بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين أوضح المحجة وأبان السبيل للمؤمنين فندت بعد نزول القرآن وبيان سيد ولد عدنان واضحة المعالم بينة الأركان فالحمد لله الذي هدى وبيَّن والحمد لله الذي أرشد

وعلَّم وهو جلّ وعلا للحمد أهل ولا يعلم حقيقة ذلك إلاّ من رأى الشبهات في هذه الدنيا وما تؤول إليه ورأى كيف تكون منازل السعداء في الآخرة فإنما هي لمن أتى الله بقلب سليم سَلِمَ من الشبهات وسلم من كلاب الشهوات وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبدالله ورسوله صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين أمَّا بعد: فموضوع هذه المحاضرة بعنوان [الفكر والعلم] وإذا ذُكر الفكر فإنه يتبادر على الدهن ما شاع في هذا العصر مما يسمّى [الفكر الإسلامي] و[المفكر الإسلامي] وهذا الاصطلاح (الفكر الإسلامي أو المفكر الإسلامي) .. هذا اصطلاح جديد في تاريخ هذه الأمة، فإن الأمة في تاريخها عرفت أنواعًا من الذين يتكلمون ويكتبون منهم أهل الاختصاص بالعلم إما المفسر وإما المحدث وإما اللغوي وإما الفقيه وإما المؤرخ أو الأديب أو الفيلسوف أو عالم الاجتماع إلى آخر أنواع العلماء والكتبة في تاريخ الأمة.

 

أمَّا هذا المصطلح [فكر إسلامي] أو [المفكر الإسلامي] فإنه اصطلاح جديد ومعلوم عند أهل الشرع والمحبين للعلم وللديانة إنْ الأمور إنما توزن بالعلم لأن العلم نزل من عند الله جلَّ وعلا ليكون حاكمًا على الناس غير محكوم فإذا ظهرت اصطلاحات أو استجدت أحوال فإن المرجع في فهمها إنما هو إلى العلم فما هذه الصلة التي بين الفكر والعلم وهل هذا الفكر الذي يسمى [فكرًا إسلاميًا] هل هو ممدوح كله أو هو مذموم كله وكيف هي الصلة بين الفكر والعلم وبحوث متصلة بذلك من المهمات أن يتعرض لها لأنك ترى في هذا الزمن كثر الذين يتكلمون عن الإسلام باسم الفكر ومنهم من عنده أخطأ بسيرة، ومنهم من يسمى [مفكرًا إسلاميًا] وإنما هو مفكر ليس بالإسلام وإنما يفكر برأيه وبطريقته وبما يهوى فظهرت مدارس مختلفة في الفكر والتفكير وظهر مفكرون متنوعون وهذا الذي ظهر من الفكر والمفكرين وما يسمى [بالفكر الإسلامي] في العصر الحديث ظهر ونشأ ولظهوره ونشأته أسباب ومن أعظم أسباب ذلك كثرت الهجوم على الإسلام في العصر الحديث فإن ابتعاد قلب الأمة عن عقيدتها وتاريخها وعن حضارتها وعن ماضيها وعن مؤهلاتها نشأ في العصر الحديث مع المدِّ الاستعماري والمد الاستعماري كانت له وجهتان وجهة عسكرية وهذه ظهر منها الاستعمار والكُلُ يعلم عن حقيقة ذلك الاستعمار العسكري وله وجهة أخرى وهي الاستعمار الثقافي والتبعية الثقافية حتَّى صار في المسلمين من يكون تابعًا في فهم الإسلام لأعداء الإسلام وأولئك الأعداء تمثلوا في المستشرقين والمستشرقون لهم كتابات متنوعة في تحليل أهداف الإسلام وتحليل أحكامه وتحليل آرائه وتحليل تاريخه وتحليل قضاياه …إلخ ذلك فقام طائفة في البداية يتكلمون عن تلك المسائل التي طرقها المستشرقون أعداء الملة وأعداء الدين وأعداء هذه الأمة تكلموا عنها بنفس منطقهم لأجل أن يقنعوا الناس وأن تكون اللغة بينهم مَتَعارَفَة فلم يردوا عليهم بالعلم وإنما ردوا على أفكار المستشرقين غير الإسلامية بأفكار مماثلة في الصيغة وفي الاستنتاج والاستدلال والأخذ والعطاء والمراجع والمصادر ووسيلة الإقناع حتَّى صار ذلك فكرًا مقابلاً لفكر فظهر الفكر الاستشراقي وفي المقابل ظهر فكر آخر سُمِّيَ فيما بعد (الفكر الإسلامي) لأنه يقابل ذلك الفكر الاستعماري الاستشراقي ولهذا صار أول ما نشأ هذا الفكر ونشأ المفكرون راجعٌ ذلك إلى الدفاع عن الإسلام وإلى رد هجمات المستشرقين وهجمات أعداء الإسلام فكل من أراد أن يرد وكل من أراد أن يدافع من المثقفين أو من العلماء أو ممن عنده بدايات علم أو ممن عنده اطلاع وقراءة عامة كتب في الدفاع عن الإسلام حمية له وبيان لمحاسنه وردًا على المفتريات باسم الفكر ليسوا بعلماء ولكنهم كتبوا هذه الكتابات فظهر أنّ هؤلاء مفكرون إسلاميون منهم من تخصص في ذلك حتَّى غدا ما يكتبه وما يؤلفه في هذا المضمار وخُصوا بهذا الاسم ، باسم (المفكرين الإسلاميين) وما يكتبونه باسم (الفكر الإسلامي) لا شك أنه في هذا الجيل أيضًا يعني في القرن هذا ، القرن العشرين أو القرن الرابع عشر الهجري الذي سلف لا شك أنه ظهرت مشاكل متعددة في المسلمين ، مشاكل إعلامية مشاكل من جهة الالتزام بالدين والقناعة به مشاكل اقتصادية، شبهات تتعلق بالسياسة ، شبهات تتعلق بالاقتصاد شبهات تتعلق بتاريخ الإسلام ، شبهات تتعلق بموقف علماء الإسلام شبهات تتعلق بالنصوص وما مدى العمل بالنص؟ القواعد وما مدى العمل بالقواعد؟ وأصول الفقه .. إلى آخر تلك المسائل فظهرت مشاكل وشبهات في هذه الأمور فظهر أولئك المفكرون ليدلوا بدلوهم في بيان حقيقة ما عليه الأمة في هذه العلوم وذلك المضمار فظهرت كتابات متنوعة لا شك أن تلك الكتابات التي ظهرت تتطلب علمًا تتطلب معرفة، تتطلب ثقافة والجميع لو اجتمع لحصلت نتائج سليمة لكن خاض غَمْرَةَ ذلك لقصد نصرة الإسلام ولبيان حقائقه خاض غمرة ذلك من ليس عنده إلاَّ الثقافة أو عنده بعض المعلومات التاريخية أو عنده بعض الاطلاع العام ولكن ليس عنده علم فظهر في كلامهم صواب وظهر في كلامهم خطأ كثير فمزجوا الصواب بالخطأ وسبب ذلك الفكر كما سيأتي إيضاح ذلك أيضًا لما ظهرت تلك المدارس المختلفة الفكرية يعني من وجهات النظر المختلفة في علاج مشاكل المسلمين وفي الرد على الأعداء لا شك أنه سيحصل نوع من التحزب نوع من الرجوع إلى أولئك المفكرين، فكل من أُعجب بفكرة عالم، كل من أعجب بفكرة مثقف فإنه ستكون التبعية لذلك، فظهر بعد ذلك مفكرون تبعوا المفكرين الأصليين، أو ظهر فكر يتبع أساسيات تلك الأفكار حتَّى توسعت الشقة وحتَّى ابتعدا طرفا الطريق فتوسع جدًا وكثرت الطرق من أجل كثرة أفكار الذين ابتدءوا بذلك الفكر فننظر مثلاً إلى أن أول من دخل في هذا المضمار جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومن بعده محمد رشيد رضا ثم ظهرت الأفكار في الجانب الآخر من مثلاً أفكار عباس العقاد أفكار وطه حسين أو أفكار ... الخ وهؤلاء كل بحسب ما عنده الخط الأول عنده علم كثير ولكن لأجل الضعف عن مواجهة الغرب بكل شيء صاغوا أساليبهم بأساليب فكرية فظهر عندهم من الأخطاء حتَّى تجاهلوا أصولاً عظيمة في الإسلام من أصول الغيبيات ونحو ذلك والطرف الآخر من المدرسة الجديدة أرادت أن ترد ولكن باستخدام لغة المستشرقين حتَّى غدا ذلك التأثير بيِّنًا ظهرت بعد ذلك الجماعات العاملة الجماعات الإسلامية فظهر لكل مدرسة من تلك الجماعات من يمثل فكرها بكتابات ففي الباكستان ظهرت هناك الجماعة الإسلامية وظهر لها من يمثل فكرها كأبي الأعلى المودودي وفي مصر ظهر من يمثل فكر جماعة الإخوان المسلمين وفي الشام ظهر وفي المغرب أو الجزائر ظهر من يمثل الفكر الذي يراد أو الذي تبنى نقل الناس إلى الإسلام بفكرٍ كفكر مالك بن نبي ونحو ذلك المقصود من هذا أنها تنوعت المدارس حتَّى تنوعت الجماعات وتنوعت الأفكار بسبب تنوع تلك المدارس.

 

إذًا فلنشأة الفكر أسباب وهذه بعض أسبابه ولا شك أن المتأمل لذلك ينظر إلى أن نشأة الفكر إذًا لم تكن نشأة على علم وإنما كانت نشأة عاطفية اندفاعية ليست مؤصلة ولا منظمة وإنما كانت بحسب الحال دفاعٌ عن التاريخ دفاع عن العقيدة دفاع عن الإسلام لكن بطريقة غير مقننة غير منظمة غير مؤصلة غير منضبطة بالتالي ظهر كثير من الكتابات التي تراها اليوم ممن يسمون بمفكرين إسلاميين وفي الحقيقة إنما هم مفكرون ليسوا بإسلاميين لأنهم إنما يفكرون تارة بالنظرة الاشتراكية وتارة بالنظرة الاعتزالية وتارة بنظرات مختلفة فنشأ ما يسمى بالتنوير والاجتهاد والتطور والتقدم حتَّى أتى من المفكرين من يزعم أنه لا بد من إقامة صرح جديد لطريقة العقل والتفكير والتعامل مع النصوص لأن تلك إنما تناسب زمنًا مضى وهذا الزمن لا بدَّ له من شيء جديد إنه ولا شك انحراف خطير عن أصل هذا الدين وعن العلم الصحيح الذي نزل به جبريل عليه السلام من عند رب العالمين في كتاب الله جلّ وعلا وفي سنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم هذا الموضوع الذي هو الفكر والعلم مهم وسبب الاختيار له أنَّ كثيرين من طلبة العلم أو من الناس من المثقفين من الشباب لا يعون حقيقة المصطلح ولا يعون أبعاده ولا يعون ما ينبغي أن يؤخذ به وما ينبغي بل يجب أن يحذر منه من الفكر فكان لا بدَّ من طرق هذا الموضوع حتَّى تتضح حقيقة الفكر ومن أسباب طرح هذا الموضوع كثرة الذين يكتبون عن الإسلام فكريًا وانتشار كتاباتهم فترى في الصحف كثيرًا ما يكتب أناس هؤلاء يقال عنهم مفكرون إسلاميون وهناك كتابات قديمة من أناس ليسوا بحاضرين من أمثال مالك بن نبي، المودودي، سيد قطب، محمد قطب .. إلخ لهم كتابات وهذه الكتابات تتسم بأنها كتابات فكرية فما حجم هذه الكتابات كيف توزن؟ هل ترد؟ هل تقبل؟ هل يعتمد عليها أم لا يعتمد عليها أم لا يعتمد عليها ما حدودها؟ هؤلاء المفكرون الذين ذكرت أسماؤهم ومن لم نذكر أسماؤهم ما موقعهم الصحيح في الأمة؟ وما الذي ينبغي أن يوضعوا فيه في أي إطار؟ لا شك أنَّ هذه الأسئلة مهمة والجواب عنها مهم ولعله أن يكون في هذه الكلمة أو هذه المحاضرة بعض إجابات عن ذلك . ومن الأسباب أيضًا أن طائفة من المثقفين علت درجاتهم في الثقافة أو توسطت خلطوا بين الفكر والعلم حتى صار الفكر دليلاً حتَّى صار ما يكتبه المفكرون أعظم في القناعة وأعظم في الإتباع مما يكتبه العلماء بل زاد الأمر على ذلك حتَّى سمِّي العلماء بأنهم متأخرون وأن المفكرين هم المتقدمون وهذا لاشك يتطلب بحثًا لهذا الموضوع وتعريفًا للناس بالفكر ما هو؟ وهل يقبل أم لا يقبل؟ إلى آخر ذلك ، والسبب الرابع لطرح هذا الموضوع أن كثيرًا من قيادات الدعوة وقيادات الجماعات الإسلامية في هذا العصر وهي الجماعات التي سواءً كانت منظمة أو غير منظمة هي التي يراد منها أن تصلح أوضاع المسلمين وأن تعيد الناس إلى جادة الصواب كثير بل الأكثر من تلك القيادات إنما هي قيادات فكرية وينتج عن تلك القيادات آراء وأنواع من التعامل وينتج عن قياداتهم الفكرية توجيه للشباب في أن يتخذوا الموقف الفلاني وأن لا يتخذوا الموقف الفلاني ودلائل ذلك إنما هو فكر دون علم ومن المسلّم به بل من المجمع عليه أن الدليل إنما هو العلم أما الفكر فليس بدليل وإنما هو تلمسٌ كما سيأتي ، السبب الخامس لطرح هذا الموضوع أن هذا العصر تنوعت فيه أفهام الناس، وتنوعت فيه طرائقهم في التفكير فنتج من ذلك أن خطاب الناس بالفكر مهم وطرح بعض المسائل طرحًا فكريًا في الصُحُف أو في بعض الكتيبات هذا مهم لأن الناس لا يعون لغة العلم ولا يتحمسون للعمل فإذا طرح لهم بأسلوب فكري ثقافي فإن كثيرين من المسلمين يقبلون على ذلك ويرعونه ويهتمون به وتصلهم أفكار وتصلهم أصول بالفكر ربما لا تصلهم بالعلم لعدم محبتهم للعلم أو لعدم إقبالهم عليه وهذا يتطلب أن توضع ضوابط للمفكر وضوابط للفكر حتَّى يكون إرشاداً للأمة وحتّى تكون الكتابات الفكرية منضبطة غير مخالفة لمقتضى العلم ومقتضى الكتاب والسنة وقواعد الإسلام.

 

نبدأ أولاً بإيضاح معنى الفكر الإسلامي ما المراد به ذكرنا أنه مصطلح جديد وإذا كان مصطلحًا جديدًا فلا بد له أذن من تعريف عرَّفه بعضهم بقوله: [إن الفكر الإسلامي هو عمل المسلمين العقلي ونتاجهم الفكري في سبيل خدمة الإسلام بيانًا ودفاعًا] وهذا المعرِّف لهذا التعريف جعل البيان من الفكر وجعل الدفاع من الفكر ويعني بالبيان العلم فجعل العلم من الفكر لأن بيان الإسلام هو العلم والدفاع عن الإسلام هذا بعض مهمات الفكر وفسَّر قوله بيانًا بأنه المراد به بيان الإسلام بيان الأصول بيان التفسير بيان الحديث إلى آخره فجعل العلم من الفكر فهل يصح أن يجعل العلم من الفكر ؟! آخر عرَّف الفكر بأنه جمع الشواهد والأدلة ثم تحليلها لخدمة الإسلام يعني إذا أراد أن يبحث قضية من القضايا فيجمع لها الشواهد والأدلة ونعني بالشواهد والأدلة ما يشهد للغاية فالغاية عنده معلومة فيريد أن يجمع لها من الشواهد والأدلة ما يصحح هذه الغاية حتَّى يدافع عن الإسلام أو يبين محاسن الإسلام أو ينصر الإسلام في قضية من قضاياه وهذا يعني أيضًا أنه أدخل العلم في الفكر جمع الشواهد والأدلة ما حدد؟ ماهي هذه الأدلة؟ وما هي هذه الشواهد التي توصل إلى تلك النتيجة؟! إذًا دلنا ذلك على أن تعريف الفكر بما ذكر ليس منضبطًا ولا ثابتًا بل قد يدخل فيه أشياء وقد يخرج منه أشياء ما حدّد ذلك مهمة المفكر ما يتعرض له ولا مالا يتعرض له كيف يصل بفكره إلى النتائج؟ هل النتيجة هي الأولى أم النتيجة مراده؟ في الواقع أن ذلك لم يضبط ولهذا تجد أن المفكرين كل يورد ما عنده بحسب طريقته فيختلفون في البداية ويختلفون في النهاية ويختلفون أيضًا في وسائل ذلك كل بحسب مدرسته ، هل يصح أن يقال على هذا إن العلم من الفكر ؟ لا شك أن العلم لا يجوز أن يقال إنه فكر إسلامي وقد سُئل الشيخ العلامة محمد بن عثيمين عن هذه الكلمة كلمة (فكر إسلامي) هل يجوز أن تقال ؟ فقال الشيخ حفظه الله ورحمنا وإياك كلمة فكر إسلامي من الألفاظ التي يحذر عنها إذ مقتضاها أننا جعلنا الإسلام عبارة عن أفكار قابلة للأخذ والرد) لأن الفكر رأي فإذا قلنا فكر إسلامي معناه أن الإسلام صار مجموعة أفكار قابلة للأخذ والرد قابلة للنقاش قال الشيخ (وهذا خطر عظيم أدخله علينا أعداء الإسلام من حيث لا نشعر) –وقال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله عند هذه الكلمة في كتابه [معجم المناهي اللفظية]: (كيف يصح أن يكون الإسلام ومصدره الوحي [فكرًا]، والفكر هو ما يغرزه العقل، فلا يجوز بحال أن يكون الإسلام مظهرًا من مظاهر لفكر الإنساني! فالإسلام بوحي معصوم والفكر مصدره العقل و ليس معصومًا، وإذا كان بعض الكاتبين- يعني به الأستاذ سيد قطب- أدرك الخطأ في هذا الاصطلاح فأبدله باصطلاح آخر هو [التصور الإسلامي] – وهذا في كتاب [خصائص التصور الإسلامي] و[مقامات التصور الإسلامي] - فإنه من باب رفع آفة بأخرى؛ لأن التصور مصدره الفكر المحتمل للصدق والكذب] وهذا الذي قاله الشيخ بكر سديد لأن من رأى بحث خصائص التصور الإسلامي [مقومات التصور الإسلامي] وجد أنها تبحث في تحليلات للعقيدة، التوازن، الشمول إلى آخره .. فيجعل أصولاً عقدية جديدة ويجعل ذلك مزايا التصور كما قال (الإسلامي) يعني مزايا العقيدة الإسلامية وتلك إنما هي بأفكار لم يسبق إليها كتابها والتصور هو الفكر فرجع الأمر إذًا إلى الحديث عن أصول الإسلام وعن العقيدة وعن مزايا ذلك والحكم والأسرار في أصول فكرية وقوالب تصورية ثقافية ولا شك أن هذا كما قال الشيخ [رفع آفة بأخرى] يعني محاولة علاج آفة بإحلال آفةٍ أخرى جديدة والكل راجع إلى أنه فكر، فكر إسلامي كما يعبرون وهو في الحقيقة فكر غير منضبط وليس عندنا ما يسمى فكرًا إسلاميًا يعني ليس عند العلماء ما يجوز أن يقال له فكر إسلامي هل يجوز أن يقال مفكر إسلامي؟ قال الشيخ ابن عثيمين : مفكر إسلامي يعني من يفكر ويكون مصدره في التفكير الإسلام وهذا إذا انضبط بالعلم صحَّ لأن من فكر بطريقة علمية صحيحة فهو مفكر إسلامي فيصح أن يقال عن من انضبط بالعلم في التفكير إنه مفكر إسلامي يعني مسلم ذو فكر وهذا الاستعمال صحيح ، بعضهم اعترض وقال إنَّ هذا الكلام غير منضبط لأن القرآن والسنة فيها الحث على التفكر والحث على النظر وقد جاءت آيات كثيرة في ذلك منها قوله جلّ وعلا: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ)، فمدح الله جل وعلا خاصة المؤمنين بأنهم يتفكرون وكذلك قال جلّ وعلا: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى)، وقال جلَّ وعلا: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا)، وجاء في الحديث أو في الأثر [اللهم اجعل كلامي ذكرًا وصمتي فكرًا] ولا شك أن التفكر أمر مطلوبٌ ومستحب أو واجب في بعض الأحيان لأن التفكر ينتج نتيجة عظيمة وهي تعظيم الله جلًّ جلاله وتعظيم ما أنزل على رسوله واتباع الرسل والخوف من الآخرة والرغب في الجنة والحذر من النار فهل هذا التفكر الذي جاء في الآيات وفي بعض الأحاديث [تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذات الله فتهلكوا] هل هذا التفكر هو المقصود بالفكر ننظر إلى ما قاله العلماء في كلمة التفكر لأن من استدل على صحة الفكر بالتفكر نقول هذا استدلال غير صحيح لأنَّ الفكر أو التفكر الذي جاء في هذه الآيات ليس هو الفكر في الشرع وإنما هو تفكر في آلاء الله ففرق بين الفكر في الشرع التفكر في آلاء الله ، التفكر في آلاء الله في مخلوقات الله هذا هو المقصود بما أمر الله جل وعلا به في تلك الآيات .

 

أمَّا التفكر في الشرع التفكر في أحكامه فإنَّ هذا هو الذي ينتج الفكر، وهذا الفكر قد يكون صحيحًا وقد يكون سقيمًا فإن الفكر إذًا الذي يقصد به حين يقال (فكر اسلامي) لا يقصد به التفكر في ملكوت الله ولا يقصد به النظر في الآفاق وفي الأنفس وإنما يقصد به النظر في الشرع، والنظر في أدلته والنظر في التاريخ للوصول إلى نتائج معينة وهذا غير الفكر، ولهذا قال بعض الأدباء وكلامه كلام حسن قال : الفكر مقلوب فرك ، فَرك الشيء  يفركه فركًا لكن يستعمل الفكر في المعاني وهو فرك الأمور وبحثها طلبًا للوصول إلى حقيقتها وهذا في الحقيقة تعبير صحيح وتعبير جيد.

 

يخرج بالتفكر والفكر عن المدلول العصري الاصطلاحي في قولهم (فكر إسلامي) إذا كان التفكر إنما هو في الملكوت التفكر في آلاء الله التفكر في الأنفس للوصول إلى نتيجة تُقَوي الإيمان وتعظم في العبد تعظيمه لله جلَّ وعلا وخوفه منه ورجاء ثوابه والخوف من عقابه والقرب من جنته والحذر والبعد من عذابه وناره فإن هذا يخالف ما يسمى بالفكر والفكر في الحقيقة في الاصطلاح الجديد هذا إنما هو (الرأي) لأننا عندنا في الشرع أدلة دلت على النهي عن الرأي، فما هذا الرأي الذي حذرت منه الأدلة ؟ هو في الحقيقة هو الفكر لأنَّ الرأي مصدره العقل يرى رأيًا ومعلوم أن الرأي يكون بعد ترو فيرى بعد التروي وهذا في الحقيقة هو الفكر لأنه أي بعد التروي و أصدر فكرًا أو قال فكرًا بعد أن فكَّر، فالرأي والفكر متقاربان ولهذا جاء في النصوص النهي عن الرأي وجاء في كلام الصحابة والتابعين كما سيأتي . الفكر إذن رأي وهذا أمر واضح لأنه ناتجٌ عن تصرف العقل وتفكير العقل وهكذا الرأي ناتج عن تصرف العقل وتفكير العقل، الرأي في تاريخ الإسلام انتج لنا أشياء كثيرة انتج لنا الرأي أراء جديدة في العقيدة انتج لنا الرأي أراء جديدة في أصول الفقه انتج لنا الرأي أراء جديدة في الحديث وما يقبل منه وما يرد والأحاد وغير الآحاد والمتواتر وغير المتواتر والقطعي والظني إلى آخر ذلك انتج لنا آراء جديدة في المصالح والمفاسد حتَّى قال بعضهم حيث وجدت المصلحة فثم شرع الله وقلب الحقيقة برأيه والحقيقة أنه حيث وجد الشرع فثم المصلحة لأن المصلحة مفرزة من الشرع وليس الشرع مفرزًا من المصلحة، فالشرع هو الأساس وعن الشرع تنتج المصالح وتدرأ المفاسد. بالرأي ظهرت أراء سياسية متنوعة غير السياسة الشرعية سياسات يتبع فيها أصحابها ما يرون كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية ظهرت السياسات المَلِكِيَّة والسياسات الأماراتية وظهرت السياسات العقلية وظهرت السياسات الفلسفية... إلى آخره فكل يسوس برأيه، فجعلوا أن هذه المفرزات جميعًا صحيحة وإسلامية ومرجعها إلى الشرع أصحابها في الواقع أهل رأي تمسكوا بقواعد تمسكوا بأشياء من المتشابه ونتجوا عنها بتصرفاتهم وأفكارهم وهذا هو في الحقيقة هو الذي انتج لنا الرأي وهو الذي انتج بعد ذلك الفكر إذ أنَّ الفكر فيما ترون في الوقت الحاضر انتج لنا فكرًا عقائديًا تُكلِّم في العقائد من منطلق فكري فمن منطلق نظر، فقيمت بعض الإتجاهات العقدية تقييمًا فكريًا فبعضهم قال إن المعتزلة هم القوم وأن أهل الحديث ليسوا بشيء لِمَ؟ بموازنات فكرية فرجحوا عقيدة على عقيدة بمعطيات فكرية فأين الدلائل؟ أين النصوص؟ أين ما يدل على ذلك إنما هو الرأي المجرد . وكذلك رُجِّحَت أنواع من السياسة في الدول وسوَّغ بعض الناس من المفكرين لبعض الدول أنواعًا من التعامل وأنواعًا من التصرفات بالفكر والرأي وهذا لا شك أنه خطر عظيم وانحراف جسيم جاء في الأمة نتيجة لمفكرين نتيجة لأقوال فكرية وتضخم ذلك وتضخم حتّى غدت الأقوال والفرق والاختلافات كثيرة لهذا يجب علينا أن نصيخ لدلائل الشرع العظيمة التي تنهى عن الرأي ، إن الرأي في دين الله مذموم إلاَّ إذا كان عن مسائل الاجتهاد في مسائل الاجتهاد ممن كانت عنده آلات الاستنباط والاجتهاد يعني أن من رأي رأيًا أو قاس قياسًا أو ظهر بأفكار وهذا عنده لأجل تمكنه من آلات الاستنباط والاجتهاد فهذا مقبول منه أما أن يرى الرأي ويصدر الفكر والأحكام من ليس عنده شيئ إلاَّ أنه قرأ وتثقف وقال عندي ملكة للمطالعة وعندي ملكة الاطلاع فهذا لا شك أنه لا يقبل بل هو ما جاء في النصوص النهي عنه ومن تلك النصوص أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص قال في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: [إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور العلماء ولكن يقبض العلم بموت العلماء حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جُهَّالاً فأفتوا بغير علم] وفي رواية مسلم: [فأفتوا برأيهم فضلوا وأضلوا] أفتوا برأيهم يعني : حكموا على الأمور وعلى الأحوال وعلى ما عندهم مما يحتاج إلى حكم بالرأي يعني بالفكر والرأي والفكر هما شيء  واحد فضلوا وأضلوا ومن ذلك حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود والنسائي وحسنه الحافظ ابن حجر أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: [ من قال في القرآن برايه فليتبوا مقعده من النار] فظهر من المفكرين من يتكلم في القرآن برأيه ويجعل بعض المعطيات الفكرية أو النتائج هي من دلالات القرآن حتى جعل من دلالات القرآن والعياذ بالله أمر مجمع على بطلانه ولم يقل به أحد من أهل العلم، بل جعل من دلالات القرآن ما يدل على عقائد فاسدة أو ما يدل على آراء الأدلة والقواعد تقضي عليها من أُسِّها والأدلة في ذلك في السنة كثيرة ومما جاء عن الصحابة في ذلك قول عمر وهو قول عظيم قال رضي الله عنه: [إنّ أصحاب الرأي أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أنْ يحفظوها والسنن أنْ يتفهموها فعارضوا السنن برأيهم فإياك وإياهم] وفي طريق أخرى قال رضي الله عنه: [فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا] وهذا الذي قاله عمر منطبق تماما على بعض أنواع الفكر يعني الفكر الذي لا دليل عليه أو الفكر الذي يهدم أصولاً فيكون استدلال أصحابه بالمشتبهات لا بالأصول العلمية فتنتج عن ذلك أنهم قالوا بالفكر قالوا بالرأي فضلوا فعلا وأضلوا وهذا ظاهر في مدارس كثيرة تراها اليوم في كثير من بلاد المسلمين، فإذا نظرت مثلا إلى فكر بعض الكُتّاب الذين تكلموا في أشياء من طريق الرأي وجدت أنه تفرع ونشأ عنهم مدرسة مثل مثلا مالك بن نبي في الجزائر نتجت عنه مدرسة مالك بن نبي نتائج فكره قامت عليها دعوة بعد ذلك تأثر به راشد الغنوشي المعروف زعيم الحركة الإسلامية في تونس -كما يقال- وهذا حال حركة لا تعي السنن ولا تعي العلم وإنما هي معطيات فكرية حتى إنه قال في يوم من الأيام حينما سئل عن مطالبكم في تونس قال: مطالبنا أنْ يُحكّم الشعب، قالوا: فإذا اختار الشعب الديمقراطية، قال: ليس عندنا مانع، فإذا اختار الشعب الديمقراطية فإننا نختار ذلك لكن لا يجبر الشعب على اختيار لا يريده.

 

هذا فهم للإسلام وإن كان ذلك عليه من قبله وهو أيضا عنده شبه في ذلك لكنه عطاء فكري مارد ليس له من الإسلام نصيب وتبني هذا دعوة تبنته دعوة تبنت هذه الدعوة مواقف وتحليلات سواء في داخل بلادها أو في خارجها كل ذلك نتاج مفكر أو نتاج فكر سابق كذلك في مصر ترى أنّ كثيرا من المواقف والمقررات مثل في انتشار الجماعات المختلفة بعد دعوة الإخوان المسلمين والجيوب التي حصلت في الجماعة واختلاف الآراء فيها كانت نتاج كلام فكري قاله بعض المفكرين وتبنى هذا الكلام أناس فنشأت جماعات ثم تبنى أفكار أخرى جماعات أخر فكثرت الجماعات حتى إنه يقال إنّ اليوم بمصر نحو مائة جماعة أو اسم أو قريب من ذلك ربما للمبالغة والتكثير وهذا نتاج الفكر ويأتينا أنّ الفكر مفرق، الفكر لا يجمع، الفكر يفرق الناس لأنه إذا كان عندي أفكار فلابد أنْ يكون ثمّ من يقتنع بهذه الأفكار فيكون هناك تفرق في الأمة هؤلاء يقتنعون بهذا الفكر والفكر ليس مصدرا عقليا وليست نتاجا عقليا والغاية عقلية بل يتبعه عمل ولهذا في كتابات مثلا سيد قطب المتأخرة بل وفي كتابه [في ظلال القرآن] نتجت هناك جماعات تتبنى أفكاره التي قاله في نحو كتاب [معالم في الطريق] أو في نحو كتاب [خصائص التصور الإسلامي] ونحو ذلك مما فيه انحراف عن قواعد الإسلام وعن أصول هذا الدين، نشأت جماعات الخ تبنت هذه الجماعات مواقف الخ ذلك وكل له تبريراته وكل له فكره لكن العلم ليس متصلا بذلك، بل العلم من ذلك براء.

 

ننتقل إلى نقطة أخرى، الفكر ما مصدره؟ يعني إذا نظرت في كتابات المفكر ماذا يعتمد عليه حتى يكتب؟ ما دلائله؟ ما مصادر الفكر عنده؟ متنوعة ومتعددة، لكن يمكن أنْ نذكر منها أولا: الثقافة العامة المجموعة مما علق بذهن ذلك المفكر أو مرّ عليه من أدلة الشرع وكلام يعض السابقين، وثقافته التاريخية والواقع السياسي ونفسية الكاتب إلخ ، يعني أشياء مجموعة ثقافية دليل من الكتاب ، دليل من السنة ، دليل من قاعدة ، واقع تاريخي، قصة تاريخية هذا مصدر من مصادر الفكر فإذا نظرت في كتابات المفكر أي مفكر تشاء لا تجد أنه يستدل بأمر خارج عن الكلام الإسلامي ولذلك قيل عنه إنه (مفكر إسلامي) ، لكن هذا الكلام الذي يستدل به ويجعله من مصادره هل هو مستقيم في نفسه؟ يعني صحيح في نفسه غير معارض أم أنه أدلة لكنها تدخل في المتشابه كثيرا من الأحيان ! في الواقع أنك تجد أدلة بعضهم يكتب ويبدأ كلامه التفكير الإسلامي كما يقولون بقاعدة من القواعد هذه القاعدة صحيحة ويفرع عنها ويبدأ ويتخذ الوسائل ويصل إلى الغاية والأحكام والعلاج إلخ ، منطلقاً من ذلك وكأنه ليس في تقييم ذلك الوضع أو في علاج هذه النقطة أو في علاج تلك المشكلة إلاّ هذه القاعدة يذكر مسألة أصولية يتعامل في المسألة بنص واحدٍ أو يذكر ثقافة أو يكون عنده عاطفة من العواطف فيتكلم من منطلق هذه العاطفة يرى مثلا ما حلّ بالمسلمين من نكبات وما يمارسه عدو الإسلام من ضغطٍ على الإسلام والمسلمين وإهانة وويلات إلى آخر ذلك مما هو مشاهد في ميادين مختلفة فتتعاظم نفسه ذلك فينتج ذلك إفرازا هذا الإفراز يسمى إفراز فكري وهذا الإفراز يصبغه بالصِبغة الإسلامية فيستدل بآية ويستدل بحديث ينقل كلام يذكر واقعة تاريخية وهذا يعدّ أكبر المصادر عند المفكرين فيرى كثيرا من الناس وينظرون إلى هذا المقال أو ذلك الكتاب فيجد أنّ فيه استدلالاً بآية وفيه استدلال بحديث وفيه استدلال بقاعدة فيه ذكر لخبر تاريخي، لقصة تاريخية فيرى أنّ ذلك الفكر صحيح وأنّ ما نتج إليه كان صحيحا ويفعِم ذلك بعاطفة قوية وعبارة جيّاشة وأسلوب أدبي قوي فيقتنع كثير من الناس بذلك وهذا من المصادر المهمة عندهم وهي التي يجب أن يكون طالب العلم منها على حذر لأنه كما سيأتي هناك فرق بين المحكم والمتشابه فأما الأدلة من حيث هي والاستدلال فهذا يمكن أنْ تستدل على المسائل المخالفة للدين ببعض ما جاء في القرآن مثلا استدل النصارى على نصوص بعثة النبي صلّى الله عليه وسلّم للعرب بقوله جلّ وعلا: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)، وفرعوا على ذلك منهم من أباح الخمر واستدل على ذلك بالقرآن قال جلّ وعلا: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، وهذا أمر ولم يحرم لأنه قال: (لعلكم تفلحون) في إفرازات كثيرة كما ذكر ذلك الشاطبي في [الموافقات] حيث قال: [ ليس ثمَّ صاحب رأي إلاّ ويجد في الشرع من المتشابه ما يدل على رأيه ] وهذه عمدة أهل الفكر في الوقت الحاضر يجدون من المتشابه من كلام الله جلّ وعلا وكلام رسوله صلّى الله عليه وسلّم وربما بعض كلام أهل العلم أو الوقائع التاريخية إلى آخر ذلك ما يستدلون به فيجعلون أحكاما وأحوالا بل ربما أنواع من التعامل والنتائج مبنية على تلك المصادر التي هي مجموع الثقافة العامة لدى المفكر.

 

الثاني من المصادر عند المفكرين الإسلاميّين: نظرة الكاتب إلى الواقع وكيفية علاج ذلك الواقع وهذا يتنوع بحسب نشأة ذلك الكاتب ومدرسته فمثلا ترى أنّ أبا الأعلى المودودي في الباكستان طرحُهُ الفكري يختلف تماما عن طرح مالك بن نبي في الغرب لمَ ؟ لأنّ ذاك نشأ نشأة معينة والآخر نشا نشأة أخرى فذاك متأثر بكلام المستشرقين وبالدراسات الاستشراقية وبفرنسا إلخ، فنظر بمنظور آخر وأبو الأعلى المودودي ناتج من رأيه في كيفية الإصلاح الواقع وكيف ننهض بالمسلمين… مصدر من مصادر الأفكار المدرسة إذا نظرت في جانب آخر في جانب المنحرفين جدا بعضهم عاش في الاشتراكية زمنا طويلا مثلا الدكتور محمد عمارة وعاش في ذلك وعاش فلما رجع وكتب كتابات إسلامية ويسمى اليوم –نسأل الله العافية والسلامة- مفكرا إسلاميًا وله آراء وآراء وبعض الناس يتبناها وتكتب حتى في صحفنا تجد أنه ينبثق من ذلك الماضي الذي عاشه فله أفكار متعلقة في ذلك فإذا كتب عن التنوير أو التقدم أو التطور وكيفية صياغة العقلية فإنما يرجع إلى معاناة سابقة وينتج ما عنده من الأفكار بحسب ما عنده، دون الرجوع إلى الأصل الأصيل لأنه لم يدرس ذلك أو لأنّ حياته تقلبت في أدوار مختلفة إذا نظرت إلى الذين اعتنوا بالاستشراق وذهبوا ودرسوا في الغرب وواجهوا المستشرقين في مؤتمرات إلخ ، وتكلموا عن الإسلام بنظرة فكرية لكن بإحساس هجوم الغرب على الإسلام مثل الشيخ محمد الغزالي في كتاباته، ضعف نفسي أمام أطروحات المستشرقين وعيبهم في الإسلام وهذا الضعف النفسي أراد أنْ يبرر أنّ الإسلام صحيح وأن ما عندنا هو الصحيح حتى لو أخذ قولا شاذا من أقوال العلماء أو استدل بواقعة أو هدم إجماعا من الإجماعات المقصود أنْ يظهر الإسلام قويا أمام الاستشراق هذا وضع نفسي خاص يُنتج أنواعا من التفكيرات وأنواعا من الأطروحات التي يقدمها المفكرون كذلك في الفن كذلك في المباحث اللغوية والأدب .. إلخ ، هناك أنماط من التفكير ومصادر الفكر تكون واقع ذلك الشخص وحياته التي عاشها والشيء  الذي اهتم به، إذن فيكون الفكر أبتر لأنّ ذلك المفكر ينظر من واقعه ينظر فيما عاناه فيريد أنْ يخرج بنتائج هي في الواقع لا تحل شيئا وإنما هي تقنع وتحل المشكلة التي عنده، لكن لا تحل مشكلة المسلمين إلاّ إذا تصور أولئك أنّ كل مسلم عنده نفس المشكلة التي عند ذلك الكاتب وهذا لا شك أنه لا يقوله أحد.

 

من المصادر ايضا تتابع المدارس، الكتّاب الذين قرأ لهم المفكر فتجد أنّ من الناس اليوم من يكتب كتابات فكرية متأثرا مثلا بمدرسة سيد قطب الفكرية أومنهم يكتب كتابات فكرية متأثرا بمدرسة المودودي الفكرية ومنهم من يكتب كتابات فكرية متأثرا بمدرسة مالك بن نبي، متأثرا بمدرسة محمد قطب متأثرا بمدرسة محمد البهي، أنور الجندي .. إلخ الذي يكتبون في تلك المجالات تتنوع المدارس وتبدأ يكون من المصادر الدراسات القديمة من المصادر الأفكار القديمة ولا شك أن هذا يُحدِث انحرافا بعد انحراف لأنّ فكر الثاني يكون توسعة لفكر الأول فإذا كان فكر الأول غير منضبط بضابط الشرع فإنه يكون هناك خللٌ في النتائج وانحراف عن اصل الإسلام نصل إلى سؤال مهم وهو هل الفكر كله مذموم؟ متى تذم الكتابات الفكرية؟ ومتى لا تذم؟ ومتى تقبل ومتى لا تقبل؟ نرى كما ذكرت في المقدمة أنّ الفكر والكتابات الفكرية في هذا الزمان مهمة ولا شك ولها فوائد لكن متى ما انضبطت بضوابط الشرع متى ما قام أصحابها عليها بنظر صحيح متأمل رعوا فيه حق العلم وصاغوا ذلك بقوالب فكرية ونقاشات يقتنع بها الناس نعم لغة العلم عزيزة لغة العلم لا يفهما كل أحد اعتاد الناس في هذا الزمن على المقالات في الجرائد والمجلات اعتادوا على الكتب الصغيرة كتب الجيب التي يأخذ منها فكرة مدللة بقناعات سطحية متنوعة بأسلوب جذاب فيحدث قناعات كثيرة عند الناس هل نلغي الفكر؟ نلغي الكتابات الفكرية؟ الجواب ليس الأمر كذلك لابدّ أنْ يكون هناك من يقوم بهذه الكتابات الفكرية لكن على الضابط الشرعي الذي سنذكره أو نعرض له فيما يأتي إنْ شاء الله تعالى.

من فوائد الكتابات الفكرية في هذا الزمن:

أولا: أنْ يخاطب الناس باللغة التي يفهمونها لو نظر أحدكم إلى طالب علم يدخل إلى البيت ويكلم بعض المثقفين مثلا عنده أخ دارس دراسة مثلا مدنية أو عنده أخ يسافر كثيرا أو تاجر أو قريب له... الخ فإنه قد لا يستجيب للغة العلم قد لا يفهم مدلولات لغة العلم فهؤلاء لابدّ أنْ يوضح لهم الإسلام وأصول الإسلام وقواعد الإسلام وما عليه أهل الإسلام وعقيدة أهل السنةوتوضح لهم الأصول في عبارات سهلة هذه العبارات هي الي نسميها طرح فكري من الناس مثلا من يكون عنده الاستشهاد بواقعة تاريخية أعظم في التأثر من أنْ تستشهد له بحديث إذا أظهرت له تناقضا بين موقفين تناقضًا في حالتين يكون عنده أكثر إقناع مما لو أتيته بكلام عالم من أهل العلم، العقول مختلفة فإذًا لابدّ أنْ تخاطب الناس بما يفهمون وبما يعقلون ومخاطبة الناس بما يفهمون وتحديث الناس بما يعقلون هذا لا شك انه من المطالب التي يدخل فيها التحدث مع الناس بالفكر لكن أي فكر هو الفكر الذي كان العلم عليه حَكَمًا ولم يكن حاكمًا على العلم، الفكر الذي صدقه أهل العلم وصدقه النص والقواعد الشرعية.

ثانيا: أننا نحتاج في هذا الزمن لا شك إلى الرد على الأعداء، الرد على أهل الخصومات في الإسلام وللإسلام الشبّه كثرت والآراء كثرت فلابدّ من أطروحات مقابلة وهذه الأطروحات إنْ كانت بصيغة علمية لا تناسب كل الطوائف وكل الفئات فإنْ كانت فكرية قُبلت ولهذا نرى أنه من الحاجة أنْ يكون ثمَّ كتابات فكرية لكن كتابات فكرية صحيحة وهذه الكتابات بشرطها الذي سياتي وأعظمه أنْ يكون

في جانب المضار، هل الكتابات الفكرية التي قرأنا منها ورأينا منها القديمة والحديثة هل هذه سلمت من المضار؟

الجواب بل إنها حوت مضارا عظيمة وأخطارا متنوعة فمن ذلك وهو أعظمه أنها أحدثت أجيالاً تفكر دون اعتماد على العلم والأمة لا تعرف إلاّ أنْ يكون العلم هو الأصل، فالأمة مرتبطة بالعلماء منذ عهد الصحابة بل حتى في حياة النبي عليه الصلاة والسلام قال الله جلّ وعلا: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ)، قال المفسرون: أولوا الأمر هنا هم الذي يستنبطون وهم أهل العلم فالأمة مرتبطة بعلمائها أجيال الناس مرتبطة بأهل العلم، يأتي في هذا الزمان إحداث لمصطلح فكر إسلامي ويقوم عليه أناس يسمون مفكرين إسلاميين هذا أحدث أجيالاً من الناس قناعتهم فكرية لا يعون العلم ولا يرضخون للعلم ولا يحكمهم العلم إنما يحكمهم الفكر إذا فكروا فإنما هو بمعطيات فكرية، وإذا تناقش أحدٌ معهم فإنما يقتنعون بالفكر دون غيره فإذا تكلم مفكر بألفاظ جذابة بألفاظ فضفاضة بثياب واسعة فإنه يقتنع وإذا أتاهم بمصطلحات جديدة اقتنعوا فأتت المصطلحات الجديدة، الخروج من الذل الرجوع إلى الإسلام إنما هو بتحديث فهم النصوص الرجوع إلى الإسلام إنما هو بالتطويل بفتح باب الاجتهاد، إنما هو بالتنوير إنما هو بالتقدم في النظرة إلى النصوص إنما هو بالنظرة الفلسفية العامة بتقديم العقل بالعقلانية... إلخ ذلك وهذه كلها إفرازات لكتابات المفكرين لأنه في القرن الأخير يعني في القرن الثالث عشر ما كان يعرف أنّ ثمة مشكلة لا يرجع فيها إلى أهل العلم إنما كان الرجوع إلى أهل العلم، الخلاص ينظر إلى كلام أهل العلم، فبدأت هذه المعطيات واحدة تلو الأخرى حتى نشأت أجيال تفكر بتفكيرات فكرية حتى قيل عن نبينا المصطفى عليه الصلاة والسلام قيل عنه إنه [عبقري] فكتب كاتب [عبقرية محمد] وهل النبي عليه الصلاة والسلام كان مفكرا كان من عند نفسه حتى يقال إنه عبقري؟! إنما هو وحي يوحى كما قال جلّ وعلا: (إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)، فظهر استقلال في الفكر وأجيال تتعامل مع الألفاظ مع النصوص بمجرد رأيها لا ترجع إلى شيء  فحدث هناك مصطلحات مخالفة تُعدِّي على الرسل تُعدِّي على الأنبياء، تُكُلِّم بكلام إنما هو نتاج الفكر حتى تكلم في الصحابة فحللت تصرفات بعض الصحابة، حللت الخلافة حتى قال بعضهم إنّ الخلافة الإسلامية لم تعرف الاجتماع إلاّ في عهد أبي بكر وعمر ومنذ عهد عثمان إلى يومنا هذا حدث الخلاف في الأمة والتفرق والدماء والتطاحن فإلى شيء  يُدعى في النصوص فلابدّ أنْ يكون هناك أشياء فكرية تجمع الناس على معطيات جديدة ليس هي المعطيات السابقة لأنّ النظر في النصوص فرق الأمة والعياذ بالله وهذا لا شكّ انه يعني في الجانب الآخر الغالب خروج الديانة وابتغاء لغير سبيل المؤمنين.

من المضار العظيمة أيضا أنّ الأمة تفرقت وإذا نظرت إلى هذه الأشياء التي ذكرنا وبداية نشأة الجماعات الإسلامية في القرن الماضي وكيف أنّ نتاج هذه الجماعات كان فكريا؟ وكيف بنيت جماعات وفئات على الفكر نظرت أنّ التفرق يكون بحسب زيادة الفكر فكلما ازداد المفكرون ازداد التفرق وكلما ازدادت الأطروحات الفكرية كثرت الآراء الجديدة وكثر التفرق وهذه لا شك مضرة عظيمة لأنّ الفرقة عذاب كما قال عليه الصلاة والسلام: [الجماعة رحمة والفرقة عذاب] والأمة إنما يجمعها العلم والفكر مفرق الثقافة تفرق إذا لم تكن منطوية تحت لواء العلم، والعلم هو الذي يجمع العلم هو الذي يقل معه التفرق والاختلاف وسيوجد الاختلاف لأنّ الاختلاف في فهم النصوص هذا موجود ولكنه يكون قليلا، أما هذا الذي تراه أفكار مختلفة كل واحد عنده طرح غريب حتى إنه غدا من آثار الفكر أنْ يقال لا فرق بين السنة والرافضة إلاّ فغي مسائل قليلة لابدّ من الالتقاء حتى إنه يمدح رؤوس الضلال بحجج فكرية لماذا تمدح رؤوس الضلال من مثل الخميني وغيره – مدحه بعض المفكرين الإسلاميين – لماذا؟ قال بكلام فكري لا حاصل وراءه حاصله أنه لابد أنْ تجتمع الأمة للهجوم على المستعمر للهجوم على الدول الكافرة إلى آخره وهل هذه مصلحة شرعية أنْ تجتمع مع كل أحد حتى ولو كان هو الذي يطعن في عقيدة الأمة ويطعن في أصول أهل السنة لا شكّ هذا كلام فكري تبنته جماعات وتبنته فئات حتى في زماننا هذا وحتى في بلادنا هذه هناك من يقول بمثل ذلك الكلام.

في الكلمات الفكرية العامة قيل بتصحيح بعض الأوضاع كلما جدّ أمر وظهر حال أو ظهرت نازلة بالمسلمين أو وُجد شيء  تعالم معها الكُتّاب هؤلاء من نظر فكري مجرد هذا ينظر إليها من الجهة الفلانية والآخر ينظر من الجهة الأخرى، وتحدث آراء في الأمة جديدة وتتفرق الصفوف لأجل تلك الآراء فالفكر سواء كان قريبا من العلم أو كان بعيدا هو يفرق ما لم يكن العلم حكَما عليه لا شكّ أنّ هذا ضار جدًّا وضرره بين لكم فيما حصل من أنواع التفرقات في الأمة وتنوع الأقوال والمدارس ، من مضاره أيضا لأنه نتج في المفكرين أنْ يصدروا أحكامًا على العقيدة الصحيحة وعلى الفقه الصحيح وعلى أصول الحديث وعلى السنة فأهَّل المفكر نفسه وجعل نفسه أنه مفكر إسلامي أنْ يخوض في كل مسألة حتى في الموازنة بين العقائد فيدخل فيوازن بين العقيدة الفلانية والعقيدة الفلانية بطرح فكري ، السنة ما يقبل منها وما يرد بعطاء فكري ، مخالفة بعض الأحاديث للعقل وللفكر يعرض لها وتبث بعطاء فكري إلخ تحليل الدول والوقائع التاريخية كل ذلك بعطاء فكري ، ولا شك أنّ هذا لا يقبل من أصحابه وسبَّبَ إظهار ووجود جماعات وفئات جديدة وطوائف من الناس تفكر في الحكم على كل شيء  أصبحوا أعني أولئك المفكرين أصبحوا حكّاما ومجتهدين فلا يتورعون عن الحكم على أي شيء  وعلى أي واقعة ويحللون أي شيء  ويعللون ويدللون وتجد أنّ لهم من يساعدهم ومن يأخذ بأفكارهم ويتبنى أقوالهم وهذا لا شك أنشأ أنواعا من المضار والانحرافات في الأمة.

والسؤال الآن ما هو واجب المفكرين؟ خطاب لمن يكتب كتابات فكرية ويريد منها نفع الأمة سلمت نيته وطويته وخشي لقاء الله جلّ وعلا وخاف عذابه ورغب في جنته وخطاب أيضا لأولئك الذين تجرأوا على كل كتابة فكرية وكل طرح بمجرد وجود مجموعة من الأفكار والثقافة والاطلاع عند أولئك يجب أولا على الجميع في ذلك

تقوى الله جلّ وعلا وأنّ الكتابة إذا كانت فكرية فإنه لابدّ أنْ يستحضر صاحبها الذي كتبها أنّ هناك من سيقتنع به ومن سنّ في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة وفي الصحيح صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: [من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيء  ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه لا ينقص من أوزارهم شيء] وهذا أمرٌ عظيم أنْ ينظر الكاتب فيما يكتب والمرء مسئول عما كتب ومسئول عما قال، فإذا اعد يوم القيامة وللسؤال جوابا ورأى منزله أين يحب أنْ يكون فإنه إذا سيتحرى إنْ كان من مريدي الخير ومحبي ربهم جلّ وعلا.

الثاني: الواجب أنْ يخضع الجميع للعلم وأنْ يرفعوا الفكر على العلم، العلم هو قول الله جلّ وعلا وقول رسوله صلّى الله عليه وسلّم وقول الصحابة قول أئمة الإسلام، قواعد الشرع المرعية وهذا هو الذي ينجي وهو الذي أذن الله جلّ وعلا باتباعه.

أما الفكر فإنْ كان تابعا للعلم فهو مقبول ومنجي وأصحابه ناجون وإنْ كان مخالفا للعلم فأصحابه على هلكة فلابدّ بل يجب على كل من يكتب كتابة فكرية أنْ يكون رجاعاً إلى العلم وأنْ يكون العلم حكما عليه وهذا يكون بمراجعة أهل العلم لما يكتبه من يريد الكتابة الفكرية العامة فإنه قد يستنتج استنتاجات غير صحيحة وقد يستدل بأدلة غير محكمة أو معارضة أو فهمها على غير فهمها أو نظر فيها على غير الصحيح قد يُستدل بواقعة تاريخية والتاريخ ليس حجة وقد يستدل بفعل بعض العلماء في الزمن الماضي وفعل بعض العلماء ليس بحجة إلخ ذلك ، من الذي يزن هذه الأمور ؟ من الذي يزن الصحيح من ذلك بما ليس بصحيح ؟ إنما هم أهل العلم فمن أراد كتابة فكرية يريد بها نفع الناس ومخاطبة الناس بما يفهمون [حدثوا الناس بما يعقلون] من أراد ذلك فعليه أنْ يجعل العلم حكمًا ويجعل أهل العلم مراجعين لكلامه ولكتاباته حتى تكون نافعة غير ضارة ولا مخالفة لقواعد الشرع كل ذلك بعرضها على أهل العلم وأهل الشأن.

الثالث: أنْ لا يدخل المفكر في كل شيء  أنْ لا يكون مجتهدًا يظن نفسه أنه بما عنده من المعلومات والثقافة وحسن الأسلوب يخوض في كل أمر فيعرف حده فما حدّ الفكر الذي يخوض فيه؟ ما هو الذي يجوز له من ذلك؟ لا يجوز له أنْ يكون مجتهدا حكما على العقيدة، حكما على الفقه حكما على الحديث حكما على الأحاديث من حيث ثبوتها وعدم ثبوتها من حيث ما يقبل وما لا يقبل حكم في المسائل الفقهية حكم في قواعد الشرع، حكم في التاريخ، حكم على العلماء حكم على الفئات، حكم على الجماعات حكم على وجهات النظر، لأنّ المفكر إنما يعرض رأيه، والرأي إذا لم لم يكن مستندا إلى أدلة صحيحة في العلم والشرع فإنه رأي والراي كما قلنا مذموم إلاّ ما وافق فيه أصحابه الشرع فإذا لابدّ أنْ يعلم المفكر حدوده في أي شيء  يتكلم ما حدود الكلام، وإذا عرف حدوده وأنّ الفكر يخدم الأمة إذا كان في بيان محاسن دينها إذا كان في وسيلة يقظتها إذا كان في تصحيح عقولها من الخرافات، إذا كان في تثقيفها، إذا كان في أخذها بوسائل الحضارة وتفهيمها أصولا ، ألفاظ ، معطيات جديدة ، فيريد أنْ يعرضها للأمة بصيغة فكرية هذا لا شك أنه يخدم .. يحلل .. يكتب عن تحليلات لخبر أو لحادثة تاريخية أو لحوادث من السيرة فتكون بعد ذلك معروضة على أهل العلم، هذه الحدود لا شك أنّه يحتاجها الناس ويحتاجها طوائف من الشباب والكبار ومن المثقفين وغير المثقفين لأجل أنْ يُبان للناس حقيقة هذا الدين بما يناسب أهل العصر.

الرابع: مما يجب على المفكرين أنْ يحرصوا أنْ لا يفرقوا الأمة وأنْ لا يحدثوا حدَثا فيها فكل ما حدثت معطيات فكرية جديدة وألفاظ اصطلاحية جديدة تنوير.. تقدم إلخ يتبعها أناس وهذا يفرق الأمة لو استعمل المستعمل ألفاظ فكرية يستعملها غير الإسلاميين من أصحاب تلك الألفاظ فإنه يوقع الناس في شك ويوقع الناس في تبعية ومراجعة لتلك الأفكار فتلك الأفكار يجب أنْ لا يدعى إليها وتلك الأفكار يجب أنْ لا يؤخذ بها لأنّ الأخذ بها تفريق للأمة، فإنما يؤخذ بالفكر كما ذكرنا الذي يجمع الأمة وهو ما وافق العلم أما الفكر الذي يفرق الأمة فإنه مذموم إذ الواجب أنْ تجمع الأمة على ما اجتمع عليه سلفها الصالح وعلى ما اجتمع عليه الرعيل الأول من وحدة العقيدة ووحدة التلقي للنصوص ووحدة التفكير وهذا إنما يكون بالرجوع إلى العلم وبالتربية وبالعرض العلمي.

أيضا وهو الأخير أنْ لا يغتر المفكرون بأنفسهم فربما رأى المفكر أنه ربى وفاق وارتفع عن أنْ يكون منقودًا فيظنّ في نفسه أنه مؤهل بأن تكون كلمته هي الصواب وهذا باطل لأنّ المفكر يحسب الواقع الأصل في كلامهم الخطأ وقليلٌ منهم من يصيب يعني يصيب ويوافق الشرع فهؤلاء المفكرون يجب عليهم أنْ لا يغتروا وإذا رُدَّ عليهم أنْ يقبلوا إذا كان ديدن الجميع الحق، وإذا كتب إليهم أوعنهم أو انتقدوا فإن المفكر يخطئ ويصيب وخطؤه كما ذكرنا في الغالب يعني من حيث الواقع أكثر من صوابه وربما بعضهم يكون صوابه أكثر من خطئه لكن في الغالب من لجأ إلى الفكر فإنّ أخطاءه كثيرة ولهذا يجب عليه أنْ لا يرتفع عن النقد وهذا النقد له درجتان نقد قبل النشر ونقد بعد النشر ، فقبل النشر لابدّ أنْ يعرضه فينقد ما كتب يعرضه على أهل العلم حتى يقيموا كتابه ثم بعد النشر قد يكون فات الأول أشياء فينقد مرة أخرى حتى تكون الكتابة سليمة غير مردودة فإذًا لابدّ عليه أنْ يرحب بالنقد.

أخيرًا العلم وما هو العلم، لا شك أنّ العلم هو الأصل والعلم ليس بحاجة إلى أنْ يفصل عنه فصلنا عن الفكر والعلم معلوم والعلماء معلومون فالعلم كما قال ابن القيم:

قال الصحابة هم أولوا العرفان              بين الرسـول وبين رأي فلان

العلــم قال الله قال رسوله                    ما العلم نصبك للخلاف سفاهة

 

العلم هو فقه النصوص، العلم هو الرجوع بالأمة إلى أصل الرسالة ألا وهو تلقي الكتاب والسنة والعمل بذلك وهذا العلم هو الذي تحتاجه الأمة وهو الذي يحجب أنْ يسيّر به الناس أفرادًا وجماعات عاملين للإسلام أو غير عاملين خاصة أم عامة فإن الجميع إذا رضخوا للعلم فإن العلم هو المرجع وهو الذي به تؤهل الأمة إلى أنْ تكون قوية على أعدائها صابية وراغبة وواصلة إلى ما يراد لها ومنها ، العلم ممدوح أهله مدحهم الله جلّ وعلا في كتابه ومدحهم النبي صلّى الله عليه وسلّم في سنته وهذا الحديث عنه يطول لكن من ذلك قوله جلّ وعلا: (يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، معنى هذه الآية يرفع الله المؤمنين يعني من هم على مرتبة الإيمان من أهل الإسلام هم مرفوعون وأهل العلم من المؤمنين مرفوعون على غيرهم درجات (يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، فالذين أتوا العلم مرفوعون بنص القرآن على غيرهم درجات فمن فضل مفكرا على عالم أو اتبع مفكرا على عالم وجعل درجة المفكر فوق درجة العالم فإنّ هذا ناقضَ هذه الآية وخالف هذا الذي جعله الله جلّ وعلا منّ’ منه وتكرما فضلا لأهل العلم رفعا لدرجاتهم.

لابدّ أنْ نعلم أنّ العلم منه محكم ومنه متشابه وقد قال جلّ وعلا: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا)، عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم"، العلم منه محكم ومنه متشابه ، النصوص منها ما هو محكم ومنها ما هو متشابه فالمحكم منها الواضح البين الدلالة المتشابه هو الذي لا يفهمه إلاّ الراسخون في العلم ، يحمل المتشابه على المحكم ، يرد المتشابه إلى المحكم فمن استدل بالمتشابه وترك المحكم أو لم يجعل المتشابه راجعًا إلى المحكم فإنه ممن سمى الله فاحذروهم ممن قال الله جلّ وعلا فيهم: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ)، فإذن العلم المحكم منه بين والمتشابه منه لا يدركه إلاّ أهل العلم، صنيع العلماء صنيع الراسخين في العلم التمييز بين المحكم والمتشابه يستدل بالمحكمات ويصرف المتشابهات إلى المحكمات ، أما صنيع المفكرين ..صنيع الجهلة أو صنيع القراء أو صنيع أهل الهوى فإنهم يستدلون بالمتشابهات ويتركون المحكمات، يستدل بالمتشابه من السنن يستدل بالمتشابه من الآيات فلا غرابة إذن أن استدل الخوارج على بدعهم بالقرآن والسنة لا غرابة أن استدل المعتزلة على بدعتهم وضلالهم بالكتاب والسنة لا غرابة أن استدل الجهمية والصوفية على ضلالاتهم بالكتاب والسنة لأنهم لم يستدلوا بالمحكمات وإنما استدلوا بالمتشابهات والعلم لو لم يكن فيه المتشابه لتعاطاه كل أحد ولم يفن فيه أهل العلم أعمارهم حتى يفقهوا مراد الله جلّ وعلا من كلامه والمتشابه والمحكم لناله كل واحد وهذا لا يكون فإنما العلم للراسخين في العلم الذي استوعبوا حياتهم فيه وعرفوا مدلولات النصوص، المفكرون في العصر الحاضر ما صنيعهم؟ في الواقع أنّ الكثرة الكاثرة منهم إنما يستدلون بالمتشابهات صحيح عندهم أدلة وشواهد وأقوال وحكايات ولكنها إذا نظرت إلى ما جاءوا به من القرآن والسنة فقليل منه ما هو صحيح الاستدلال ومنه وهو الأكثر ما هو من المتشابه مما يشتبه هذا منه بذاك وهذا يضل الأمة ويجعلها في انحرافات فكرية وسلوكية وعقدية وأجيال تتبع أجيال في انحرافات وأفهام ومفاهيم إنما كان نتاجها اتباع المتشابه وترك المحكم ، والعلم هو التفريق بين المحكم والمتشابه والعلماء هم الذين يعلمون المتشابه ويعلمون المحكم وليس كذلك المفكرون ولهذا فإنه ينبغي أنْ تعلم يقينا أنه ليس كل من استدل على شيء  بكلام الله جلّ وعلا أو بكلام رسوله أنْ يكون صحيحا في نفس الأمر والبعد من ذلك أنْ يستدل المفكر على ما يريد بحدث تاريخي أو يستدل بواقع أو يستدل بتحليلات أو يستدل برأي أو يستدل بقول عالم مضى أو بفعله فإنّ هذا إيغال في البعد لأنه في أفعال أولئك وفي أقوالهم ما هو متشابه من باب أولى فإذا كان في كلام الله وكلام رسوله ما هو متشابه فمن باب أولى أنْ يكون في كلام بعض أهل العلم وفي أفعالهم وتصرفاتهم وتقييماتهم ما هو من المتشابه فلهذا تجد أنّ من المفكرين من يحيل على بعض المتقدمين ويحلل أو ينقل واقعة أو ينقل كلام بعض أهل العلم وينقل من الكتب إلخ وإنما هو كلام فكري لأنه استدلال بالمتشابه وهو سمة أهل الرأي وأهل الفكر.

ثمرة العلم :

العلم له ثمرة عظيمة وأول ثمراته سلامة التدين فالمفكر الإسلامية كما يقولون إنما يريد أنْ يحمل الناس على التدين أو أنْ يجعلهم كما يقولون في تصور إسلامي صحيح وهذا ليس نتيجةً حتمية بل إنه في النتيجة الغالبة أنْ لا يكون كذلك لكن العلم يحمل على سلامة التدين لأنّ العلم إذا اخذ بقواعده وأدلته وأصوله على منهج السلف الصالح فإنه يحمل على سلامة التدين وسلامة الاعتقاد وسلامة التصرف وسلامة النظر وسلامة التعاملات المختلفة مع الواقع مع النفس مع الأهل مع جميع الأحوال والمستجدات.

أما الفكر والرأي فهو متقلب ولذلك تجد أنّ الناس لما لم يكن العلم حكما عليهم فإنهم كلما جدت لهم حادثة انتظروا الأفكار، انتظروا الأقوال فتظهر أفكار عشرة، عشرين في الواقعة الواحدة وكلّ يحلل بنفسه فتجد التفرقات وفي المجلس الواحد يتنوع الأربعة إلى أربعة أقوال وهذا رُوي وسيرى ما دام أنّ الفكر هو المرجع وأما إذا جعلنا العلم هو المرجع فإنه سيضيق الخلاف سيضيق حتى يكون الناس على تدين صحيح ونظر صحيح.

أخيرا من ثمرات العلم أنّ العلم يجمع والفكر يفرِّق وهذه من كلمات مفتي الديار السعودية في زمنه الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم رحمه الله فإنه في وقته لما رأى انسياق الناس إلى الثقافات في آخر زمنه وترك الناس للعلم قبل أنْ تعرف الجماعات وقبل أنْ تعرف الطوائف والفئات في هذه البلاد قال تلك الكلمة لبعض خاصته ولبعض طلبة العلم فقال: [أوصوا الناس بالعلم فإنّ العلم يجمع وإنّ الفكر والثقافة تفرق] وهذا صحيح وقد رؤي ذلك فالعلم هو الذي يجمع والثقافة تفرق إذا نظرت إذا اختلفت مع آخر في مسألة وكان المرجع فيها هو العلم يرضخ الجميع خذ مسألة فقهية قلت: والله الظاهر أنّ الحكم فيها كذا، والآخر يقول لا الظاهر أنّ الحكم فيها كذا، فرجعتهم إلى عالم فقال قولا اتفقتم على صحة قوله فاجتمعتم بعد اختلاف في الراي في تلك المسألة، الاختلاف في الفقهيات أمره سهل لكن كيف إذا كان الاختلاف في مسائل أعظم من ذلك، في مسائل تتعلق بمصير الأمة، بمصير دعوة، بالإصلاح بالأمر والنهي إلخ ذلك بالجهاد ونحو هذه الأمور، فإنّ الاختلاف إذا وقع دون الرجوع إلى أهل العلم بشر بالتفرق والأمة أخذ عليها الميثاق أنْ تتبع الرسول عليه الصلاة والسلام كما أُخذ على من قبلنا أنْ يتبعوا رسولهم أو أنْ يتبعوا رسلهم عليهم السلام وقد قال جلّ وعلا في النصارى: (وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)، أخذ عليهم الميثاق أنْ يتبعوا العلم وأنْ يتركوا الرأي فما الذي صنعوا كما قال ابن شهاب الزهري: [إنّ اليهود والنصارى ما ضلت إلاّ بالرأي] أخذ على النصارى الميثاق أنْ يتبعوا العلم، أن يتبعوا ما ذُكِّروا به وأخذوا بالرأي فما الذي حصل تفرّقوا والتفرق عقوبة من العقوبات قال جلّ وعلا: (وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا) -يعني تركوا- (حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) -من العلم-  فأخذوا بالآراء والأهواء فتفرقوا قال جلّ وعلا: (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)، التفرق ليس مجرد فرقة لكن التفرق سيتبعه بغضا وسيتبعه شحناء وسيتبعه بغض حتى يكون بغضا في الله من أجل التفرق وسبب التفرق هو عدم أخذ العلم في الأصل واتباع الآراء، فالعلم جامع والثقافة والفكر تفرق، وهذا واضح في تاريخ الأمة وتاريخ ما حصل في العصر الحديث من أنواع التفرقات في الأفكار والمفاهيم وفي الفئات والجماعات حتى في العداوات بين المفكرين والكتاب واتخاذ نشأة المدارس المختلفة.

نلخص فنقول الفروق بين العلم والفكر ؟ العلم أدلته منضبطة أدلته معلومة هي ثلاثة عشر دليلا وبالتفصيل عشرون دليلا كما ذكر ذلك القرافي في كتبه الأصولية، أما الفكر فأدلته غير منضبطة الفكر سيَّاح ترى مرة من أدلة المفكر حدث تاريخي ويستدل به على الحكم على نازلة وواقعة من الواقعات التي تحصل في هذا الزمن متى كان التاريخ دليلا؟ يأتي مفكر فيقول أهل بلد من البلاد كما ذكر المؤرخون أهل بلد من البلاد انصرفوا لما قلّ الخبز وكثر الجوع أو نحو ذلك بأن قاموا بمظاهرات عارمة فهذا أصل من أصول جواز المظاهرات في الإسلام حتى كان الاستدلال بمثل هذه الأشياء دليلا هذا فكر رأي وهذا الفكر غير صائب وهذا الرأي غير صائب لأنه استدلال بتاريخ والفكر غير منضبط الفكر سيّاح ممكن أنْ أقول أي كلمة وأستدل عليها بأي شيء  ولكن الكلام ليس في أنْ تقول تعليلا وتفسيرا لرأيك لكن الكلام أنْ يكون هذا التفسير وهذا التعليل مقبولاً صحيحًا، يأتي آخر فيستدل بأنّ أهل الحديث تنكبوا عن الصناعات وتنكبوا عن الدخول في الإنتاج العلمي وقال إنه في تاريخ المسلمين ما أنتج التقدم ولا الحضارة ولا الاكتشافات ولا أثرى المكتبة إلاّ أصحاب العقل أي العقلانيون، فهم الذين شجعوا الصناعة وشجعوا الأفكار الحضارية وتقدموا وانتجوا الطب والرياضيات .. إلخ فلا يعرف في المحدثين من كان كذلك فهذا دليل على أنّ مدرسة أهل الحديث مدرسة قاصرة عن أنْ تقود الأمة والمدرسة السلفية قاصرة عن أنْ تقود الأمة ، نعم هم في الأحكام في آراء لكن فيما نفع به الناس الأمة فإنما هم المعتزلة فالمعتزلة هم الحقيقون بقيادة الأمة في الزمن الماضي وفي الزمن الحاضر فالأفكار العقلانية هي التي تتقدم بالأمة وأما المحدثون أو الفقهاء فإنما هم مجرد وعاظ هذا حدث تاريخي أو تحليل تاريخي يستدل به ذاك على إبطال أصل من الأصول ودليل من الأدلة الذي فيه أنّ الفرقة الناجية إنما هم أهل السنة والجماعة وهم أهل العلم، وجود أولئك يحكم عليه أهل العلم هل هو جائز أم غير جائز، الصناعات لا يحرمها أهل العلم، والمعطيات الحضارية لا يحرمها أهل العلم ومن حرمها فلقصور نظره أو لبعده عن فهم مقاصد الشرع فأولئك يحكمون هم أطباء للقلوب، سائرون بالناس إلى الدار الآخرة فمن وجد ليقوِّم الحياة الدنيا ويعطي معطيات حضارية وصناعية واكتشافات طب وهندسة، وضوابط كيمائية وفيزيائية وفلكية في الأمة إلى آخره هذا إنما يحكم على فعله هل فعله صحيح أم غير صحيح ولا يعني أنّ ما ذكر من أنهم هم القادة بل القيادة معروفة إنما هي في الدين لأهل العلم لهذا ذلك الاستدلال الفكري هذا سيّاح غير منضبط، استدل بشيء  من التاريخ في إبطال أصل من الأصول الشرعية وهناك من يقتنع بذلك ويردده في هذه المسألة.

الثاني من الفروق: أنّ العلم له أصول يوزن بها والفكر ليس له أصل يوزن بها إذا تكلم أحد في مسألة علمية فتستطيع أنْ تزن هل كلامه مقبول أم غير مقبول؟ هل كلامه قوي أم غير قوي؟ أما الفكر فما ضوابطه؟ ما أصوله؟ أريد أنْ أزن كلاما فكريا يعني من عامة الناس فيزن بأي شيء ؟ لا يستطيع أن يصل إلى موازين معروفة، فالعلم له موازين هو أما الفكر فإنه غير منضبط وليس له موازين وأصول يُقيِّم بها إلاّ الرجوع إلى العلم فإنه هو الحكم عليه.

الثالث : العلم الأصل فيه المدح والأصل في أهله المدح وأما الفكر فهو الرأي والرأي الأصل فيه الذم وهذا فرقٌ عظيمٌ بين الأمرين.

الرابع: العلم حاكم على الفكر حاكم على الأفكار والرأي والفكر محكوم عليه وهذا فرق مهم بين هذا وذاك.

الخامس: وهذا تلخيص لما سبق العلم جامع ويجمع الأمة وينبذ الفرقة، ويقلل الاختلاف ويقلل المدارس المختلفة، أما الفكر والرأي فإنه يفرق ويزيد من المدارس ويزيد من الاختلاف وهذا الاختلاف وكثرة المدارس تنتج تحزبات تنتج آراء يتبعها مواقف شتى.

آخر كلمة في هذا البيان أنّ ما ذكر نريد منه الوصول إلى نتيجة مهمة ألا وهي أنّ العلماء في دين الأمة وفي مواقفها هم القادة هم الذين يُبَيِّنون للناس ما يحل ويحرم؟ ما ينبغي اتخاذه وما لا ينبغي اتخاذه، ما يجوز وما لا يجوز كيف تتخذ المواقف كيف يحكم على الأوضاع، على الأفكار إلخ العلماء هم المؤهلون لذلك هم المرجع في أمور الدعوة هم المرجع عند الاختلاف، هم القادة، وهم الدعاة يعني في أمر الدين، فإذا كان المفكرون هم قادة الدعوات، وإذا كان المفكرون هم رؤساء الجماعات فإنه لا شك سينتج….

الجماعات والمدارس في بعض البلاد كيف آل بهم الأمر أن يعادي بعضهم بعضًا وأن يقتل بعضهم بعضا –نسأل الله جلّ وعلا السلامة والعافية- إذًا المفكرون لا يصلحوا أنْ يكونوا قادة في أمر الدين لا يصلحون أنْ يكونوا حكامًا على الأوضاع حكامًا على الآراء حكاما على أهل العلم، المفكرون لا يجوز أنْ يتحكموا في مصير دعوة الله ودعوة الله مرجعها الكتاب والسنة والذين يفقهون الكتاب والسنة هم الذين يتأهلون لئن يقودوا الدعوة، فالمفكر ينبغي أنْ يقف عند ما حدّ له فإذا جاوز ذلك فإنّ مجاوزته عليه لا له، المفكر لا يصلح له أنْ يقيِّم المصالح والمفاسد لا يصلح أنْ يعرض بفكره المصالح والمفاسد، فيقول هذه هي المصلحة وهذه هي المفسدة، يقيم وضعًا اجتماعيًا يقيِّم دولة يقيم موقفا من المواقف، ويقول المصلحة في كذا والمفسدة في كذا ما دليلك على ذلك؟ والله هكذا نرى هكذا أدى إليه الرّأي والفكر، لا يجوز للمفكر أنْ يكون كذلك وإنما من يقيِّم المصلحة والمفسدة هم أهل الشرع لأنّ الشريعة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، إذًا متى يصح من المفكر أنْ يفكر وأنْ يكتب؟ إذا كان محكوما بالعلم.

وفي النهاية نصيحة موجهة إلى شباب الأمة وإلى المفكرين وإلى أهل العلم أنْ يقوموا بواجب العلم وأنْ يقيموا الأمة على العلم وأنْ يوسعوا قاعدة العلم لأنّ الأمة أشد ما تكون حاجة إلى العلم والعلم هو القاعدة وقد قرّر ذلك جمع من العقلاء والمفكرين بعد أهل العلم فالجميع متفق على أنّ القاعدة التي تنطلق منها الأمة هي العلم ولكن من الذي يأخذ بذلك ؟ الناس بحاجة إلى العلم بحاجة إلى العلم بحاجة إلى من يرجعهم إليه من يبينه لهم إلخ ذلك ، الفكر والكتابات الفكرية لابدّ أنْ تقيمها لا تعتمد على أفكار الكتّاب، لا تكن قراءتك في الكتب الفكرية هي الغالبة عليك في يومك وليلتك، إنما ليكن الغالب العلم، لأنّ العلم هو الذي ينور الصدور، أما الفكر فإنما هو رأي، وإذا جعلت العلم هو الأصل كان الفكر في مكانه الصحيح وكنت سائرا بتثقيف وبفكر يمكن أنْ تخوض به فيما يخاض به في المجتمع من الأفكار والأقوال لكن إنْ كان علمك قليلاً فإنك تكون ريشة في مهب رياح الأفكار وهذا لا شك يقود إلى خللٍ في الفكر وخلل في التفكير.

كتابات المفكرين الذين يكتبون الكتابات المختلفة من الموجودين المعاصرين أو ممن توفاهم الله جلّ وعلا يجب أنْ تضعهم في مكانهم الصحيح وأن لا تكون تلك الكتابات حَكما ولا مدرسة ولا قيادة وإنما هي شواهد وإنما هي أفكار يقبل منها ويرد.

هذا وأسأل الله جلّ وعلا أنْ يجعلنا وإياكم من الدعاة إلى سبيله وأنْ يختم لنا بالحسنى، وأنْ يجعلنا ممن رضي عنهم وأرضاهم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.