب الشركات، إنما يستفيد منها الناس، وهم لا يريدون أن يستفيد الناس، وإنما يريدون أن يستفيدوا هم، ولو قام هذا النوع من الشركات لكان في ذلك تيسير للناس وقضاء لحوائجهم.

3- الجواب عن الحكم يتوقف على قراءة عقد التأمين، وأنا لم أقرأ عقد التأمين، ولكن بحكم ما أسمع أنها ليست بتعاونية بالمعنى الذي ذكرناه آنفا؛ يعني أنّ الشركاء مغرومون ولهم الغرم، وأنّ الموال التي لم يستفيدوا منها أنها ترد عليهم بأرباح إلى غير ذلك؛ يعني إذا نميت، وإنما اسمها تعاونية للتأمين وفي حقيقتها لم تطبق التأمين التعاوني الذي أفتى به العلماء، لكن الكلام على الحكم متوقف على قراءة العقد، وإذا كان أحد يأتي بالعقد إن شاء الله نرى ما فيه، وأظنهم أحيانا يستندون على فتاوى بأنّ عملهم جائز ولا ندري هل هذه الفتاوى صحيحة أم ليست بصحيحة. نعم

4- أما الهدية؛ فهو اشترى منه أهداه هدية فهذا تبرع منه وجزاه الله خيرا، لأن الشاري ما غرم شيئا وإنما غنم بدفع التاجر له برضاه؛ يُرَغِّبُ الناس في الشراء منه، فهذا لا بأس به، أمّا المسابقات فراجعة إلى ما ذكرته لك من القاعدة؛ بأن المعاملة إذا دخلت فيها وأنت لا تدري حين دخلتَ وبذلت عوضا، لا تدري هل تغنم أم تغرم؟ متردد أي الأمرين يحصل لك بعد أن دفعت ما دفعت، هذه تكون من الميسر والقمار، أما إذا كنت لا تدري يحصل أو لا يحصل، لكن لم تغرم شيئا، لم تدفع شيئا، إنما أنت ما بين سالم من الغُرم، وما بين غانم، فهذه لا بأس بها، ويمكن أن تدخل فيها صور كثيرة، فطيّب لو فهمتم هذه العبارة، والفرق ما بين الصورتين، لأنها سهلة التطبيق في الواقع. وإذا كان لا حاجة له في الجريدة إلا لأجل المسابقة، مالَكَ أي حاجة فيها إلا لهذا، فهذا نوع غرر، وقد يكون المبلغ يسيرا عند بعض الناس، يعني ريال أو ريالين، لكنها تدخل في الغرر، هل هو من الغرر المعفوّ عنه أم لا؟ هذه محل نظر، لكن في الغالب الجرائد هناك ناس يحصلونها ويحصلون عليها، وتكون المسابقات مقصودة مع غيرها.

5- المسابقات كما ذكرت لك، هذا المال الذي دفَعَه عوض عن شيء لا يدري يحصل له أو لا يحصل له، يدفع ريالين مثلا، هل تحصل له الجائزة أو لا تحصل له؟ هل يكسب أو لا يكسب؟ فإذن تردد في الحصول على الشيء وعدم الحصول، فإذن هو غرر ولا شك، لكن هل الريالان غرر يسير يغتفر، مثل غرر في أساس البناء، ومثل الغرر في باطن الملابس، ونحو ذلك، أم لا يغتفر؟ أم نقول هذا دفع للمال وليس بغرر؟ هذا دفع للمال بحكم المجموع، يكسبون أموال كثيرة الجوائز أقل منها، فمثلا اشترك مليون شخص في هذه المسابقة كل واحد قد دفع ريالين، فما الذي تَحصَّل؟ مليونين، طيب، فالجوائز كم؟ مليون, وذاك يأخذ مليون مقابل إيش؟ فإذا نظرنا لهذه النظرة وجدنا أن العلماء على أصولهم يختلفون في ذلك:

Á فمن رأى الفرد بمفرده قال: هذا الريالان غرر يسير فلا بأس.

Áومن رأى المجموع وأن الجهة تستفيد بمبالغ ضخمة من الأمة دون مقابل فقال: هذا بالمجموع ضرر كبير، وإذن يدخل في الميسر والقمار، ويدل على هذا الثاني أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول «المؤمنون كالجسد الواحد»، وقوله «يسعى بذمتهم أدناهم»، فإذن كما ذكرت لك من نظر إلى المجموع قال هذه ولو كان المدفوع ريالين، فإنها لا تجوز.

6- هذا مقابل عمل، يعني هذا داخل في السَّلم، ليس له علاقة بالميسر والقمار.

7- أولا: العاقل لا يشتري إلا ما يحتاجه.

الثاني: أنه إذا عُرِض عليه مثل هذا فهو بالخيار، فكأنه قُدِّمَ له؛ يعني قيل له أنا أخصم لك الثلث، يعني مثلا أخصم لك ثلاثين في المائة، اشتري مني ثلاثة وأنا أخصم لك بالقيمة ثلاثين في المائة أو خمسين في المائة، وهذا كما يقول إذا اشتريت أكثر.....([4])؛ كلما تشتري أكثر أنا خفضت لك في السعر، هذا لا بأس به، ولا يدخل في الغرر ولا الميسر.

8- أولا السؤال بناه على مقدمة أو قاعدة ليست بصحيحة، قوله (الشارع لا يأمر بشيء إلا فيه خير محض) هذا غلط، لأن الشارع يأمر بالشيء إذا كان فيه خير محض أو غالب، وينهى عن الشيء إذا كان فيه ضرر محض أو غالب، لأن الشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتكميلها، فالخمر فيه منفعة، لهذا ذكر المفسرون عند قوله تعالى}يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ{[البقرة:219]، من منافع الخمر منافع دنيوية في التجارات والأموال، ومن منافعها منافع بدنية يعني تعود على البدن بصحة إلى آخره فيما ذكره المفسرون، كذلك الميسر فيه منافع فيما ذكرتُ لكَ في المحاضرة، فإذن الشريعة تحرم ما كان خالص المضرّة، أو ما كانت مضرّته أكبر، والمضرة هنا في ميزان الشرع راجعة إلى مضرّة دنيوية، وإلى مضرّة أخروية، أما المضرة الأُخروية فَلِمَا في التعامل بنوع المعاملة، أو تعاطي هذا الأمر من أي أمر كان؛ الخمر، الميسر، السرقة، الرشوة، الزنا، القذف، إلى آخره، لأن فيه إثم يرجع على القلب بظلمته، وعدم رضوخ القلب وخضوعه لله جل وعلا، فما فيه عنفوان القلب؛ تَكَبُّرَه، تَجَبُّرَه، وعدم رضوخه وخضوعه لأمر الله جل وعلا، هذا يُحَرَّم للغرض الأخروي ولتحصيل القلب العابد الخاضع لله جل وعلا، ثم الغرض الدنيوي يُحَرَّم إذا كان فيه ظلم، أكل أموال الناس بالباطل، فيه ضرر. وما يجمع ذلك قول العلماء: إن الشريعة عُنيت بحفظ الضروريات الخمس وهي مرتبة: الدين. ثانيا: النفس. الثالث: العقل. الرابع: العرض. الخمس: المال. ولهذا نقول إن الشريعة لما جاءت بالمحافظة على هذه الكليات الخمس، وكل منها مهم أن يدفع الضرر عنه، فلهذا شرع الجهاد لأجل حفظ الدين، وشرع القصاص لأجل حفظ النفس، وشرع حد الخمر وحرمت الخمر حفاظ على العقل، إلى آخر تفصيلات ذلك معروف في كتب مقاصد الشريعة.

9- الرهان المحرم وهو المغالبة بعوض من غير عمل شرعي، هذا عَدَّهُ كثير من أهل العلم من الكبائر، وهو داخل في عموم قوله جل وعلا}وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ{[البقرة:188]، والواجب على من أُبتلي بذلك أن يتوب إلى الله جل وعلا، ويردّ المال الذي في يده لمن أخذه منه إن كان يعلمه، وإن كان لا يعلمه فإنه يتوب إلى الله جل وعلا والمال الذي أخذه أو الشيء الذي أخذه فإنه يخرجه من ماله تصرفا لا تصدقا.

إذا ما كان فيه نصرة للدين ما تجوز المراهنة.

ولو، هو بالنسبة لآخر غير متيقن، هذا يقين غير معتبر.

10- هذا قول لبعض أهل العلم بأن اللعب قسمان: لعب لهو، ولعب بالأجسام. يعني لتقويتها، والسلف عَ‍دُّوا اللعب الذي لا فائدة منه شرعية، عدوه تارة من الباطل، وتارة من الميسر، فيدخل في ذلك كل أنواع اللهو بالباطل، لهذا قال كثير من أهل العلم: إن اللهو بالباطل.

وهذا الشيء: اللعب بالورقة، هل هو لهو بالباطل أم لا؟ هنا يكمن النظر:

• فإن كان عن عوض، يعني فيه مال يُدار فلا شك أنه قمار، فيكون محرما، وكبيرة، لأجل ما صاحبه من القمار، وأكل المال بالباطل.

• والحال الثانية: أن يكون مُشْغِلاً عن الطاعة صاحبه ممن يلعب هذه اللعبة أو غيرها، يمكثُ السَّاعات الطوال تاركا واجباتَه في بيته، تاركا الأُنس المطلوب والسكن لأهله، تاركا رعاية أولاده، أو في مجالس فيها أنواع محرمات أخر، فيحرم اللعب لأنه وسيلة إلى غيره، فهو وسيلة إلى تضييع الصلاة، وسيلة إلى تضييع واجبات الأهل والمنزل، ووسيلة لتضييع واجب الأولاد ورعايتهم، ووسيلة لتضييع كسب المال، لما فيه رعاية للمال، فأي حالة من هذه انطبقت فيكون اللعب بالورقة المذكور محرما، لأنه صار وسيلة للمحرم، ومن المتقرر عند علماء الشريعة أنَّ الوسائل لها أحكام المقاصد، فإذا كان اللعب سيؤدي إلى شيء محرم صار لهوا بالباطل، ليس لهوا مأذونا به، صار لهوا بالباطل.

• الحال الثالثة: أن يلعب أحيانا، وليس في لعبه تفريط بأمر واجب شرعي، وليس فيه إضاعة لواجب من صلاة أو واجب رعاية، ونحو ذلك، فهذا يدخل عند عامة أهل العلم بأنه مكروه يعني تجنبه أولى، لأن اللهو الأصل فيه المنع.

11- البورصة هذه كلمة أجنبية، ترجمتها التقريبية بالعربي (محل عقد الصفقات السريعة) يعني بعضهم ترجمها...... ([5]) يعني صفقة، محل عقد الصفقة قالوا..... ([6]) جمعها ...... ([7]) يعني البورصة كلمة معناها المحل الذي تعقد فيه الصفقات بسرعة، فهي اسم لمحل تتداول فيه السلع، أو تتداول فيه الأسهم، أو تتداول فيه العملات فيكون البيع والشراء فيه سريعا وفي المحل، وغالب هذا يكون فيه قبض ولا يكون فيه انتقال الأملاك، بل على الشاشة مثل ما هو موجود الآن في البيوت، ممكن الواحد يعمل عمليات يتصل بالبورصات العالمية من منزله بواسطة الكمبيوتر إما المستقل أو بواسطة الدخول في شبكة الإنترنت، وغير ذلك، المقصود أن كلمة بورصة محل مغلق، مثل سوق تجاري فيه عرض للسلع وفيه بيع وشراء لمن حضر ولمن اتصل به، هذا معنى البورصة.

12- السؤال غير واضح، يتسابقون، كما ذكرنا، لكن القاعدة في المسابقات أنه لا يجوز أخذ العوض على المسابقات، أو أخذ السَّبَق إلاّ إذا كانت المسابقة فيها نُصرة للدين، كما قال عليه الصلاة والسلام «لا سَبَقَ إلاّ في خُف أوْ نَصْلٍ أوْ حَافِرٍ»، السبق هو العوض الذي يجعل لمن سَبَق، ويرويه بعض الناس «لا سَبْقَ إلاّ» –يعني لا مسابقة- وهذا ليس بجيد الأولى ضبط الحديث «لا سَبَقَ» يعني لا عوض «إلاّ» في هذه الثلاثة «في خُف أوْ نَصْلٍ أوْ حَافِرٍ» يعني المسابقة بالجمال، المسابقة بالخيول، أو الرمي السهام، وهذه الثلاث مثلت لأن فيها قوة المسلمين في الجهاد بالرمي، كما قال عليه الصلاة والسلام على قوله}وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ{[الأنفال:60]، قال«ألا إن القوة الرمي»، قل بأنواع الرمي؛ الرمي بالنبل الرمي بالسهام، الرمي بالرماح، والخف؛ الجمال تستخدم في الحروب والجهاد، وكذلك الخيول تستخدم، فهذا معنى مثَّل فيها تمثيلا لكل ما فيه نصرة لدين الله جل وعلا، لهذا قال العلماء: إنَّ كل أنواع الجهاد جائز فيها المسابقة. هذه المسابقة التي يَذكر هل هي مسابقة على التقوية على الجهاد، يعني مسابقة بالأقدام؟ هل هي مسابقة على الخيل ونحو ذلك، فتباح بشروطها؟ أم مسابقات أخر؟ ما ندري. المسابقات العلمية جائزة، المسابقات بالخيول جائزة، مسابقات الرمي جائزة، لأن كل هذا فيها إعداد للجهاد، والفروسية والقوة التي كان يتميز بها الصحابة رضي الله عنهم وبها قَوُوا على الجهاد نوعان:

• فروسية في العلم والبيان.

•وفروسية للركوب؛ ركوب الخيل ونحوها، يعني ركوب الفرس.

هم أعدوا العدة للجهاد بالنوعين، فكانوا أهل فروسية حقا في العلم، وفي الركوب، واستعمال ما كان متاحا لهم من المخلوقات التي أعدها الله جل وعلا للجهاد، فإذن السؤال غير واضح، ونوع المسابقة تحتاج إلى إيضاح.

13- ذكرتُ لك أن المعاملات صعبة من حيثُ فهم أحكامها، لكن:

Á لا بد لك من معرفة كلام العلماء في كتب الفقه.

Á معرفة كلام أهل العلم في معاني القرآن والسنة في الدرجة الثانية.

Á لا بد أن تقدم كلام الفقهاء حتى تتصور المسائل، لأن فهم كلام العلماء على النصوص مبني على تصور المسائل، وتصور المسائل لا يُحدِثُه لك إلا كتب أهل العلم؛ يعني أهل الفقه، تنظر إلى كتب التفسير، وإلى كتب الحديث، ثم بعد ذلك تنظر في الفتاوى المعاصرة، وتحاول تقارب وتجمع بين ذلك.

من الكتب المفيدة في ضبط مسائل المعاملات كلام الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأنه انطلق فيها بدلالات النصوص مع الربط بكلام أهل العلم من الفقهاء وغيرهم، وكلام ابن القيم أيضا تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، فإن في كلامهما، ومن تأثر بهما، على قواعد المعاملات فيها ثواب عظيم.

طُبع لشيخ الإسلام كتاب اسمه قاعدة أو نظرية العقد أو قواعد العقود، ولابن القيم أيضا كتاب الفروسية تكلم فيها مسائل كثيرة متصلة بذلك، وفي زاد المعاد وإعلام الموقعين.

أما الكتب المعاصرة فتهتم بكتب التقعيد يعني كتب التي تسمى نظريات: نظرية العقد، نظرية المال، نظرية الغرر، قاعدة الربا، قاعدة الغرر، يعني هذا التقعيد مُهِم؛ لأنه تندرج المسائل الفرعية تحت تلك القواعد العامة، سؤال أخير.

14- ما درستُها وما نظرتُ فيها.

15- الجمعيات التعاونية غير التأمين التعاوني غير الذي يسميه الموظفين الجمعية، عندنا ثلاثة أشياء: تأمين تعاوني، جمعية تعاونية، الجمعية التي يستعملها الموظفون كل واحدة لها حال.

نكتفي.

--------------------------------------------------------------------------------

([1]) انتهى الوجه الأول من الشريط.

([2]) الأسئلة غير مسموعة من الشريط ولذلك دُوّنت إلا الإجابة عليها.

([3]) كلمة غير واضحة.

([4]) كلمة غير واضحة.

([5]) كلمة غير واضحة.

([6])كلمة غير واضحة.

([7])كلمة غير واضحة.