الرقى و أحكامها

مع تعليق لسماحة الشيخ العلامة

عبد العزيز بن عبد الله بن باز

رحمه الله تعالى

[شريط مفرّغ]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي مَنَّ على عباده أجمعين بقوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ(57)قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾[يونس:57-58].

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله، نشهد أنَّه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى ترك أمته على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا هالك.

اللهم صلِّ وسلم على عبد ورسولك محمد كلما ذكره الذاكرون وصلى عليه المصلون. اللهم صل وسلم على عبد ورسولك محمد كلما غفل عن الصلاة عليه الغافلون، وسلم اللهم تسليما مزيدا.

أما بعد:

فنسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم من أهل تقواه، ومن أهل طاعته، ومن الذين منَّ عليهم بالعفو والعافية، كما أسأله سبحانه أن يجعلنا ممن إذا أُعطي شكر وإذا أبتلي شكر وإذا أذنب استغفر، وهذه الثلاث عنوان السعادة للعبد إذا أخذ بها.

كما اسأل المولى جل وعلا أن يبارك لنا جميعا في أعمارنا وأعمالنا وأقوالنا، وأن يجعل موازيننا مُثقلة، ونعوذ به من الجور بعد الكور، ونعوذ به من الضلال بعد الهدى، اللهم آمين.

ثم إنه يعلم الجميع إن هذه الندوات والمحاضرات التي تُرَتَّب في هذا الجامع منذ القديم، تُرتب توضع جداولها ويختار المشاركون فيها بعناية ومتابعة سماحة شيخ الجميع العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، فسح الله في أجله، وأمده بالعفو والعافية، وجزاه عنا وعن الإسلام خيرا، فهي ثمرة من ثمرات جهده وجهاده، وهي ثمرة من ثمرات عنايته بالمسلمين في إرشادهم وتبيين الحق لهم.

فأسأل الله جل وعلا أن يجزل له المثوبة، وأن يبارك في أعماله وعمره وقوله، وأن يبارك في ذريته، وأن يجعله إماما من أئمة الهدى، كما أسأله سبحانه أن يجعل خير عمره آخره، وخير عمله خواتمه، وأن يجزيه خير ما جزى به عالما عن أمة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

موضوع هذه المحاضرة:

الرقى وأحكامها

وموضوع الرقى مهم، وأهميته ظاهرة لكل أحد منكم؛ لأن المسلم يحتاج إلى الرقية دائما، يحتاج إليها في تعويذ نفسه وتعويذ أحبابه، كما كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يفعل، يقرأ المعوذتين وينفث في كفه في يده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، ويمسح بها رأسه ووجهه وما استطاع من جسده، وفي تعويذ من يحب لدفع البلاء قبل وقوعه، ولتكون تحصينا وحرزا للمرء من تسلُّط الشياطين على العبد.

ويظهر أيضا أهمية عِلم المسلم بالرقى أنّ الرقى اختلط فيها المشروع بالممنوع، اختلط فيها الرقى الشرعية بالرقى البدعية؛ بل بالرقى الشركية.

وقد كان أهل الجاهلية يتعاطون رقى شركية، وكان يتعلمها الناس ينقلها الخالف عن السالف، فلما جاءت الرسالة المحمدية على نبينا أفضل الصلاة والسلام مُنعت الرقى حتى أُذن بما ليس فيه شرك من ذلك، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

فأن تكون على بينة من الرقى الشرعية والرقى الممنوعة، هذا مهم؛ لأنه فرقان ما بين المشروع وما بين الشرك ووسائل الشرك.

وكثير من الناس ربما راج عليه صلاح الراقي أو ظاهر صلاح من يتعاطى الأدوية، فيصف له أشياء إما من الأذكار وإما من الأوراد أو نحو ذلك، يصفه له ويكون غاشا له من أنه يرده إلى غير المشروع، ويرشده إلى أمر فيه بدعة أو فيه شرك، والعياذ بالله.

لهذا كان من الواجب عليك ألاَّ تستعمل من الرقى إلا ما علمت أنه مشروع؛ لأن الأصل فيها المنع غلا ما كان جائزا فيها، وهذا له شروط وبيان يأتي إن شاء الله تعالى.

وتظهر أهمية هذا الموضوع أنَّ كثيرا من وسائل الشرك في بلاد الإسلام إنما انتشرت بواسطة المتتطببة والذين يعالجون بالأدوية ويعالجون بالقرآن، ومنهم المشعوذون والذين يتعاطون استعمال الجن وشياطين الجن والعياذ بالله.

وقد ذكر ابن بشر في أول تاريخ نجد أنَّ من أسباب انتشار الشرك في نجد هو نزول المتطببة والمداوين من أهل البادية في القرى وقت الثمار، فيحتاج إليهم الناس إما في رقية وإما في مداواة، فأمروهم بالشرك وأمروهم بغير المشروع، فانتشر بذلك -فيما يستظهر ابن بشر رحمه الله- انتشر بذلك عن طريق الجهلة أولئك أو عن طريق المشعوذة والسحرة، انتشر كثير من الشرك والفساد، ولا غرابة فالنفوس ذواقة لزوال ما بها من سواءٌ أكان بالمشروع أو بغيره، ولا شك أن العلم بحدود ما أنزل الله جل وعلا على رسوله مطلوب في أمور العقيدة وأمور الأحكام.

وهذا الموضوع متصل بالتوحيد والعقيدة، فالعلم به من الذي ينبغي على كل مسلم أن يحرص عليه، وأن يطلب معرفة حكم الله جل وعلا فيه.

الرقى أصلها أدعية وقراءة ونفث يكون فيه استعانة أو استعاذة، هذا أصلها؛ يعني القصد منها أن يكون ثَم دفع للبلاء أو رفع للبلاء باستعاذة أو باستعانة.

ولهذا صارت الرقى على قسمين:

§ رقى يستعاذ فيها ويستعان بالله جل جلاله وحده، فهذا هو المأذون به والمشروع.

§ ورقى يستعاذ فيها ويستعان بغير الله جل وعلا، وهذا هو الشرك وهو الممنوع.

وكان أهل الجاهلية يتعاطون الرقى بكثرة كما قال جل جلاله ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾[القيامة:27] (وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ)؛ يعني حين حضور الموت يَطلب المرء من يرقيه، وقد قال القائل:

وإذا المنيةُ أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفعُ

يعني الأسباب التي كانوا يتعاطونها، فكان أهل الجاهلية يتعاطون الرقى لدفع أو رفع؛ يعني لدفع البلاء، دفع المرض، دفع العين، أو رفعها، إزالتها، مثل الأدوية، إزالتها بعد وقوعها؛ لكن كانت أكثر رقاهم يستعيذون فيها بغير الله جل وعلا -بآلهتهم أو بأصنامهم أو بالجن والعياذ بالله من ذلك كله-، أو يستعينون فيها بغير الله جل جلاله.

ولهذا اثبت في صحيح مسلم أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «اعْرِضُوا علَيّ رُقَاكُمْ. لاَ بَأْسَ بِالرّقَىَ مَا لَمْ يَكُنْ [فِيهِ] شِرْكٌ» يعني ما لم يوجد شرك فيها، ورواه غيره بلفظ «لاَ بَأْسَ بِالرّقَى مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكاً» وهذا بسبب عوف بن مالك للنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ حين قال له: يا رسول الله أرأيت رقى كنا نرقي بها في الجاهلية فقال «اعْرِضُوا عَلَيّ رُقَاكُمْ لاَ بَأْسَ بِالرّقَى مَا لَمْ يَكُنْ شِرْك» وأفاد هذا الحديث:

أولا أن الأصل في الرقى -عند من لم يعلم- الأصل فيها المنع، وأنْ المرء إذا أراد أنَّ يرقي برقية يعرضها على من يعلم حتى يتأكد من سلامة الرقية من المخالفة، قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «اعْرِضُوا علَيّ رُقَاكُمْ. لاَ بَأْسَ بِالرّقَىَ مَا لَمْ يَكُنْ شِرْكٌ».

ودلَّ على جواز الرقية.

والنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ حثّ على نفع الأخ لأخيه، جاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما سألوه عن رجل أصيب بلدغة عقرب أو حية، وسألوه عن الرقية قال «مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ»، وهذا يدل على تجويز الرقية؛ لكن الرقية التي ليس فيها شرك، ولهذا النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ كان يرقي نفسه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، ورقى غيره، وأيضا رقاه جبريل عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وأمر بأن يُسترقى لآل جعفر ولغيرهم، ولامرأة جارية جاءت لمنزله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فرأى فإذا بها النظرة يعني في وجهها سفعة صفار فقال «إن بها النظرة استرقوا لها» والنظرة هي عينٌ تكون من الجن في الغالب أو من الإنس، فأمر بها يعني أمر بطلب الرقية، فدل ذلك على أن الاسترقاء والرقية مشروع بفعله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، وبإقراره كما سيأتي وبأمره عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.

وإقرارُه هو الذي جاء في حديث أبي سعيد في الصحيح في قصة لديغ الحي من العرب حيث أصابته لدغة، فكان جمع من الصحابة اجتازوا بهم فلم يقروهم يعني لم يضيفوهم فتركوهم، ثم بعد ذلك مروا بهم فوجدوا منهم سيد القوم لديغا، فقالوا: لهم هل فيكم من راق. يعني هل فيكم من يحسن الرقية، فقالوا: لقد نزلنا بكم فلم تقرونا -أو لم تضيفونا- لا نرقي لكم إلا بِجُعل. فجعلوا بينهم مائة شاة، فجعل يقرأ عليهم الراقي بفاتحة الكتاب على موضع اللدغ، وحتى إذا ختمها نفث بريق؛ يعني تفل، وفي رواية جمع بزاقه فتفل، فلما أعطوهم هذا الجعل العظيم، قالوا: اقسموه بيننا. فقال رجل منهم: لا، حتى نعرض ذلك على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. لشدة تحرِّيهم أن يفعلوا فعلا ليس عليه إذن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلما عرضوه على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «وما أدراكم أنها رقية» وقال «اضربوا لي معكم بسهم» فدل ذلك على مشروعية الرقية بفاتحة الكتاب؛ بل مشروعية الرقية بعامة وبفاتحة الكتاب بخاصة، وعلى أن أخذ الجُعل عليها لا بأس به مطلقا.

النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ كما ذكرنا رقى ورقي وأمر، فرقى نفسه بالمعوذتين، وكان يرقي نفسه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ ببعض الأدعية فلما نزلت المعوذتان أخذهما وترك ما سواهما.

وأيضا أقر الرقية بالفاتحة، وجمع الفاتحة والمعوذتين في الرقية فيه مناسبة، وهو أنَّ الفاتحة هي أم القرآن مشتملة على معاني عظيمة، منها الاستعانة بالله جل وعلا وتوحيد الله جل وعلا في العبادة في قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾[الفاتحة:5]، والمعوذتان فيها التعويذ، والاستعانة والاستعاذة هما ضربا الرقية؛ لأن الراقي إما مستعيذ وإما مستعين أو بالأمرين معا.

وصحَّ عنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ في الرقية أشياء كثيرة من الأدعية:

منها قوله عليه الصلاة والسلام «من حضر مريضا فقال عند رأسه: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك سبع مرات إلا عافاه الله جل وعلا من ذلك البلاء ما لم يحضر أجلُه».

وكان عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ يُرشد أن الإنسان إذا أصابه ألم في شيء من جسده أنْ يمسح بيده على الذي يؤلمه من جسده سبع مرات، ثم يقول سبع مرار: «أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر».

ورقى النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ بالرقية المشهورة «بسم الله أرقيك من شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك» وهذه رقية جبريل للنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.

وصح عنه أيضا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ أنه كان يرقي إذا زار مريضا بقوله «أذهِب ألباس رب الناس واشفي فإنك أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما».

وغير ذلك من الأدعية التي هي في رفع البلاء يعني بعد نزول المرض أو قبله كقوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك».

وكما كان يقرأ سورتي المعوذتين قبل المنام ويمسح بهما جسده.

فدل ذلك، دلت هذه الأحاديث على أنَّ الرقية مشروعة أو جائزة، وعلى أن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ أورثنا أدعية معروفة وصورا نقرؤها أرشد عليها الناس عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ. فهذه هي الرقية المشروعة.

فإذن نتحصل من ذلك على أمور:

الأول أن الرقية المشروعة هي دعاء يدعو به المرء يحصن به نفسه، وينفث على بدنه أو في يديه أو على من يرقيه، ينفث أو يتفل كما سيأتي بيان الفرق بينهما إن شاء الله، وعلى أن هذه الرقى التي أرشد إليها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هي بكتاب الله جل وعلا، أو بالأدعية التي فيها استعانة واستعاذة بالله جل وعلا وحده ورجاء ما عنده في دفع المرض أو في رفعه أو في دفع العين أو في رفعها.

ودل أيضا على أن الرقى الشرعية هي التي تكون بهذا المعنى؛ يعني فيها توحيد الله جل وعلا استعانة واستعاذة، وفيها الإقبال على الله جل جلاله دون ما سواه.

ولهذا العلماء قالوا تجوز الرقية بشروط ثلاثة:

الأول: أن تكون بأسماء الله وصفاته جل وعلا؛ يعني أن يستعين فيها بالله جل وعلا متوسلا بأسماء الله جل وعلا وبصفاته.

والثاني: أن تكون باللغة العربية، أو ما يعرف معناه إن كان بغير العربية.

والثالث: أن يعتقد الراقي والمرقى أن هذه الرقية سبب من الأسباب، ونفع الأسباب إنما هو بإذن الله جل وعلا، قد تنفع وقد لا تنفع بإذن الله جل جلاله وتقدست أسماؤه، فالذي ينفع في الحقيقة والذي يُورث النفع بالسبب وينتج المسبَّب هو الرب جل جلاله، هو الذي بيده ملكوت كل شيء،َينفث حصل من ذلك على أمور اَمُ صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى أصحابه وأتباعه بإحسان. وضح وبين ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾[فاطر:2]، وقال سبحانه ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾[الأنعام:17]، والأسباب يؤمر العبد بتعاطيها لكن مع تعلق القلب بالله جل وعلا.

قال العلماء هذه الشروط الثلاث في جواز الانتفاع في جواز استعمال الرقية.

ما جاء في الكتاب والسنة أو القرآن بعمومه وما جاء في السنة من الرقى هي منطبقة على هذه الأمور.

فالرقية بالقرآن:

§ فيها أنها بأسماء الله جل وعلا وبصفاته.

§ فيها الاستعانة بالله جل وعلا والاستعاذة بالله سبحانه.و

§ فيها التوكل على الله.

§ وفيها تفويض الأمر إليه سبحانه وتعالى.

§ وفيها التقرب إليه بأفضل ما خرج منه سبحانه وهو كلامه القرآن العظيم جل جلال ربنا وتقدست أسماؤه وتعالت صفاته.

§ وفيها أنها باللسان العربي المفهوم.

§ وفيها أيضا أنها أعلى ما يُتقرب، وأجمع ما يشمل المعاني، فالعدول عنها إلى غيرها عدول عن الفاضل إلى المفضول، عدول عن العالي إلى ما دونه مما يعرف معناه ويقل من الأدوية التي يختارها الناس.

فإن دلت هذه الشروط على أن أفضل ما يرقي به الإنسان أن يرقي بالكتاب وبالسنة، والقرآن جعله الله جل وعلا شفاء كما قال سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[يونس:57] فهو شفاء لما في الصدور من الأمراض الحسية والمعنوية، وهو شفاء أيضا فيما يقع، وأيضا تعويذ فيما لم يقع، وقال سبحانه ﴿وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[الإسراء:82]، وقال أيضا جل وعلا ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾[فصلت:44]، والاستشفاء بالقرآن يكون في أمور البدن كما يكون في أمور النفس؛ يعني إذا مرض الإنسان في عضو من أعضائه أو أصابه شيء فإن القرآن شفاء للأمراض العضوية كما مر معك في حديث اللديغ؛ هذا رجل لدغته حية أو عقرب فرُقي بالفاتحة بكتاب الله جل وعلا فبرئ، فقام كأن لم يصبه شيء، هذا مرض حسي ولدغة شديدة أزالها القرآن؛ أزالها الله جل وعلا بسبب الرقية بكتابه، كذلك الأمور المعنوية أو الأمور النفسية؛ مثل ضيقة الصدر أو مثل العين التي تؤثر على العقل أو على النفس ونحو ذلك هذا أيضا شفاؤها بالرقية بكتاب الله جل وعلا وبسنة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو بما شرع مما يجوز من استعمال الأدعية المعروفة المعنى.

الشرط الثاني الذي ذكرنا هو أن تكون باللغة العربية، أو بما يفهم معناه من غيرها، وإذا كانت باللغة العربية فيجب أن تكون معلومة المعنى، ليست كلمات متقاطعة كلمات لا يعرف معناها، أسماء مجهولة، فلا بد أن تكون بأسماء الله جل وعلا وبصفاته، أو بما أبيح من الأدعية التي فيها التوسل بأسماء الله وبصفاته، وأن لا يكون فيها أسماء مجهولة، وقد سئل الإمام مالك رحمه الله عن الرقى التي فيها أسماء مجهولة قال: وما يدريك لعلها كفر. يعني لعل في هذه الأسماء المجهولة ما يكون فيه أسماء شياطين أو أسماء ملائكة، ينادي الملائكة ويستغيث بهم أو ينادي الشياطين أو يتقرب بذلك فيكون بذلك كفرا.

لذلك لابد أن تشتمل الرقية المشروعة على أسماء معلومة -أسماء الله جل وعلا وصفاته المعلومة- وتكون باللغة العربية، وإذا كانت بغير اللغة العربية فيجوز بشرط أن تكون معلومة المعنى للراقي، وعدم اشتمالها على شرك بالله جل وعلا أو أسماء مجهولة لا يعلم معناها.

الشرط الثالث أن يعتقد بأنها سبب وهذا مهم؛ لأن من الناس من يظن أن الشفاء من عند الراقي لا بسبب الرقية، يقول هذا الراقي هو الذي عنده القدرة والراقي نافع وطبيب وقد يحسن وقد لا يحسن، والسبب هو الرقية، والنافع الضار هو الله جل جلاله وتقدست أسماؤه.

فإذن الرقية سبب، والراقي مثل الطبيب يبذل هذا السبب، والتعلق من الرقي التعلق بالله جل وعلا يسأل أن ينفع سبحانه بهذه الرقية وبقراءة القارئ، كان أهل الجاهلية يعتقدون في الرقية بإطلاق كانوا يعتقدون فيها أنها مؤثرة جزما، وكان يعظمون الرقية وتتعلق الرقية بالراقي وبالرقية، ويكون التوكل على الله جل وعلا حين إذْ ضعيفا، وهذا يكون في النفوس سواء في نفوس السابقين يعني في الجاهلية أم في نفوس أيضا بعض أهل الإسلام، يكون هناك تعلق وضعف في التوكل، ويكون هناك رغبة فيما عند الناس.

والأكمل أن يكون المرء طالبا يعني في الرقية طالبا العافية من الله جل وعلا إذا لم يرقي نفسه، إلا إذا عرض عليه، فمن استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل، ولهذا جاء في حديث حصين بن عبد الرحمن السلمي المعروف الذي قال فيه: كنّا عند سعيد بن جبيرٍ، فقال: أيكم رأى الكوكب الذي أنقض البارحة؟ ثم قال قلت يعني حصين بن عبد الرحمن من التابعين: أما إني لم أكن في صلاةٍ. ولكني لدغت. قال: فما صنعت؟ قال: استرقيت. يعني طلبت الرقية، قال: فما حملك على هذا؟ قال: حديث حدثناه يعني عامر بن شراحيل الشعبي. عن بريده بن الحصيب؛ أو عن عمران بن الحصيب أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة. الحمة اللدغ قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ولكني سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «عرضت علي الأمم، فإذا النبي ومعه الرجل والرجلان، وإذا النبي وليس معه أحد. ثم رفع إلي سوادٌ عظيمٌ، فقلت: هذه أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه، ثم قيل لي أنظر إلى الأفق فإذا سوادٌ عظيمٌ، فقالوا: هذه أمتك، ثم قيل أنظر إلى الأفق فإذا سواد عظيم قال هذه أمتك، قال وفيهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حسابٍ ولا عذابٍ». وقام رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من عند الصحابة، قال: فخاض الناس في أولئك السبعين ألف. فقال بعض الصحابة: لعلهم صحابة رسول الله r. يعني الذين تقدموا في الإسلام وكان معهم مزيد اختصاص بالصحبة، وقال بعض: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئاً ، فخرج عليهم رسول الله r، فعلم ما اختلفوا فيه، فقال: «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون.وعلى ربهم يتوكلون». فقوله هنا (لا يسترقون) يدل على أنَّ الأكمل أن لا يكون من عادة الإنسان أن يطلب الرقية من غيره بل غما أن يرقي نفسه، وإما أن ينتظر حتى يأتيه أحد فيرقيه فيقول له أرقيك فهنا لا يدخل في طلب الرقية، هذا من جهة الكمال؛ يعني السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب هذه صفتهم.

وقد جاء في لفظ عند الإمام مسلم «لاَ يَرْقُونَ. وَلاَ يَسْتَرْقُونَ. وَلاَ يَتَطَيّرُونَ. وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ » فحذف لفظ (لا يكتوون) وزاد (لاَ يَرْقُونَ)، وهذه اللفظة من أهل العلم من حكم عليها بالشذوذ والمخالفة كشيخ الإسلام ابن تيمية، ومنهم من صححها كالحافظ ابن حجر وغيره.

ونفي الرقية هنا (لاَ يَرْقُونَ. وَلاَ يَسْتَرْقُونَ)، نفي أنه يرقي يعني الراقي يخرج من السبعين ألفا، هذا فيه نظر من جهة المعنى، وذلك أن الراقي محسن كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، والإحسان مأمور به في الشرع.

المقصود أن الذي يتعاطى طلب الرقية دون أن يرقي نفسه ويتعاطى ذلك دائما ويتعلق بالراقي هذا ضعف توكله إذا كان هذا من طبعه، ولهذا كان الأكمل أن لا يتعلق قلب المرء بالراقي وبالرقية.

هذا بعض ما يتعلق بالرقية المشروعة؛ لأننا قلنا لكم إن الرقية قسمان: قسم مشروع وقسم ممنوع، رقى شرعية ورقى شركية أو بدعية، فهذا القسم الأول مع بعض الكلام عليه الرقى الشرعية.

مما يتصل بالرقى الشرعية أنَّ الرقية المقصود منها إيصال القرآن إلى المرقي إذا كان عن طريق النفث أو الدعاء له والاستعانة والتوسل بالله جل وعلا بأسمائه وصفاته أن يجيب الدعاء.

والرقية إما أن تكون بنفث أو بتفل أو بما هو دون هذين، لهذا إذا اختلف العلماء في مسألة هل تشرع الرقية بنفخ دون نفث؟ على قولين ورُجِّح أن الجميع جائز، فإن كان بنفخ وهو ما لا ليس معه شيء من الريق وإنما هو إخراج هواء فقط فهو جائز، وإن كان بنفث فهذا هو المشروع والذي كان عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ يقرأ ويتعوذ وينفث في يديه وينفث على المريض أيضا، وإما أن تكون بما هو أعظم من النفث وهو التفل، والنفث إخراج بعض الريق، قليل من الريق مع الهواء؛ يعني إذا أراد أن ينفث يعني يقرأ الفاتحة وإذا ختم ينفث مع بعض الريق أو يتفل ومعه التفال -معه البصاق- أكثر مما مع النفث.

وهذا النفث أو التفل قد يكون مباشرة على البدن، وقد يكون بواسطة ماء أو بواسطة زيت أو شيء آخر، كل هذا مأذون به، أو بكتابته على الشيء؛ كتابة بعض الآيات على المرض ونحو ذلك، وقد جاء عن الصحابة في هذا أشياء منها أن ابن عباس كان يأمر أن يكتب للمرأة إذا كانت شقت عليه الولادة أو تأخرت ولادتها أن يكتب في إناء ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾[الأحقاف:35] وكذلك الآية الأخرى ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾[النازعات:46]، وتسقى منه المرأة التي تأخرت ولادتها أو شق عليها ذلك ويصب الباقي على صدرها وعلى شيء من بطنها.

ونحو ذلك مما جاء عن بعض الصحابة أنهم كانوا يكتبون على بعض [...] ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾[البقرة:266].

قد قال صالح بن الإمام أحمد رحمه الله تعالى: اعتللت مرة فقرا لي أبي في ماء ونفث فيه ثم أمرني بشربه وأن أغسل رأسي، وكذلك روى عبد الله بن الإمام أحمد في جواز ذلك.

المقصود من هذا أن إيصال الماء إيصال القراءة، إيصال الرقية بالنفخ بالنفس أو بالنفث إلى الماء ثم يسقاه المريض أو يصب عليه أن هذا لا بأس به لفعل السلف له ولم يُنكر؛ ولأن له أصلا في السنة.

لكن كلما كانت الرقية مباشِرَة كلما كانت أفضل ولهذا قال الجد الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى ورفع درجته في الجنة قال: كلما الوقت كان أنفع يعني يقرأ في الماء كان أقرب بالنفخ أقرب بالنفث أقرب بالرقية كلما كان أنفع، وكلما كانت الوسائط أقل كان أنفع؛ يعني قراءة المرء على نفسه يعني ما فيها واسطة، واسطة واحدة؛ لكن كون المرء يقرأ على الإنسان صار هناك واسطة ثانية، كون أيضا ينفث في ماء ثم الماء يشرب ويغسل به صار هناك واسطة ثالثة، أو كونه يكتب في صحن ويغسل بزعفران أو بنحوه ثم يشرب هنا صار عندنا واسطة ثالثة كلما ضعفت، ولهذا كان الأعلى ما ثبت في السنة وهو القراءة المباشرة من الإنسان على نفسه أو بقراءة أحد عليه ثم القراءة بالماء، ثم القراءة بالكتابة في الورق وحله بالماء هذا مما يسوغ لكن مما لم يكن عليه العمل عمل السلف.

هذه بعض المسائل المتعلقة بالرقية المشروعة.

القسم الثاني من الرقى:

الرقى الشركية والنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ قال في حديث ابن مسعود رضي الله عنه «إن الرقى والتمائم والتولة شرك». والرقى المقصود بها هنا الرقى الشركية التي كان يستعملها أهل الجاهلية أو من شابههم، والرقى الشركية ممنوعة (لاَ بَأْسَ بِالرّقَى مَا لَمْ يَكُنْ شِرْك) ممنوعة وهي شرك بالله جل وعلا، ما صفة الرقى الشركية؟ الرقى الشركية تشمل على أحد أشياء:

الأول: أن يكون فيها استغاثة أو استعانة أو استعاذة بغير الله جل وعلا استعانة بشيطان، بولي، باسم وَلِيّ ينفخ وينفث على أحد ويدعو، ولو كان فيها استعانة بالله لكن معها استعانة أو استعاذة بولي أو بميت أو بشيطان أو بجني فهذا شرك بالله جل وعلا.([1])

أو أن تكون الرقى هذه الشركية أن يكون فيها أسماء مجهولة، ما يُعرف معناها، يكتب أسماء لا معنى لها، هذه قد تكون من الشياطين، ولذلك يُمنع منها لأنها وسيلة من وسائل الشرك، ولا يجوز أن تستعمل لأنه قد يكون فيها شرك، وسيلة الشيء في القواعد لها حكمه، فإذا كان هذه قد تكون وسيلة إلى الشرك فتمنع كما يمنع المقصد.

وأيضا الرقى الشركية قد تكون بالعزائم، التي يسميها السحرة والمشعوذين العزائم التي يكتبون فيها آيات ولكن ربما نكَّسوا الآيات، ويضعون في الورقة التي تحل وتشرب، أو ربما تحفظ كتميمة في الجيب مثلا أو تعلق، يضعون فيها مربع فيه أرقام مجهولة وفيه حروف غير معلومة، أو مثلث ويكتب عليه على أنحائه بعض أسماء الله؛ ولكن في داخله أسماء مجهولة ونداءات وأرقام لا يعلم معناها، وهذا كله لا شك أنه من وسائل الشرك أو من الشرك المحقق لأنهم يستغيثون ويستعيذون بالشياطين.

ومن صور أيضا الرقى الشركية أنَّ الرقى الشركية تشتمل على أدعية فيها وسيلة من وسائل الشرك، مثل التوسل بذوات الأولياء أو بحرمتهم أو بجاههم، فهذه تمنع لأن التوسل بالذوات أو بالحرمة أو بالجاه هذا بدعة ووسيلة من وسائل الشرك.

ومما يدخل أيضا في هذا؛ يعني في الرقى الممنوعة الرقى البدعية أو التي بها اعتداء، مثل واحد يؤلف رقية أو ربما يجتهد أحد في الرقية يكون فيها اعتداء مثل رقية ذكرت عن بعض العلماء أنه يقول فيها: رددت عين الحاسد إلى نفسه وإلى أعز الناس لديه أو أحب الناس لديه. العائن اعتدى؛ لكن أحب الناس إليه والده أو والدته أو قريبه أو ولده ما اعتدى، فترد العين إلى من لم يعتدي هذه دعوى فيها إثم, لأن فيها اعتداء في الدعاء، فهي من الدعوات أو الرقى البدعية، وإن كان ذكرها ابن القيم رحمه الله في معرض كلام له في زاد المعاد.

فإذا يظهر بهذا أنَّ الأصل في الرقى المنع إلا ما جاز منها.

وهذا يدل على أنه يجب عليك التحري، وأن لا تقبل الرقية من أي أحد، وأن لا تذهب إلى كل من قيل أنه راق؛ لأنه بما لم يكن على هدى وعلم، إذا ظهرت لك رقية أو أُرشدت إلى شيء أو لم تكن من الكتاب والسنة فاعرضها على أحد من أهل العلم يبين لك هل هي جائزة أم لا؟ لأن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ قال« اعْرِضُوا علَيّ رُقَاكُمْ.-الذي لا يعلم يعرض الرقية- لاَ بَأْسَ بِالرّقَىَ مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكا» عنا تعرض الرقية على العالم ليقول لك هل هذه جائزة هل غير جائزة هل هي مشتملة على معنى حق وجائز أم ليس كذلك.

فإذا الواجب على الجميع الأخذ بالمشروع، وترك أو الحذر والتحذير من الرقى الشركية أو البدعية؛ لأنها وبال على...

ولأن الشرك يحدث العمل والعياذ بالله فيأتي يريد النجاة ثم يبوء بخسارة الدنيا والآخرة والعياذ بالله.

الذي يرقي له صفات؛ يعني الراقي يكون:

أولا: مخلصا لله جل وعلا؛ يعني يكون بعمله وأقواله ليس من أهل الشرك، وإنما هو من أهل التوحيد والإخلاص، وأيضا إذا رقى أحد فيخلص الاستعانة والاستعاذة بالله جل وعلا في الانتفاع بهذه الرقية.

الخصلة الثانية: من صفات الراقي أن يكون ذا علم، والمقصود بالعلم هنا العلم المقيد؛ يعني أن يكون ذا علم في أنَّ الرقية مشروعة، تكون الرقية بالقرآن, بما ثبت في السنة, بالأدعية المعروفة, يكون ذا علم؛ يعلم أنّ هذه الرقية مشروعة، عرضها على عالم فقال هذه الرقية لا بأس بها، أما إذا كان ذا جهل ليس من أهل العلم وليس عنده تحري فيما يترك أو فيما يأتي, فإنه فإن هذا من علامات عدم إحسانه للرقية أو عدم السماح له بأن يرقي أو التمكين بأن يرقي.

الصفة الثالثة: أن يكون يقصد النفع، هذه صفة مستحبة أن يقصد نفع إخوانه نفع المحتاج، وهذا دل عليه حديث جابر رضي الله عنه بل عنهما رضي الله عنهما قال (مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ) ونفع الإخوان نفع المحتاج نفع المريض إحسان ولو أخذ عليه جعلا لكن النفع إحسان و الإحسان مطلوب بين العباد، وأحب العباد إلى الله أنفعهم إلى عباد الله.

ومن صفات الراقي: أن يكون معلقا المرقي بالله جل وعلا، لا يعلق المرقي لا يعلق المريض بنفسه، ويأتي يعمل على نفسه حالة من العظمة ومن الانتفاع بالرقية، ويحدث بأحاديث أنا شفيت من مرض كذا وأنا قرأت وشفيت من السرطان وأنا قرأت على فلان وشفيت من مرض كذا ويعظم نفسه عند من يقرأ عليه, من صفات الراقي المحمود أن يكون ذا خشوع وخضوع وإخبات لله جل وعلا، وأن لا يتعاظم ويعظم نفسه، وينفع بما أعطاه الله جل وعلا ولا يعظم نفسه, يعلق الناس به؛ بل يعلق الناس بالأذكار المشروعة والأوراد التي ثبتت في السنة ونحو ذلك، ويأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر, ويفتح لهم أسباب الخير، لهذا صار كثير ممن رأينا, كثير خاصة الجهلة والنساء يتعلقون بالراقي من حيث هو، فلان رقيته كذا وربما ما قرأ كلمة أبدا، أو ربما قرأ شيئا يسيرا ونحو ذلك؛ يعني ما اجتهد وتحرى الصواب وتحرى الآيات التي تنفع ونحو ذلك، وإنما هكذا بالاسم، وهذا غير محمود؛ بل الذي ينبغي أن ينصح الراقي الناس بأن النافع هو الله جل وعلا، وأنا صاحب سبب والرقية أيضا سبب، ويعلمهم الأوراد المحمودة ويعلمهم الخير وينهاهم عن الشر.

وأيضا من صفات الراقي: أن يكون متنزها عن موارد الزلل والفتنة، خاصة في الرقية على النساء؛ لأن الشيطان ربما دخل على الإنسان من جهة الرقية في الخلوة بالمرأة، أو في وضع يده على المرأة، أو نحو ذلك مما يبغي عنه شرعا.

فالواجب على الراقي أن يحذر من وسائل الشيطان ومن سبل الفتنة التي ربما أدت به إلى افتتان في الدين والعياذ بالله، وحصل هذا من بعض من تعاطوا الرقية. و نسأل الله للجميع قَبول التوبة والهداية إلى سواء الصراط.

أما المرقي الذي يُرقى عليه؛ المريض، الذي أصابته عين، أولا من صفاته التي ينبغي أن يتحلى بها:

أولا أن يعظم الرجاء والاستعانة والاستعاذة بالله جل وعلا، والله سبحانه وتعالى قال لعباده﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾[يونس:107]، وقال جل وعلا في آية الأنعام ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(17)وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾[الأنعام:17-18]، قال أيضا سبحانه ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾[الشعراء:80].

فإذن أنت يا من تحتاج إلى من يرقيك: أعظِم الرجاء في الله جل وعلا، كما تذهب إلى الطبيب وتعرف أن الطبيب سبب و النافع هو الله جل وعلا، فكذلك الراقي سبب والنافع هو الله جل جلاله.

أيضا أيها المرقي يا من يحتاج إلى الرقية إياك والوسواس، فإن مجال فإن مجال العين والحسد مجال للوسواس, الإنسان ينظر -الرجل أو المرأة- فينظر ويقول أنا أصابني كذا يقول فلان كذا، أصابني كذا بالحسد, أصابني بكذا، يأتي إلى أوهام كثيرة ويعظم عنده الأمر، ويورثه هذا مرضا على مرضه، والواجب على العبد أن يعظم التوكل على الله جل وعلا وأن يأخذ الأسباب؛ ولكن لا يجعل للشيطان من قلبه نصيبا في أنه يوسوس له ويضعفه؛ لأنه إذا ضعف تسلَّط عليه الشيطان أكثر.

ومن صفات المرقي أن يتعلم الأوراد هو بنفسه، ليس دائما يحتاج إلى الناس هو يرقي بنفسه، يرقي نفسه بفاتحة الكتاب، بسورة الإخلاص والمعوذات، وبآية الكرسي قبل أن ينام, بالأوراد طرفي النهار وبعد الصلوات المكتوبة، ونحو ذلك، فتحصنه؛ لأن هذه الأدعية والرقى تنفع دفعا وتنفع رفعا؛ يعني تنفع بدفع السوء تكون مثل اللباس مثل الحديد الذي يحصنك من الضرر الذي يأتي بك, فهي مثل الألبسة التي تقي لأنها سبب نافع، والله جل وعلا هو النافع الضار سبحانه وتعالى.

هناك مخالفات نختم بها الكلام يقع فيها الذين يرقون وأيضا الذين يسترقون.

أما مخالفات الرَّاقين:

أولها وأعظمها أن يتخذ القراءة والرقية حرفة يتفرَّغ لها تفرغا كاملا، والمعلوم أن الناس بحاجة إلى الرقية، والتفرغ لها لم يكن من هدي الصحابة في عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ مع أن فيهم راقين، ولم يكن من هدي الصحابة ولا التابعين، وإنما نشأ في أعصر متأخرة، فالذي عليه هدي السلف الصالح والذي دلت عليه السنة أن ينفع المرء إخوانه بجُعل أو بغير جعل في الرقية؛ ولكن لا يتفرغ لها لا يتخذ الرقية حرفة يكون كالطبيب المتفرغ لها، وهذا من جهة أنه لم يرد أو لم يكن في الزمن الأول في قيام الحاجة إليه.

أيضا من جهة أخرى فيما رأينا من الذين تفرغوا أورثتهم أشياء ممنوعة كثيرة، فمن تفرغ للرقية تجد عنده أشياء من المخالفات؛ لأنه يحتاج إلى أشياء يفعلها وإلى أشياء يتركها، وفعلوا أشياء من بيع من غير برهان، ومن فعل بالرقية عن طريق الأشرطة وعن طريق الأصوات يكون هو يقرأ في غرفة والسماعات في غرفة أخرى على الراقين، ونحو ذلك مما فيه مخالفة للوارد، وهذا ينبغي أن يمنع سدا للذريعة؛ لأنه ربما أقضى إلى أشياء مذمومة من توسع هؤلاء القراء في أشياء لا تجوز أو لم يأذن بها الشرع.

أيضا من المخالفات التي هي منتشرة عند القراء، وهي أيضا أشد من الأولى، هي استخدام بعضهم لقرينه من الجن، وهذه شبهة شبَّه بها بعض القراء، وحتى سرت في بعض منهم، وهو أنه يقول: أستعين بمسلم الجن أو بقريني, أستعين بمسلم الجن إذا حضروا أو بقريني في معرفة ما بالمرقي, معرفة ما به: هل به عين؟ هل به سحر؟ هل فيه كذا وكذا؟

والاستعانة بالجن الأصل فيها المنع، أجاز بعض العلماء أنَّه إذا عرض الجني أحيانا -يعني نادرا- عرض للمسلم لإبداء إيمانه له فإنه له أن يفعل ذلك؛ لكن ليس هذا من هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا صحابته؛ بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له من الجن حالان:

الأول: أن يأمرهم وينهاهم؛ يأمرهم بالتوحيد وينهاهم عن ضده؛ لأنهم مكلفون، فهم مثل غيرهم في الأمر والنهي.

والحال الثانية: مع الجن شياطين الجن هي أن يستعيذ بالله جل وعلا من شرهم، وأن يسترق بالرقى المحمودة المشروعة لدفع شرورهم.

أما الاستعانة بالجن حتى ولو كان حاضرا فلم يكن عليه هدي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا صحابته، ومن أجاره من العلماء فإنما هو إذا عرض في حال معينة، وهذا لا ينبغي أن يكون في حال الرقية.

فإذن الواجب هو ترك الاستعانة بالجن؛ لأن هذه وسيلة من وسائل الشر والشرك بالله جل وعلا.

ثم أيضا فيمن استعان بمسلم الجن هذا أوْرثهم أنهم جعلوا هناك مصائب وفرقة وشحناء في النفوس من جراء إخبارهم بما أخبر به من زعموا أنه من مسلمي الجن، يخبرهم أنه هذا فيه عين وهذه العين من زوجته الثانية, من بنت، أو سحر أو شيء هو من كذا، فيحدِّث بما أخبره به هذا الجني، والجني قَبول خبره بما يُخبر به متوقف على أنه عدل وأنه ثقة، وعدالة الجن لا تعلم حتى ولو كان قرين الإنسان أو كان حاضرا معه، لا تعلم عدالة الجني هل هو عدل أم غير عدل ولهذا ذكر علماء الحديث في كتب المصطلح على أن كتب المصطلح أن رواية الجني مسلم الجن روايتهم ضعيفة؛ لأن الرواية في صحتها موقوفة على معرفة العدالة معرفة الثقة وهنا لا سبيل إلى الوصول إليه، فكيف يخبر بخبر الجني هذا الذي يزعم أنه مسلم؛ يخبر بأنه أخبره الجني بأن هذا فيه سحر من فلانة, هذه المرأة فيها سحر من زوجة زوجها الثانية -من ضرتها- أو من امرأة أبيها أو من عمتها، فيخبر بذلك فتقع شحناء وقطيعة إلى آخره, بل قد يقول البلاء من زوجك, زوجك فعل كذا وكذا، وهذا لا يجوز اعتماده، ولا يجوز الاستعانة بالجن في ذلك سدا لذريعة الشرك بالله وللفرقة التي قد تحصل في المؤمنين.

أيضا من المخالفات في الراقين: أنهم تساهلوا في المشروع في الرقية، ولكثرة الناس وقِلَّة الوقت أصبحوا يرقون بأنواع من الرقية في وسيلتها هي مخالفة للوسيلة المشروعة؛ مثلا بعضهم يصنع أختاما؛ ختم فيه الآية يختم بها على زعفران ثم يضع فيه الأوراق، وأنا رأيت من ذلك ختم كبير يختم به على الورقة، والختم لا بد فيه من ضرب على الورقة، وهذه آية من القرآن وهذا امتهان للقرآن؛ لأنه يأتي يختم فيه آية القرآن محرَّم ثم يضربه على الورقة ضربا، هذا مخالفة؛ لأنه امتهان للقرآن وامتهان القرآن محرم.

من ذلك مثلا أنه يأتي بما يسميه: قراءة عادية، وقراءة مركزة، ويقولون أيضا قراءة ملكية، كيف؟ يقول هذا قرأت فيه كذا وإلى آخره، وهذا كله وسيلة من وسائل أكل أموال الناس بالباطل، وخلاف الأصل, الأصل أن يُقرأ بالمشروع دون تفريق، لا تقول هذه قراءة عادية بخمسين ريال، وقراءة ممتازة بمائتين، وقراءة ملكية بألف، هذا مما لا يسوغ؛ لأنه أولا يُفضي إلى أشياء منكرة، ثم هو أيضا مما هو مخالف لما جاء في نصوص السنة؛ يعني في أصل الرقية, هذا مما ينبغي الحذر منه ومخالفته، وأن يكون المرء الراقي يكون مخلصا صادقا معتمدا على المشروع، تاركا لغير المشروع، حذرا من مزلة الشيطان له.

هذه بعض المخالفات التي يقع فيها بعض الذين يرقون.

من جهة أخرى هناك المخالفات العظيمة الشركية التي يقع فيها السَّحرة والمشعوذون والمتطببة بالباطل, فيأتون بالرقى كما ذكرنا لكم الشركية، يُعطون أوراق فيها أسماء شياطين أو فيها أسماء غير معروفة أو نحو ذلك، فهذا الحذر الحذر منه؛ لأنه شرك بالله جل وعلا، وقد يكون معه والعياذ بالله وصية بذبحٍ لغير الله جل جلاله مما يخرج المرء من دين الله؛ لأنه شرك أكبر وعبادة يجب أن تكون لله جل جلاله، أو يأمره بأن يفعل أشياء من الشرك والعياذ بالله، أو من الكفر كإهانة المصحف ونحو ذلك مما هو كفر بالله جل جلاله.

لهذا يجب على الجميع التعاون على البر والتقوى والتعاون على إنكار المنكر، مَن علم أنه يتخذ في قراءته أو في رقيته أساليب غير شرعية من الشرك والشعوذة والدَّجل فإنه يجب الإبلاغ عنه، ولا تبرأ ذمتك حتى تبلغ عنه؛ لأن هؤلاء يفسدون في الأرض، والله جل وعلا أمر بإصلاح الأرض ونهى عن إفسادها، وواجب التعاون إذا علمت أو رأيت فيجب عليك أن تحذر من أن تسكت، ويجب عليك أن تبلغ، تبلغ من؟ تبلغ جهات الاختصاص، الهيئة، أو تبلغ الإمارة، أو تبلغ القاضي في البلد، أو المحكمة أو نحو ذلك مما تبرأ به ذمتك، أو تبلغ بعض أهل العلم الذين تعرفهم مما تبرأ, لا يجوز السكوت.

هذه كلمات تبصِّرُك عن قرب وبدون تعمق في موضوع هذه المحاضرة وهو الرقى وأحكامها.

ولا بد للجميع بالعناية بهذا الموضوع، وأن يتفقهوا في الدين؛ لأن من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين.

وأن ينتبهوا للنساء في البيوت وللجهلة من أن يذهبوا إلى قرَّاء أو إلى من يرقي بدون أن تعلم شخصه وعدالته وثقته وأمانته وحسن استعماله للرقية.

الواجب على الجميع أن يتعلم، وأن يحذر من وسائل الشرك، وأن يحرص على السنة، وما جاء فيها من إرشاد وبيان، فالخير كل الخير في إتباع سنة محمد عليه الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ؛ لأنه لا خير إلا دلنا عليه، ولا شر إلا حذرنا منه, فدلنا على الرقية المشروعة، وذلك بالقرآن أو بما أرشد إليه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ من الأدعية المعروفة، وكذلك نهانا عن الشر من الرقى الشركية وما شابهها مما هو وسيلة إليها, وأمرنا عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ بكل خير وحضنا عليه.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

أسأل المولى جل وعلا أن يجعل ما سمعنا نافعا، وأن يجعلنا من المتعاونين على البر والتقوى، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدا.

كما أسأله سبحانه أن يثبتنا على الإخلاص له وعلى توحيده وتحقيق توحيده, وأن يجعلنا من الذين رضي عنهم, رضي قولهم ورضي عملهم فأرضاهم إنه سبحانه جواد كريم.

كما أسأل المولى جلت قدرته أن يصلح ولاة أمورنا وأن يهديهم إلى الرشاد، وأن يوفقهم إلى كل سبيل خير فيه نصرة للإسلام والمسلمين وفيه نفع للبلاد والعباد.

كما أسأله جل جلاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا وإياهم من المتعاونين على البر والتقوى، ونعوذ به من الحور بعد الكور، ومن الظلال بعد الهدى، ومن الزيغ بعد الإيمان ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾[آل عمران:8].

اللهم أنزل علينا جميعا عفوك ورحمتك ومغفرتك وعافيتك على قلوبنا وأبداننا, وأصح اللهم من اللسان والبنان والقلب والجوارح، وقوِّي عقيدتنا وإيماننا وتوحيدنا إنك جواد كريم.

أنت أكرم من سئل وأنت بالإجابة جدير ونحن محتاجون فقراء إليك ربنا.

اللهم فأجب ما سألنا واغفر لنا جما.

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.

تعليق سماحة شيخ الجميع العلامة

عبد العزيز بن عبد الله بن باز

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

قد سمعنا جميعا هذه المحاضرة القيمة التي تفضَّل بها صاحب الفضيلة الشيخ: صالح بن عبد العزيز بن إبراهيم آل الشيخ جزاه الله خيرا وضاعف مثوبته.

وهي محاضرة قيمة في موضوع جدير بالعناية.

وأسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يضاعف له المثوبة، وأن يوفقنا وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، وأن يمنح الجميع الفقه في الدين.

ووصيتي للجميع العمل بما سمعتم من التوجيهات والفائدة من جهة الرقية، كثير من الراقين ليس عندهم البصيرة في الرقية، وكثير منهم يحدث منهم ما لا ينبغي، وينبغي للمؤمن أن يتوخى إذا أراد الرقية يتوخى المعروفين بالخير والمعروفين بالاستقامة المعروفين بالعلم، حتى لا يقع فيما يخالف الشرع.

وقد سمعتم ما جاء في الحديث يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لاَ بَأْسَ بِالرّقَى مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكاً»، ويقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لا رقية إلا من عين أو حمة»، والعين عين العائن، والحمة سم ذوات السموم؛ يعني أنها أولى من غيرها، وإلا فالرقية لكل شيء من الأمراض أو ما يعرض للإنسان من البلاء.

وقد رقى الصحابة رضي الله عنهم لديغا فعافاه الله، رقاه بعضهم بالفاتحة فعافاه الله، وقال لهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما أخبروه «أصبتم» صوبهم ولم يعنف عليهم، وأخذوا جعلا من أصحاب المريض، ورقاه بالفاتحة.

فالمقصود أن الرقية أمرها لا بأس به، وهي رقية شرعية كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لاَ بَأْسَ بِالرّقَى مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكاً» وكان يرقي، قد رقى ورقي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ. وكان الصحابة يرقون.

والرقية تكون بالقرآن، وتكون بما جاء في الأحاديث، وتكون بالأدعية الطيبة المباحة، المؤمن يتحرى لرقيته، ما جاءت به النصوص، ويتحرى ما يتعلم من الأدعية الطيبة يدعو بها للمرقي، ويتحرى الإخلاص في ذلك، ويعلم أن الله سبحانه هو الذي بيده الشفاء والعافية، وإنما الرقية سبب من الأسباب.

فعلى الراقي والمرقي الثقة بالله والتعلق بالله، والإيمان بأنه سبحانه هو بيده الضر والنفع والعطاء والمنع والشفاء والعافية، وتكون القلوب معلقة به سبحانه، ومطمئنة إليه يعلم الراقي والمرقي أن الشفاء بيد الله، فيعلق رجاءه بالله، ويسأل الله أن ينفع بالأسباب سواء الأسباب رقية أو كي أو علاج بأدوية أخرى، النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال «عِبَادَ الله َتَدَاوَوْا وَلاَ تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ»، فالتداوي والعلاج لا بأس به بالرقية وغيرها؛ لكن مع الثقة بالله والاعتماد على الله وألا يرقي إلا بما شرع الله وبما أباح الله، وأن لا يداوي غيره ولا تداوي إلا بما أباح الله، وأن يكون قلبه معلقا بالله وواثقا بأنه سبحانه هو الذي بيده الشفاء، وإنما هي أسباب، والشفاء بيد الله جل وعلا، والرقية كما سمعتم لها شروط ثلاثة:

الأول: أن تكون الرقية بالقرآن أو بما جاء في الأحاديث أو بالأدعية المباحة و الأشياء الواضحة المباحة، أما بأسماء مجهولة أو الأشياء المجهولة أو [بالشِّرج] أو بالتعلق على غير الله أو بالتوسل بالجن، كل هذا ممنوع، لابد من هذا الأمر، تكون الرقية بـأشياء واضحة من الآيات أو من الأحاديث أو أشياء واضحة مباحة لا بأس بها.

والثانية: لا تجوز الرقية بما يخالف الشرع أو بالأسماء المجهولة.

الثالثة: أن نعتقد أنها سبب وأن الشفاء بيد الله هو الذي يشفي جل وعلا، وإنما هي أسباب.

ومما ينبغي التنبيه عليه كما نبه عليه فضيلة الشيخ صالح: الحذر من سؤال الجن، والاعتماد على أقوالهم، يقول: هذا سحرته أخته أو أخت زوجته أو أمه أو فلانة أو فلان. كل هذا باطل، كل هذا كذب ولا يجوز الاعتماد على ذلك، ولا يجوز للراقي سؤالهم ولا الاعتماد على قولهم؛ لأن فيهم الكذاب وفيهم المجهول وفيهم الفاسق وفيهم الكافر، فلا يجوز الاعتماد عليهم ولا سؤالهم، وإنما يرقيه، وإذا كان به جن تكلم مع الجني وعظه وذكَّره وحذره من البقاء في الإنسي، وأنَّ هذا ظلم وأنه لا يجوز له والواجب عليه الخروج وأن يتق الله وإن كان مسلما أن يراقب الله ويحذر مغبة الظلم.

وأما أن يصدقه بأنه دخلت بسبب فلان وأن فلانة فعلت وفلانة فعلت أختك أو أمك أو زوجة أخيك أو جارك أو فلان، كل هذا يجب الحذر منه، وأن لا يصدق هؤلاء الكذابون من الجن.

ولكن الراقي يعضهم ويذكرهم ويأمرهم بالخروج وأنه وقع في الظلم، إذا كان مسلم يتقي الله ولا يظلم أخاه، وإن كان غير مسلم كذلك يجب الحذر من الظلم ولأن عاقبته وخيمة، فيذكره ويحذره من البقاء في المسلم، وأن هذا ظلم يجب الحذر منه.

وبكل حال الواجب على الراقون أن يتقوا الله وأن يراقبوا الله، وأن يرقوا بالآيات القرآنية والأدعية النبوية والأدعية المباحة، وأن يحذروا مما حرم الله من الأسباب المحرمة، وأن يحذروا الكذب، وتصديق الجن أو سؤالهم أو الاعتماد عليهم.

كل ذلك يجب الحذر منه، وأن يكون الراقي يعتمد على الله ويعلم أنه مسبب الأسباب وأن بيده الضر والنفع وأنه القادر على كل شيء جل وعلا.

ولهذا بين النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» يعني الرقى المجهولة أو الرقى بغير شرع الله وبغير ما أباح الله، أو الرقى التي فيها التوسل بالشياطين والجن ونحو ذلك، إنما الرقى هي التي تكون بالقرآن العظيم والأدعية النبوية والأدعية المباحة، و(التِّولة) الصرف والعطف والسحر، و(التمائم) ما يعلق على الناس ما يعلق على الأولاد وغير الأولاد من الحروز كلها منكرة يجب الحذر منها.

أما حديث فيه السبعين لا يسترقون ولا يكتوون، فهذا من باب الفضل، عدم الاسترقاء أمر أفضلي، وعدم الكي أفضل، وإلا لا بأس أن يسترقي ولا بأس أن يكتوي، النبي كوى وكوي واسترقى، أمر عائشة أن تسترقي، وأمر أم [...] أن تسترقي؛ بل ترك الاسترقاء من باب الفضيلة من باب ترك سؤال الناس، وإذا استرقى للحاجة أو كوى للحاجة فلا بأس.

ولهذا قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «الشفاء في ثلاثة: كية نار أو شرطة محجم أو شربة عسل وما أحب أن أكتوي» وفي لفظ آخر «وأنهى أمتي عن الكي»، فالكي آخر الطب، عند الحاجة إليه لا بأس به.

وأما رواية (لا يرقون) فهي رواية شاذة غير صحيحة، وإنما المحفوظ (لا يسترقون) أما كونه يرقي هذا من مشروعية نفعه لأخيه، كما في الحديث «مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ» كونه ينفع أخاه ويرقيه هذا أمر مشروع ومأجور؛ لكن مع تحري الرقية الشرعية والحذر مما حرمه الله من الرقية في الجاهلية.

نسأل الله أن يوفق الجميع للعلم النافع والعمل الصالح.

ونسأل الله أن يمنحنا وإياكم الفقه في الدين.

ونسأل الله أن يضاعف الأجر لفضيلة الشيخ صالح عما بذل وعما وضح وبين.

ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الهداة المهتدين إنه سميع قريب.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى أصحابه وأتباعه بإحسان.