التَّعْلِيقَاتُ الحِسَان([1]) على الفرقان

بين أولياء الرحـمن وأولياء الشيطان

للشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية

-رحمه الله تعالى-

قال شيخ الإسلام قدس الله روحه:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله نستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد([2]) أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، أرسله بين يدي الساعة بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فهدى به من الضلالة، وبصّر به من العمى، وأرشد به من الغي، وفتح به أعينا عميا وآذانا صُمًّا وقلوبا غلفا، وفَرَقَ به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغيّ، والمؤمنين والكفار، والسعداء أهل الجنة والأشقياء أهل النار، وبين أولياء الله وأعداء الله، فمن شهد له محمد r بأنه من أولياء الله فهو من أولياء الرحمن، ومن شهد له بأنه من أعداء الله فهو من أعداء الله ومن أولياء الشيطان.

قد بين سبحانه وتعالى في كتابه وسنة رسوله r أنَّ لله أولياء من الناس، وللشيطان أولياء، ففرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان فقال تعالى ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(63)لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾[يونس:62-64]،([3]) وقال تعالى ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إلى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[البقرة:257]، وقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ([4]) إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أو أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ(52)وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ(53)يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(54)إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(55)وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ﴾[المائدة:51-56]، وقال تعالى ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾[الكهف:44]، ([5]) وذكر أولياء الشيطان فقال تعالى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(98)إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(99)إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾[النحل:98-100]، وقال تعالى﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾[النساء:76]، وقال تعالى﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾[الكهف:50]، وقال تعالى﴿وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾[النساء:119]، وقال تعالى﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ(173)فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ(174)إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[آل عمران:173-175]، وقال تعالى﴿اإِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ(27)وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ إلى قوله ﴿إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾[الأعراف:27-30]، وقال تعالى﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾[الأنعام:121]، وقال الخليل عليه الصلاة والسلام﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾[مريم:45]، وقال تعالى﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ الآيات إلى قوله﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[الممتحنة:1-5]. ([6])

فصـــــل

وإذا عُرف أن الناس فيهم أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فيجب أن يفرق بين هؤلاء وهؤلاء كما فرق الله ورسوله بينهما، فأولياء الله هم المؤمنون المتقون كما قال تعالى﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس:62-63]

وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة t عن النبي r قال: «يقول الله من عادى لي وليا [فقد بارزني بالمحاربة] ([7]) أو فقد آذنته بالحرب وما تقرّب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه» وهذا أصح حديث يُروي في الأولياء فبيَّن النبي r أنه من عادى وليا لله فقد بارز الله بالمحاربة. ([8])

وفي حديث آخر: «وإني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحَرِب» أي آخذ ثأرهم ممن عادهم كما يأخذ الليث الحرب ثأره، وهذا لأن أولياء الله هم الذين أمنوا به ووالوه فأحبوا ما يحب وأبغضوا ما يبغض ورضوا بما يرضى وسَخِطُوا بما يسخط وأمروا بما أمر ونهوا عما نهى، وأعطوا لمن يحب أن يعطى، ومنعوا من يحب أن يمنع، كما في الترمذي وغيره عن النبي r أنه قال «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله».

وفي حديث آخر رواه أبو داود قال «ومن أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» والوَلاية ضد العداوة، [وأصل الولاية المحبة والقرب، وأصل العداوة البغض والبعد]([9]) وقد قيل أن الولي سُمِّي وليا من موالاته للطاعات أي متابعته لها والأول أصح والولي القريب فيقال هذا يلي هذا؛ أي يقرب منه.

ومنه قوله r «ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر» أي لأقرب رجل إلى الميت، وأكده بلفظ الذكر ليبين أنه حكم يختص بالذكور ولا يشترك فيه الذكور والاناث كما قال في الزكاة «فابن لبون ذكر»، فإذا كان ولي الله هو الموافق المتابع له فيما يحبه ويرضاه ويبغضه ويسخطه ويأمر به وينهى عنه، كان المعادي لوليه معاديا له كما قال تعالى ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾[الممتحنة:1]، فمن عادى أولياء الله فقد عاداه ومن عاداه فقد حاربه فلهذا قال ومن عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، ([10]) وأفضل أولياء الله هم أنبياؤه، وأفضل أنبيائه هم المرسلون منهم، وأفضل المرسلين أولو العزم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وعليهم وسلم، قال تعالى ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾[الشورى:13]، وقال تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنْ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا(7)لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾[الأحزاب:7-8]. وأفضل أولي العزم([11]) محمد r خاتم النبيين وإمام المتقين وسيد ولد آدم وإمام الأنبياء إذا اجتمعوا وخطيبهم إذا وفدوا، صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وصاحب لواء الحمد وصاحب الحوض المورود وشفيع الخلائق يوم القيامة وصاحب الوسيلة والفضيلة الذي بعثه الله بأفضل كتبه وشرع له أفضل شرائع دينه وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، وجمع له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما فرقه فيمن قبلهم([12]) وهم آخر الأمم خلقا وأول الأمم بعثا، كما قال r في الحديث الصحيح «نَحْنُ الآخِرُونَ السابقون, بَيْدَ أَنّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ, فهذا اليوم الذي كتب الله عليهم, فاختلفوا فيه, -يعني يوم الجمعة- فهدانا الله له، فالنّاسُ لَنَا تَبَعٌ فِيهِ, غَداً للْيَهُودُ, وَبَعْدَ غَدٍ للنّصَارَى»، وقال r «وَأَنَا أَوّلُ مَنْ تَنْشَقّ عَنْهُ الأرْضُ» وقال r «آتِي بَابَ الْجَنّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَأَسْتَفْتِحُ. فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمّدٌ. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لاَ أَفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ» وفضائله r وفضائل أمته كثيرة ومن حين بعثه الله جعله الله الفارق بين أوليائه وبين أعدائه، فلا يكون وليا لله إلا من آمن به وبما جاء به واتبعه باطنا وظاهرا، ومن ادعى محبة الله وولايته وهو لم يتبعه فليس من أولياء الله بل من خالفه كان من أعداء الله وأولياء الشيطان، قال تعالى﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ﴾[آل عمران:31]. قال الحسن البصري رحمه الله: ادعى قوم إنهم يحبون الله فأنزل الله هذه الآية محنة لهم، وقد بين الله فيها أن من اتبع الرسول فان الله يحبه ومن ادعى محبة الله ولم يتبع الرسول r فليس من أولياء الله، وإن كان كثير من الناس يظنون في أنفسهم أو في غيرهم أنهم من أولياء الله ولا يكونون من أولياء الله، فاليهود والنصارى يدعون أنهم أولياء الله وأحباؤه قال تعال ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾[المائدة:18] الآية، وقال تعالى ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أو نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[البقرة:111-112]، وكان مشركوا العرب يدعون إنهم أهل الله لسكناهم مكة ومجاورتهم البيت وكانوا يستكبرون به على غيرهم كما قال تعالى﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ(66)مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾[المؤمنون:66-67]، وقال تعالى﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أو يَقْتُلُوكَ﴾ إلى قوله ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾[الأنفال:30-34]، فبين سبحانه أن المشركين ليسوا أولياءه ولا أولياء بيته إنما أولياؤه المتقون.

وثبت في الصحيحين عن عمرو بن العاص t قال سمعت رسول الله r يقول جهارا من غير سر «إنّ آل فلان ليسوا لي بأولياء» يعني طائفة من أقاربه «إنما ولي الله وصالح المؤمنين» وهذا موافق لقوله تعالى﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾[التحريم:4]الآية، (وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) ([13]) هو من كان صالحا من المؤمنين، وهم المؤمنون المتقون أولياء الله، ودخل في ذلك أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة وكانوا ألفا وأربعمائة وكلهم في الجنة كما ثبت في الصحيح عن النبي r أنه قال«لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة»([14]) ومثل هذا الحديث الآخر «إن أوليائي المتقون أيا كانوا وحيث كانوا»، كما أن من الكفار من يدعي أنه ولي الله وليس وليا لله بل عدو له، فكذلك من المنافقين الذين يُظهرون الإسلام يقرون في الظاهر بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنه مرسل إلى جميع الإنس بل إلى الثقلين الإنس والجن، ويعتقدون في الباطن ما يناقض ذلك مثل أن لا يقروا في الباطن بأنه رسول الله وإنما كان ملكا مطاعا ساس الناس برأيه من جنس غيره من الملوك، أو يقولون إنه رسول الله إلى الأميين دون أهل الكتاب كما يقوله كثير من اليهود والنصارى، أو أنه مرسل إلى عامة الخلق وأن لله أولياء خاصة لم يُرسل إليهم ولا يحتاجون إليه بل لهم طريق إلى الله من غير جهته كما كان الخضر مع موسى، أو أنهم يأخذون عن الله كلَّ ما يحتاجون إليه وينتفعون به من غير واسطة، أو أنّه مرسل بالشرائع الظاهرة وهم موافقون له فيها، وأما الحقائق الباطنية فلم يُرسل بها أو لم يكن يعرفها، ([15]) أو هم أعرف بها منه، أو يعرفونها مثل ما يعرفها من غير طريقته، ([16]) وقد يقول بعض هؤلاء أن أهل الصُّفَّة كانوا مستغنين عنه ولم يرسل إليهم، ومنهم من يقول أن الله أوحى إلى أهل الصُّفَّة في الباطن ما أوحى إليه ليلة المعراج فصار أهل الصفة بمنزلته، وهؤلاء من فرط جهلهم لا يعلمون أن الاسراء كان بمكة كما قال تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾[الإسراء:1]. وأن الصفة لم تكن إلا بالمدينة، وكانت صفة في شمالي مسجده r ينزل بها الغرباء الذين ليس لهم أهل وأصحاب ينزلون عندهم، فإن المؤمنين كانوا يهاجرون إلى النبي r إلى المدينة فمن أمكنه أن ينزل في مكان نزل به، ومن تعذّر ذلك عليه نزل في المسجد إلى أن يتيسر له مكان ينتقل إليه، ولم يكن أهل الصفة ناسا بأعيانهم يلازمون الصفة بل كانوا يَقِلُّون تارة ويكثرون أخرى، ويقيم الرجل بها زمانا ثم ينتقل منها، والذين ينزلون بها هم من جنس سائر المسلمين ليس لهم مزيّة في علم ولا دين بل فيهم من إرتد عن الإسلام وقتله النبي r كالعُرَنِيِّين الذين اجتووا المدينة أي استوخموها، فأمر لهم النبي r بلقاح أي إبل لها لبن وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا الذود فأرسل النبي r في طلبهم فأتى بهم، فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم وسُمِرَت أعينهم وتركهم في الحرة يستسقون فلا يسقون، وحديثهم في الصحيحين من حديث أنس وفيه أنهم نزلوا الصفة فكان ينزلها مثل هؤلاء، ونزلها من خيار المسلمين سعد بن أبي وقاص وهو أفضل من نزل بالصفة، ثم انتقل منها ونزلها أبو هريرة وغيره، وقد جمع أبو عبد الرحمن السلمي تاريخ من نزل الصفة.

وأما الأنصار فلم يكونوا من أهل الصفة وكذلك أكابر المهاجرين كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن ابن عوف وأبي عبيدة وغيرهم لم يكونوا من أهل الصفة. وقد روى أنه بها غلام للمغيرة بن شعبة، وأن النبي r قال هذا واحد من السبعة. وهذا الحديث كذب باتفاق أهل العلم وإن كان قد رواه أبو نعيم في الحِلْيَة، وكذا كل حديث يروى عن النبي r في عدة الأولياء والأبدال والنقباء والنجباء والأوتاد والأقطاب مثل أربعة أو سبعة أو انثي عشر أو أربعين أو سبعين أو ثلاثمائة أو ثلاثمائة وثلاثة عشر، أو القطب الواحد، فليس في ذلك شيءصحيح عن النبي r، ولم ينطق السلف بشيء من هذه الألفاظ إلا بلفظ الأبدال، وروى فيهم حديث أنهم أربعون رجلا وانهم بالشام وهو في المسند من حديث علي كرم الله وجهه وهو حديث منقطع ليس بثابت ومعلوم أن عليا ومن معه من الصحابة كانوا أفضل من معاوية ومن معه بالشام، فلا يكون أفضل الناس في عسكر معاوية دون عسكر علي. وقد أخرجا في الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي r أنه قال «تمرق مارقة من الدين على حين فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق» وهؤلاء المارقون هم الخوارج الحرورية الذين مرقوا لما حصلت الفرقة بين المسلمين في خلافة علي فقتلهم علي بن أبي طالب وأصحابُه، فدل هذا الحديث الصحيح على أن علي بن أبي طالب أولى بالحق من معاوية وأصحابه، وكيف يكون الأبدال في أدنى العسكرين دون أعلاهما. وكذلك ما يرويه بعضهم عن النبي r أنه أنشد منشد:

قد لسعت حية الهوى كبدي فلا طبيب لها ولا راقِ

إلا الحبيب الذي شُغفت به فعنده رقيتي وترياقـي

وأن النبي r تواجد حتى سقطت البردة عن منكبه، فإنه كذب باتفاق أهل العلم بالحديث، وأكذب منه ما يرويه بعضهم أنه مزق ثوبه، وأن جبريل أخذ قطعة منه فعلقها على العرش، فهذا وأمثاله مما يعرف أهل العلم والمعرفة برسول الله r أنه من أظهر الأحايث كذبا عليه r. وكذلك ما يروونه عن عمر t أنه قال كان النبي r وأبو بكر يتحدثان وكنت بينهما كالزنجي، وهو كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. والمقصود هنا أنه فيمن يقر برسالته العامة في الظاهر ومن يعتقد في الباطن ما يناقض ذلك فيكون منافقا وهو يدَّعي في نفسه وأمثاله أنهم أولياء الله مع كفرهم في الباطن بما جاء به الرسول r، إما عنادا، وإما جهلا، كما أن كثيرا من النصارى واليهود يعتقدون أنهم أولياء الله، وأن محمدا رسول الله، لكن يقولون إنما أرسل إلى غير أهل الكتاب، وأنه لا يجب علينا إتباعه لأنه أرسل إلينا رسلا قبله فهؤلاء كلهم كفار مع أنهم يعتقدون في طائفتهم أنهم أولياء الله، وإنما أولياء الله الذين وصفهم الله تعالى بوَلايته بقوله﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس:62-63]، ولابد في الإيمان من أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ([17]) ويؤمن بكل رسول أرسله الله، وكل كتاب أنزله الله كما قال تعالى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(136)فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾[البقرة:136-137]، وقال تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾[البقرة:285]إلى آخر السورة، وقال في أول السورة ﴿الم(1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3)وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4)أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾[البقرة:1-4]، ([18]) فلابد في الإيمان من اأن تؤمن أن محمدا r خاتم النبيين لا نبي بعده، وأن الله أرسله إلى جميع الثقلين الجن والإنس، فكل من لم يؤمن بما جاء به فليس بمؤمن فضلا عن أن يكون من أولياء الله المتقين، ومن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر ليس بمؤمن كما قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا(150)أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا(151)وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾[النساء:150-152]، ([19]) ومن الإيمان به الإيمان بأنه الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده وحلاله وحرامه، فالحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، والدين ما شرعه الله ورسوله r، فمن اعتقد أن لأحد من الأولياء طريقا إلى الله من غير متابعة محمد r، فهو كافر من أولياء الشيطان.

وأما خلق الله تعالى للخلق ورَزْقُه([20])إياهم وإجابته لدعائهم وهدايته لقلوبهم ونصرهم على أعدائهم وغير ذلك من جلب المنافع ودفع المضار فهذا لله وحده يفعله بما يشاء من الأسباب لا يدخل في مثل هذا وساطة الرسل. ثم لو بلغ الرجل في الزهد والعبادة والعلم ما بلغ ولم يؤمن بجميع ما جاء به محمد r فليس بمؤمن، ولا ولي لله تعالى كالأحبار والرهبان من علماء اليهود والنصارى وعُبَّادهم، وكذلك المنتسبون إلى العلم والعبادة من المشركين؛ مشركي العرب والترك والهند وغيرهم ممن كان من حكماء الهند والترك وله علم أو زهد وعبادة في دينه، وليس مؤمنا بجميع ما جاء به محمد فهو كافر عدو لله، وإن ظن طائفة أنه ولي لله، كما كان حكماء الفرس من المجوس كفارا مجوسا، وكذلك حكماء اليونان مثل أرسطو وأمثاله كانوا مشركين يعبدون الأصنام والكواكب، وكان أرسطو قبل المسيح عليه السلام بثلاثمائة سنة، وكان وزيرا للإسكندر بن فيلبس المقدوني، وهو الذي يؤرخ له تواريخ الروم واليونان وتؤرخ به اليهود والنصارى، وليس هذا هو ذو القرنين الذي ذكره الله في كتابه كما يظن بعض الناس أن ارسطو كان وزيرا لذي القرنين لما رأوا أن ذاك اسمه الإسكندر وهذا قد يسمى بالإسكندر ظنوا أن هذا ذاك كما يظنه ابن سينا وطائفة معه، وليس الأمر كذلك بل هذا الإسكندر المشرك الذي قد كان أرسطو وزيره، متأخر عن ذاك ولم يبن هذا السُّور ولا وصل إلى بلاد يأجوج ومأجوج وهذا الإسكندر الذي كان أرسطو من وزرائه يؤرخ له تاريخ الروم المعروف وفي أصناف المشركين من مشركي العرب ومشركي الهند والترك واليونان وغيرهم من له اجتهاد في العلم والزهد والعبادة ولكن ليس بمتبع للرسل ولا يؤمن بما جاءوا به ولا يصدقهم بما أخبروا به ولا يطيعهم فيما أمروا، فهؤلاء ليسوا بمؤمنين ولا أولياء الله وهؤلاء تقترن بهم الشياطين وتَنَزَّل عليهم فيكاشفون الناس ببعض الأمور ولهم تصرفات خارقة من جنس السحر وهم من جنس الكهان والسحرة الذين تنزل عليهم الشياطين قال الله تعالى ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ(221)تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ(222)يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾[الشعراء:221-223]، وهؤلاء جميعهم الذين ينتسبون إلى المكاشفات وخوارق العادات، إذْ لم يكونوا متبعين الرسل فلابد أن يكذبوا وتُكَذِبُهم شياطينهم، ولابد أن يكون في أعمالهم ما هو إثم وفجور مثل نوع من الشرك أو الظلم أو الفواحش أو الغلو أو البدع في العبادة، ولهذا تنزلت عليهم الشياطين واقترنت بهم فصاروا من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن، ([21]) قال الله تعالى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾[الزخرف:36]، وذِكر الرحمن هو الذِّكر الذي بعث به رسوله r مثل القرآن فمن لم يؤمن بالقرآن ويصدق خبره ويعتقد وجوب أمره فقد أعرض عنه فيقيض له الشيطان فيقترن به قال تعالى ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ﴾[الأنبياء:50]، وقال تعالى ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124) ([22])قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا(125)قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾[طه:124-126]، فدل ذلك على أن ذكره هو آياته التي أنزلها، ولهذا لو ذكر الرجل الله سبحانه وتعالى دائما ليلا ونهارا مع غاية الزهد، وعَبَدَه مجتهدا في عبادته، ولم يكن متبعا لذكره الذي أنزله وهو القرآن كان من أولياء الشيطان، ولو طار في الهواء أو مشى على الماء فإن الشيطان يحمله في الهواء، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.

فصـــــــل

ومن الناس من يكون فيه إيمان وفيه شعبة من نفاق، كما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي r أنه قال «أربعٌ مَنْ كُنّ فيهِ كان مُنافِقاً خالصاً, وَمَنْ كانتْ فيهِ خَصْلةٌ مِنهنّ كانتْ فيهِ خَصْلةٌ مِنَ النفاقِ حتى يَدَعَها: إذا حدّثَ كَذَبَ, وإذا وعد أخلف، وإذا ائْتُمِنَ خان, وإذا عاهَدَ غدرَ».([23])

وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة t عن النبي r أنه قال «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان» فبين النبي r أن من كان فيه خصلة من هذه الخصال ففيه خصلة من النفاق حتى يدعها.

وقد ثبت في الصحيحين أنه قال لأبي ذر وهو من خيار المؤمنين «إنك إمرؤ فيك جاهلية» فقال: يا رسول الله أعلى كبر سني قال «نعم».

وثبت في الصحيح عنه أنه قال «أربع في أمتى من أمر الجاهلية الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب، والنياحة على الميت والاستسقاء بالنجوم».([24])

وفي الصحيحين عن أبي هريرة t عن النبي r أنه قال«آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان». وفي صحيح مسلم «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم».

وذكر البخارى عن ابن أبي مليكة قال أدركت ثلاثين من أصحاب محمد r كلهم يخاف النفاق على نفسه وقد قال الله تعالى﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ(166)وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أو ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾[آل عمران:166-167]، فقد جعل هؤلاء إلى الكفر أقرب منهم للإيمان فعلم أنهم مخلطون وكفرهم أقوى، وغيرهم يكون مخلطا وإيمانه أقوى، وإذا كان أولياء الله هم المؤمنين المتقين([25]) فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله تعالى، فمن كان أكمل إيمانا وتقوى كان أكمل وَلاية لله، فالناس متفاضلون في ولاية الله عز وجل بحسَب تفاضلهم في الإيمان والتقوى، وكذلك يتفاضلون في عداوة الله بحسب تفاضلهم في الكفر والنفاق، قال الله تعالى ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ(124)وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾[التوبة:124-125]، وقال تعالى﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾[التوبة:37]، وقال تعالى﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾[محمد:17]، وقال تعالى في المنافقين﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا﴾[البقرة:10].

فبين سبحانه وتعالى أن الشخص الواحد قد يكون فيه قسط من ولاية الله بحسب إيمانه، وقد يكون فيه قسط من عداوة الله بحسب كفره ونفاقه، وقال تعالى﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾[المدثر:31]، وقال تعالى﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾[الفتح:4]. ([26])

فصـــــــل

وأولياء الله على طبقتين، سابقون مقربون وأصحاب يمين مقتصدون، ذكرهم الله في عدة مواضع من كتابه العزيز في أول سورة الواقعة وآخرها، وفي سورة الإنسان، والمطففين، وفي سورة فاطر، فإنه سبحانه وتعالى ذكر في الواقعة القيامة الكبرى في أولها، وذكر القيامة الصغرى في آخرها فقال في أولها ﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ(1)لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ(2)خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ(3)إِذَا رُجَّتْ الْأَرْضُ رَجًّا(4)وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسًّا(5)فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا(6)وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً(7)فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ(8)وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ(9)وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ(10)أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ(11)فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ(12)ثُلَّةٌ مِنْ الْأَوَّلِينَ(13) وَقَلِيلٌ مِنْ الْآخِرِينَ﴾[الواقعة:1-14]، فهذا تقسيم الناس إذا قامت القيامة الكبرى التي يجمع الله فيها الأولين والآخرين، كما وصف الله سبحانه ذلك في كتابه في غير موضع ثم قال تعالى في آخر السورة ﴿فَلَوْلَا﴾ أي فهَلَّا ﴿إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ(83)وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ(84)وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ(85)فَلَوْلَا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ(86)تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(87)فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ(88)فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ(89)وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ(90)فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ(91)وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ(92)فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ(93)وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ(94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ(95)فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾[الواقعة:83-96]، وقال تعالى في سورة الإنسان ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلًا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا(4)إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا(5)عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا(6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا(7)وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا(8)إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا(9)إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا(10)فَوَقَاهُمْ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا(11)وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾[الإنسان:3-12]الآيات، وكذلك ذكر في سورة المطففين فقال﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ إلى أن قال ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ(18)وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ(19)كِتَابٌ مَرْقُومٌ(20)يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ(21)إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ(22)عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ(23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ(24)يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ(25)خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ(27)عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾[المطففين:18-28].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من السلف قالوا يمزج لأصحاب اليمين مزجا ويشرب بها المقربون صرفا، وهو كما قالوا فإن الله تعالى قال (يَشْرَبُ بِهَا) ولم يقل يشرب منها لأنه ضمَّن ذلك قوله (يَشْرَبُ) يعنى يروى بها فإن الشارب قد يشرب ولا يروى. فإذا قيل يشربون منها لم يدل على الري فإذا قيل يشربون بها كان المعني يروون بها، فالمقربون يروون بها فلا يحتاجون معها إلى مادونها، فلهذا يشربون منها صرفا، بخلاف أصحاب اليمين فإنها مزجت لهم مزجا وهو كما قال تعالى في سورة الانسان﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا(5)عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾الإنسان:5-6]، فعباد الله هم المقربون المذكورون في تلك السورة وهذا لأن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر.

كما قال النبي r «مَنْ نَفّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدّنْيَا, نَفّسَ اللّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَمَنْ يَسّرَ عَلَىَ مُعْسِرٍ, يَسّرَ اللّهُ عَلَيْهِ فِي الدّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً, سَتَرَهُ اللّهُ فِي الدّنْيَا وَالآخِرَةِ. وَاللّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ. وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً, سَهّلَ اللّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقاً إلى الْجَنّةِ. وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللّهِ, يَتْلُونَ كِتَابَ اللّهِ, وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ, إِلاّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السّكِينَةُ, وَغَشِيَتْهُمُ الرّحْمَةُ وَحَفّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ, وَذَكَرَهُمُ اللّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ. وَمَنْ أَبَطأَ بِهِ عَمَلُهُ, لَمْ يُسْـرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» رواه مسلم في صحيحه.

وقال r «الرّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرّحْمَنُ. ارْحَمُوا مَنْ في اْلأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ في السّماءِ» قال الترمذي حديث صحيح.

وفي الحديث الآخر الصحيح الذي في السنن «قال الله تَعالى: أَنَا الرّحْمنُ, خَلَقْتُ الرّحِم وَشَقَقْتُ لَهَا مِنْ اْسِمي, فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتّهُ». وقال «ومن وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله» ومثل هذا كثير. وأولياء الله تعالى على نوعين: مقربون وأصحاب يمين كما تقدم.

وقد ذكر النبي r عمل القسمين في حديث الأولياء فقال «يقول الله تعالى من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها». فالأبرار أصحاب اليمين هم المتقربون إليه بالفرائض يفعلون ما أوجب الله عليهم ويتركون ما حرم الله عليهم ولا يكلفون أنفسهم بالمندوبات ولا الكف عن فضول المباحات. وأما السابقون المقربون فتقربوا إليه بالنوافل بعد الفرائض ففعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات، فلما تقربوا إليه بجميع ما يقدرون عليه من محبوباتهم أحبهم الرب حبًّا تاما. كما قال تعالى ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه؛ يعني الحب المطلق([27]) كقوله تعالى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾[الفاتحة:6-7]، أي أنعم عليهم الإنعام المطلق التام المذكور في قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾[النساء:69]، فهؤلاء المقربون صارت المباحات في حقهم طاعات يتقربون بها إلى الله عز وجل فكانت أعمالهم كلها عبادات لله، فشربوا صرفا، كما عملوا له صرفا، والمقتصدون كان في أعمالهم ما فعلوه لنفوسهم فلا يعاقبون عليه ولا يثابون عليه فلم يشربوا صرفا بل مزج لهم من شراب المقربين بحسب ما مزجوه في الدنيا.

ونظير هذا إنقسام الانبياء عليهم السلام إلى عبدٍ رسولٍ ونبيِ ملك، وقد خير الله سبحانه محمدا r بين أن يكون عبدا رسولا وبين أن يكون نبيا ملكا، فاختار أن يكون عبدا رسولا؛ فالنبي الملك مثل داود وسليمان ونحوهما عليهما الصلاة والسلام، قال الله تعالى في قصة سليمان الذي قال ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ(35)فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ(36)وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ(37)وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ(38)هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أو أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾[ص:35-39] أي إعط من شئت واحرم من شئت لا حساب عليك. فالنبي الملك يفعل ما فرض الله عليه ويترك ما حرم الله عليه ويتصرف في الولاية والمال بما يحبه ويختار من غير إثم عليه.

وأما العبد الرسول فلا يعطي أحدا إلا بأمر ربه ولا يعطي من يشاء ويحرم من يشاء، بل يعطي من أمره ربه بإعطائه، ويولي من أمره ربه بتوليته، فأعماله كلها عبادات لله تعالى كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة t عن النبي r أنه قال «إني والله لا أعطي أحدا ولا أمنع أحدا، إنما أنا قاسم أضع حيث أمرت» ولهذا يضيف الله الأموال الشرعية إلى الله والرسول كقوله تعالى ﴿قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾[الأنفال:1]، وقوله تعالى ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾[الحشر:7]، وقوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾[الأنفال:41].

ولهذا كان أظهر أقوال العلماء أن هذه الاموال تصرف فيما يحبه الله ورسوله بحسب اجتهاد ولي الأمر كما هو مذهب مالك وغيره من السلف. ويذكر هذا رواية عن أحمد، وقد قيل في الخمس أنه يقسم عل خمسة كقول الشافعي وأحمد في المعروف عنه، وقيل على ثلاثة كقول أبي حنيفة رحمه الله، والمقصود هنا أن العبد الرسول هو أفضل من النبي الملك كما أن إبراهيم وموسى وعيسى ومحمدا عليهم الصلاة والسلام أفضل من يوسف وداود وسليمان عليهم السلام، كما أن المقربين السابقين أفضل من الأبرار أصحاب اليمين الذين ليسوا مقربين سابقين فمن أدى ما أوجب الله عليه وفعل من المباحات ما يحبه فهو من هؤلاء، ومن كان إنما يفعل ما يحبه الله ويرضاه ويقصد أن يستعين بما أُبيح له على ما أمره الله فهو من أولئك. ([28])

فصـــــــل

وقد ذكر الله تعالى أولياءه المقتصدين والسابقين في سورة فاطر في قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ(32)جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ(33)وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ(34)الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾[فاطر:32-35]، لكن هذه الأصناف الثلاثة في هذه الآية هم أمة محمد r خاصة كما قال تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ)، وأمة محمد r هم الذين أورثوا الكتاب بعد الأمم المتقدمة، وليس ذلك مختصا بحفّاظ القرآن بل كل من آمن بالقرآن فهو من هؤلاء، وقسّمهم إلى ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق، بخلاف الآيات التي في الواقعة والمطففين والإنفطار فإنه دخل فيها جميع الأمم المتقدمة كافرهم ومؤمنهم، وهذا التقسيم لأمة محمد r، فالظالم لنفسه أصحاب الذنوب المصرون عليها، والمقتصد المؤدي للفرائض المجتنب للمحارم، والسابق للخيرات هو المؤدي للفرائض والنوافل، كما في تلك الآيات، ([29]) ومن تاب من ذنبه أي ذنب كان توبة صحيحة لم يخرج بذلك عن السابقين والمقتصدين كما في قوله تعالى ﴿وَسَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133)الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134) وَالَّذِينَ إذا فَعَلُوا فَاحِشَةً أو ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ(135)أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾[آل عمران:133-136]، والمقتصد المؤدي للفرائض المجتنب للمحارم، والسابق بالخيرات هو المؤدي للفرائض والنوافل كما في تلك الآيات، وقوله ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾([30]) مما يستدل به أهل السنة على أنه لا يخلد في النار أحد من أهل التوحيد.

وأما دخول كثير من أهل الكبائر النار فهذا مما تواترت به السنن عن النبي r كما تواترت بخروجهم من النار وشفاعة نبينا محمد r في أهل الكبائر، وإخراج من يخرج من النار بشفاعة نبينا r وشفاعة غيره، ([31]) فمن قال أن أهل الكبائر مخلدون في النار وتَأَوَّلَ الآية على أن السابقين هم الذين يدخلونها، وأن المقتصد أو الظالم لنفسه لا يدخلها، كما تأوله من المعتزلة، فهو مقابل بتأويل المرجئة الذين لا يقطعون بدخول أحد من أهل الكبائر النار، ويزعمون أن أهل الكبائر قد يدخل جميعهم الجنة من غير عذاب، ([32]) وكلاهما مخالف للسنة المتواترة عن النبي r، ولإجماع سلف الأمة وأئمتها وقد دل على فساد قول الطائفتين قول الله تعالى في آيتين من كتابه وهو قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾[النساء:48]، فأخبر تعالى أنه لا يغفر الشرك، وأخبر أنه يغفر ما دونه لمن يشاء، ولا يجوز أن يراد بذلك التائب كما يقوله من يقوله من المعتزلة، لأن الشرك يغفره الله لمن تاب، وما دون الشرك يغفره الله أيضا للتائب، فلا يتعلق بالمشيئة. ولهذا لما ذكر المغفرة للتائبين، قال تعالى ﴿قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾[الزمر:53]، فهنا عمم المغفرة وأطلقها فإن الله يغفر للعبد أي ذنب تاب منه، فمن تاب من الشرك غفر الله له، ومن تاب من الكبائر غفر الله له، وأي ذنب تاب العبد منه غفر الله له، ففى آية التوبة عمم وأطلق، وفي تلك الآية خصص وعلق، فخص الشرك بأنه لا يغفره، وعلق ما سواه على المشيئة، ومن الشرك التعطيل للخالق، وهذا يدل على فساد قول من يجزم بالمغفرة لكل مذنب، ونبه بالشرك على ما هو أعظم منه كتعطيل الخالق، أو يجوز أن لا يعذب بذنب، فإنه لو كان كذلك لما ذكر أنه يغفر البعض دون البعض، ولو كان كل ظالم لنفسه مغفورا له بلا توبة ولا حسنات ماحية لم يعلق ذلك بالمشيئة.

وقوله تعالى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾[النساء:48], دليل على أنه يغفر البعض دون البعض، فبطل النفي والعفو العام.

فصـــــل

وإذا كان أولياء الله عز وجل هم المؤمنون المتقون، والناس يتفاضلون في الإيمان والتقوى، فهم متفاضلون في وَلاية الله بحسب ذلك، كما أنهم لما كانوا متفاضلين في الكفر والنفاق كانوا متفاضلين في عداوة الله بحسب ذلك، وأصل الإيمان والتقوى الإيمان برسل الله، وجِماع ذلك الإيمان بخاتم الرسل محمد r، فالإيمان به يتضمن الإيمان بجميع كتب الله ورسله، وأصل الكفر والنفاق هو الكفر بالرسل وبما جاءوا به، فإن هذا هو الكفر الذي يستحق صاحبه العذاب في الآخرة، فإن الله تعالى أخبر في كتابه أنه لا يعذب أحدا إلا بعد بلوغ الرسالة؛ قال الله تعالى ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾[الإسراء:15]، وقال تعالى ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا(163)وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا(164)رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾[النساء:163-165]، وقال تعالى عن أهل النار ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ(8)قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾[الملك:8-9]، فأخبر أنه كلما أُلقي في النار فوج أقروا بأنهم جاءهم النذير فكذبوه، فدل ذلك على أنه لا يلقى فيها فوج إلا من كذب النذير، وقال تعالى في خطابه لإبليس ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾[ص:85]، فأخبر أنه يملؤها بإبليس ومن اتبعه، فإذا ملئت بهم لم يدخلها غيرهم، فعلم أنه لا يدخل النار إلا من تبع الشيطان، وما تقدم يدل على أنه لا يدخلها من لا ذنب له، فإنه ممن لم يتّبع الشيطان، ولم يكن مذنبا، وما تقدم يدل على أنه لا يدخلها إلا من قامت عليه الحجة بالرسل. ([33])

فصــــــــل

ومن الناس من يؤمن بالرسل إيمانا عاما مجملا، وأما الإيمان المفصل فيكون قد بلغه كثير مما جاءت به الرسل ولم يبلغه بعض ذلك، فيؤمن بما بلغه عن الرسل وما لم يبلغه لم يعرفه ولو بلغه لآمن به، ولكن آمن بما جاءت به الرسل إيمانا مجملا، فهذا إذا عمل بما علم، إن الله أمره به مع إيمانه وتقواه، فهو من أولياء الله تعالى، له من ولاية الله بحسب إيمانه وتقواه، وما لم تقم عليه الحجة به فإن الله تعالى لم يكلفه معرفته، والإيمان المفصل به، فلا يعذبه على تركه، لكن يفوته من كمال ولاية الله بحسب ما فاته من ذلك، فمن علم بما جاء به الرسل وآمن به إيمانا مفصلا وعمل به فهو أكمل إيمانا ووَلاية لله ممن لم يعلم ذلك مفصلا ولم يعمل به وكلاهما ولي لله تعالى والجنة درجات متفاضلة تفاضلا عظيما، وأولياء الله المؤمنون المتقون في تلك الدرجات بحسب إيمانهم وتقواهم، قال الله تبارك وتعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا(18)وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا(19)كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا(20)انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾[الإسراء:18-21]، فبين الله سبحانه وتعالى أنه يمد من يريد الدنيا ومن يريد الآخرة من عطائه، وأن عطاءه ما كان محظورا من بر ولا فاجر، ثم قال تعالى (انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) فبين الله سبحانه أن أهل الآخرة يتفاضلون فيها أكثر مما يتفاضل الناس في الدنيا، وأن درجاتها أكبر من درجات الدنيا، وقد بين تفاضل أنبيائه عليهم السلام كتفاضل سائر عباده المؤمنين، فقال تعالى ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾[البقرة:253]، وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾[الإسراء:55].

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة t عن النبي r أنه قال «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيّ خَيْرٌ وَأَحَبّ إلى اللّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضّعِيفِ. وَفِي كُلَ خَيْرٌ. احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللّهِ. وَلاَ تَعْجِزْ. وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ: لَوْ أَنّي فَعَلْتُ لكان كذا وكذا. وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللّهِ. وَمَا شَاءَ فَعَلَ. فَإِنّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشّيْطَانِ».

وفي الصحيحين عن أبي هريرة وعمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي r أنه قال «إذَا اجتهد الْحَاكِمُ فَأَصَابَ, فَلَهُ أَجْرَانِ, وَإذَا اجْتَهَد فََأَخْطَأَ, فَلَهُ أَجْرٌ»، وقد قال الله تعالى ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أعظم دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾[الحديد:10]، وقال تعالى ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا(95)دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾[النساء:95-96]، وقال تعالى ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(19)الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أعظم دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ(20)يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ(21)خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾[التوبة:19-22]، وقال تعالى ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾[الزمر:9]، وقال تعالى ﴿ يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾[المجادلة:11]. ([34])

فصــــــل

وإذا كان العبد لا يكون وليا لله إلا إذا كان مؤمنا تقيا لقوله تعالى ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس:62-63].

وفي صحيح البخاري الحديث المشهور وقد تقدم، يقول الله تبارك وتعالى فيه «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه»، ولا يكون مؤمنا تقيا حتى يتقرب إلى الله بالفرائض، فيكون من الأبرار أهل اليمين، ثم بعد ذلك لا يزال يتقرب بالنوافل حتى يكون من السابقين المقربين، فمعلوم أن أحدا من الكفار والمنافقين لا يكون وليا لله، وكذلك من لا يصح إيمانه وعباداته وإن قُدِّر أنه لا إثم عليه مثل أطفال الكفار ومن لم تبلغه الدعوة، وإن قيل إنهم لا يعذبون حتى يرسل إليهم رسولا فلا يكونون من أولياء الله إلا إذا كانوا من المؤمنين المتقين، فمن لم يتقرب إلى الله لا بفعل الحسنات ولا بترك السيئات لم يكن من أولياء الله، وكذلك المجانين والأطفال، فإن النبي r قال «رُفع القلم عن ثلاثة عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ» وهذا الحديث قد رواه أهل السنن من حديث علي وعائشة رضي الله عنهما، واتفق أهل المعرفة على تلقيه بالقَبول، لكن الصبي المميز تصح عباداته ويثاب عليها عند جمهور العلماء، وأما المجنون الذي رُفع عنه القلم فلا يصح شيء من عباداته باتفاق العلماء، ولا يصح منه إيمان ولا كفر ولا صلاة ولا غير ذلك من العبادات، بل لا يصلح هو عند عامة العقلاء لأمور الدنيا كالتجارة والصناعة، فلا يصلح أن يكون بزازا ولا عطارا ولا حدادا ولا نجارا، ولا تصح عقوده باتفاق العلماء، فلا يصح بيعه ولا شراؤه ولا نكاحه ولا طلاقه ولا إقراره ولا شهادته ولا غير ذلك من أقواله، بل أقواله كلها لغو لا يتعلق بها حكم شرعي، ([35]) ولا ثواب ولا عقاب، بخلاف الصبي المميز فإن له أقوالا معتبرة في مواضع بالنص والإجماع، وفي مواضع فيها نزاع، وإذا كان المجنون لا يصح منه الإيمان ولا التقوى ولا التقرب إلى الله بالفرائض والنوافل وامتنع أن يكون وليا لله فلا يجوز لأحد أن يعتقد أنه ولي لله، لا سيما أن تكون حجته على ذلك إما مكاشفة سمعها منه، أو نوع من تصرف مثل أن يراه قد أشار إلى واحد فمات أو صُرع، فإنه قد علم أن الكفار والمنافقين من المشركين وأهل الكتاب لهم مكاشفات وتصرفات شيطانية كالكهان والسحرة وعُبَّاد المشركين([36]) وأهل الكتاب، فلا يجوز لأحد أن يستدل بمجرد ذلك على كون الشخص وليا لله وإن لم يعلم منه ما يناقض وَلاية الله، فكيف إذا علم منه ما يناقض ولاية الله، مثل أن يعلم أنه لا يعتقد وجوب اتباع النبي r باطنا وظاهرا، بل يعتقد أنه يتبع الشرع الظاهر دون الحقيقة الباطنة، أو يعتقد أن لأولياء الله طريقا إلى الله غير طريق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو يقول إن الأنبياء ضيّقوا الطريق، أو هم على قدوة العامة دون الخاصة، ونحو ذلك مما يقوله بعض من يدعي الولاية، فهؤلاء فيهم من الكفر ما يناقض الإيمان فضلا عن ولاية الله عز وجل، فمن احتج بما يصدر عن أحدهم من خرق عادة على وَلايتهم كان أضل من اليهود والنصارى، وكذلك المجنون فإن كونه مجنونا يناقض أن يصح منه الإيمان والعبادات التي هي شرط في وَلاية الله، ومن كان يُجَنُّ أحيانا ويُفيق أحيانا إذا كان في حال إفاقته مؤمنا بالله ورسوله ويؤدي الفرائض ويجتنب المحارم فهذا إذا جُنَّ لم يكن جنونه مانعا من أن يثيبه الله على إيمانه وتقواه الذي أتى به في حال إفاقته، ويكون له من ولاية الله بحسب ذلك، وكذلك من طرأ عليه الجنون بعد إيمانه وتقواه فإن الله يثيبه ويأجره على ما تقدم من إيمانه وتقواه، ولا يحبطه بالجنون الذي أبتلي به من غير ذنب فعله، والقلم مرفوع عنه في حال جنونه، فعلى هذا فمن أظهر الولاية وهو لا يؤدي الفرائض ولا يجتنب المحارم، بل قد يأتي بما يناقض ذلك،لم يكن لأحد أن يقول هذا ولي، لله فإن هذا إن لم يكن مجنونا بل كان متولها من غير جنون، أو كان يغيب عقله بالجنون تارة ويفيق أخرى، وهو لا يقوم بالفرائض، بل يعتقد أنه لا يجب عليه اتباع الرسول r فهو كافر، وإن كان مجنونا باطنا وظاهرا قد ارتفع عنه القلم، فهذا وإن لم يكن معاقبا عقوبة الكافرين فليس هو مستحقا لما يستحقه أهل الإيمان والتقوى من كرامة الله عز وجل، فلا يجوز على التقديرين أن يعتقد فيه أحد أنه ولي لله، ولكن إن كان له حالة في إفاقته كان فيها مؤمنا بالله متقيا كان له من ولاية الله بحسب ذلك، وإن كان له في حال إفاقته فيه كفر أو نفاق أو كان كافرا أو منافقا ثم طرأ عليه الجنون فهذا فيه من الكفر والنفاق ما يعاقب عليه، وجنونه لا يحبط عنه ما يحصل منه حال إفاقته من كفر أو نفاق. ([37])

فصــــــل

وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس في الظاهر من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس، إذا كان كلاهما مباحا، ولا بحلق شعر أو تقصيره أو ظفره إذا كان مباحا، كما قيل كم من صِدِّيقٍ في قَبَاء، وكم من زنديق في عَبَاء، بل يوجدون في جميع أصناف أمة محمد r، إذا لم يكونوا من أهل البدع الظاهرة والفجور، فيوجدون في أهل القرآن وأهل العلم، ويوجدون في أهل الجهاد والسيف، ويوجدون في التجار والصناع والزراع، وقد ذكر الله أصناف امة محمد r في قوله تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنْ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾[المزمل:20]، وكان السلف يسمون أهل الدين والعلم القراء، فيدخل فيهم العلماء والنساك، ثم حدث بعد ذلك اسم الصوفية والفقراء، واسم الصوفية هو نسبة إلى لباس الصوف، هذا هو الصحيح، وقد قيل إنه نسبة إلى صفوة الفقهاء، وقيل إلى صوفة بن أد بن طابخة قبيلة من العرب كانوا يعرفون بالنسك، وقيل إلى أهل الصفة، وقيل إلى الصفا، وقيل إلى الصفوة، وقيل إلى الصف المقدم بين يدي الله تعالى، وهذه أقوال ضعيفة فإنه لو كان كذلك لقيل صِفِّي أو صفائي أو صَفوي أو صَفِّي ولم يقل صوفي، وصار أيضا اسم الفقراء يعنى به أهل السلوك، وهذا عُرف حادث، وقد تنازع الناس أيهما أفضل مسمى الصوفي أو مسمى الفقير، ويتنازعون أيضا أيهما أفضل الغني الشاكر أم الفقير الصابر، وهذه المسألة فيها نزاع قديم بين الجنيد وبين أبي العباس بن عطاء.

وقد روي عن أحمد بن حنبل فيها روايتان، والصواب في هذا كله ما قاله الله تبارك وتعالى حيث قال ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[الحجرات:13].

وفي الصحيح عن أبي هريرة t عن النبي r أنه سئل أي الناس أفضل قال «أتقاهم» قيل له: ليس عن هذا نسألك، فقال «يوسف نبي الله ابن يعقوب نبي الله ابن اسحق نبي الله إبراهيم خليل الله» فقيل له ليس عن هذا نسألك، فقال «عن معادن العرب تسألوني؟ الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقِهُوا» فدل الكتاب والسنة أن أكرم الناس عند الله أتقاهم. ([38])

وفي السنن عن النبي r أنه قال «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأسود على أبيض، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى كلكم لآدم وآدم من تراب». وعنه أيضا r أنه قال «إن الله تعالى أذهب عنكم عَبِيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس رجلان مؤمن تقي وفاجر شقي». فمن كان من هذه الأصناف أتقى لله فهو أكرم عند الله وإذا استويا في التقوى استويا في الدرجة، ولفظ الفقر في الشرع يراد به الفقر من المال، ويراد به فقر المخلوق إلى خالقه، كما قال تعالى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾[التوبة:60]، وقال تعالى ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إلى اللَّهِ﴾[فاطر:15].

وقد مدح الله تعالى في القرآن صنفين من الفقراء؛ أهل الصدقات وأهل الفيء، فقال في الصنف الأول ﴿لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾[البقرة:273]، وقال في الصنف الثاني وهم أفضل الصنفين ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ﴾[الحشر:8]، وهذه صفة المهاجرين الذين هجروا السيئات وجاهدوا أعداء الله باطنا وظاهرا كما قال النبي r «المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله».

أما الحديث الذي يرويه بعضهم أنه قال في غزوة تبوك «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» فلا أصل له ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي r وأفعاله، وجهاد الكفار من أعظم الأعمال بل هو أفضل ما تطوع به الإنسان. قال الله تعالى ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾[النساء:95]، وقال تعالى ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(19)الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أعظم دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَائِزُونَ(20)يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ(21)خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾[التوبة:19-22].

وثبت في صحيح مسلم وغيره عن النعمان بن بشير t قال كنت عند النبي r فقال رجل ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر ما أبالي أن أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام، وقال علي ابن أبي طالب الجهاد في سبيل الله أفضل مما ذكرتماه، فقال عمر لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله r، ولكن إذا قضيت الصلاة سألته. فسأله فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وفي الصحيحين عن عبدالله بن مسعود t قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ r: أَيّ الأَعْمَالِ أَفضل إلى اللّهِ عز وجل؟ قَالَ: «الصّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا» قُلْتُ: ثُمّ أَيّ؟ قَالَ «ثُمّ بِرّ الْوَالِدَيْنِ» قُلْتُ: ثُمّ أَيّ؟ قَالَ «ثُمّ الّجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللّهِ» قَالَ: حَدّثَنِي بِهِنّ رسول اللهr , وَلَو اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.

وفي الصحيحين عنه r أنه سئل أي الأعمال أفضل قال «إيمان بالله وجهاد في سبيله» قيل ثم ماذا؟ قال «حج مبرور».

وفي الصحيحين أن رجلا قال له r يا رسول الله أخبرنى بعمل يعدل الجهاد في سبيل الله قال «لا تستطيعه أو لا تطيقه» قال فأخبرنى به قال «هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تصوم ولا تفطر وتقوم ولا تفتر».([39])

وفى السنن عن معاذ t عن النبي r أنه وصاه لما بعثه إلى اليمن فقال «يا معاذ اتق اللّهَ حيثما كنتَ, واتْبَعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُهَا, وخالقِ الناسَ بخلقٍ حسنٍ» وقال «يا معاذ إني لأحبك فلا تدع أن تقول في دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، وقال له وهو رديفه «يا معاذ أتدري ما حق الله على عباده» قلت الله ورسوله أعلم قال «حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك» قلت الله ورسوله أعلم قال «حقهم عليه ألا يعذبهم»، وقال أيضا لمعاذ «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله» وقال «يا معاذ ألا أخبرك بأبواب البر الصوم جنة والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار، وقيام الرجل في جوف الليل، ثم قرأ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(16)فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[السجدة:16-17]» ثم قال «يا معاذ ألا أخبرك أملك لك من ذلك» فقال «أمسك عليك لسانك هذا، فأخذ بلسانه» قال: يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به، فقال «ثكلتك أمك يا معاذ وهل يَكُبُّ الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم»، وتفسير هذا ما ثبت في الصحيحين عنه r أنه قال «ومن كان يؤمن بالله واليوم الاَخرِ فلْيَقُلْ خيراً أو ليَصمُت» فالتكلم بالخير خير من السكوت عنه، والصمت عن الشر خير من التكلم به، فأما الصمت الدائم فبدعة منهي عنها، وكذلك الامتناع عن أكل الخبز واللحم وشرب الماء فذلك من البدع المذمومة أيضا، كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي r رأى رجلا قائما في الشمس فقال «ما هذا؟» فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي r «مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه».

وثبت في الصحيحين عن أنس أن رجالا سألوا عن عبادة رسول الله r فكأنهم تقالُّوها فقالوا وأينا مثل رسول الله r ثم قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم، وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء فقال رسول الله r «ما بال رجال يقول أحدهم كذا وكذا، ولكني أصوم وأفطر وأقوم وأنام وآكل اللحم وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني» أي سلك غيرها ظانا أن غيرها خير منها، فمن كان كذلك فهو بريء من الله ورسوله، قال تعالى ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾[البقرة:130]، بل يجب على كل مسلم أن يعتقد أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد r، كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يخطب بذلك كل يوم جمعة. ([40])

فصـــــل

وليس من شرط ولي الله أن يكون معصوما لا يغلط ولا يخطىء، بل يجوز أن يخفى عليه بعض علم الشريعة، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين حتى يحسب بعض الأمور مما أمر الله به ومما نهىالله عنه، ويجوز أن يظن في بعض الخوارق أنها من كرامات أولياء الله تعالى وتكون من الشيطان لبَّسها عليه لنقص درجته، ولا يعرف أنها من الشيطان وأن لم يخرج بذلك عن ولاية الله تعالى، فإن الله سبحانه وتعالى تجاوز لهذه الامة عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، فقال تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ(285)لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أو أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾[البقرة:285-286].

وقد ثبت في الصحيح أن الله سبحانه استجاب هذا الدعاء وقال قد فعلت، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[البقرة:284]، قال دخل قلوبهم منها شيءلم يدخلها قبل ذلك شيء أشد منه، فقال النبي r «قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا» قال فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى قوله ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله قد فعلتُ ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال قد فعلت ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال قد فعلت، وقد قال تعالى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾[الأحزاب:5].

وثبت في الصحيحين عن النبي r من حديث أبي هريرة وعمرو بن العاص رضي الله عنهما مرفوعا أنه قال «إذَا اجتهد الْحَاكِمُ فَأَصَابَ, فَلَهُ أَجْرَانِ, وَإذَا اجْتَهَد فََأَخْطَأَ, فَلَهُ أَجْرٌ»، فلم يؤثم المجتهد المخطىء بل جعل له أجرا على اجتهاده وجعل خطأه مغفورا له، ولكن المجتهد المصيب له أجران فهو أفضل منه، ولهذا لما كان ولي الله يجوز أن يغلَط([41])لم يجب على الناس الإيمان بجميع ما يقوله من هو ولي لله إلا يكون نبيا، بل ولا يجوز لولي الله أن يعتمد على ما يلقى إليه في قلبه إلا أن يكون موافقا للشرع، وعلى ما يقع له مما يراه إلهاما ومحادثة وخطابا من الحق، بل يجب عليه أن يعرض ذلك جميعه على ما جاء به محمد r، فإن وافقه قبله وإن خالفه لم يقبله وإن لم يعلم أموافق هو أم مخالف توقف فيه. ([42])

الناس في هذا الباب ثلاثة أصناف طرفان ووسط، فمنهم من إذا اعتقد في شخص أنه ولي لله وافقه في كل ما يظن أنه حدّثه به قبله عن ربه وسلم إليه جميع ما يفعله، ومنهم من إذا رآه قد قال أو فعل ما ليس بموافق للشرع أخرجه عن ولاية الله بالكلية وإن كان مجتهدا مخطئا، وخيار الأمور أوساطها، وهو أن لا يجعل معصوما ولا مأثوما، إذ كان مجتهدا مخطئا فلا يتبع في كل ما يقوله ولا يحكم عليه بالكفر والفسق مع اجتهاده، ([43]) والواجب على الناس اتباع ما بعث الله به رسوله، وأما إذا خالف قول بعض الفقهاء ووافق قول آخرين لم يكن لأحد أن يلزمه بقول المخالف، ويقول هذا خالف الشرع.

وقد ثبت في الصحيحين عن النبي r أنه قال «قد كان في الأمم قبلكم محدَّثُون فإن يكن في أمتي أحد فعمر منهم»،([44]) وروى الترمذي وغيره عن النبي r أنه قال «لولم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر» وفي حديث آخر «أن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه» وفيه «لو كان نبي بعدي لكان عمر» وكان علي بن أبي طالب t يقول ما كنا نبعد أن السكينة تنطق([45]) على لسان عمر، ثبت هذا عنه من رواية الشعبي، وقال ابن عمر ما كان عمر يقول في شيء أني لأراه كذا إلا كان كما يقول([46]). وعن قيس بن طارق قال كنا نتحدث أن عمر ينطق على لسانه ملك. وكان عمر يقول اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون فإنه تتجلى لهم أمور صادقة. وهذه الأمور الصادقة التي أخبر بها عمر بن الخطاب t أنها تتجلى للمطيعين هي الأمور التي يكشفها الله عز وجل لهم، فقد ثبت أن لأولياء الله مخاطبات([47]) ومكاشفات فأفضل هؤلاء في هذه الأمة بعد أبي بكر عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فإن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر.

وقد ثبت في الصحيح([48]) تعيين عمر بأنه محدَّث في هذه الأمة، فأيُّ محدّث ومخاطب فرض في أمة محمد r فعمر أفضل منه، ومع هذا فكان عمر t يفعل ما هو الواجب عليه فيعرض ما يقع له على ما جاء به الرسول r فتارة يوافقه فيكون ذلك من فضائل عمر كما نزل القرآن بموافقته غير مرة، ووافق ربه غير مرة، وتارة يخالفه فيرجع عمر عن ذلك، كما رجع يوم الحديبية لما كان قد رأى محاربة المشركين. والحديث معروف في البخاري وغيره فإن النبي r قد اعتمر سنة ست من الهجرة ومعه المسلمون نحو ألف وأربعمائة، وهم الذين بايعوه تحت الشجرة، وكان قد صالح المشركين بعد مراجعة جرت بينه وبينهم على أن يرجع في ذلك العام ويعتمر من العام القابل، وشرط لهم شروطا فيها نوع غضاضة على المسلمين في الظاهر، فشق ذلك على كثير من المسلمين، وكان الله ورسوله أعلم وأحكم بما في ذلك من المصلحة، وكان عمر فيمن كره ذلك، حتى قال للنبى r: يا رسول الله ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال «بلى»، قال: أفليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال«بلى»، قال فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال له النبي r «إني رسول الله وهو ناصري ولست أعصيه» ثم قال: أفلم تكن تحدثنا أنا نأتي البيت ونطوف به؟ قال«بلى»، قال «أقلت لك أنك تأتيه العام؟» قال: لا، قال «إنك آتيه ومطوف به» فذهب عمر إلى أبي بكر رضي الله عنهما فقال له مثل ما قال النبي r، ورد عليه أبو بكر مثل جواب النبي r، ولم يكن أبو بكر يسمع جواب النبي r فكان أبو بكر t أكمل موافقة لله وللنبى r من عمر، وعمر t رجع عن ذلك وقال: فعملت لذلك أعمالا. وكذلك لما مات النبي r أنكر عمر موته أولا، فلما قال أبو بكر أنه مات رجع عمر عن ذلك. وكذلك في قتال مانعي الزكاة قال عمر لأبي بكر كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله r «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، فقال له أبو بكر t ألم يقل «إلا بحقها» فإن الزكاة من حقها، والله لو منعوني عَناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله r لقاتلتهم على منعها. قال عمر فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق.

ولهذا نظائر تبين تقدم أبي بكر على عمر مع أن عمر t محدَّث، فإن مرتبة الصديق فوق مرتبة المحدَّث، لأن الصديق يتلقى عن الرسول المعصوم كل ما يقوله ويفعله، والمحدَّث يأخذ عن قلبه أشياء وقلبه ليس بمعصوم فيحتاج أن يعرضه على ما جاء به النبي المعصوم r، ولهذا كان عمر t يشاور الصحابة رضي الله عنهم ويناظرهم ويرجع إليهم في بعض الأمور، وينازعونه في أشياء فيحتج عليهم ويحتجون عليه بالكتاب والسنة، ويُقِرُّهم على منازعته ولا يقول لهم أنا محدَّث ملهم مخاطب فينبغي لكم أن تقبلوا مني ولا تعارضوني، فأي أحد إدعى أو إدعى له أصحابه أنه ولي لله وأنه مخاطب يجب على أتباعه أن يقبلوا منه كل ما يقوله ولا يعارضوه ويسلموا له حاله من غير اعتبار بالكتاب والسنة فهو وهم مخطئون، ومثل هذا من أضل الناس، فعمر بن الخطاب t أفضل منه وهو أمير المؤمنين، وكان المسلمون ينازعونه فيما يقوله وهو وهم على الكتاب والسنة، وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله r، وهذا من الفروق بين الأنبياء وغيرهم، فإن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه يجب لهم الإيمان بجميع ما يخبرون به عن الله عز وجل، وتجب طاعتهم فيما يأمرون به، بخلاف الأولياء فإنهم لا تجب طاعتهم في كل ما يأمرون به، ولا الإيمان بجميع ما يخبرون به، بل يُعرض أمرهم وخبرهم على الكتاب والسنة، فما وافق الكتاب والسنة وجب قبوله، وماخالف الكتاب والسنة كان مردودا وإن كان صاحبه من أولياء الله، وكان مجتهدا معذورا فيما قاله له أجر على اجتهاده، لكنه إذا خالف الكتاب والسنة كان مخطئا، وكان من الخطأ المغفور إذا كان صاحبه قد اتقى الله ما استطاع، فإن الله تعالى يقول ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾[التغابن:16]، وهذا تفسير قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾[آل عمران:102]، قال ابن مسعود وغيره (حَقَّ تُقَاتِهِ) أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر، أي بحسب استطاعتكم فإن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها كما قال تعالى ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾[البقرة:286]، وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾[الأعراف:42]، وقال تعالى ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾[الأنعام:152]. وقد ذكر الله سبحانه وتعالى الإيمان بما جاءت به الأنبياء في غير موضع كقوله تعالى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾[البقرة:136]، وقال تعالى ﴿الم(1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3)وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4)أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾[البقرة:1-5]، وقال تعالى ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ﴾[البقرة:177]. وهذا الذي ذكرته من أن أولياء الله يجب عليهم الإعتصام بالكتاب والسنة وأنه ليس فيهم معصوم يسوغ له أو لغيره اتباع ما يقع في قلبه من غير اعتبار بالكتاب والسنة، هو مما اتفق عليه أولياء الله عز وجل، من خالف في هذا فليس من أولياء الله سبحانه، الذين أمر الله باتباعهم، بل إما أن يكون كافرا، وإما أن يكون مفرطا في الجهل، وهذا كثير في كلام المشايخ، كقول الشيخ أبي سليمان الداراني، أنه ليقع في قلبي النكتة من نكت القوم([49])فلا أقبلها إلا بشاهدين الكتاب والسنة. وقال أبو القاسم الجنيد رحمة الله عليه علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لايصلح له أن يتكلم في علمنا أو قال لا يقتدى به. وقال أبو عثمان النيسابوري من أمّر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمّر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة، لأن الله تعالى يقول في كلامه القديم([50])﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾[النور:54]، وقال أبو عمرو بن نجيد كل وَجْدٍ لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل. وكثير من الناس يغلَط في هذا الموضع فيظن في شخص أنه ولي لله، ويظن أن ولي الله يقبل منه كل ما يقوله، ويسلم إليه كل ما يقوله ويسلم إليه كل ما يفعله، وإن خالف الكتاب والسنة، فيوافق ذلك الشخص له ويخالف ما بعث الله به رسوله، الذي فرض الله على جميع الخلق تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، وجعله الفارق بين أوليائه وأعدائه، وبين أهل الجنة وأهل النار، وبين السعداء والأشقياء، فمن اتبعه كان من أولياء الله المتقين وجنده المفلحين وعباده الصالحين، ومن لم يتبعه كان من أعداء الله الخاسرين المجرمين، فتجره مخالفة الرسول وموافقة ذلك الشخص أولا إلى البدعة والضلال، وآخرا إلى الكفر والنفاق،([51]) ويكون له نصيب من قوله تعالى ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا(27)يَاوَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا(28)لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾[الفرقان:27-29]، وقوله تعالى ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ(66)وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ(67)رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾[الأحزاب:66-68]، وقوله تعالى ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ(165)إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الْأَسْبَابُ(166)وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ﴾[البقرة:165-167]، وهؤلاء مشابهون للنصارى الذين قال الله تعالى فيهم ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾[التوبة:31].

وفي المسند وصححه الترمذي عن عدي بن حاتم في تفسيره هذه الآية لما سأل النبي r عنها فقال ما عبدوهم، فقال النبي r «أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم، وكانت هذه عبادتهم إياهم» ولهذا قيل في مثل هؤلاء إنما حرموا الوصول بتضييع الأصول، فإن أصل الأصول تحقيق الإيمان بما جاء به الرسول r، فلابد من الإيمان بالله ورسوله وبما جاء به الرسول r، فلابد من الإيمان بأن محمدا رسول الله r إلى جميع الخلق إنسهم وجنهم وعربهم وعجمهم علمائهم وعُبّادهم ملوكهم وسوقتهم، وأنه لا طريق إلى الله عز وجل لأحد من الخلق إلا بمتابعته باطنا وظاهرا، حتى لو أدركه موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء لوجب عليهم اتباعه، كما قال تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ(81)فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾[آل عمران:81-82].

قال ابن عباس رضي الله عنهما ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه، وقد قال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا(60)وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا(61)فَكَيْفَ إذا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا(62) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا(63)وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا(64)فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾[النساء:60-65]، وكل من خالف شيئا مما جاء به الرسول r مقلدا في ذلك لمن يظن أنه ولي لله، فإنه بنى أمره على أنه ولي لله، وأن ولي الله لا يخالف في شيء، ولو كان هذا الرجل من أكبر أولياء الله، كأكابر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، لم يُقبل منه ما خالف الكتاب والسنة، فكيف إذا لم يكن كذلك، وتجد كثيرا من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه وليا لله أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض التصرفات الخارقة للعادة، مثل أن يُشير إلى شخص فيموت، أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها، أو يمشي على الماء أحيانا أو يملأ إبريقا من الهواء، أو ينفق([52]) بعض الأوقات من الغيب، أو أن يختفى أحيانا عن أعين الناس، أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه فقضى حاجته، أو يخبر الناس بما سُرق لهم، أو بحال غائب لهم، أو مريض أو نحو ذلك من الأمور، وليس في شيء من هذه الأمور، ما يدل على أن صاحبها ولي لله، بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يُغترَّ به حتى ينظر متابعته لرسول الله r وموافقته لأمره ونهيه، ([53]) وكرامات أولياء الله تعالى أعظم من هذه الأمور، وهذه الأمور الخارقة للعادة، وإن كان قد يكون صاحبها وليا لله فقد يكون عدوا لله، فان هذه الخوارق تكون لكثير من الكفار والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين وتكون لأهل البدع، وتكون من الشياطين فلا يجوز أن يظن أنّ كل من كان له شيء من هذه الأمور أنه ولي الله، بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب والسنة، ويعرفون بنور الإيمان والقرآن، وبحقائق الإيمان الباطنة، وشرائع الإسلام الظاهرة.

مثال ذلك أن هذه الأمور المذكورة وأمثالها قد توجد في أشخاص ويكون أحدهم لا يتوضأ ولا يصلي الصلوات المكتوبة، بل يكون ملابسا للنجاسات، معاشرا للكلاب، يأوي إلى الحمّامات والقمامين والمقابر والمزابل، رائحته خبيثة لا يتطهر الطهارة الشرعية، ولا يتنظف. وقد قال النبي r «لا تدخل الملائكة بيتا فيه جنب ولا كلب»، وقال عن هذه الأخلية «إن هذه الحشوش محتضرة» أي يحضرها الشيطان، وقال «من أكل من هاتين الشجرتين الخبيثتين فلا يقربن مسجدنا فان الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم»، وقال «إنّ الله طيب لا يقبل الا طيبا» وقال «إنّ الله نظيف يحب النظافة» وقال خمس من الفواسق يُقتلن في الحل والحرم، الحية، والفأرة، والغراب، والحدأة، والكلب العقور» وفي رواية الحية، والعقرب. وأمر صلوات الله وسلامه عليه بقتل الكلاب. وقال «من اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا نقص من عمله كل يوم قيراط»، وقال «لا تَصحب الملائكة رُفقة معهم كلب»، وقال «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب»، وقال تعالى ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ(156)الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾[الأعراف:156-157].

فإذا كان الشخص مباشرا للنجاسات والخبائث التي يحبها الشيطان، أو يأوى إلى الحمّامات والحشوش التي تحضرها الشياطين، أو يأكل الحيات والعقارب والزنابير وآذان الكلاب التي هي خبائث وفواسق، أو يشرب البول ونحوه من النجاسات التي يحبّها الشيطان، أو يدعو غير الله فيستغيث بالمخلوقات ويتوجه إليها، أو يسجد إلى ناحية شيخه، ولا يُخْلِصُ الدِّين لرب العالمين، أو يلابس الكلاب أو النيران، أو يأوي إلى المزابل والمواضع النجسة، أو يأوي إلى المقابر، ولا سيما إلى مقابر الكفار من اليهود والنصارى أو المشركين، أو يكره سماع القرآن وينفر عنه، ويُقَدِّمُ عليه سماع الأغاني والأشعار، ويؤثر سماع مزامير الشيطان على سماع كلام الرحمن، فهذه علامات أولياء الشيطان لا علامات أولياء الرحمن. ([54])

قال ابن مسعود t: لا يسأل أحدكم عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله ورسوله. وقال عثمان بن عفان t: لو طهُرَت قلوبنا لما شبعت من كلام الله عز وجل. وقال ابن مسعود: الذكر ينبت الإيمان في القلب كما ينبت الماء البقل، والغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل. وإن كان الرجل خبيرا بحقائق الإيمان الباطنة فارقا بين الأحوال الرحمانية والأحوال الشيطانية فيكون قد قذف الله في قلبه من نوره، كما قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾[الحديد:28]، وقال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾[الشورى:52] ([55]) فهذا من المؤمنين الذين جاء فيهم الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي r قال« اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» قال الترمذي حديث حسن، وقد تقدم الحديث الصحيح الذي في البخاري وغيره قال « ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه» فإذا كان العبد من هؤلاء فرّق بين حال أولياء الرحمن وحال أولياء الشيطان كما يفرق الصيرفي بين الدرهم الجيد والدرهم الزَّيْف، وكما يفرق من يعرف الخيل بين الفرس الجيد والفرس الرديء، وكما يفرق من يعرف الفروسية بين الشجاع والجبان، وكما أنه يجب الفرق بين النبي الصادق وبين المتنبىء الكذاب، فيفرق بين محمد الصادق الأمين رسول ربّ العالمين r وموسى والمسيح وغيرهم وبين مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وطليحة الأسدي والحارث الدمشقي وباباه الرومي وغيرهم من الكذابين، وكذلك يفرق بين أولياء الله المتقين وأولياء الشيطان الضالين.

فصـــــــل

والحقيقة حقيقة الدين؛ دين رب العالمين هي ما اتفق عليها الأنبياء والمرسلون، وإن كان لكل منهم شرعة ومنهاجا، فالشرعة هي الشريعة، قال الله تعالى ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾[المائدة:48]، وقال تعالى ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ(18)إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾[الجاثية:18-19]، والمنهاج هو الطريق، قال تعالى ﴿وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾[الجن:16-17]، فالشِّرعة بمنزلة الشريعة للنهر، والمنهاج هو الطريق الذي سُلِك فيه، والغاية المقصودة هي حقيقة الدين وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وهي حقيقة دين الإسلام وهو أن يستسلم العبد لله رب العالمين لا يستسلم لغيره، فمن استسلم له ولغيره كان مشركا، والله لا يغفر أن يشرك به، ومن لم يستسلم لله بل استكبر عن عبادته كان ممن قال الله فيه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾[غافر:60]، ودين الإسلام هو دين الأولين والآخرين من النبيين والمرسلين، وقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾[آل عمران:85] عام في كل زمان ومكان، فنوح وإبراهيم ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى والحواريون كلهم دينهم الإسلام الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له. ([56]) قال الله تعالى عن نوح ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ إلى قوله ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ(130)إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(131)وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[البقرة:130-131] وقال تعالى ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾[يونس:84]، وقال السحرة ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾[الأعراف:126]، وقال يوسف عليه السلام ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾[يوسف:101]، وقالت بلقيس ﴿ وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[النمل:44]، وقال تعالى ﴿ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾[المائدة:44]، وقال الحواريون ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:52]، فدين الأنبياء واحد وإن تنوَّعت شرائعهم. كما في الصحيحين عن النبي r قال «إنَّا معشر الأنبياء ديننا واحد» قال تعالى ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾[الشورى:13]، وقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ(51)وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِي(52)فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾[المؤمنون:51-53].

فصـــــل

وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أولياء الله تعالى على ان الأنبياء أفضل من الأولياء الذين ليسوا بأنبياء، وقد رتّب الله عباده السعداء المنعم عليهم أربع مراتب، فقال تعالى ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾[النساء:69].

وفي الحديث «ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر» وأفضل الأمم أمة محمد r، قال تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾[آل عمران:110]، وقال تعالى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾[فاطر:32]، وقال النبي r في الحديث الذي في المسند «أنتم تُوَفُّونَ سبعين أمة أنتم خيرها واكرمها على الله» وأفضل أمة محمد r القرن الأول.

وقد ثبت عن النبي r من غير وجه أنه قال «خير القرون القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» وهذا ثابت في الصحيحين من غير وجه.

وفي الصحيحين أيضا عنه r أنّه قال «لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحدٍ ذهبا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه».

والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار أفضل من سائر الصحابة، قال تعالى ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أعظم دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾[الحديد:10]، وقال تعالى ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾[التوبة:100]، والسابقون الأولون الذين انفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، والمراد بالفتح صُلح الحديبية فإنه كان أول فتح مكة، وفيه أنزل الله تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا(1)لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾[الفتح:1-2] فقالوا يا رسول الله أَوَ فَتْحٌ هو؟ قال «نعم».

وأفضل السابقين الأولين الخلفاء الأربعة، وأفضلهم أبو بكر ثم عمر، وهذا هو المعروف عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة الأمة وجماهيرها، وقد دلّت على ذلك دلائل بسطناها في منهاج أهل السنة النبوية في نقض كلام أهل الشيعة والقدرية.

وبالجملة اتفقت طوائف السنة والشيعة على أنَّ أفضل هذه الأمة بعد نبيها واحد من الخلفاء، ولا يكون من بعد الصحابة أفضل من الصحابة.

وأفضل أولياء الله تعالى أعظمهم معرفة بما جاء به الرسول r واتباعا له كالصحابة الذين هم أكمل الأمة في معرفة دينه واتباعه، وأبو بكر الصديق أكمل معرفة بما جاء به وعملا به، فهو أفضل أولياء الله، إذْ كانت أمة محمد r أفضل الأمم، وأفضلها أصحاب محمد r، وأفضلهم أبو بكر t. وقد ظن طائفة غالطة أنّ خاتم الأولياء أفضل الأولياء قياسا على خاتم الأنبياء، ولم يتكلم أحد من المشايخ المتقدمين بخاتم الأولياء إلا محمد بن علي الحكيم الترمذي، فانه صنّف مصنفا غلط فيه في مواضع، ثم صار طائفة من المتأخرين يزعم كل واحد منهم أنه خاتم الأولياء، ومنهم من يدعي أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء من جهة العلم بالله، وأن الأنبياء يستفيدون العلم بالله من جهته، كما زَعم ذلك ابن عربى صاحب كتاب الفتوحات المكية وكتاب الفصوص فخالف الشرع والعقل مع مخالفة جميع أنبياء الله تعالى وأوليائه، كما يقال لمن قال فخَرَّ عليهم السقف من تحتهم. لا عقل ولا قرآن، ذلك أن الأنبياء أفضل في الزمان من أولياء هذه الأمة، والأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام أفضل من الأولياء، فكيف الأنبياء كلُّهم والأولياء إنما يستفيدون معرفة الله ممن يأتي بعدهم ويدعي أنه خاتم الأولياء، وليس آخر الأولياء أفضلهم كما أن آخر الأنبياء أفضلهم، فإن فضل محمد r ثَبَتَ بالنصوص الدَّالة على ذلك، كقوله r «أنا سيِّد ولد آدم ولا فخر» وقوله «آتي باب الجنة فأستفتح فيقول الخازن من أنت فأقول محمد، فيقول بك أُمرت أن لا أفتح لأحد قبلك» وليلة المعراج رفع الله درجته فوق الأنبياء كلِّهم، فكان أحقهم بقوله تعالى ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾[البقرة:253] إلى غير ذلك من الدلائل، كلٌّ منهم يأتيه الوحي من الله لا سيما محمد r لم يكن في نبوته محتاجا إلى غيره؛ فلم تحتج شريعته إلى سابق ولا إلى لاحق، بخلاف المسيح أحالهم في أكثر الشريعة على التوراة، وجاء المسيح فكمَّلها، ولهذا كان النصارى محتاجين إلى النبوات المتقدمة على المسيح كالتوراة والزبور وتمام الأربع وعشرين نبوة، وكان الأمم قبلنا محتاجين إلى محدَّثين، بخلاف أمة محمد r فإنّ الله أغناهم به فلم يحتاجوا معه إلى نبي ولا إلى محدَّث، بل جمع له من الفضائل والمعارف والأعمال الصالحة وما فرَّقه في غيره من الأنبياء، فكان ما فضّله الله به من الله بما أنزله اليه وأرسله إليه، لا بتوسُّط بشر، وهذا بخلاف الأولياء فإنّ كل من بلغه رسالة محمد r لا يكون وليا لله إلا باتباع محمد r، وكل ما حصل له من الهدى ودين الحق هو بتوسط محمد r، وكذلك من بلغه رسالة رسول إليه لا يكون وليا لله إلا إذا اتبع ذلك الرسول الذي أُرسل إليه، ([57])ومن إدعى أن من الأولياء الذين بلغتهم رسالة محمد r من له طريق إلى الله لا يحتاج فيه إلى محمد فهذا كافر ملحد، وإذا قال أنا محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة، فهو شرٌّ من اليهود والنصارى الذين قالوا إنّ محمدا رسول إلى الاميين دون أهل الكتاب، فإن أولئك آمنوا ببعض وكفروا ببعض، فكانوا كفّارا بذلك، وكذلك هذا الذي يقول إن محمدا بُعث بعلم الظاهر دون على الباطن آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض فهو كافر، وهو أكفر من أولئك؛ لأن علم الباطن الذي هو على إيمان القلوب ومعارفها وأحوالها هو علم بحقائق الإيمان الباطنة وهذا أشرف من العلم بمجرد أعمال الإسلام الظاهرة.

فإذا إدعى المدعى أن محمدا r إنما علم هذه الأمور الظاهرة دون حقائق الإيمان، وأنه لا يأخذ هذه الحقائق عن الكتاب والسنة فقد ادعى أن بعض الذي آمن به مما جاء به الرسول دون البعض الآخر، وهذا شر ممن يقول أؤمن ببعض وأكفر ببعض ولا يدعي أن هذا البعض الذي آمن به أدنى القسمين، وهؤلاء الملاحدة يدعون أن الولاية أفضل من النبوة، ويُلبِّسون على الناس فيقولون ولايته أفضل من نبوته، وينشدون:

مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي

ويقولون نحن شاركناه في ولايته التي هي أعظم من رسالته، وهذا من أعظم ضلالهم، فإن وَلاية محمد لم يماثله فيها أحد لا إبراهيم ولا موسى، فضلا عن أن يماثله هؤلاء الملحدون، وكلُّ رسول نبيٍّ وليٍّ، فالرسول نبي ولي، ورسالته متضمنة لنبوته، ونبوته متضمنة لوَلايته، وإذا قدروا مجرد إنباء الله إياه بدون وَلايته لله فهذا تقدير ممتنع، فإنه حال إنبائه إياه ممتنع أن يكون إلا وليا لله، ولا تكون مجردة عن وَلايته، ولو قُدرت مجردة لم يكن أحد مماثلا للرسول في وَلايته، وهؤلاء قد يقولون كما يقول صاحب الفصوص ابن عربى: أنهم يأخذون من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول، وذلك أنهم اعتقدوا عقيدة المتفلسفة ثم أخرجوها في قالب المكاشفة، وذلك أن المتفلسفة الذين قالوا أن الأفلاك قديمة أزلية لها علة تتشبَّه بها، كما يقوله أرسطو وأتباعه أو لها موجب بذاته كما يقوله متأخروهم كابن سينا وأمثاله، ولا يقولون إنها لربٍّ خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ولا خلق الأشياء بمشيئته وقدرته، ولا يعلم الجزئيات، بل إما اأن ينكروا علمه مطلقا كقول أرسطو، أو يقولوا إنما يعلم في الأمور المتغيرة كلياتها كما يقوله ابن سينا. وحقيقة هذا القول إنكار علمه بها، فإن كل موجود في الخارج فهو معين جزئي الأفلاك كل معين منها جزئي، وكذلك جميع الأعيان وصفاتها وأفعالها، فمن لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئا من الموجودات، والكليات إنما توجد كليات في الأذهان لا في الأعيان، والكلام على هؤلاء مبسوط في موضع آخر في رد تعارض العقل والنقل وغيره، فإن كُفر هؤلاء أعظم من كفر اليهود والنصارى، بل ومشركي العرب، فإن جميع هؤلاء يقولون إن الله خلق السموات والأرض، وإنه خلق المخلوقات بمشيئته وقدرته، وأرسطو ونحوه من المتفلسفة واليونان كانوا يعبدون الكواكب والأصنام، وهم لا يعرفون الملائكة والأنبياء، وليس في كتب أرسطو ذكر شيء من ذلك وإنما غالب علوم القوم الأمور الطبيعية، وأما الامور الإلهية فكل منهم فيها قليل الصواب كثير الخطأ، واليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل أعلم بالإلهيات منهم بكثير، ولكن متأخروهم كابن سينا أرادوا أن يُلفِّقوا بين كلام أولئك وبين ما جاءت به الرسل، فأخذوا أشياء من أصول الجهمية والمعتزلة، وركبوا مذهبا قد يعتزى إليه متفلسفة أهل الملل، وفيه من الفساد والتناقض ما قد نبّهنا على بعضه في غير هذا الموضع، وهؤلاء لما رأوا أمر الرسل كموسى وعيسى ومحمد r قد بهر العالم، واعترفوا بأن الناموس الذي بعث به محمد r أعظم ناموس طرق العالم ووجدوا الأنبياء قد ذكروا الملائكة والجن أرادوا ان يجمعوا بين ذلك وبين أقوال سلفهم اليونان الذين هم ابعد الخلق عن معرفة الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأولئك قد اثبتوا عقولا عشرة يسمونها المجردات والمُفَارَقات وأصل ذلك مأخوذ من مفارقة النفس للبدن وسموا تلك المفارقات لمفارقتها المادة وتجردها عنها وأثبتوا الأفلاك لكل فلك نفسا وأكثرهم جعلوها أعراضا وبعضهم جعلها جواهر، وهذه المجردات التي أثبتوها ترجع عند التحقيق إلى أمورموجودة في الأذهان لا في الأعيان كما أثبت أصحاب فيثاغورس أعداد مجردة، كما أثبت أصحاب أفلاطون الأمثال الأفلاطونية المجردة أثبتوا هيولى مجردة عن الصورة ومدة وخلاء مجردين، وقد إعترف حذاقهم بأن ذلك إنما يتحقق في الأذهان لا في الأعيان، فلما أراد هؤلاء المتأخرون منهم كابن سينا أن يثبت أمر النبوات على أصولهم الفاسدة، وزعموا أن النبوة لها خصائص ثلاثة من إتصف بها فهو نبي:

· الأولى أن تكون له قوة علمية يسمونها القوة القدسية، ([58]) ينال بها من العلم بلا تعلم.

· الثاني أن يكون له قوة تخيليّة تخيل له ما يعقل في نفسه بحيث يرى في نفسه صورا أو يسمع في نفسه أصواتا كما يراه النائم ويسمعه ولا يكون لها وجود في الخارج، وزعموا أن تلك الصور هي ملائكة الله، وتلك الأصوات هي كلام الله تعالى.

· الثالث أن يكون له قوة فعالة يؤثر بها في هيولى العالم.

وجعلوا معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء وخوارق السحرة هي قوى النفس، فأقروا من ذلك بما يوافق أصولهم من قلب العصا حية دون إنشقاق القمر ونحو ذلك، فإنهم ينكرون وجود هذا. وقد بسطنا الكلام على هؤلاء في مواضع وبينا أن كلامهم هذا أفسد الكلام، وأن هذا الذي جعلوه من الخصائص التي تحصّل ما هو أعظم منه لآحاد العامة ولأتباع الأنبياء وأن الملائكة التي أخبرت بها الرسل أحياء ناطقون أعظم مخلوقات الله وهم كثيرون، كما قال تعالى﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾[المثر:31]، وليسوا عَشَرة، وليسوا أعراضا لاسيما وهؤلاء يزعمون أن الصادر الأول هو العقل الأول، وعنه صدر كل ما دونه، والعقل الفعال العاشر رب كل ما تحت فلك القمر، وهذا كله يُعلم فساده بالاضطرار من دين الرسل، فليس أحد من الملائكة مبدع([59]) لكل ما سوى الله، وهؤلاء يزعمون أن العقل المذكور في حديث يروى «إن أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل، فقال له أدبر فأدبر، فقال وعزتي ما خلقت خلقا أكرم على منك، فبك آخذ وبك أعطي ولك الثواب وعليك العقاب» ويسمونه أيضا القلم لما روى «إن أول ما خلق الله القلم» الحديث رواه الترمذي. والحديث الذي ذكروه في العقل كذب موضوع عند أهل المعرفة بالحديث، كما ذكر ذلك أبو حاتم البُستي([60]) والدار قطني وابن الجوزي وغيرهم، وليس في شيء من دواوين الحديث التي يُعتمد عليها، ومع هذا فلفظه لوكان ثابتا حجةً عليهم، فإن لفظه أول ما خلق الله تعالى العقل قال له، ويروى لما خلق الله العقل قال له، فمعنى الحديث أنه خاطبه في أول أوقات خلقه ليس معناه أنه أول المخلوقات، وأول منصوب على الظرف كما في اللفظ الآخر لمّا، وتمام الحديث ما خلقت خلقا أكرم علي منك، فهذا يقتضى أنه خلق قبله غيره، ثم قال فبك آخذ وبك أعطي ولك الثواب وعليك العقاب، فذكر أربعة أنواع من الأعراض وعندهم أن جميع جواهر العالم العلوي والسُّفلي صدر عن ذلك العقل، فأين هذا من هذا وسبب غلطهم أن لفظ العقل في لغة المسلمين ليس هو لفظ العقل في لغة هؤلاء اليونان، فإن العقل في لغة المسلمين مصدر عَقَلَ، يَعْقِلُ، عَقْلاً كما في القرآن ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أو نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾[الملك:10]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[النحل:12]، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أو إذا نٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾[الحج:46]، ويُراد بالعقل الغريزة التي جعلها الله تعالى في الإنسان يعقل بها، وأما أولئك فالعقل عندهم جوهر قائم بنفسه كالعاقل، وليس هذا مطابقا للغة الرسل والقرآن، وعالم الخلق عندهم كما يذكره أبو حامد عالم الأجسام العقل والنفوس فيسميها عالم الأمر، وقد يسمى العقل عالم الجبروت، والنفوس عالم الملكوت، والأجسام عالم الملك، ويظن من لم يعرف لغة الرسل ولم يعرف معنى الكتاب والسنة أن ما في الكتاب والسنة من ذكر الملك والملكوت والجبروت موافق لهذا، وليس الأمر كذلك، وهؤلاء يُلَبِّسون على المسلمين تلبيسا كثيرا كإطلاقهم أن الفَلَك محدث أي معلول مع أنه قديم عندهم، والمحدث لا يكون إلا مسبوقا بالعدم، ليس في لغة العرب ولا في لغة أحد أنه يسمى القديم الأزلى محدثا، والله قد أخبر أنه خالق كل شيء، وكل مخلوق فهو محدَث، وكل محدث كائن بعد أن لم يكن، لكن ناظَرَهم أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة مناظرة قاصرة لم يعرفوا بها ما أخبرت به الرسل، ولا أحكموا فيها قضايا العقول، فلا للإسلام نصروا، ولا للأعداء كسروا، وشاركوا أولئك في بعض قضاياهم الفاسدة، ونازعوهم في بعض المعقولات الصحيحة، فصار قصور هؤلاء في العلوم السّمعية والعقلية من أسباب قوة ضلال أولئك كما قد بُسط في غير هذا الموضع.

وهؤلاء المتفلسفة قد يجعلون جبريل هو الخيال الذي يتشكل في نفس النبي r، والخيال تابع للعقل، فجاء الملاحدة الذين شاركوا هؤلاء الملاحدة المتفلسفة وزعموا أنهم أولياء الله، وأن أولياء الله أفضل من أنبياء الله، وأنهم يأخذون عن الله بلا واسطة، كابن عربي صاحب الفتوحات والفصوص، فقال: إنه يأخذ من المعدن الذي أخذ منه الملَك الذي يوحي به إلى الرسول، والمعدن عنده هو العقل، والملك هو الخيال، والخيال تابع للعقل، وهو بزعمه يأخذ عن الذي هو أصل الخيال، والرسول يأخذ عن الخيال، فلهذا صار عند نفسه فوق النبي، ولو كان خاصة النبي ما ذكروه، ولم يكن هو من جنسه فضلا عن أن يكون فوقه، فكيف وما ذكروه يحصل لآحاد المؤمنين، والنبوة أمر وراء ذلك فإن ابن عربى وأمثاله وإن ادعوا أنهم من الصوفية فهم من صوفية الملاحدة الفلاسفة ليسوا من صوفية أهل العلم، ([61]) فضلا عن أن يكونوا من مشايخ أهل الكتاب والسنة كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وأبي سليمان الداراني ومعروف الكرخي والجنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التستري وأمثالهم رضوان الله عليهم أجمعين.

والله سبحانه وتعالى قد وصف الملائكة في كتابه بصفات تباين قول هؤلاء([62]) كقوله تعالى ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ(26)لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ(27)يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ(28)وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾[الأنبياء:26-29]، وقال تعالى ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾[النجم:26]، وقال تعالى ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ(22)وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾[سبإ:22-23]، وقال تعالى ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ(19)يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾[الأنبياء:19-20]، وقد أخبر أن الملائكة جاءت لإبراهيم عليه السلام في صورة البشر، وأن الملَك تمثّل لمريم بشرا سويا، وكان جبريل عليه السلام يأتي النبي r في صورة دحية الكلبي وفي صورة أعرابي ويراهم الناس كذلك، وقد وصف الله تعالى جبريل عليه السلام بأنه ذو قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين، وأن محمدا r رآه بالأفق المبين ووصفه بأنه ﴿شَدِيدُ الْقُوَى(5)ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى(6)وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى(7)ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى(8)فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أو أَدْنَى(9)فَأَوْحَى إلى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى(10)مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى(11)أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى(12)وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى(13)عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى(14)عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى(15)إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى(16)مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى(17)لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾[النجم:5-18].

وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي r أنه لم ير جبريل في صورته التي خُلق الله عليها غير مرتين، يعني المرة الأولى بالأفق الأعلى، والنزلة الأخرى عند سدرة المنتهى، ووصف جبريل عليه السلام في موضع آخر بأنه الروح الأمين وأنه روح القدس إلى غير ذلك من الصفات التي تبين أنه من أعظم مخلوقات الله تعالى الأحياء العقلاء، وأنه جوهر قائم بنفسه ليس خيالا في نفس النبي، كما زعم هؤلاء الملاحدة المتفلسفة والمدعون وَلاية الله، وأنهم أعلم من الأنبياء، وغاية حقيقة هؤلاء إنكار أصول الإيمان بأن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وحقيقة أمرهم جحد الخالق فإنهم جعلوا وجود المخلوق هو وجود الخالق وقالوا الوجود واحد ولم يميزوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع، فإن الموجودات تشترك في مسمى الوجود، كما تشترك الأناسيُّ في مسمى الإنسان، والحيوانات في مسمى الحيوان، ولكن هذا المشترك الكلى لا يكون مشتركا كليا إلا في الذهن، وإلا فالحيوانية القائمة بهذا الإنسان ليست هي الحيوانية القائمة بالفَرَس، ووجود الشهوات ليس هو بعينه وجود الإنسان، فوجود الخالق جل جلاله ليس هو كوجود مخلوقاته، وحقيقة قولهم قول فرعون الذي عطّل الصانع فإنه لم يكن منكرا هذا الوجود المشهود، لكن زعم أنه موجود بنفسه لا صانع له، وهؤلاء وافقوه في ذلك، لكن زعموا بأنه هو الله فكانوا أضل منه، وإن كان قوله هذا هو أظهر فسادا منهم، ولهذا جعلوا عبّاد الأصنام ما عبدوا إلا الله وقالوا لما كان فرعون في منصب التحكم صاحب السيف وإن جاز في العرف الناموس كذلك قال أنا ربكم الأعلى، أي وإن كان الكل أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منكم بما أُعطيته في الظاهر من الحكم فيكم، قالوا ولما علمت السحرة صدق فرعون فيما قاله أقروا له بذلك، وقالوا إقضِ ما أنت قاضٍ إنما تقضى هذه الحياة الدنيا، قالوا فصحّ قول فرعون أنا ربكم الأعلى وكان فرعون عين الحق، ثم أنكروا حقيقة اليوم الآخر فجعلوا أهل النار يتنعمون كما يتنعم أهل الجنة، فصاروا كافرين بالله واليوم الآخر وبملائكته وكتبه ورسله مع دعواهم أنهم خلاصة خاصة الخاصة من أهل ولاية الله، وأنهم أفضل من الأنبياء، وأن الأنبياء إنما يعرفون الله من مشكاتهم، وليس هذا موضع بسط إلحاد هؤلاء، ولكن لما كان الكلام في أولياء الله والفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وكان هؤلاء من أعظم الناس إدعاء لولاية الله، وهم من أعظم الناس ولاية للشيطان، نبهنا على ذلك. ([63]) ولهذا عامة كلامهم إنما هو في الحالات الشيطانية، ويقولون ما قاله صاحب الفتوحات باب أرض الحقيقة، ويقولون هي أرض الخيال، فتعرف بأن الحقيقة التي يتكلم فيها هي خيال، ومحل تصرف الشيطان، فإن الشيطان يخيل للإنسان الأمور بخلاف ما هي عليه، قال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ(36)وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ(37)حَتَّى إذا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ(38)وَلَنْ يَنفَعَكُمْ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾[الزخرف:36-39]، وقال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ إلى قوله ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾[النساء:116-120]، وقال تعالى ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾[إبراهيم:22]، وقال تعالى ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾[الأنفال:48].

وقد روى عن النبي r في الحديث الصحيح أنه رأى جبريل يَزَعُ الملائكة، والشياطين إذا رأت ملائكة الله التي يؤيِّد بها عباده هربت منهم، والله يؤيد عباده المؤمنين بملائكته، قال تعالى ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾[الأنفال:12]، وقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾[الأحزاب:9]، وقال تعالى ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾[التوبة:40]، وقال تعالى ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ(124)بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾[آل عمران:124-125]، وهؤلاء تأتيهم أرواح تخاطبهم وتتمثل لهم وهي جن وشياطين فيظنونها ملائكة كالأرواح التي تخاطب من يعبد الكواكب والأصنام.

وكان من أول ما ظهر من هؤلاء في الإسلام المختار بن أبي عبيد الذي أخبر به النبي r في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي r أنه قال «سيكون في ثقيف كذاب ومبير» وكان الكذاب المختار بن أبي عبيد، والمبير الحجاج بن يوسف، فقيل لابن عمر وابن عباس أن المختار يزعم أنه ينزل إليه، فقالا صدق قال الله تعالى ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ(221)تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾[الشعراء:221-222]، وقال الآخر وقيل له إن المختار يزعم أنه يوحى إليه فقال قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ﴾[الأنعام:121]، وهذه الأرواح الشيطانية هي الروح الذي يزعم صاحب الفتوحات أنه أَلقى إليه ذلك الكتاب، ولهذا يذكر أنواعا من الخلوات بطعام معين وشيء معين، وهذه مما تفتح لصاحبها اتصالا بالجن والشياطين فيظنون ذلك من كرامات الأولياء، وإنما هو من الأحوال الشيطانية وأعرف من هؤلاء عددا ومنهم من كان يحمل في الهواء إلى مكان بعيد ويعود، ومنهم من كانت يؤتى بمال مسروق تسرقه الشياطين وتأتيه به، ومنهم من كانت تدله على السرقات بجُعل يحصل له من الناس أو بعطاء يعطونه إذا دلّهم على سرقاتهم، ونحو ذلك.

ولما كانت أحوال هؤلاء شيطانية كانوا مناقضين للرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم، كما يوجد في كلام صاحب الفتوحات المكية والفصوص وأشباه ذلك يمدح الكفار مثل قوم نوح وهود وفرعون وغيرهم، ويتنقص الأنبياء كنوح وإبراهيم وموسى وهارون، ويذم شيوخ المسلمين المحمودين عند المسلمين كالجنيد بن محمد، وسهل بن عبد الله التستري، وأمثالهما، ويمدح المذمومين عند المسلمين كالحلاج ونحوه، كما ذكره في تجلياته الخيالية الشيطانية، فإن الجنيد قدس اللهُ روحه كان من أئمة الهدى، فسئل عن التوحيد فقال التوحيد إفراد الحدوث عن القدم، فبين أن التوحيد أن تميز بين القديم والمحدث، وبين الخالق والمخلوق، وصاحب الفصوص أنكر هذا وقال في مخاطبته الخيالية الشيطانية له يا جنيد هل يميز بين المحدث والقديم إلا من يكون غيرهما، فخطّأ الجنيد في قوله إفراد الحدوث عن القدم؛ لأن قوله هو أن وجود المحدث هو عين وجود القديم كما قال في فصوصه: ومن أسمائه الحسنى العلي على من؟ وما ثم إلا هو، وعن ماذا؟ وما هو إلا هو، فعلوه لنفسه، وهو عين الموجودات، فالمسمى محدثات هي العلية لذاته، وليست إلا هو. إلى أن قال: هو عين ما بطن، وهو عين ما ظهر، وما ثم من يراه غيره، وما ثم من ينطق عنه سواه، وهو المسمى أبو سعيد الخراز!!! وغير ذلك من الأسماء المحدثات.

فيقال لهذا الملحد ليس من شرط المميز بين الشيئين بالعلم والقول أن يكون ثالثا غيرهما، فإن كل واحد من الناس يميز بين نفسه وغيره، وليس هو ثالث، فالعبد يعرف أنه عبد ويميز بين نفسه وبين خالقه، والخالق جل جلاله يميز بين نفسه وبين مخلوقاته، ويعلم أنه ربهم وأنهم عباده، كما نطق بذلك القرآن في غير موضع، والاستشهاد بالقرآن عند المؤمنين الذين يقرون به باطنا وظاهرا، وأما هؤلاء الملاحدة فيزعمون ما كان يزعمه التلمساني منهم، وهو أحذقهم في إتحادهم لما قرىء عليه الفصوص فقيل له القرآن يخالف فصوصكم، فقال القرآن كله شرك، وإنما التوحيد في كلامنا، فقيل له فإذا كان الوجود واحدا فلم كانت الزوجة حلالا والأخت حراما، فقال الكل عندنا حلال، ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم. وهذا مع كفره العظيم متناقض ظاهرا، فإن الوجود إذا كان واحدا، فمن المحجوب ومن الحاجب؟ ولهذا قال بعض شيوخهم لمريده من قال لك أن في الكون سوى الله فقد كذب، فقال له مريده فمن هو الذي يكذب؟ وقالوا لآخر هذه مظاهر، فقال لهم المظاهر غير الظاهر أم هي؟ فإن كانت غيرها فقد قلتم بالنسبة وإن كانت إياها فلا فرق. وقد بسطنا الكلام على كشف أسرار هؤلاء في موضع آخر وبينا حقيقة قول كل واحد منهم، وأن صاحب الفصوص يقول المعدوم شيء ووجود الحق فاض عليهما. فيُفرِّق بين الوجود والثبوت([64]) والمعتزلة الذين قالوا المعدوم شيء ثابت في الخارج مع ضلالهم خير منه فإن أولئك قالوا إن الرب خلق لهذه الأشياء الثابتة في العدم وجودا ليس هو وجود الرب، وهذا زعم أن عين وجود الرب فاض عليهما، فليس عنده وجود مخلوق مباين لوجود الخالق، وصاحبه الصدر القونوي يفرق بين المطلق والمعين لأنه كان أقرب إلى الفلسفة، فلم يقر بأن المعدوم شيء، لكن جعل الحق هو الوجود المطلق وصنَّف مفتاح غيب الجمع والوجود، وهذا القول أدخل في تعطيل الخالق وعدمه، فإن المطلق بشرط الإطلاق وهو الكلي العقلي لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان، والمطلق لا بشرط وهو الكلي الطبيعي، وإن قيل أنه موجود في الخارج فلا يوجد في الخارج إلا معيَّنا، وهو جزء من المعين عند من يقول بثبوته في الخارج، فيلزم أن يكون وجود الرب إما منتفيا في الخارج، وإما أن يكون جزءا من وجود المخلوقات، وإما أن يكون عين وجود المخلوقات وهل يخلق الجزء الكل؟ أم يخلق الشيء نفسه؟ أم العدم يخلق الوجود؟ أو يكون يعض الشيء خالقا لجميعه؟ وهؤلاء يفرون من لفظ الحلول لأنه يقتضي حالاَّ ومحلاًّ، ومن لفظ الاتحاد لأنه يقتضي شيئين إتحد أحدهما بالآخر، وعندهم الوجود واحد ويقولون النصارى إنما كفروا لما خصصوا المسيح بأنه هو الله، ولو عمَّمُوا لما كفروا، وكذلك يقولون في عُبَّاد الأصنام إنما أخطأوا لما عبدوا بعض المظاهر دون بعض، فلو عبدوا الجميع لما أخطأوا عندهم، والعارف المحقق عندهم لا يضره عبادة الأصنام، وهذا مع ما فيه من الكفر العظيم، ففيه ما يلزمهم دائما من التناقض، لأنه يقال لهم فمن المخطىء؟ لكنهم يقولون إن الرب هو الموصوف بجميع النقائص التي يوصف بها المخلوق، ويقولون إن المخلوقات توصف بجميع الكمالات التي يوصف بها الخالق، ويقولون ما قاله صاحب الفصوص، فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستوعب به جميع النعوت الوجودية والنسب العدمية، سواء كانت محمودة عرفا أو عقلا أو شرعا، أو مذمومة عُرفا وعقلا وشرعا، وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة، وهم مع كفرهم هذا لا يندفع عنهم التناقض فإنه معلوم بالحسن والعقل أن هذا ليس هو ذاك، وهؤلاء يقولون ما كان يقوله التلمساني أنه ثبت عندنا في الكشف ما يناقض صريح العقل، ويقولون من أراد التحقيق يعنى تحقيقهم فليترك العقل والشرع. وقد قلت لمن خاطبته منهم، ومعلوم أن كشف الأنبياء أعظم، وأتم من كشف غيرهم، وخبرهم أصدق من خبر غيرهم، والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يخبرون بما تعجز عقول الناس عن معرفته، لا بما يعرف الناس بعقولهم أنه ممتنع فيخبرون بمجارات العقول([65]) لا بمحالات العقول، ويمتنع أن يكون في أخبار الرسول ما يناقض صريح العقول، ويمتنع أن يتعارض دليلان قطعيان سواء كانا عقليين أو سمعيين أو كان أحدهما عقليا والآخر سمعيا، فكيف بمن ادعى كشفا يناقض صريح الشرع والعقل، وهؤلاء قد لا يتعمدون الكذب، لكن يخيل لهم أشياء تكون في نفوسهم ويظنونها في الخارج، وأشياء يرونها تكون موجودة في الخارج لكن يظنونها من كرامات الصالحين، وتكون من تلبيسات الشياطين، وهؤلاء الذين يقولون بالوحدة قد يقدمون الأولياء على الأنبياء، ويذكرون أن النبوة لم تنقطع، كما يُذكر عن ابن سبعين وغيره، ([66])ويجعلون المراتب ثلاثة يقولون العبد يشهد:

· أولا طاعة معصية.

· ثم طاعة بلا معصية.

· ثم لا طاعة ولا معصية.

والشهود الأول هو الشهود الصحيح، وهو الفرق بين الطاعات والمعاصي، وأما الشهود الثاني فيريدون به شهود القدر، كما أن بعض هؤلاء يقول إنا كافرون برب يعصى، وهذا يزعم أن المعصية مخالفة الإرادة التي هي المشيئة([67]) والخلق كلهم داخلون تحت حكم المشيئة ويقول شاعرهم:

أصبحت منفعلا لما تختاره مني ففعلي كله طاعات([68])

ومعلوم أن هذا خلاف ما أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه فإن المعصية التي يستحق صاحبها الذم والعقاب مخالفة أمر الله ورسوله كما قال تعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(13)وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾[النساء:13-14]، وسنذكر الفرق بين الإرادة الكونية والدينية والأمر الكوني والديني، وكانت هذه المسألة قد اشتبهت على طائفة من الصوفية فبينها الجنيد رحمه الله لهم، ومن اتبع الجنيد فيها كان على السداد، ومن خالفه ضل، لأنهم تكلموا في أن الأمور كلها بمشيئة الله وقدرته، وفي شهود هذا التوحيد وهذا يسمونه الجمع الأول، فبين لهم الجنيد أنه لابد من شهود الفرق الثاني، وهو أنه مع شهود كون الأشياء كلها مشتركة في مشيئة الله وقدرته وخَلقه يجب الفرق بين ما يأمر به ويحبه ويرضاه، وبين ما ينهى عنه ويكرهه ويسخطه، ويفرق بين أوليائه واعدائه، كما قال تعالى ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ(35)مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾[35-36]، وقال تعالى ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾[ص:28]، وقال تعالى ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾[الجاثية:21]، وقال تعالى ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾[غافر:58]، ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا رب غيره، وهو مع ذلك أمر بالطاعة ونهى عن المعصية، وهو لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يأمر بالفحشاء، وإن كانت واقعة بمشيئته فهو لا يحبها ولا يرضاها، بل يبغضها ويذم أهلها ويعاقبهم. وأما المرتبة الثالثة أن لا يشهد طاعة ولا معصية فإنه يرى أن الوجود واحد، وعندهم أن هذا غاية التحقيق، والوَلاية لله، وهو في الحقيقة غاية الإلحاد في أسماء الله وآياته وغاية العداوة لله. فإن صاحب هذا المشهد يتخذ اليهود والنصارى وسائر الكفار أولياء وقد قال تعالى ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾[المائدة:51]، ولا يتبرأ من الشرك والأوثان فيخرج عن ملة ابراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه قال الله تعالى ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾[الممتحنة:4]، وقال الخليل عليه السلام لقومه المشركين ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ(75)أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الْأَقْدَمُونَ(76)فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾[الشعراء:75-77]، وقال تعالى ﴿لاَتَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أو أَبْنَاءَهُمْ أو إِخْوَانَهُمْ أو عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾[المجادلة:22]، وهؤلاء قد صنف بعضهم كتبا وقصائد على مذهبه مثل قصيدة ابن الفارض المسمات بنظم السلوك يقول فيها:

لها صـلاتي بالمقـام أقيمــها وأشهد فيها أنها لي صلـــت

كلانا مصل واحد ســاجد إلى حقيقتــه بالجمع في كل سجدة

وماكان لي صلى سوائي ولم تكن صلاتي لغيري في أدا كل ركعــة

إلى أن قال:

ومازلت إياها وإياي لم تزل ولا فرق بل ذاتي لذاتي صلـــت

إلى رسولا كنت مني مرسلا وذاتي بآيــاتي على استدلـــت

فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن منادى أجابت من دعاني ولبت

إلى أمثال هذا الكلام، ولهذا كان هذا القائل عند الموت ينشد يقول:

إن كان منزلتي في الحب عندكم ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي

أمنية ظفرت نفسي بها زمنـا واليوم أحسبها اضغاث احلام

فإنه كان يظن أنه هو الله، فلما حضرت ملائكة الله لقبض روحه تبين له بطلان ما كان يظنه، وقال الله تعالى ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[الحديد:1] ([69]) فجميع ما في السموات والأرض يسبح لله ليس هو الله ثم قال تعالى ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(2)هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[الحديد:2-3].

وفي صحيح مسلم عن النبي r أنه كان يقول في دعائه «اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن، أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، إقض عنى الدَّين وأغنني من الفقر» ثم قال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾[الحديد:4]، فذكر أن السموات والأرض وفي موضع آخر وما بينهما مخلوق مسبح له، وأخبر سبحانه أنه يعلم كل شيء، ([70]) وأما قوله (وَهُوَ مَعَكُمْ) فلفظ مَعَ([71]) لا تقتضى في لغة العرب أو يكون أحد الشيئين مختلطا بالآخر كقوله تعالى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾[التوبة:119]، وقوله تعالى ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾[الفتح:29]، وقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ﴾[الأنفال:75]، ولفظ مَعَ جاءت في القرآن عامة وخاصة، فالعامة في هذه الآية وفي آية المجادلة ﴿أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾[المجادلة:7]، فافتتح الكلام بالعلم وختمه بالعلم، ولهذا قال ابن عباس والضحاك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل هو معهم بعلمه، وأما المعية الخاصة ففي قوله تعالى﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾[النحل:128]، وقوله تعالى لموسى﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾[طه:47]، وقال تعالى ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾[التوبة:40]، يعنى النبيr وأبا بكر t، فهو مع موسى وهارون دون فرعون، ومع محمد وصاحبه دون أبي جهل وغيره من أعدائه، ومع الذين اتقوا والذين هم محسنون دون الظالمين المعتدين، فلو كان معنى المعية أنه بذاته في كل مكان تناقض الخبر الخاص والخبر العام، بل المعنى أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك وقوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾[الزخرف:84]، أي هو إله من في السموات وإله من في الأرض كما قال الله تعالى ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾[الروم:27]، وكذلك قوله تعالى ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾[الأنعام:3]، كما فسره أئمة العلم كالإمام أحمد وغيره أنه المعبود في السموات والأرض.

وأجمع سلف الأمة وأئمتها على أن الرب تعالى بائن من مخلوقاته، يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله r من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، يوصف بصفات الكمال دون صفات النقص، ويعلم أنه ليس كمثله شيء في صفات الكمال، كما قال الله تعالى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ(2)لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4)﴾[الإخلاص]، قال ابن عباس الصمد العليم الذي كمل في علمه، العظيم الذي كمل في عظمته، القدير الكامل في قدرته، الحكيم الكامل في حكمته، السيد الكامل في سؤدده، وقال ابن مسعود وغيره هو الذي لا جوف له، والأحد الذي لا نظير له، فاسمه الصمد يتضمن اتصافه بصفات الكمال ونفي النقائص عنه، واسمه الأحد يتضمن إتصافه بأنه لا مثل له، وقد بسطنا الكلام على ذلك في تفسير هذه السورة وفي كونها تعدل ثلث القرآن. ([72])

فصـــــــل

وكثير من الناس تشتبه عليهم الحقائق الأمرية الدينية الإيمانية بالحقائق الخلقية القدرية الكونية، فإن الله سبحانه وتعالى له الخلق والأمر، كما قال تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾[الأعراف:54]، فهو سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه لا خالق غيره، ولا رب سواه، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فكل ما في الوجود من حركة وسكون فبقضائه وقدره ومشيئته وقدرته وخلقه، وهو سبحانه أمر بطاعته وطاعة رسله، ونهى عن معصيته ومعصية رسله، أمر بالتوحيد والإخلاص، ونهى عن الإشراك بالله، فأعظم الحسنات التوحيد، وأعظم السيئات الشرك، قال الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾[النساء:48]، وقال تعالى ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾[البقرة:165].

وفي الصحيحين عن ابن مسعود t قال قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال «أن تجعل لله ندا وهو خلقك» قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك» قلت: ثم أي؟ قال «أن تزني بحليلة جارك» فأنزل الله تصديق ذلك ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا(68)يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا(69)إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾[الفرقان:68-70]، وأمر سبحانه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وأخبر أنه يحب المتقين، ويحب المحسنين، ويحب المقسطين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، وهو يكره ما نهى عنه، كما قال في سورة سبحان ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾[الإسراء:38]، وقد نهى عن الشرك وعقوق الوالدين، وأمر بإيتاء ذي القربى الحقوق، ونهى عن التبذير وعن التقتير، وأن يجعل يده مغلولة إلى عنقه، وأن يبسطها كل البسط، ونهى عن قتل النفس بغير الحق، وعن الزنا، وعن قربان مال اليتيم إلا بالتى هي أحسن، إلى أن قال ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾[الإسراء:38]، وهو سبحانه لا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، والعبد مأمور أن يتوب إلى الله تعالى دائما، قال الله تعالى ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[النور:31].

وفي صحيح البخاري عن النبي r أنه قال «أيها الناس توبوا إلى ربكم فوالذي نفسى بيده إني للأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» وفي صحيح مسلم عنه r أنه قال «إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة».

وفي السنن عن ابن عمر قال كنا نعد لرسول الله r في المجلس الواحد يقول «رب إغفر لي وتب علي إنك أنت التّوّاب الرحيم» مائة مرة أو قال أكثر من مائة مرة. وقد أمر الله سبحانه عباده أن يختموا الأعمال الصالحات بالاستغفار، فكان النبي r إذا سلم من الصلاة يستغفر ثلاثا ويقول «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والاكرام»، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عنه وقد قال تعالى ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾[آل عمران:17] فأمرهم أن يقوموا بالليل ويستغفروا بالأسحار، وكذلك ختم سورة المزمل وهي سورة قيام الليل بقوله تعالى ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[المزمل:17]، وكذلك قال في الحج([73])﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ(198)ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[البقرة:198-199] بل أنزل سبحانه وتعالى في آخر الأمر لما غزا النبي r غزوة تبوك وهي آخر غزواته ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(117)وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إذا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾[التوبة:117-118]، وهي آخر ما نزل من القرآن، وقد قيل إن آخر سورة نزلت قوله تعالى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1)وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا(2)فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا(3)﴾[النصر]، فأمره الله تعالى أن يختم عمله بالتسبيح والاستغفار.

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنه r كان يقول في ركوعه وسجوده «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم إغفر لي يتأول القرآن».

وفي الصحيحين عنه r أنه كان يقول «اللهم إغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي هزلي وجدي وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، لا إله إلا أنت».

وفي الصحيحين أن أبا بكر الصديق t قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال «قل اللهم إني ظلمت نفسى ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وإرحمني إنك أنت الغفور الرحيم».([74])

وفي السنن عن أبي بكر t قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به إذا أصبحت وإذا أمسيت فقال «قل اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم، قله إذا أصبحت وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك»، فليس لأحد أن يظن استغناءه عن التوبة إلى الله والاستغفار من الذنوب بل كل أحد محتاج إلى ذلك دائما قال الله تبارك وتعالى ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا(72)لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾[الأحزاب:72-73]، فالإنسان ظالم جاهل وغاية المؤمنين والمؤمنات التوبة.

وقد أخبر الله تعالى في كتابه بتوبة عباده الصالحين ومغفرته لهم، وثبت في الصحيح عن النبي r أنه قال«لن يدخل الجنة أحد بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضل» وهذا لا ينافي قوله تعالى ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾[الحاقة:24]، فإن الرسول r نفى باء المقابلة والمعادلة، والقرآن أثبت باء السبب، وقول من قال إذا أحب الله عبدا لم تضره الذنوب، معناه أنه إذا أحب عبدا ألهمه التوبة والاستغفار، فلم يصر على الذنوب، ومن ظن أن الذنوب لا تضر من أصر عليها فهو ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، بل من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، وإنما عباده الممدوحين هم المذكورون في قوله تعالى ﴿سَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133)الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134)وَالَّذِينَ إذا فَعَلُوا فَاحِشَةً أو ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾[آل عمران:133-135]، ومن ظن أن القدر حجة لأهل الذنوب فهو من جنس المشركين الذين قال الله تعالى عنهم ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ قال الله تعالى رادّا عليهم ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ(148)قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾[الأنعام:148-149]، ولو كان القدر حجة لأحد لم يعذب الله المكذبين للرسل كقوم نوح وعاد وثمود والمؤتفكات وقوم فرعون، ولم يأمر بإقامة الحدود على المعتدين، ولا يحتج أحد بالقدر إلا إذا كان متبعا لهواه بغير هدى من الله، ومن رأى القدر حجة لأهل الذنوب يرفع عنهم الذم والعقاب، فعليه أن لا يذم أحدا ولا يعاقبه إذا إعتدى عليه، بل يستوى عنده ما يوجب اللذة وما يوجب الألم، فلا يفرق بين من يفعل معه خيرا وبين من يفعل معه شرا، وهذا ممتنع طبعا وعقلا وشرعا، وقد قال تعالى ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾[ص:28]، وقال تعالى ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾[القلم:35]، وقال تعالى﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾[الجاثية:21]، وقال تعالى﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾[المؤمنون:115]،وقال تعالى﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾[القيامة:36]أي مهملا لا يُؤمر ولا يُنهى.

وقد ثبت في الصحيحين عن النبي r أنه قال «احتج آدم وموسى، قال موسى: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، أخرجتنا ونفسك من الجنة. فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، وكتب لك التوراة بيده، فبكم وجدت مكتوبا على قبل أن أخلق، وعصى آدم ربه فغوى. قال: بأربعين سنة. قال: فلم تلومني على أمر قدره الله على قبل أن أخلق بأربعين سنة. قال: فحجّ آدم موسى أي غلبه بالحجة»، وهذا الحديث ضلت فيه طائفتان؛ طائفة كذبت به لما ظنوا انه يقتضى رفع الذم والعقاب عمن عصى الله لأجل القدر، وطائفة شرّ من هؤلاء جعلوه حجة، وقد يقولون القدرحجة لأهل الحقيقة الذين شهدوه، أو الذين لا يرون أن لهم فعلا، ومن الناس من قال إنما حج آدم موسى لأنه أبوه، أو لأنه كان قد تاب، أو لأن الذنب كان في شريعة واللوم في أخرى، أو لأن هذا يكون في الدنيا دون الأخرى، وكل هذا باطل ولكن وجه الحديث أن موسى عليه السلام لم يلم أباه إلا لأجل المصيبة التي لحقتهم من أجل أكله من الشجرة، فقال له: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة. ولم يلمه لمجرد كونه أذنب ذنبا وتاب منه، فإن موسى يعلم أن التائب من الذنب لا يلام، وهو قد تاب منه أيضا، ولو كان آدم يعتقد رفع الملام عنه لأجل القدر لم يقل ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾[الأعراف:23]، والمؤمن مأمور عند المصائب أن يصبر ويسلم، وعند الذنوب أن يستغفر ويتوب، قال الله تعالى ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾[غافر:55]، فأمره بالصبر على المصائب والاستغفار من المعائب، وقال تعالى ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾[التغابن:11]، قال ابن مسعود([75]) هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم. فالمؤمنون إذا أصابتهم مصيبة مثل المرض والفقر والذل صبروا لحكم الله، وإن كان ذلك بسبب ذنب غيرهم، كمن أنفق أبوه ماله في المعاصي، فافتقر أولاده لذلك، فعليهم أن يصبروا لما أصابهم وإذا لاموا الأب لحظوظهم ذكر لهم القدر، والصبر واجب باتفاق العلماء، وأعلى من ذلك الرضا بحكم الله، والرضا قد قيل أنه واجب وقيل هو مستحب، وهو الصحيح، وأعلى من ذلك أن يشكر الله على المصيبة لما يرى من إنعام الله عليه بها، حيث جعلها سببا لتكفير خطاياه، ورفع درجاته، وإنابته إلى الله، وتضرعه إليه، وإخلاصه له في التوكل عليه ورجائه، دون المخلوقين، ([76]) وأما أهل البغي والضلال فتجدهم يحتجون بالقدر إذا أذنبوا واتبعوا أهواءهم، ويضيفون الحسنات إلى أنفسهم إذا أنعم عليهم بها، كما قال بعض العلماء أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تمذهبت به، وأهل الهدى والرشاد إذا فعلوا حسنة شهدوا إنعام الله عليهم بها، وأنه هو الذي أنعم عليهم، وجعلهم مسلمين، وجعلهم يقيمون الصلاة، وألهمهم التقوى، وأنه لا حول ولا قوة إلا به، فزال عنهم بشهود القدر العجب والمن والأذى، وإذا فعلوا سيئة استغفروا الله وتابوا إليه منها.

ففي صحيح البخاري عن شداد بن أوس t قال: قال رسول الله r «سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، أبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها إذا أصبح موقنا بها فمات من ليلته دخل الجنة».

وفي الحديث الصحيح عن أبي ذر t عن النبي r فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، ياعبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا ولا أبالي، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أَكسكم، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أنّ أولكم وآخركم وإنسكم وجِنّكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنّكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص البحر إذا غمس فيه المخيط غمسة واحدة، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوَفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه».

فأمر سبحانه بحمد الله على ما يجده العبد من خير، وأنه إذا وجد شرا فلا يلومن إلا نفسه، وكثير من الناس يتكلم بلسان الحقيقة ولا يفرق بين الحقيقة الكونية القدرية المتعلقة بخلقه ومشيئته، وبين الحقيقة الدينية الأمرية المتعلقة برضاه ومحبته، ولا يفرق بين من يقوم بالحقيقة الدينية موافقا لما أمر الله به على ألسن رسله، وبين من يقوم بوجده وذوقه غير معتبر ذلك بالكتاب والسنة، كما أن لفظ الشريعة يتكلم به كثير من الناس، ولا يفرق بين الشرع المنزل من عند الله تعالى، وهو الكتاب والسنة الذي بعث الله به رسوله فإن هذا الشرع ليس لأحد من الخلق الخروج عنه، ولا يخرج عنه إلا كافر، وبين الشرع الذي هو حكم الحاكم، فالحاكم تارة يصيب وتارة يخطىء، هذا إذا كان عالما عادلا، وإلا ففي السنن عن النبي r أنه قال «القضاة ثلاثة؛ قاضيان في النار، وقاض في الجنة، رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق فقضى بغيره فهو في النار» وأفضل القضاة العالمين العادلين سيد ولد آدم محمد r، فقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال «إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضى بنحو مما أسمع فمنقضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» قد أخبر سيد الخلق أنه إذا قضى بشيء مما سمعه وكان في الباطن بخلاف ذلك، لم يجزْ للمقضى له أن يأخذ ما قضى به له، وأنه إنما يقطع له به قطعة من النار، وهذا متفق عليه بين العلماء في الأملاك المطلقة إذا حكم الحاكم بما ظنه حجة شرعية كالبيِّنة والاقرار، وكان الباطن بخلاف الظاهر لم يجز للمقضى له أن يأخذ ما قُضي به له بالاتفاق، وإن حكم في العقود والفسوخ بمثل ذلك، فأكثر العلماء يقول أن الأمر كذلك، وهو مذهب مالك والشافعى وأحمد بن حنبل، وفرّق أبو حنيفة t بين النوعين، فلفظ الشرع والشريعة إذا أُريد به الكتاب والسنة لم يكن لأحد من أولياء الله ولا لغيرهم أن يخرج عنه([77])، ومن ظن أن لأحد من أولياء الله طريقا إلى الله غير متابعة محمد r باطنا وظاهرا فلم يتابعه باطنا وظاهرا فهو كافر، ([78]) ومن احتج في ذلك بقصة موسى مع الخَضِر كان غالطا من وجهين، أحدهما أن موسى لم يكن مبعوثا إلى الخضر ولا كان على الخضر اتباعه، فإن موسى كان مبعوثا إلى بني إسرائيل، وأما محمد r فرسالته عامة لجميع الثقلين الجن والإنس، ولوأدركه من هو أفضل من الخضر كإبراهيم وموسى وعيسى وجب عليهم إتباعه، فكيف بالخضر سواء كان نبيا أو وليا، ولهذا قال الخضر لموسى أنا على علم من علم الله علَّمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه، وليس لأحد من الثقلين الذين بلغتهم رسالة محمد r أن يقول مثل هذا. ([79])

الثاني أن ما فعله الخضر لم يكن مخالفا لشريعة موسى عليه السلام، وموسى لم يكن عَلِمَ الأسباب التي تبيح ذلك فلما بينها له وافقه على ذلك، فإن خرق السفينة ثم ترقيعها لمصلحة أهلها خوفا من الظالم أن يأخذها إحسان إليهم، وذلك جائز، وقتل الصائل جائز وإن كان صغيرا، ومن كان تكفيره لأبويه لا يندفع إلا بقتله جاز قتله، قال ابن عباس رضي الله عنهما لنجدة الحروري لما سأله عن قتل الغلمان قال له: إن كنت علمت منهم ما علمه الخضر من ذلك الغلام فاقتلهم، وإلا فلا تقتلهم. رواه البخاري. وأما الإحسان إلى اليتيم بلا عوض والصبر عل الجوع، فهذا من صالح الأعمال فلم يكن في ذلك شيءمخالفا شرع الله.

وأما إذا أريد بالشرع حكم الحاكم فقد يكون ظالما، وقد يكون عادلا، وقد يكون صوابا، وقد يكون خطأ، وقد يراد بالشرع قول أئمة الفقه كأبي حنيفة والثوري ومالك بن أنس والأوزاعى والليث بسعد والشافعي وأحمد وإسحاق وداود وغيرهم، فهؤلاء أقوالهم يحتج لها بالكتاب والسنة، وإذا قلد غيره حيث يجوز ذلك كان جائزا أي ليس اتباع أحدهم واجبا على جميع الأمة، كاتباع الرسول r، ولا يحرم تقليد أحدهم كما يحرم اتباع من يتكلم بغير علم، وأما إن أضاف أحد إلى الشريعة ما ليس منها من أحاديث مفتراة، أو تأول النصوص بخلاف مراد الله، ونحو ذلك، فلهذا من نوع التبديل، فيجب الفرق بين الشرع المنزل، والشرع المؤول، والشرع المبدل، كما يُفرّق بين الحقيقة الكونية، والحقيقة الدينية الأمرية، وبين ما يستدل عليها بالكتاب والسنة، وبين ما يُكتفي فيها بذوق صاحبها ووجده. ([80])

فصــــــل

وقد ذكر الله في كتابه الفرق بين الارادة والأمر، والقضاء والإذن، والتحريم والبعث، والارسال والكلام، والجعل، وبين الكوني الذي خلقه وقدره وقضاه، وإن كان لم يأمر به ولا يحبه ولا يثبت أصحابه ولا يجعلهم من أوليائه المتقين، وبين الديني الذي أمر به وشرعه وأثاب عليه وأكرمهم وجعلهم من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وجنده الغالبين، وهذا من أعظم الفروق التي يفرق بها بين أولياء الله وأعدائه، فمن استعمله الرب سبحانه وتعالى فيما يحبه ويرضاه ومات على ذلك كان من أوليائه، ومن كان عمله فيما يبغضه الرب ويكرهه ومات على ذلك كان من أعدائه، فالارادة الكونية هي مشيئته لما خلقه، وجميع المخلوقات داخلة في مشيئته وارادته الكونية، ([81]) والارادة الدينية هي المتضمنة لمحبته ورضاه، المتناولة لما أمر به، وجعله شرعا ودينا، وهذه مختصة بالإيمان والعمل الصالح، قال الله تعالى ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾[الأنعام:125]، وقال نوح عليه السلام لقومه ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾[هود:34]، وقال تعالى ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾[الرعد:11]، وقال تعالى في الثانية ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ([82])يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ﴾[البقرة:185]، وقال في آية الطهارة ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[المائدة:6]، ولما ذكر ما أحله وما حرمه من النكاح، قال ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(26)وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا(27)يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾[النساء:26-28]، وقال لما ذكر ما أمر به أزواج النبي r وما نهاهم عنه ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾[الأحزاب:33]، والمعنى انه أمركم بما يذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، فمن أطاع أمره كان مطهرا قد أُذهب عنه الرجس، بخلاف من عصاه، وأما الأمر فقال في الأمر الكوني ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾[النحل:40]، وقال تعالى ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾[القمر:50]، وقال تعالى ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أو نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾[يونس:24]، وأما الأمر الديني فقال تعالى﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾[النحل:90]، وقال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾[النساء:58]، وأما الإذن فقال في الكوني لما ذكر السحر ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾[البقرة:102] أي بمشيئته وقدرته، وإلا فالسحر لم يبحه الله عز وجل، وقال في الإذن الديني ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾[الشورى:21]، وقال تعالى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(45)وَدَاعِيًا إلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾[الأحزاب:45-46]، وقال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾[النساء:64]، ([83]) وقال تعالى ﴿مَا قطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أو تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾[الحشر:5]، وأما القضاء فقال في الكوني ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾[فصلت:12]، وقال سبحانه ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾([84]) وقال في الديني ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾[الإسراء:23]، أي أمر وليس المراد به قدر ذلك فإنه قد عبد غيره كما أخبر في غير موضع كقوله تعالى ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾[يونس:18]، وقول الخليل عليه السلام لقومه ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ(75)أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الْأَقْدَمُونَ(76)فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾[الشعراء:75-77]، وقال تعالى ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾[الممتحنة:4]، وقال تعالى ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ(1)لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ(2)وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(3)وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدتُّمْ(4)وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ(5)لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ(6)﴾[الكافرون]، وهذه كلمة تقتضى براءته من دينهم ولا تقتضى رضاه بذلك، كما قال تعالى في الآية الآخرى ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾[يونس:41]، ومن ظن من الملاحدة أنّ هذا رضا منه بدين الكفار فهو من أكذب الناس وأكفرهم، كمن ظن أن قوله ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾[الإسراء:23] بمعنى قدّر، وأن الله سبحانه ما قضى بشيء إلا وقع، وجعل عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله، فإن هذا من أعظم الناس كفرا بالكتب، ([85]) وأما لفظ البعث فقال تعالى في البعث الكوني ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾[الإسراء:5]، وقال في البعث الديني ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾[الجمعة:2]، قال تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾[النحل:36]، وأما لفظ الإرسال فقال في الإرسال الكوني ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾[مريم:83]، وقال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾[الفرقان:48]، وقال في الديني ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾[الأحزاب:45]، وقال تعالى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾[نوح:1]، وقال تعالى ﴿إنَّاأَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾[المزمل:15]، وقال تعالى ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنْ النَّاسِ﴾[الحج:75]، وأما لفظ الجعل فقال في الكوني ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النَّارِ﴾[القصص:41]، وقال في الديني ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾[المائدة:48]، وقال تعالى ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾[المائدة:103]، وأما لفظ التحريم فقال في الكوني ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾[القصص:12]، وقال تعالى ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾[المائدة:26]، وقال في الديني ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾[المائدة:3]، وقال تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾[النساء:23]الآية، وأما لفظ الكلمات فقال في الكلمات الكونية ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾[التحريم:12].

وثبت في الصحيح عن النبي r أنه كان يقول «أعوذ بكلمات الله التامة، كلها من شر ما خلق ومن غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون»، وقال r «من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضرَّه([86]) شيء حتى يرتحل من منزله ذلك»، وكان يقول «أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن شر كل طارق إلا طارقا يطرق بخير يارحمن» وكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر هي التي كون بها الكائنات، فلا يخرج بر ولا فاجر عن تكوينه ومشيئته وقدرته، وأما كلماته الدينية وهي كتبه المنزلة وما فيها من أمره ونهيه فأطاعها الأبرار وعصاها الفجار، وأولياء الله المتقون هم المطيعون لكلماته الدينية وجعله الديني وإذنه الديني وإرادته الدينية، وأما كلماته الكونية إلى لا يجاوزها بر ولا فاجر فانه يدخل تحتها جميع الخلق حتى إبليس وجنوده وجميع الكفار وسائر من يدخل النار، فالخلق وإن اجتمعوا في شمول الخلق والمشيئة والقدرة والقدر لهم فقد افترقوا في الأمر والنهي والمحبة والرضا والغضب، وأولياء الله المتقون هم الذين فعلوا المأمور، وتركوا المحظور، وصبروا على المقدور، فأحبهم وأحبوه، ورضي عنهم ورضوا عنه، وأعداؤه أولياء الشياطين وإن كانوا تحت قدرته فهو يبغضهم، ويغضب عليهم، ويلعنهم، ويعاديهم، وبسط هذه الجمل له موضع آخر، وإنما كتبت هنا تنبيها على مجامع الفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وجِمَاعُ([87]) الفرق بينهما اعتبارهم بموافقة رسول الله r، فإنه هو الذي فرق الله تعالى به بين أوليائه السعداء وأعدائه الأشقياء، وبين أوليائه أهل الجنة وأعدائه أهل النار، وبين أوليائه أهل الهدى والرشاد وبين أعدائه أهل الغي والضلال والفساد، وأعدائه حزب الشيطان، وأوليائه الذين كتب في قلوبهم الإيمان وأايدهم بروح منه، قال تعالى ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾[المجادلة:22]الآية، وقال تعالى ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾[الأنفال:12]، وقال ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾[الأنعام:121]، وقال ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾[الأنعام:112]، وقال ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ(221)تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ(222)يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ(223)وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ(224)أَلَمْ تَرَى أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ(225)وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ(226)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾[الشعراء:221-227]، وقال تعالى ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ(38)وَمَا لَا تُبْصِرُونَ(39)إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ(40)وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ(41)وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ(42)تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ(43)وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ(44)لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ(45)ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ(46)فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ(47)وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ(48)وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ(49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ(50)وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ(51)فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾[الحاقة:38-52]، وقال تعالى ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ﴾[الطور:29] إلى قوله ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾[الطور:34]، فنزه سبحانه وتعالى نبينا محمدا r عمن تقترن به الشياطين من الكهان والشعراء والمجانين، وبيّن أن الذي جاءه بالقرآن ملك كريم اصطفاه، قال الله تعالى ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنْ النَّاسِ﴾[الحج:75]، وقال تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ(192)نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ(193)عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ(194)بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾[الشعراء:192-195]، وقال تعالى ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾[البقرة:97]الآية، وقال تعالى ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾[النحل:98] إلى قول ﴿وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾[النحل:102]، فسمّاه الروح الأمين وسماه روح القدس وقال تعالى ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ(15)الْجَوَارِي الْكُنَّسِ﴾[التكوير:15-16] يعنى الكواكب التي تكون في السماء خانسة أي مختفية قبل طلوعها، فإذا ظهرت رآها الناس جارية في السماء، فإذا غربت ذهبت إلى كناسها الذي يحجبها، ﴿وَاللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾[التكوير:17] أي إذا أدبر وأقبل الصبح ﴿وَالصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾[التكوير:18] أي أقبل، ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾[التكوير:19] وهو جبريل عليه السلام ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ(20)مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾[التكوير:20-21] أي مطاع في السماء أمين، ثم قال ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾[التكوير:22] أي صاحبكم الذي منَّ الله عليكم به إذ بعثه إليكم رسولا من جنسكم يصحبكم إذْ كنتم لا تطيقون أن تروا الملائكة كما قال تعالى ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ(8)وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾[الأنعام:8-9] الآية وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾[التكوير:23] أي رأى جبريل عليه السلام ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾[التكوير:24] أي بِمُتَّهَم، وفي القراءة الاخرى ﴿بضنين﴾ أي ببخيل يكتم العلم ولا يبذله إلا بجُعل كما يفعل من يكتم العلم إلا بالعوض ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾[التكوير:25]، فنزه جبريل عليه السلام عن أن يكون شيطانا كما نزه محمدا r عن أن يكون شاعرا أو كاهنا.

فأولياء الله المتقون هم المقتدون بمحمد r، فيفعلون ما أمر به وينتهون عما عنه زجر، ويقتدون به فيما بيّن لهم أن يتبعوه فيه، فيؤيدهم بملائكته وروح منه، ويقذف الله في قلوبهم من أنواره، ولهم الكرامات التي يكرم الله بها أولياءه المتقين، وخيار أولياء الله كراماتهم لحجة في الدين أو لحاجة بالمسلمين، كما كانت معجزات نبيهم r، كذلك. وكرامات أولياء الله إنما حصلت ببركة اتباع رسوله r، فهي في الحقيقة تدخل في معجزات الرسول r مثل انشقاق القمر، وتسبيح الحصى في كفه، وإتيان الشجر إليه، وحنين الجذع إليه، وإخباره ليلة المعراج بصفة بيت المقدس، وإخباره بما كان وما يكون، وإتيانه بالكتاب العزيز، وتكثير الطعام والشراب مرات كثيرة، كما أشبع في الخندق العسكر من قِدْر طعام وهو لم ينقص؛ في حديث أم سلمة المشهور، وأروى العسكر في غزوة خيبر من مزادة ماء ولم تنقص، وملأ أوعية العسكر عام تبوك من طعام قليل ولم ينقص، وهم نحو ثلاثين ألفا، ونبع الماء من بين أصابعه مرات متعددة حتى كفى الناس الذين كانوا معه، كما كانوا في غزوة الحديبية نحو ألف وأربعمائة أو خمسمائة، ورده لعين قتادة حين سالت على خده فرجعت أحسن عينيه، ولما أرسل محمد بن مسلمة لقتل كعب بن الأشرف فوقع وانكسرت رجله فمسحها فبرئت، وأطعم من شواء مائة وثلاثين رجلا كلا منهم حز له قطعة وجعل منها قصعتين، فأكلوا منها جميعُهم، ثم فضل فضلة، ودين عبد الله أبي جابر لليهودي وهو ثلاثون وسقا، قال جابر فأمر صاحب الدين أن يأخذ التمر جميعه بالذي كان له فلم يقبل فمشى فيها رسول الله r ثم قال لجابر جُدَّ له فوفاه الثلاثين وسقا وفضل سبعة عشر وسقا، ومثل هذا كثير قد جمعت نحو ألف معجزة.

وكرامات الصحابة والتابعين بعدهم وسائر الصالحين كثيرة جدا، مثل ما كان أسيد بن حضير يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيها أمثال السرج وهي الملائكة نزلت لقراءته.

وكانت الملائكة تسلم على عِمْران بن حُصَيْن، وكان سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صحفة فسبحت الصحفة أو سبح ما فيها، وعباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند رسول الله r في ليلة مظلمة فأضاء لهما نور مثل طرف السوط، فلما افترقا افترق الضوء معهما. رواه البخارى وغيره.

وقصة الصديق في الصحيحين؛ لما ذهب بثلاثة أضياف معه إلى بيته وجعل لا يأكل لقمة إلا ربى من أسفلها أكثر منها فشبعوا، وصارت أكثر مما هي قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت فرفعها إلى رسول الله r وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها وشبعوا.

وخبيب بن عدي كان أسيرا عند المشركين بمكة شرّفها الله تعالى وكان يؤتى بعنب يأكله وليس بمكة عنبة.

وعامر بن فهيرة قُتل شهيدا فالتمسوا جسده فلم يقدروا عليه، وكان لما قتل رُفع، فرآه عامر بن الطفيل وقد رفع، وقال عروة فَيَرَوْن الملائكة رفعته.

وخرجت أم أيمن مهاجرة وليس معها زاد ولا ماء فكادت تموت من العطش، فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة سمعت حسا على رأسها فرفعته فإذا دلو معلق فشربت منه حتى رويت، وما عطشت بقية عمرها.

وسفينة مولى رسول الله r أخبر الأسد بأنه رسول رسول الله r فمشى معه الأسد حتى أوصله مقصده.

والبراء بن مالك كان إذا أقسم على الله تعالى أبرّ قسمه، وكان الحرب إذا اشتد على المسلمين في الجهاد يقولون يا براء أقسم على ربك فيقول: يا رب أقسمت عليك لمَاَّ([88]) منحتنا أكتافهم فيهزم العدو، فلما كان يوم القادسية قال: أقسمت عليك يا رب لمَـَّا منحتنا أكتافهم وجعلتني أول شهيد فمنحوا أكتافهم وقتل البراء شهيدا.

وخالد بن الوليد حاصر حصنا منيعا، فقالوا لا نسلم حتى تشرب السّم فشربه فلم يضره. وسعد بن أبي وقاص كان مستجاب الدعوة ما دعا قط إلا استجيب له([89]) وهو الذي هزم جنود كسرى وفتح العراق، وعمر بن الخطاب لما أرسل جيشا أمر عليهم رجلا يسمّى سارية، فبينما عمر يخطب فجعل يصيح على المنبر يا سارية الجبل يا سارية الجبل، الجبل، ([90]) فقدم رسول الجيش فسأل فقال يا أمير المؤمنين لقينا عدوا فهزمونا فإذا بصائح يا سارية الجبل يا سارية الجبل، فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله.

ولما عذبت الزَّنِيرَة على الإسلام في الله فأبت إلا الإسلام وذهب بصرها. قال المشركون أصاب بصرَها اللاتُ والعزى قالت: كلا والله. فردّ الله عليها بصرها.

ودعا سعيد بن زيد على أروى بنت الحكم فأعمى بصرها لما كذبت عليه، فقال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها واقتلها في أرضها. فعميت ووقعت في حفرة من أرضها فماتت.

والعلاء بن الحضرمي كان عامل رسول الله r على البحرين، وكان يقول في دعائه: يا عليم يا حليم، يا عليّ يا عظيم. فيستجاب له، ودعا الله بأن يسقوا ويتوضئوا لما عُدموا الماء والاسقاء لما بعدهم، فأجيب، ودعا الله لما اعترضهم البحر ولم يقدروا على المرور بخيولهم فمروا كلهم على الماء ما ابتلت سروج خيولهم، ودعا الله أن لا يروا جسده إذا مات فلم يجدوه في اللحد.

وجرى مثل ذلك لأبي مسلم الخولاني الذي أُلقي في النار فإنه مشى هو ومن معه من العسكر على دجلة وهي ترمى بالخشب من مدها، ثم إلتفت إلى أصحابه فقال تفقدون من متاعكم شيئا حتى ادعوا الله عز وجل فيه، فقال بعضهم فقدت مخلاة، فقال اتبعني فتبعه فوجدها قد تعلقت بشيء فأخذها، وطلبه الأسود العنسي لما دعى النبوة فقال له أتشهد أني رسول الله؟ قال ما أسمع، قال أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال نعم فأمر بنار فألقي فيها فوجدوه قائما يصلي فيها، وقد صارت عليه بردا وسلاما، وقدِم المدينة بعد موت النبي r فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، وقال الحمد الله الذي لم يمتني حتى أرى من أمة محمد r من فُعل به كما فُعل بإبراهيم خليل الله، ووضعت له جارية السم في طعامه فلم يضره، ([91]) وخببت إمرأة عليه زوجته فدعا عليها فعميت، وجاءت وتابت فدعا لها فرد الله عليها بصرها.

وكان عامر بن عبد قيس يأخذ عطاءه ألفي درهم في كمه، ومايلقاه سائل في طريقه إلا أعطاه بغير عدد، ثم يجيء إلى بيته فلا يتغير عددها ولا وزنها، ومر بقافلة قد حبسهم الأسد فجاء حتى مس بثيابه الأسد ثم وضع رجله على عنقه. وقال إنما أنت كلب من كلاب الرحمن، وإنى استحي أن أخاف شيئا غيره، ومرت القافلة، ودعا الله تعالى أن يهوّن عليه الطهور في الشتاء فكان يؤتى بالماء له بخار، ودعا ربه أن يمنع قلبه من الشيطان وهو في الصلاة فلم يقدر عليه.

وتغيب الحسن البصرى عن الحجاج فدخلوا عليه ست مرات فدعا الله عز وجل فلم يروه، ودعا على بعض الخوارج كان يؤذيه فخر ميتا، وصلة بن أشيم مات فرسه وهو في الغزو، فقال اللهم لا تجعل لمخلوق علي مِنَّةً، ودعا الله عز وجل فأحيا له فرسه، فلما وصل إلى بيته قال يا بني خذ سرج الفرس فإنه عارية، فأخذ سرجه فمات الفرس، وجاع مرة بالأهواز فدعا الله عز وجل واستطعمه فوقعت خلفه دوخلة رطب في ثوب حرير، فأكل التمر وبقي الثوب عند زوجته زمانا، وجاءه الأسد وهو يصلي في غيضة بالليل، فلما سلم قال له أطلب الرزق من غير هذا الموضع، فولى الأسد وله زئير، وكان سعيد بن المسيب في أيام الحرة يسمع الأذان من قبر رسول الله r أوقات الصلوات، وكان المسجد قد خلا فلم يبق غيره. ورجل من النخع كان له حمار فمات في الطريق، فقال له أصحابه هلم نتوزع متاعك على رحالنا، فقال لهم أمهلوني هنيهة ثم توضأ فأحسن الوضوء وصلى ركعتين ودعا الله تعالى فأحيا له حماره، فحمل عليه متاعه. ولما مات أويس القرني وجدوا في ثيابه أكفانا لم تكن معه قبل، ووجدوا له قبرا محفورا فيه لحد في صخرة فدفنوه فيه، وكفنوه في تلك الاثواب.

وكان عمرو بن عقبة بن فرقد يصلي يوما في شدة الحر فأظلته غمامة، وكان السّبع يحميه، وهو يرعى ركاب أصحابه، لأنه كان يشترط على أصحابه في الغزو أنه يخدمهم.

وكان مطرف بن عبد الله بن الشخّير إذا دخل بيته سبّحت معه آنيته، وكان هو وصاحب له يسيران في ظلمة فأضاء لهما طرف السوط. ولما مات الأحنف بن قيس وقعت قلنسوة رجل في قبره فأهوى ليأخذها فوجد القبر قد فسح فيه مد البصر.

وكان إبراهيم التيمي يقيم الشهر والشهرين لا يأكل شيئا، وخرج يمتار لأهله طعاما فلم يقدر عليه، فمر بسهلة حمراء فأخذ منها ثم رجع إلى أهله ففتحها فإذا هي حنطة حمراء، فكان إذا زرع منها تخرج السنبلة من أصلها إلى فرعها حبا متراكبا.

وكان عتبة الغلام سأل ربه ثلاث خصال؛ صوتا حسنا، ودمعا غزيرا، وطعاما من غير تكلف، فكان إذا قرأ بكى وأبكى ودموعه جارية دهره، وكان يأوى إلى منزله فيصيب فيه قوته ولا يدرى من أين يأتيه.

وكان عبد الواحد بن زيد أصابه الفالج فسأل ربه أن يطلق له أعضاءه وقت الوضوء، فكان وقت الوضوء تطلق له أعضاؤه ثم تعود بعده.

وهذا باب واسع قد بسط الكلام على كرامات الأولياء في غير هذا الموضع، ([92])وأما ما نعرفه نحن عيانا، ونعرفه في هذا الزمان فكثير.

ومما ينبغى أن يعرف أن الكرامات قد تكون بحسب حاجة الرجل، فإذا إحتاج إليها الضعيف الإيمان أو المحتاج أتاه منها ما يقوى إيمانه ويسدّ حاجته، ويكون من هو أكملُ وَلاية لله منه مستغنيا([93]) عن ذلك فلا يأتيه مثل ذلك لعلو درجته، وغناه عنها لا لنقص ولايته، ولهذا كانت هذه الأمور في التابعين أكثر منها في الصحابة، بخلاف من يُجري على يديه الخوارق لهدي الخلق ولحاجتهم، فهؤلاء أعظم درجة، وهذا بخلاف الأحوال الشيطانية([94]) مثل حال عبد الله بن صياد الذي ظهر في زمن النبي r، وكان قد ظن بعض الصحابة أنه الدجال، وتوقف النبي r في أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال، لكنه كان من جنس الكهان، قال له النبي r «قد خبأت لك خَبْأ» قال: الدخ الدخ، وقد كان خبأ له سورة الدخان، فقال له النبي r «إخسأ فلن تعدو قدرك» يعنى إنما أنت من إخوان الكهان، والكهان كان يكون لأحدهم القرين من الشياطين يخبره بكثير من المغيبات بما يسترقه من السمع، وكانوا يخلطون الصدق بالكذب، كما في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره أن النبي r قال « إِنّ الملائكةَ تنزلُ في العَنان -وهو السحابُ- فتذكر الأمرَ قُضيَ في السماءَ, فتَسْترقُ الشياطين السمعَ فتوحيه إِلى الكُهّانِ, فيَكذبونَ منها مائةِ كذبةٍ من عندِ أنفُسِهم».

وفي الحديث الذي رواه مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال بينما النبي r في نفر من الأنصار إذ رمى بنجم فاستنار، فقال النبي r «ما كنتم تقولون لمثل هذا في الجاهلية إذا رأيتموه» قالوا كنا نقول يموت عظيم أو يولد عظيم، قال رسول الله r «فَإِنّهَا لاَ يُرْمَىَ بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ. وَلَكِنْ رَبّنَا, تَبَارَكَ وَتَعَالَىَ إِذَا قَضَىَ أَمْراً سَبّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ. ثُمّ سَبّحَ أَهْلُ السّمَاءِ الّذِينَ يَلُونَهُمْ. ثُمّ الّذِينَ يَلُونَهُمْ حَتّىَ يَبْلُغَ التّسْبِيحُ أَهْلَ هَـَذِهِ السّمَاءِ. ثم يسأل أهل السماء السابعة حملة العرش: مَاذَا قَالَ رَبُّنا؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ ثم يُسْتَخْبِرُ أهل كل سماء حتى يبلغ الخبر أهل السماء الدنيا، وتخطف الشياطين السمع فيرمون فيقذفونه إلى أوليائهم فما جاؤوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يزيدون».

وفي رواية قال معمر قلت للزهري أكان يرمي بها في الجاهلية قال نعم، ولكنها غلظت حين بعث النبي r.([95])

والأسود العنسي الذي إدّعى النبوة كان له من الشياطين من يخبره ببعض الأمور المغيبة، فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون من الشياطين أن يخبروه بما يقولون فيه، حتى أعانتهم عليه امرأته لما تبين لها كفره فقتلوه.

وكذلك مسيلمة الكذاب وكان معه من الشياطين من يخبره بالمغيبات، ويعينه على بعض الأمور.

وأمثال هؤلاء كثيرون مثل الحارث الدمشقي الذي خرج بالشام زمن عبد الملك بن مروان، وادعى النبوة، وكانت الشياطين يخرجون رجليه من القيد، وتمنع السلاح أن ينفذ فيه، وتسبح الرخامة إذا مسحها بيده، وكان يرى الناس رجالا وركبانا على خيل في الهواء، ويقول هي الملائكة وإنما كانوا جِنًّا، ولما أمسكه المسلمون ليقتلوه طعنه الطاعن بالرمح فلم ينفذ فيه، فقال له عبد الملك إنك لم تسم الله، فسمّى الله فطعنه فقتله.

وهكذا أهل الأحوال الشيطانية تنصرف عنهم شياطينهم إذا ذكر عندهم ما يطردها مثل آية الكرسي، فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي r في حديث أبي هريرة t لما وكله النبي r بحفظ زكاة الفطر فسرق منه الشيطان ليلة بعد ليلة وهو يمسكه فيتوب فيطلقه فيقول له النبي r «ما فعل أسيرك البارحة» فيقول زعم أنه لا يعود، فيقول «كذبك وإنه سيعود» فلما كان في المرة الثالثة، قال دعني حتى أعلمك ما ينفعك إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾[البقرة:255] إلى آخرها فإنه لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فلما أخبر النبي r قال «صدقك وهو كذوب» وأخبره أنه شيطان، ولهذا إذا قرأها الإنسان عند الأحوال الشيطانية بصدق أبطلتها، مثل من يدخل النار بحال شيطاني أو يحضر سماع المكاء والتصدية فتنزل عليه الشياطين وتتكلم على لسانه كلاما لا يعلم وربما لا يفقه، وربما كاشف بعض الحاضرين بما في قلبه، وربما تكلم بألسنة مختلفة كما يتكلم الجني على لسان المصروع، والإنسان الذي حصل له الحال لا يدري بذلك بمنزلة المصروع الذي يتخبطه الشيطان من المس، ولَبِسَهُ وتكلم على لسانه فإذا أفاق لم يشعر بشيء مما قال. ولهذا قد يضرب المصروع وذلك الضرب لا يؤثر في الإنسي، ويخبر إذا أفاق أنه لم يشعر بشيء لأن الضرب كان على الجني الذي لبسه. ومن هؤلاء من يأتيه الشيطان بأطعمة وفواكه وحلوى وغير ذلك مما لا يكون في ذلك الموضع، ومنهم من يطير بهم الجني إلى مكة أو بيت المقدس أو غيرهما، ومنهم من يحمله عشية عرفة ثم يعيده من ليلته فلا يحج حجا شرعيا، بل يذهب بثيابه ولا يحرم إذا حاذى الميقات، ولا يلبي، ولا يقف بمزدلفة، ولا يطوف بالبيت، ولا يسعى بين الصفا والمروة، ولا يرمى الجمار، بل يقف بعرفة بثيابه ثم يرجع من ليلته، وهذا ليس بحج مشروع باتفاق المسلمين، وكمن يأتي الجمعة ويصلي بغير وضوء إلى غير قبلة، وهم هؤلاء المحمولين مرة إلى عرفات، ورجع فرأى ملائكة تكتب الحجاج، فقال ألا تكتبوني، فقالوا لست من الحجاج يعنى لم تحجّ حجًّا شرعيا.

وبين كرامات الأولياء وما يشبهها من الأحوال الشيطانية فروق متعددة، منها أن كرامات الأولياء سببها الإيمان والتقوى، والأحوالُ الشيطانية سببها ما نهى الله عنه ورسوله، وقد قال تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾[الأعراف:33]، فالقول على الله بغير علم، والشرك، والظلم، والفواحش، قد حرّمها الله تعالى ورسوله، فلا تكون سببا لكرامة الله تعالى ولا يُستعان بالكرامات عليها، فإذا كانت لا تحصل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن، بل تحصل بما يحبه الشيطان وبالأمور التي فيها شرك كالاستغاثة بالمخلوقات، أو كانت مما يستعان بها على ظلم الخلق، وفعل الفواحش، فهي من الأحوال الشيطانية، لا من الكرامات الرحمانية، ومن هؤلاء من إذا حضر سماع المكاء والتصدية يتنزل عليه شيطانه حتى يحمله في الهواء ويخرجه من تلك الدار، فإذا حَضَرَ رجل من أولياء الله تعالى طرد شيطانه، فيسقط، كما جرى هذا لغير واحد، ومن هؤلاء من يستغيث بمخلوق إما حي أو ميت، سواء كان ذلك الحي مسلما أو نصرانيا أو مشركا، فيتصور الشيطان بصورة ذلك المستغاث به ويقضي بعض حاجة ذلك المستغيث، فيظن أنه ذلك الشخص، وهو ملك تصور على صورته، وإنما هو شيطان أضله لما أشرك بالله، كما كانت الشياطين تدخل الأصنام وتكلم المشركين. ومن هؤلاء من يتصور له الشيطان ويقول له أنا الخَضِر، وربما أخبره ببعض الأمور وأعانه على بعض مطالبه، كما قد جرى ذلك لغير واحد من المسلمين واليهود والنصارى وكثير من الكفار بأرض المشرق والمغرب، يموت لهم الميت فيأتي الشيطان بعد موته على صورته، وهم يعتقدون أنه ذلك الميت، ويقضي الديون، ويردّ الودائع، ويفعل أشياء تتعلق بالميت، ويدخل على زوجته، ويذهب، وربما يكونون قد أحرقوا ميتهم بالنار كما تصنع كفار الهند، فيظنون أنه عاش بعد موته. ومن هؤلاء شيخ كان بمصر أوصى خادمه فقال إذا أنا مِتُّ فلا تدع أحدا يغسلني، فأنا أجيء وأغسل نفسي فلما مات رآى خادمه شخصا في صورته فاعتقد أنه هو دخل وغسل نفسه، فلما قضى ذلك الداخل غسله، أي غسّل الميت غاب، وكان ذلك شيطانا، وكان قد أضل الميت، وقال إنك بعد الموت تجيء فتغسل نفسك، فلما مات جاء أيضا في صورته ليغوي الأحياء كما أغوى الميت قبل ذلك. ومنهم من يرى عرشا في الهواء وفوقه نور، ويسمع من يخاطبه ويقول أنا ربك، فإن كان من أهل المعرفة علم أنه شيطان فزجره واستعاذ بالله منه فيزول، ومنهم من يرى أشخاصا في اليقظة يدعي أحدهم أنه نبي أو صديق أو شيخ من الصالحين، وقد جرى هذا لغير واحد، ومنهم من يرى في منامه أن بعض الأكابر، ما الصديق t أو غيره قد قص شعره أو حلقه أو ألبسه طاقيته أو ثوبه فيصبح وعلى رأسه طاقية وشعره محلوق أو مقصر، وإنما الجن قد حلقوا شعره أو قصروه.

وهذه الأحوال الشيطانية تحصل لمن خرج عن الكتاب والسنة وهم درجات، والجن الذين يقترنون بهم من جنسهم، وعلى مذهبهم، والجن فيهم الكافر والفاسق والمخطىء، فإن كان الإنسي كافرا أو فاسقا أو جاهلا دخلوا معه في الكفر والفسوق والضلال، وقد يعاونونه إذا وافقهم على ما يختارونه من الكفر، مثل الإقسام عليهم بأسماء من يعظمونه من الجن وغيرهم، ومثل أن يكتب أسماء الله أو بعض كلامه بالنجاسة، أو يقلب فاتحة الكتاب، أو سورة الإخلاص، أو آية الكرسي، أو غيرهن، ([96])ويكتبهن بنجاسة فيغورون له الماء وينقلونه بسبب ما يرضيهم به من الكفر. وقد يأتونه بما يهواه من امرأة أو صبي، إما في الهواء وإما مدفوعا ملجأ إليه، ([97]) إلى أمثال هذه الأمور التي يطول وصفها والإيمان بها إيمان بالجبت والطاغوت، والجبت السحر، والطاغوت الشياطين والأصنام. وإن كان الرجل مطيعا لله ورسوله باطنا وظاهرا لم يمكنهم الدخول معه في ذلك أو مسالمته، ولهذا لما كانت عبادة المسلمين المشروعة في المساجد التي هي بيوت الله، كان عمّار المساجد أبعد عن الأحوال الشيطانية، وكان أهل الشرك والبدع يعظمون القبور ومشاهد الموتى، فيدعون الميت أو يدعون به، أو يعتقدون أن الدعاء عنده مستجاب، أقرب إلى الأحوال الشيطانية، فإنه ثبت في الصحيحين عن النبي r أنه قال «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وثبت في صحيح مسلم عنه أنه قال قبل أن يموت بخمس ليال «إن من أَمَنِّ الناس عليّ في صحبته وذات يده أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا من أهل الارض لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله، لا يبقين في المسجد خَوخة إلا سُدّت إلا خَوخة أبي بكر، إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك».

وفي الصحيحين عنه أنه ذكر له في مرضه كنيسة بأرض الحبشة وذكروا من حسنها وتصاوير فيها، فقال «إن أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيها تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة».

وفي المسند وصحيح أبي حاتم عنه r قال «إن من شرار الخلق من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين اتخذوا القبور مساجد».

وفي الصحيح عنه r أنه قال «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها».

وفي الموطأ عنه أنه قال «اللهم لا تجعل قبر وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».

وفي السنن عنه أنه قال «لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا على حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني». وقال r «ما من رجل يسلم عليّ إلا رد الله على روحي حتى أرد عليه السلام»، وقال r «إنّ الله وَكَّل بقبري ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام»، وقال r «أكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة، فإن صلاتكم معروضة عليّ»، قالوا يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ أي بليت فقال «إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء».

وقد قال الله تعالى في كتابه عن المشركين من قوم نوح عليه السلام ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾[نوح:23]، قال ابن عباس وغيره من السلف، هؤلاء قوم كانوا صالحين من قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم فعبدوهم، فكان هذا مبدأ عبادة الأوثان، فنهى النبي r عن اتخاذ القبور مساجد، ليسدّ باب الشرك، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، لأن المشركين يسجدون للشمس حينئذ، والشيطان يقارنها وقت الطلوع ووقت الغروب، فتكون في الصلاة حينئذ مشابهة لصلاة المشركين، فسد هذا الباب، والشيطان يضل بني آدم بحسب قدرته، فمن عبد الشمس والقمر والكواكب، ودعاها كما يفعل أهل دعوة الكواكب، فإنه ينزل عليه شيطان يخاطبه ويحدثه ببعض الأمور، ويسمون ذلك روحانية الكواكب، وهو شيطان، والشيطان وإن أعان الإنسان على بعض مقاصده فإنه يضره أضعاف ما ينفعه، وعاقبة من أطاعه إلى شر إلا أن يتوب الله عليه، وكذلك عباد الأصنام قد تخاطبهم الشياطين، وكذلك من استغاث بميت أو غائب، وكذلك من دعا الميت أو دعا به، أو ظنّ أن الدعاء عند قبره أفضل منه في البيوت والمساجد، ويروُون حديثا هو كذب باتفاق أهل المعرفة، وهو إذا أعْيَتْكُم الأمور فعليكم بأصحاب القبور، وإنما هذا وضع من فتح باب الشرك.

ويوجد لأهل البدع وأهل الشرك المتشبهين بهم من عباد الأصنام والنصارى والضلال من المسلمين أحوال عند المشاهد يظنونها كرامات، وهي من الشياطين، مثل أن يضعوا سراويل عند القبر فيجدونه قد انعقد، أو يوضع عنده مصروع فيرون شيطانه قد فارقه، يفعل الشيطان هذا ليضلهم، وإذا قرأت آية الكرسي هناك بصدق بطل هذا، فإن التوحيد يطرد الشيطان، ولهذا حمل بعضهم في الهواء، فقال لا إله إلا الله فسقط، ومثل أن يرى أحدهم أن القبر قد إنشق وخرج منه إنسان فيظنه الميت وهو شيطان. وهذا باب واسع لا يتسع له هذا الموضع. ([98])

ولما كان الإنقطاع إلى المغارات والبوادي من البدع التي لم يشرعها الله ولا رسوله صارت الشياطين كثيرا ما تأوى إلى المغارات والجبال، مثل مغارة الدم التي بجبل قاسيون، وجبل لبنان الذي بساحل الشام، وجبل الفتح بأسوان بمصر، وجبال بالروم وخراسان، وجبال بالجزيرة، وغير ذلك، وجبل اللكام، وجبل الأحيش، وجبل سولان قرب أردبيل، وجبل شهنك عند تبريز، وجبل ماشكو عند أقشوان، وجبل نهاوند، وغير ذلك من الجبال التي يظن بعض الناس أن بها رجالا من الصالحين من الإنس ويسمونهم رجال الغيب، وإنما هناك رجال من الجن، فالجن رجال كما أن الإنس رجال، قال تعالى ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾[الجن:6]، ومن هؤلاء من يظهر بصورة رجل شعراني جلده يشبه جلد ماعز، فيظن من لا يعرفه أنه أنسي، وإنما هو جني، ويقال بكل جبل من هذه الجبال الأربعون الأبدال، وهؤلاء الذين يظن أنهم الأبدال هم جن بهذه الجبال، كما يعرف ذلك بطرق متعددة، وهذا باب لا يتسع هذا الموضع لبسطه، وذكر ما نعرفه من ذلك، فإنا قد رأينا وسمعنا من ذلك ما يطول وصفه في هذا المختصر، الذي كتب لمن سأل أن نذكر له من الكلام على أولياء الله تعالى ما يعرف به جمل ذلك.

والناس في خوارق العادات على ثلاثة أقسام:

½ قسم يكذب بوجود ذلك لغير الأنبياء، وربما صدق به مجملا، وكذّب ما يذكر له عن كثير من الناس، لكونه عنده ليس من الأولياء.

½ ومنهم من يظن أن كل من كان له نوع من خرق العادة كان وليا لله.

وكلا الأمرين خطأ، ولهذا تجد أن هؤلاء يذكرون أن للمشركين وأهل الكتاب نصراء يعينونهم على قتال المسلمين، وأنهم من أولياء الله، وأولئك يكذبون أن يكون معهم من له خرق عادة.

½ والصواب القول الثالث وهو أن معهم من ينصرهم من جنسهم لا من أولياء الله عز وجل، كما قال الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾[المائدة:51]، وهؤلاء العباد والزهاد الذين ليسوا من أولياء الله المتقين المتبعين للكتاب والسنة تقترن بهم الشياطين، فيكون لأحدهم من الخوارق ما يناسب حاله، لكن خوارق هؤلاء يعارض بعضها بعضا، وإذا حصل من له تمكن من أولياء الله تعالى أبطلها عليهم، ولا بد ان يكون في أحدهم من الكذب جهلا أو عمدا، ومن الأثم ما يناسب حال الشياطين المقترنة بهم، ليفرق الله بذلك بين أوليائه المتقين وبين المتشبهين بهم من أولياء الشياطين، قال الله تعالى ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ(221)تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾[الشعراء:221-222] والأفاك الكذّاب، والأثيم الفاجر، ومن أعظم ما يقوي الأحوال الشيطانية سماع الغناء والملاهي، وهو سماع المشركين، قال الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾[الأنفال:35].

قال ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وغيرهما من السلف التصدية التصفيق باليد والمكاء مثل الصفير، فكان المشركون يتخذون هذا عبادة. وأما النبي r وأصحابه فعبادتهم ما أمر الله به من الصلاة والقراءة والذكر ونحو ذلك، والاجتماعات الشرعية، ولم يجتمع النبي r وأصحابه على استماع غناء قط، لا بكف ولا بدف، ولا تواجد، ولا سقطت بردته، بل كل ذلك كذب باتفاق أهل العلم بحديثه.

وكان أصحاب النبي r إذا اجتمعوا أمروا واحدا منهم أن يقرأ والباقون يستمعون، وكان عمر بن الخطاب t يقول لأبي موسى الأشعري ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يستعمون. ومرّ النبي r بأبي موسى الأشعري وهو يقرأ فقال له «مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت أستمع لقراءتك»، فقال لو علمت أنك تستمع لحبرته لك تحبيرا. أي لحسنته لك تحسينا، كما قال النبي r «زينوا القرآن باصواتكم»، وقال r «لله اشد أذنا -أي استماعا- إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته» وقال r لابن مسعود «اقرأ علي القرآن» فقال أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال «إني أحب أن أسمعه من غيري» فقرأتُ عليه سورة النساء حتى انتهيت إلىهذه الآية ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾[النساء:41] قال« حسبك» فاذا عيناه تذرفان من البكاء.

ومثل هذا السماع هو سماع النبيين وأتباعهم كما ذكره الله في القرآن، فقال ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إذا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾[مريم:58] وقال في أهل المعرفة ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ﴾[المائدة:83] ومدح سبحانه أهل هذا السماع بما يحصل لهم من زيادة الإيمان واقشعرار الجلد ودمع العين، فقال تعالى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾[الزمر:23]، وقال تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ(2)الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3)أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾[الأنفال:2-4].

وأما السماع المحدث سماع الكف والدف والقصب فلم تكن الصحابة والتابعون لهم بإحسان وسائر الأكابر من أئمة الدين يجعلون هذا طريقا إلى الله تبارك وتعالى، ولا يعدّونه من القرب والطاعات، بل يعدّونه من البدع المذمومة حتى قال الشافعي ”خلّفتُ ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير“، يصدون به الناس عن القرآن، وأولياء الله العارفون يعرفون ذلك، ويعلمون أن للشيطان فيه نصيبا وافرا، ولهذا تاب منه خيار من حضره منهم، ومن كان ابعد عن المعرفة وعن كمال وَلاية الله كان نصيب الشيطان منه أكثر، وهو بمنزلة الخمر يؤثر في النفوس أعظم من تأثير الخمر، ولهذا إذا قويت سكرة أهله نزلت عليهم الشياطين، وتكلمت على ألسنة بعضهم، وحملت بعضهم في الهواء، وقد تحصل عداوة بينهم كما تحصل بين شراب الخمر فتكون شياطين أحدهم أقوى من شياطين الآخر فيقتلونه، ويظن الجهال أن هذا من كرامات أولياء الله المتقين، وإنما هذا مبعد لصاحبه عن الله، وهو من أحوال الشياطين، فإن قتل المسلم لا يحل إلا بما أحله الله، فكيف يكون قتل المعصوم مما يكرم الله به أولياءه، وإنما غاية الكرامة لزوم الاستقامة، فلم يكرم الله عبدا بمثل أن يعينه على ما يحبه ويرضاه، ويزيده مما يقربه إليه، ويرفع به درجته، وذلك أن الخوارق منها ما هو من جنس العلم كالمكاشفات، ومنها ما هو من جنس القدرة والملك كالتصرفات الخارقة للعادات، ومنها ما هو من جنس الغنى ما يعطاه الناس في الظاهر من العلم والسلطان والمال. والغنى

وجميع ما يؤتيه الله لعبده من هذه الأمور إن استعان به على ما يحبه الله ويرضاه ويقربه إليه ويرفع درجته، ويأمره الله به ورسوله، ازداد بذلك رفعة وقربا إلى الله ورسوله، وعلت درجته، وإن استعان به على ما نهى الله عنه ورسوله كالشرك والظلم والفواحش، استحق بذلك الذم والعقاب، فإن لم يتداركه الله تعالى بتوبة أو حسنات ما حية، وإلا كان كأمثاله من المذنبين، ولهذا كثيرا ما يعاقب أصحاب الخوارق تارة بسلبها كما يعزل الملك عن ملكه، ويسلب العالِمَ علمه، وتارة بسلب التطوعات فينقل من الولاية الخاصة إلى العامة، وتارة ينزل إلى درجة الفساق، وتارة يرتد عن الإسلام، وهذا يكون فيمن له خوارق شيطانية، فإن كثيرا من هؤلاء يرتد عن الإسلام، وكثير منهم لا يعرف أن هذه شيطانية؛ بل يظنها من كرامات أولياء الله،([99]) ويظن من يظن منهم أن الله عز وجل إذا أعطى عبدا خرْق عادة لم يحاسبه على ذلك، كمن يظن أن الله إذا أعطى عبدا ملكا ومالا وتصرفا لم يحاسبه عليه.

ومنهم من يستعين بالخوارق على أمور مباحة لا مأمورٍ بها ولا منهيٌ عنها، فهذا يكون من عموم الأولياء، وهم الأبرار المقتصدون، وأما السابقون المقربون فأعلى من هؤلاء كما أن العبد الرسول أعلى من النبي الملك.

ولما كانت الخوارق كثيرا ما تنقص بها درجة الرجل كان كثير من الصالحين يتوب من مثل ذلك، ويستغفرالله تعالى كما يتوب من الذنوب كالزنا والسرقة، وتعرض على بعضهم فيسأل الله زوالها، وكلهم يأمر المريد السالك أن لا يقف عندها ولا يجعلها همته، ولا يتبجح بها مع ظنهم أنها كرامات، فكيف إذا كانت بالحقيقة من الشياطين تغويهم بها، فإني أعرف من تخاطبه النباتات بما فيها من المنافع، وإنما يخاطبه الشيطان الذي دخل فيها، وأعرف من يخاطبهم الحجر والشجر، وتقول هنيئا لك يا ولي الله، فيقرأ آية الكرسي فيذهب ذلك، وأعرف من يقصد صيد الطير فتخاطبه العصافير وغيرها وتقول خذني حتى يأكلني، الفقراء ويكون الشيطان قد دخل فيها كما يدخل في الإنس ويخاطبه بذلك، ومنهم من يكون في البيت وهو مغلق فيرى نفسه خارجه وهو لم يفتح، وبالعكس، وكذلك في أبواب المدينة، وتكون الجن قد أدخلته وأخرجته بسرعة، أو تُرِيَه أنوارا أو تحضر عنده من يطلبه، ويكون ذلك من الشياطين يتصورون بصورة صاحبه، فإذا قرأ آية الكرسي مرة بعد مرة ذهب ذلك كله. وأعرف من يخاطبه مخاطب ويقول له أنا من أمر الله ويعده بأنه المهدي الذي بشّر به النبي r، ويظهر له الخوارق مثل أن يخطر بقلبه تصرف في الطير والجراد في الهواء، فإذا خطر بقلبه ذهاب الطير أو الجراد يمينا أو شمالا ذهب حيث أراد وإذا خطر بقلبه قيام بعض المواشي أو نومه أو ذهابه حصل له ما أراد من غير حركة منه في الظاهر، وتحمله إلى مكة وتأتي به، وتأتيه بأشخاص في صورة جميلة وتقول له هذه الملائكة الكروبيون أرادوا زيارتك، فيقول في نفسه كيف تصوروا بصورة المردان فيرفع رأسه فيجدهم بلحى، ويقول له علامة أنّك أنت المهدي أنك تنبت في جسدك شامة فتنبت ويراها، وغير ذلك، وكلّه من مكر الشيطان.

وهذا باب واسع لو ذكرت ما أعرفه منه لاحتاج إلى مجلد كبير، وقد قال تعالى ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إذا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي(15)وَأَمَّا إذا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾[الفجر:15-16] قال الله تبارك وتعالى ﴿كَلاَّ﴾[الفجر:17] ولفظ (كَلاَّ) فيها زجر وتنبيه؛ زجر عن مثل هذا القول، وتنبيه على ما يخبر به ويأمر به بعده، وذلك أنه ليس كل من حصل له نعم دنيوية تعد كرامة يكون الله عز وجل مكرما له بها، ولا كل من قدَّر عليه ذلك يكون مهينا له بذلك، بل هو سبحانه يبتلي عبده بالسراء والضراء، فقد يعطي النعم الدنيوية لمن لا يحبه ولا هو كريمٌ عنده ليستدرجه بذلك، وقد يحمي منها من يحبه ويواليه لئلا تنقص بذلك مرتبته عنده أو يقع بسببها فيما يكرهه منه.

وأيضا كرامات الأولياء، لابد أن يكون سببها الإيمان والتقوى، فما كان سببه الكفر والفسوق والعصيان فهو من خوارق أعداء الله، لا من كرامات أولياء الله، فمن كانت خوارقه لا تحصل بالصلاة والقراءة والذكر وقيام الليل والدعاء، وإنما تحصل عند الشرك مثل دعاء الميت والغائب، أو بالفسق والعصيان وأكل المحرمات كالحيات والزنابير والخنافس والدم وغيره من النجاسات، ومثل الغناء والرقص لا سيما مع النسوة الأجانب والمردان، وحالة خوارقه تنقص عند سماع القرآن وتقوى عند سماع مزامير الشيطان فيرقص ليلا طويلا فإذا جاءت الصلاة صلى قاعدا أو ينقر الصلاة نقر الديك، وهو يبغض سماع القرآن وينفر عنه ويتكلفه، ليس له فيه محبة ولا ذوق ولا لذة عند وجده، ويحب سماع المكاء والتصدية، ويجد عنده مواجيد، فهذه أحوال شيطانية، وهو ممن يتناوله قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾[الزخرف:36]، فالقرآن هو ذكر الرحمن، قال الله تعالى ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا(125)قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾[طه:124-126] يعني تركتَ العمل بها، قال ابن عباس رضي الله عنهما تكفّل الله لمن قرأ كتابه وعمل بما فيه أن لا يضل في الدينا ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ هذه الآية.

فصـــــل

ومما يجب أن يُعلم أن الله بعث محمدا r إلى جميع الإنس والجن، فلم يبق إنسي ولا جني إلاّ وجب عليه الإيمان بمحمد r واتباعه، فعليه أن يصدقه فيما أخبر، ويطيعه فيما أمر، ومن قامت عليه الحجة برسالته فلم يؤمن به فهو كافر، سواء كان إنسيا أو جنيا

ومحمد r مبعوث إلى الثقلين بإتفاق المسلمين، وقد استمعت الجن القرآن وولوا إلى قومهم منذرين، لما كان النبي r يصلي بأصحابه ببطن نخلة، لما رجع من الطائف وأخبره الله بذلك في القرآن بقوله ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ(29)قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ(30)يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِي اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ(31)وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِي اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾[الأحقاف:29-32]، وأنزل الله تعالى بعد ذلك ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا(1)يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا(2)وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا(3)وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا(4)وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا(5) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾[الجن:1-6] أي السفيه منا في أظهر قولي العلماء، وقال غير واحد من السلف كان الرجل من الإنس إذا نزل بالوادي قال: أعوذ بعظيم هذا الوادي من شر سفهاء قومه. فلما استغاثت الإنس بالجن ازدادت الجن طغيانا وكفرا، كما قال تعالى ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا(6)وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا(7)وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾[الجن:6-8]، وكانت الشياطين تُرمى بالشهب قبل أن ينزل القرآن، لكن كانوا أحيانا يسترقون السمع قبل أن يصل الشهاب إلى أحدهم فلما بعث محمد r ملئت السماء حرسا شديدا وشهبا، وصارت الشهب مرصدة لهم قبل أن يسمعوا كما قالوا ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾[الجن:9] وقال تعالى في الآية الأخرى ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ(210)وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ(211)إِنَّهُمْ عَنْ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾[الشعراء:210-212] قالوا ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا(10)وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾[الجن:10-11] أي على مذاهب شتى كما قال العلماء منهم المسلم والمشرك والنصراني والسني والبدعي ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾[الجن:12]، أخبروا أنهم لا يعجزونه لا إن اقاموا في الأرض ولا إن هربوا منه ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا(13)وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾[الجن:13-14] أي الظالمون يقال أقسط إذا عدل، وقسط إذا جار وظلم ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا(14)وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا(15) وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا(16)لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا(17)وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا(18)وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا(19)قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا(20)قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا(21)قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾[الجن:14-22] أي ملجأ ومعاذا ﴿إِلَّا بَلَاغًا مِنْ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا(23)حَتَّى إذا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾[الجن:23-24]، ثم لما سمعت الجن القرآن أتوا إلى النبي r وآمنوا به وهم جن نصيبين، كما ثبت ذلك في الصحيح من حديث ابن مسعود وروى أنه قرأ عليهم سورة الرحمن وكان إذا قال ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾([100]) قالوا ولا بشيء من آلائِكَ ربنا نكذب، فلك الحمد، ولما اجتمعوا بالنبي r سألوه الزاد لهم ولدوابهم، فقال «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدونه أوفر ما يكون لحما، وكل بعرة علفا لدوابكم» قال النبي r «فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد لاخوانكم من الجن» وهذا النهي ثابت عنه من وجوه متعددة، وبذلك احتج العلماء على النهي عن الاستنجاء بذلك، وقالوا فإذا منع من الاستنجاء بما للجن ولدوابهم فما أعد للإنس ولدوابهم من الطعام والعلف أولى وأحرى، ومحمد r أرسل إلى جميع الإنس والجن وهذا أعظم قدرا عند الله تعالى من كون الجن سخروا لسليمان عليه السلام، فإنهم سخروا له يتصرف فيهم بحكم الملك، ومحمد r أرسل إليهم يأمرهم بما أمر الله به ورسوله؛ لأنه عبد الله ورسوله، ومنزلة العبد الرسول فوق منزلة النبي الملك.

وكفار الجن يدخلون النار بالنص والاجماع، وأما مؤمنوهم فجمهورالعلماء على أنهم يدخلون الجنة، وجمهور العلماء على أن الرسل من الإنس ولم يبعث من الجن رسول، لكن منهم النذر، وهذه المسائل لبسطها موضع آخر.

والمقصود هنا ان الجن مع الإنس على أحوال:

½ فمن كان من الانس يأمر الجن بما أمر الله به رسوله من عبادة الله وحده وطاعة نبيه، ويأمر الإنس بذلك فهذا من أفضل أولياء الله تعالى، وهو في ذلك من خلفاء الرسول r ونوابه.

½[ومن كان يستعمل الجن في أمور مباحة له فهو كمن استعمل الإنس في أمور مباحة له، وهذا كأن يأمرهم بما يجب عليهم وينهاهم عما حُرّم عليهم، ويستعملهم في مباحات له، فيكون بمنزلة الملوك الذين يفعلون مثل ذلك،] ([101]) وهذا إذا قُدّر أنه من أولياء الله تعالى، فغايته ان يكون في عموم أولياء الله، مثل النبي الملك مع العبد الرسول؛ كسليمان ويوسف مع إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

½ ومن كان يستعمل الجن فيما ينهى الله عنه ورسوله إما في الشرك، وإما في قتل معصوم الدم، أو في العدوان عليهم بغير القتل كتمريضه وإنسائه العلم وغير ذلك من الظلم، وإما في فاحشة كجلب من يطلب منه الفاحشة، فهذا قد استعان بهم على الإثم والعدوان، ثم إن استعان بهم على الكفر فهو كافر، وإن استعان بهم على المعاصي فهو عاص إما فاسق وإما مذنب، غير فاسق.

½ وإن لم يكن تام العلم بالشريعة فاستعان بهم فيما يظن أنه من الكرامات مثل أن يستعين بهم على الحج، أو أن يطيروا به عند السماع البدعي، أو أن يحملوه إلى عرفات ولا يحج الحج الشرعي الذي أمره الله به ورسوله، وأن يحملوه من مدينة إلى مدينة ونحو ذلك، فهذا مغرور قد مكروا به، وكثير من هؤلاء قد لا يعرف أن ذلك من الجن، بل قد سمع أن أولياء الله لهم كرامات وخوارق للعادات، ([102]) وليس عنده من حقائق الإيمان ومعرفة القرآن ما يفرق به بين الكرامات الرحمانية وبين التلبيسات الشيطانية، فيمكرون به بحسب اعتقاده، فإن كان مشركا يعبد الكواكب والاوثان أوهموه أنه ينتفع بتلك العبادة ويكون قصده الاستشفاع والتوسل ممن صور ذلك الصنم على صورته من ملك، أو نبي، أو شيخ صالح، فيظن أنه يعبد ذلك النبي أوالصالح، وتكون عبادته في الحقيقة للشيطان. قال الله تعالى ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ(40)قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾[سبإ:40-41]، ولهذا كان الذين يسجدون للشمس والقمر والكواكب يقصدون السجود لها فيقارنها الشيطان عند سجودهم ليكون سجودهم له، ولهذا يتمثل الشيطان بصورة من يستغيث به المشركون، فإن كان نصرانيا واستغاث بجرجس أو غيره جاء الشيطان في صورة جرجس أو من يستغيث به، وإن كان منتسبا إلى الإسلام واستغاث بشيخ يحسن الظن به من شيوخ المسلمين، جاء في صورة ذلك الشيخ، وإن كان من مشركي الهند جاء في صورة من يعظمه ذلك المشرك، ثم إن الشيخ المستغاث به إن كان ممن له خبرة بالشريعة لم يعرفه الشيطان أنه تمثل لأصحابه المستغيثين به، وإن كان الشيخ ممن لا خبرة له بأقوالهم نقل أقوالهم له فيظن أولئك أن الشيخ سمع أصواتهم من البعد وأجابهم، وإنما هو بتوسط الشيطان، ولقد أخبر بعض الشيوخ الذين كان قد جرى لهم مثل هذا بصورة مكاشفة ومخاطبة؛ فقال يرونني الجن شيئا براقا مثل الماء والزجاج، ويمثلون له فيه ما يطلب منه الإخبار به، قال فأخبر الناس به، ويوصلون إلي كلام من استغاث بي من أصحابي فأجيبه فيوصلون جوابي إليه، وكان كثير من الشيوخ الذين حصل لهم كثير من هذه الخوارق إذا كذّب بها من لم يعرفها، وقال إنكم تفعلون هذا بطريق الحيلة، كما يدخل النار بحجر الطلق، وقشور النارنج، ودهن الضفادع، وغير ذلك من الحيل الطبيعية، فيتعجب هؤلاء المشايخ ويقولون نحن والله لا نعرف شيئا من هذه الحيل، فلما ذكر لهم الخبير إنكم لصادقون في ذلك، ولكن هذه الأحوال شيطانية أقروا بذلك وتاب منهم من تاب الله عليه، لما تبين لهم الحق، وتبين لهم من وجوه أنها من الشيطان، ورأوا أنها من الشياطين لما رأوا أنها تحصل بمثل البدع المذمومة في الشرع وعند المعاصي لله، فلا تحصل عندما يحبه الله ورسوله من العبادات الشرعية، فعلموا أنها حينئذ من مخارق الشيطان لأوليائه، لا من كرامات الرحمن لأوليائه.

والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.

وصلى الله وسلم على محمد سيد رسله وأنبيائه وعلى آله وصحبه وأنصاره وأشياعه وخلفائه صلاة وسلاما نستوجب بهما شفاعته آمين([103])

--------------------------------------------------------------------------------

([1]) ملاحظة: العنوان من اختيار المفرّغ، هذا أولا، أما ثانيا فإنه من الملاحظ أن الأشرطة تسجيلها في كثير من الأماكن غير مسموع جيدا ولذلك الكلمات غير المفهومة فقد وضعت مكانها... ، وأرجو المعذرة. [قام بإعداد هذه المادة سالم الجزائري].

([2]) قول شيخ الإسلام (ونشهد) فيه جواز ذلك؛ لأنّ من الناس من قال الأفضل أن يتكلم المرءُ عن نفسه فيقول: أشهد، وألاّ يأتي بنون الجمع الدالة على نفسه وعلى غيره، لأنّ الشهادة أمرها باطن. وهذا جائز يقول عن نفسه وعن غيره أيضا باعتبار ظاهر الحال.

([3]) في هذه الآية أنّ الأولياء هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، ولهذا عرّف جماعة من أهل العلم الولي: بأنّه كل مؤمن تقي وليس بنبي؛ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس: 63] هم الأولياء، والإيمان والتقوى تتفاضل؛ الإيمان يتفاضل يزيد وينقص، ويتفاضل أهله فيه، وكذلك التقوى يتفاضل أهلُها فيها، فيكون إذن وصف الوَلاية يتفاضل أهله فيه، فالأولياء إذن ليسوا على مرتبة واحدة، لكن صار غالبا في الاصطلاح أنّ الولي هو المؤمن الذي كمَّل التقوى بحسب استطاعته، وليس مَن عنده شيء من الإيمان وشيء من التقوى وليا، وإنْ كان كل مؤمن تقي له وَلاية بحسَب ذلك، ففرق بين الاسم؛ اسم الولي وبين الوَلاية؛ الولاية التي هي محبة الله لعبده ونصرتُه له هذه تكون عنده بقدر ما عنده من الإيمان والتقوى، وأمّا اسم الولي فالآية دلت على أنّ من عنده إيمان وتقوى فهو من الأولياء، لكن في الإصطلاح إذا قيل الأولياء فهم العُبّاد الصالحون الذين كمّلوا التقوى بحسب استطاعتهم، أو بحسب حالهم، فلا يدخل فيه من خلط عملا صالحا وآخر سيئا.

([4]) قوله جل وعلا هنا ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾[المائدة:51] هذا التولي المكفر الذي هو نصرة الكافر عن المسلم في حال الحرب لقصد ظهور الكفر، أو بقصد سلامة النفس على سلامة الإسلام، يدلّ على هذا التفسير قوله في الآيات نفسها ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾[المائدة:52] (يُسَارِعُونَ فِيهِم) يعني في توليهم وفي نصرتهم ﴿ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾[المائدة:52] فهذه دلّت على أن المقصود بقوله ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾[المائدة:51] أنّه في حال القتال والنصرة؛ ﴿ لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾[المائدة:51] يعني خرج عن الدين لأنه نصرهم في حال قتالهم لأهل الإسلام، استشهد بها شيخ الإسلام للدِّلالة على معنى الوَلاية وأن الوَلاية هي المحبة والنصرة، (لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ) يعني أحبابا منصورين تنصرونهم وتتناصرون معهم، (بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) بعضهم يحب بعضا وينصر بعضا.

القصد؛ في قصة حاطب، حاطب حصل منه مسارعة في إفشاء السر والإخبار بعزم رسول الله r على إتيان مكة، فلما قال عمر للنبي عليه الصلاة والسلام يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال« يا عمر أرسله، يا حاطب ما حملك على هذا؟» فاستفصاله عليه الصلاة والسلام دال على اعتبار القصد، وقد علل هو بأمر دنيوي، فقال: يارسول الله ما من أحد من صحابتك إلا وله في مكة قرابة أو أهل، يدفعون عن ماله، وليس لي أحد، فأردت أن يكون لي بذلك يد أدفع بها عن مالي. فقال عليه الصلاة والسلام «صدقكم»، فدل هذا على أنه لم يقصد ظهور الكفر على الإسلام، وإنما قصد حماية نفسه. قصد حماية المال والنفس هذا راجع إلى أمر الدنيا وليس راجع إلى أمر الدين، فيكون التولي أو الوالاة بهذا المعنى محرّم وضلال عن سواء السبيل، ولكن ليست مكفرة، وذلك لقول الله جل وعلا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾[الممتحنة:1] قال العلماء: أثبت أنهم ألقوا المودة، ومع ذلك ناداهم باسم الإيمان فقال (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ومع ذلك قال في آخرها ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾[الممتحنة:1] فدلّ على أن هذا الفعل وهو الموالاة بهذا المعنى محرّم وضلال عن سواء السبيل ولكن لا يخرج عن اسم الإيمان. ومَنْ نَصَرَ مُرجِّحًا سلامة نفسه على سلامة الإسلام فهو هنا يكفر ولو بالفعل، فرق بين أن يُسرّ لهم بشيء أو يمدهم بمال أو نحو ذلك وما بين فعل شيء فيه نصر لهم على المسلمين؛ يعني يفعل شيء معه نصر للكفر على الإسلام أو ظهور للكفار على المسلمين، ولهذا في نواقض الإسلام لإمام الدعوة رحمه الله ذَكر من النواقض مظاهرة المشركين على المسلمين، والمظاهرة لفظ له هذا المعنى الذي ذكرت، هذا بحث له موطن آخر بتفصيل.

([5]) هذه الآيات السالفة كلها في بيان أولياء الرحمن، والولاية كما ذكرت معناها المحبة والنصرة ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾[الكهف:44] يعني النصرة الكاملة والمحبة في الله ولله جل وعلا الحق سبحانه وتعالى، فمن أحب شيئا دون الله جل وعلا وتعلق قلبه به خذل من جهته، وكذلك من طلب النّصرة من غير الله جل وعلا وتعلق القلب بذلك خُذِل من جهته، ومن تعلق قلبه بالله وانتصر به كفاه، وهذا معنى قوله ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾[المائدة:55] يعني يحبكم وناصركم الله ورسوله والذين آمنوا، هذا هو الواجب أن تكون وَلاية المؤمنين في الله جل وعلا ولله.

([6]) هذا كله استدلال بالآيات على التسمية؛ يعني كأنه استحضر رحمه الله من يقول له: من أين أتيت بهذه التسمية أولياء الرحمن وأولياء الشيطان؟ فأتى بالآيات التي تدل أن للرحمن أولياء وعلى أن للشيطان أولياء، هذه خطبة للكتاب، يعني مقدمة، بعدها يأتي للصفات؛ ما صفات هؤلاء وما صفات هؤلاء.

([7]) شيخ الإسلام دائما استدلاله بالأول (فقد بارزني بالمحاربة) وهذا اللفظ ليس في كتب الصحاح، إنما هو عند أبي نعيم، وعند غيره من الكتب غير المشهورة، ولعله أخذها من بعض المستخرجات على الصحيح كمستخرج أبي عوانة، أو مستخرج الإسماعيلي البخاري ونحو ذلك، لأنه عنده عناية بالجمع بين الصحيحين للحميدي. المقصود أن هذا اللفمظ مما يعترض به على شيخ الإسلان كثيرا لأن هذا اللفظ غير معروف (فقد بارزني بالمحاربة)، واللفظ المعروف في الصحيحين (فقد آذنته بالحرب) هذا هو المعروف في الحديث المسمى حديث الولي.

([8]) هذا القول في أوائل هذا الفصل فيه البيان على أنّ الله جل وعلا فرق بين أولياء الله وأولياء الشيطان، فكونه سبحانه يذكر في القرآن أنّ لله أولياء وأنّ للشيطان أولياء، ثم لا يفرق بين هؤلاء وهؤلاء بالصفات بما يُعلم به هؤلاء وهؤلاء، هذا ممتنع؛ لأن الله جل جلاله جعل هذا القرآن فرقانا ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾[الفرقان:1] فهو فرقان بين الأشياء المتقابلة التي قد تلتبس، ومن ذلك وصف أولياء الرحمن ووصف أولياء الشيطان، فالفرقان قائم بين هذين الحزبين وبين هاتين الطائفتين، هؤلاء لهم صفات وهؤلاء لهم صفات، أعظم ما في القرآن من وصف أولياء الله جل وعلا في آية سورة يونس التي استدل وبها وهي قوله تعالى ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس:62-63] فبيّن جل وعلا أنّ الأولياء هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، ومن المتقرر أنّ الإيمان يتبعض وأنّه درجات بعضها فوق بعض، وأنّ التقوى كذلك تتبعض والناس فيها مختلفون كلٌّ يأخذ منها بحسب ما يُسِّر له، فنتج من ذلك أن الأولياء أيضا ليسوا على مرتبة واحدة، بل هم مراتب فصفات الأولياء التي تجمعهم أنهم المؤمنون المتقون، والمؤمن هو المؤمن بالله ورسوله وبكتابه، فلا يُتصور من الولي الخروج عن أمر الله وأمر رسوله r وأمر كتاب الله لأهواء ولآراء، بل هو متبع للكتاب والسنة، كذلك لا يُتصور في الولي أنه صاحب كبيرة أو صاحب إصرار على الصغائر واستمرار فيها؛ لأن التقوى هي صفته التي لازمته (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) والتعبير أواستعمال (كَانُوا يَتَّقُونَ) يفيد ثبات هذه الصفة. فإذا كان كذلك، كان وصف الأولياء في القرآن أنهم المؤمنون المتقون.

أما وصفهم في السنة فقد جاء بأكثر تفصيلا في حديث الولي المعروف وهو ما رواه البخراري رحمه الله وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال « يقول الله تعالى من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّه» هنا الفرائض أحب إلى الله جل وعلا من النوافل، وزيادة تقرب العبد بالنوافل سبب في محبة الله جل وعلا لعبده قال«فإذا أحببته كنت سمعَه الذي يسمع به» سمعَه يعني يسدد في سمعه، كان الله سمع الولي يعني سدده في سمعه فلا يسمع إلا ما يحب ربه ومولاه «وبصره الذي يبصر به» يعني أسدده في بصره فلا يبصر إلا ما أحب، ولا يستأنس في بصره إلا بما أحب «ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها» يعني يسدد في هذا كله؛ فلا يبطش بيده إلا فيما أذن الله جل وعلا به، ولا يمشي برجله إلا بما يحب الله جل وعلا، قال «ولئن سألني لأعطينه» يعني أنه مجاب الدعاء «ولئن استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه» التردد هنا، تكلم عليه أهل العلم بكلمات وأصح ذلك أن التردد مثل الصفات الأخر التي هي صفة المكر والاستهزاء ونحو ذلك من جهة أنّه يكون نقصا ويكون كمالا:

· فيكون نقصا إذا كان التردد مع عدم علم بالعاقبة؛ لأنّه يكون من نتائج الجهل، فالمتردد يتردد ويكون نقْصا في حقه أنه تردد؛ لأنه لا يعلم العاقبة، أو لخوفه وعدم جرأته على الأمر، أو لعدم قدرته عليه؛ يشك هل هو يقدر أو لا يقدر، أو هل سيقوى أو لا يقوى، وعدم علمه بالعاقبة هي سبب هذا التردد، وهذا التردد نقص وهذا منفي عن الله جل وعلا.

· والنوع الثاني وهو تردد بين أمرين كل منهما هو حق ومحمود في نفسه، لكن يختلف الإختيار بحسَب تعلقه بالمختار له، مثل –في حياة البشر- تريد أن تشتري لمن تحب شيئا، تردد بين هذا وهذا لا من جهة عدم علمك بالأفضل، ولكن من جهة الإكرام...، هذا التردد ليس بنقص، أنت الآن بين كرم وبين أكرم، فهذا ليس نقصا، هذا تردد فيما يناسب المختار له، هذا هو الذي من جنسه جاء هذا الحديث، (وما ترددت في شيء أنا فاعله) هذا التردد الحق، التردد الذي هو كمال الذي لا نقص فيه، بوجه من الوجوه.

هذا من أحسن الأجوبة على ذلك وهو طريقة المحققين.

w السمع والبصر معنويان؛ يعني نوعان من أنواع الإدراكات معنويان، تشوف السمع؟ ما تشوفه، تشوف البصر؟ ما تشوفه، لكن اليد والرجل هذا ظاهران، فمثل بشيئن معنويين وبشيئين ظاهرين، وهذا له نظائر في القرآن ﴿أم تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾[الفرقان:44]، ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾[الأعراف:179]، وكقوله في آخر السورة﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(191)وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف:191-192] إلى آخر الآيات، المقصود من ذلك أنه يُرد التمثيل بالحواس، فهذا ليس المراد به الحصر؛ كنت سمعه وبصره وأيضا لسانه وفهمه وتفكيره، خذ فيه رواية موضوعة يستدل بها الصوفية وهي مكذوبة في هذا الحديث بعد قوله (ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وحتى يقول للشيء كن فيكون)، هذه موجودة في بعض كتب الحديث مسندة لكنها موضوعة، يستدل بها بعض الصوفية في أن الله جل وعلا يُعطي الأولياء ملكوته يتصرفون فيه بما يريدون، وهذا باطل من جهة الإستدلال وباطل من جهة الأصول القطعية على أنّ الله جل وعلا لا ينازعه أحد في ملكه وليس له شريك في مُلكه.

[9] هذا الأصل في الموالاة والمعاداة هو القدر الواجب في الولاء والبراء، القدر الذي به يصح الإسلام، فلا يصح إسلام أحد حتى يكون عنده موالاة ومعاداة؛ عنده ولاء وبراء.

· الولاء الذي يصحّ به أصل الإسلام: هو المحبة؛ محبة الله, محبة دينه، محبة رسوله، محبة توحيده، هذه الحبة هي الأصل، لها لاوازم في الظاهر، هذه لها أحكامُها.

· العداوة أو البراء: هو بغض الشرك، بغض الضلال، بغض الشيطان، بغض عبادة غير الله، بغض الكفر، هذا القدْر هو الشرط من لم يأتِ به فلا إسلام له.

فكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) هذه مشتملة على الولاء والبراء، مشتملة على الموالاة والمعاداة، لكن الولاء والبراء منه قدر مجزئ لا يصح إسلام أحد إلا به؛ يعني مجزئ في صحة الإسلام، ومنه قدْر آخر واجب لكن ليس شرطا في الصحة، القدْر الواجب هو ما كان من قبيل الحب والبغض، أصل المعنى، وهو الموجود في القلب، فمحبة التوحيد وبغض الشرك هذا أصل في الإسلام وهو معنى الولاء والبراء ومعنى كلمة التوحيد، فمن لم يكن عنده حب للتوحيد وبغض للشرك فلا إسلام له أصلا، بخلاف محبة أهل التوحيد، محبة أهل الشرك ونحو ذلك، فهذه فيها أحوال وتفصيلات.

([10]) هذا من شيخ الإسلام ذكر لبعض شروط الولي من جهة اللغة فإنه فسّر لفظ الولي والموالاة بما تضمنه كلامه السابق وفيه شورط الولي، فمن شروطه:

1. يأمر بما أمر الله ويأمر بأتمر بذلك.

2. ينهى ما ينهى عنه الله وينتهى عن ذلك.

3. يرضى ما يرضي الله ويسخط ما يسخط الله جل وعلا.

4. ويحب ما أحب الله ويبغض ما أبغض الله.

فهذا جاء من جهة اللغة مع ضميمة أيضا الذين آمنوا وكانوا يتقون، تخلص من ذلك إلى أن صفات الأولياء التي منها ماهو صفة شرط؛ يعني صفة إذا لم توجد لم يكن وليا مأخوذة من قوله (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) يعني كلمة الإيمان والتقوى، ومأخوذة أيضا من جهة اللفظ؛ لفظ الولي؛ لأن الولي هو المحي التابع الناصر، وهذه المحبة تقتضي موافقته فيما أحب، موافقته فيما نهى عنه جل وعلا، وهكذا، وهذا من نوع الفرقان بين أولياء الرحمان وأولياء الشيطان.

([11])أولو العزم يعني أولوا الصبر، العزم هنا الصبر وتحمل المشاق والقوة، وجميع المرسلين أولو صبر وتحمل للمشاق وقوة، لكن أولئك أولوصبر خاص وعزم خاص فخصوا؛ لهذا الاسم دون غيرهم، وهم الخمسة الذين ذكرهم الله جل وعلا.

([12]) هذه الكلمات قارنها بالختمة المنسوبة لشيخ الإسلام (ختمة القرآن)فيها هذه الكلمات، الكلمات الموجودة في الختمة لم تصح اسنادا؛ لكنها مشهورة النسبة، كلماتها موجودة متفرقة في كتب شيخ الإسلام، يعني من أراد أن ياخذها جملا ويحيل كل جملة إلى موضعها من كلام شيخ الإسلام وجد ذلك، ولهذا يقول علماؤنا إنّ هذه نفسها نفس شيخ الإسلام، كلامها كلام شيخ الإسلام، من عرف كلام شيخ الإسلام قال أنها له.

([13]) الصالح في الشرع هو من قام بحقوق الله جل وعلا الواجبة عليه وقام بحقوق خلقه الواجبة عليه. القائم بحقوق الله وحقوق الخلق هو الصالح من عباد الله، والصالحون مقتصدون وسابقون، فالمقتصد هذا صالح؛ يعني الذي يفعل الواجبات وينتهي عن المحرمات، والسابق بالخيرات هذا أفضل الصالحين، فأولياء الله جل وعلا هم صالحوا المؤمنين الذين يفعلون الواجبات وينتهون عن المحرمات، ومنهم وأخصّهم الذين يسارعون في الخيرات، لكن لفظ الولي بخصوصه أُطلق على من كان سابقا بالخيرات، على من كان من خاصّة صالحي المؤمنين، ففي العُرف ليس المقتصدون يعني الذين إختصروا على آداء الواجبات وتركوا المحرمات يُسَمَّوْن أولياء، هم في الحقيقة أولياء لله لقول الله جل وعلا ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس:62-63] وقوله ﴿فَإِنَّ عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾[التحريم:4]، ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾[الأنفال:34] ونحو ذلك من الأدلة.

([14])«لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» له نظائر في النصوص من استعمال كلمة (لا يدخل) إما في الجنة أو في النار؛ «لا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان«، «لا يدخل الجنة قتاد«، «لا يدخل الجنة قاتل«، ونحو ذلك، وهذا النفي بالدخول عند أهل السنة تارة يُراد به نفي الأصل، وتارة يراد به نفي تخليد، وتارة يُراد به نفي الأولوية، ففي النفي في هذا الحديث المراد به نفي الأصل (لا يدخل أحد النار بايع تحت الشجرة) يعني لا يدخلها أصلا، وما جاء في النفي بدخول الجنة «لا يدخل الجنة قتاد نمام«، ونحو ذلك، هذا المراد به الدخول الأولي، يعني لا يدخلون أولا بل يتأخرون، ويقابل هذا النفي التحريم في النصوص، يَحْرُم على النار، ونحو ذلك في الجنة فإنّه يراد به تارة تحريم الأبدي وتارة تحريم المعقد أو التحريم الأمدي. هذه –يعني الألفاظ- ينبغي أن تفهم على ضوء ما ذكرنا.

([15])يقصد بالمنافقون الذين هذه صفتهم، ملتبسا عليه الأمر، فيكون على ضلال من جهة الباطن ألحقه بالمنافقين. فإنّ طوائف من غلاة الصوفية والإتحادية يقولون نحن في الظاهر متبعون لصاحب الشريعة وفي الباطن مستقلون، كما قاله ابن عربي وغيره قالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام لما طاف بالبناء؛ بناء الأنبياء فوجد البناء قد كَمُل وحَسُن إلا موضع لبنة فقال عليه الصلاة والسلام أنا هذه اللبنة التي كمل بها هذا البناء؛ بناء الأنبياء، فقال ابن عربي بعد ذلك: ولا بد لخاتم الأولياء أن يرى نفسه في موضع لبنتين، لبنة ذهب ولبنة فضة، فيكون الظاهر لبنة، ويكون الباطن لبنة، أما اللبنة الظاهرة فتأخذ من صاحب الشريعة، وأما اللبنة الباطنة فيستقي بها من المعدن الذي استقى منه الملك؛ يعني يأخذ من عن الله جل وعلا مباشرة، فإنهم في الباطن هم غير متعبدين بالشرع، في الظاهر متابعون، وهؤلاء هم الذين يدّعون الوَلاية ويدّعون أنهم أولياء، ويغتر الناس بهم في كثير من أمصار المسلمين هم غلاة المتصوفة الذين يقولون بأقوال أهل الإتحاد وأشباه ذلك. لهذا تجد عندهم من غرائب الأقوال والأعمال ما يخرجون به عن الشريعة، حتى زعم كثير منهم أنّهم سقطت عنهم التكاليف، وكانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام كالخضر مع موسى حيث وسعه الخروج عن شريعة موسى، وهذا كفر وزندقة، وهو نوع من أنواع النفاق. فشيخ الإسلام يريد بالمنافقين في هذا الكلام هذه الطائفة التي كانت منتشرة وهي موجودة إلى يومنا هذا.

([16])كل واحدة من هذه هو قول لفرقة، كل وصف من هذه قول لفرقة من الفرق، هي ليست من باب الإستطراد بل كل واحدة قول لطائفة، نسأل الله العافية والسلامة.

([17]) هذا الكتاب هو كتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان والله جل وعلا فرق بين هؤلاء وهؤلاء؛ فوصف أولياء الرحمن ووصف أولياء الشيطان، وما ذكره المصنف في هذا المقطع الذي قرأنا فيه بيان أنّ الكفار من أولياء الشيطان، وأنّ المنافقين في هذه الأمة نظروا إلى الوَلاية؛ ولاية.....-الشريط مقطوع-....... وما يحصل لهم من أشياء يعجز عنها من حولهم حتى زعموا أن محمدا عليه الصلاة والسلام لم يكن مختصا بهذا العِلم الذي جاء، بل من الصحابة من كانوا في منزلته في العلم بل هناك بعضهم من هو أرفع منه، كما يقوله طائفة، فزعموا أنّ العلوم الخاصة غير العلوم العامة وأن هناك العلوم الباطنة جعلها الله سبحانه الفقراء، ولهذا مثّل بأهل الصفة والمقصود بالتمثيل بالفقراء، والاعتقاد بالفقراء، وهذا كثير في البلاد الإسلامية فيظنون ملازمة الولاية للفقر، وأنّ الولي لابد أن يكون فقيرا متنكبا عن الدنيا، وهذا باطل بل سادة أولياء الله جل وعلا من أتباع محمد rالعشرة المبشرون بالجنة في مجلس واحد، ومنهم أبو بكر t وكان غنيا, وعمر t وكان غنيا, ومنهم عثمان وكان غنيا, ومنهم عبد الرحمن بن عوف وكان غنيا، ومنهم سعد وكان غنيا.

فوصف الغنى والفقر ليس من الأوصاف التي يكشف بها الولي، فمن ظن أن وَلاية أهل الصفة كانت من جراء كونهم فقراء فقط، فهذا ليس بصحيح، بل الوَلاية كما قال الله جل وعلا ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس:62-63]، فالولي هو كل مؤمن تقي وليس بنبي، وليس من أوصافه أن يكون فقيرا أو أن يكون من حاله كذا وكذا، في أمر دنياه، بل الولاية راجعة إلى أمر الدين إلى أمر اتباع الشريعة، وأولياء الله جل وعلا ليس لهم علوم خاصة بل علومهم تابعة للشرع تابعة لمحمد r، فليسوا محدَّثين بأشياء ليست عند النبي عليه الصلاة والسلام، بل علمهم منُوط بكتاب الله وسنة رسوله r.

وقد ذهب بعض المتأخرون من الجهال أنّ هناك من أولياء الله من يأخذون من المعدن الذي أخذ منه الملَك مباشرة، يقولون: الولي يأخذ عن الله مباشرة أما النبي r فيأخذ عن الله جل وعلا بواسطة جبريل. كما ذكر ابن عربي وكما ذكر غيرُه قال: الولي ياخذ من المعدن الذي أخذ منه المعدن مباشرة. يعني فلا يحتاج إلى واسطة، ففضُل بهذا عن النبي، وقالوا الولي يمكن أن يخرج عن شريعة النبي لأنه في الظاهر متبع للنبي، لكنه في الباطن يتلقى تلقيا خاصا، ولهذا زعموا بأن هناك من تسقط عنه التكاليف، وأنّ هناك من يسعه الخروج عن شريعة محمد r كما وسِع الخضر الخروج عن شريعة موسى.

وهذا الإعتقاد في جهّال المسلمين من قديم، وفي زمن الدعوة كان هذا موجودا في نجد؛ الاعتقاد في الصوفية وفي الفقراء وربما أنهم فعلوا أشياء خارجة عن الشريعة ويبقون على وَلاتهم، كما ذكر الشيخ رحمه الله في النواقض –نواقض الإسلام- أن من النواقض أن أحدا من الخلق يسعه الخروج عن شريعة محمد r كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى. هؤلاء الجهال يعتقدون في المجانين و يعتقدون في الفقراء و يعتقدون في الشياطين، وربما جعلوهم أقطابا أو جعلوهم أوتادا أو جعلوهم أبدالا أو جعلوهم نجباء إلى آخره، فتجدهم يقولون مثلا الغوث الأكبر واحد، وكل غوث له أقطاب أربعة في الأرض، لكلّ واحد منهم قسم من الأرض، ولكل واحد من هذه الأربعة سبعة، ولكل واحد من هذه السبعة أربعون، فلن تصل إلى الغوث إلا عن هذه الطريقة. وصنفت المصنفات في ذلك في ذكر الأربعين ولي في مصر، أو الأربعين وتد في المغرب، هذه مصنفات موجودة، عندهم أن الأربعين هؤلاء يرفعون إلى السبعة، والسبعة يرفعون إلى الأربعة، والأربعة يرفعون إلى الغوث، والغوث يطلب من الله جل جلاله، فهؤلاء إذا تأملت أسماءهم وتراجمهم وهي موجودة وجدت أنه كما ذكر شيخ الإسلام أنهم من المنافقين، أو من المجانين، فلا يصح أن يكونوا أولياء فضلا أن يكونوا من سادة الأولياء أو من المقدمين. وهذه الألفاظ أقطاب، أبدال، نجباء إلى آخره، الغوث، كلها لم ترد في الكتاب والسنة، وإنما جاء لفظ الأبدال في بعض الأحاديث، وإنْ كان في إسنادها شيء، ومن حسنها فالمعنى واضح؛ فإنّ الأبدال هم الذين يأتي طائفة منهم بدل من قبلكم أبدال بمعني أنهم يبدلون بغيرهم ويبدل غيرهم بهم، وهذا كما قال عليه الصلاة والسلام «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله». نكتفي بهذا القدْر وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.

([18]) هذا الكتاب هو الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وذكرنا لكم أن تعريف الولي عندنا أنه كل مؤمن تقي ليس بنبي، فلا بد في الولي أن يكون مؤمنا، ولا بد أن يكون تقيا لإطلاق خصوص الولي عليه، وذكرنا الإيمان يتبعض وأن التقوى تتبعض، وبالتالي يكون ما ينتج منهما وهو الوَلاية تتبعض، فيكون الأولياء ليسوا على مرتبة واحدة، وذلك كما قال جل وعلا ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(55)وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ﴾[المائدة:55-56]، فلكل مؤمن وَلاية بحسبه، لكن اسم الولي هذا خاص بمن كمّل الإيمان والتقوى، يعني سعى في تكميل إيمانه وتقواه والإيمان؛ إيمان بالأركان الستة التي جاءت في هذه الآيات وفي حديث جبريل وغيرها، ومنها الإيمان بالرسل، والإيمان بالكتب، ومن الإيمان بالرسل والإيمان بالكتب بل هو أخصها الإيمان بأنّ محمدا بن عبد الله خاتم الأنبياء والمرسلين، وأنّ القرآن خاتم الكتب، وأنّ طاعة محمد بن عبد الله فرض وليس لأحد أن يخرج عن طاعته، هذا كل السياق من شيخ الإسلام ليبين أن قول حزب الشيطان في عصره وما بعده، أنّ هناك أولياء لا يخضعون لرسالة محمد r باطنا وإنْ خضعوا لها ظاهرا بحكمهم من الأمة بأن هذا باطل، كما ادعى طائفة أن الولي له ظاهر وباطن، وظاهره متابع لشريعة النبي الذي أُرسل إليه، وباطنه يتلقى من مشكاة الوحي الذي تلقى منها ذاك النبي، وقد يَفْضُل عليه إلى آخر ذلك، فهذا السياق لتقرير أن الولي مؤمن بأركان الإيمان.

([19])الكفر هنا في قوله (من آمن ببعض ما جاء به وكفر ببعض) وكذلك في الآية ﴿نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾[النساء:150]، الكفر هذا قسمان:

القسم الأول: كفر التكذيب وهو أن يكذبوا بالكتاب أو برسالة الرسول، يقولون فلان رسول، وفلان ليس برسول، نكذّب برسالة فلان ولا نقر له بالرسالة، تكذيبا له فيما جاء به، وفُلان هذا من عباد الله هذا رسول، فهذا تكذيب برسالة بعض، وإقرار برسالة بعض، ومن كذب فقد كفر، ومن صدق فهو مؤمن.

القسم الثاني: كفر من جهة الإيباء والإستكبار والإمتناع؛ بمعنى أنه أبى أنْ يتّبع ذلك الرسول، أبى أن يكون ملتزما بشريعة ذلك الرسول بل يقول أنا أومن بالرسول وأتبع شريعة فلان ولا أتبع شريعة الآخر، وهذا من جهة الإحتجاج على اليهود.

والواجب على عباد الله أن يكونوا مؤمنين بالرسل جميعا مصدقين، وأنْ يكونوا منْقادين طائعين لما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام وما جاء به القرآن لأنه خاتم الكتب لأن محمدا عليه الصلاة والسلام خاتم الرسل.

فإذن يكون الإيمان على درجتين كل منهما فرض لا يتم الإيمان إلا بهما جميعا، الإيمان بمعنى التصديق برسالة محمد r، ثم الإيمان بمعنى الإلتزام بما جاء به وعدم الإمتناع عما جاء به فمن كذب فقد كفر، ومن أبى واستكبر فهو كافر.

([20])الرَّزق بالفتح، المصدر بالفتح، الرِّزق هو الشيء المرزوق، رَزَقَ الله عبدا رَزْقا، فذاك الشيء هو الرِّزق، وأما المصدر فهو الرَّزق. الخَلق والرَّزق والإحياء والإماتة والبَرّ إلى آخره.

([21])هذا الكلام يريد به شيخ الإسلام رحمه الله بيان أنّ الطوائف من المسلمين الذين إدَّعَوا الولاية، أُدعي فيهم أنهم أولياء وعُظِّموا بسبب ذلك، هؤلاء، وإنْ كان سبب وَلايتهم أنهم متبعون للرسول r ظاهرا وباطنا مؤمنون به يحكمون لشريعته في أنفسهم، هذا ظاهر لأنهم من أولياء الله، وأما إنْ كان سبب إطلاق الولاية عليه بهم أنهم زهاد عباد وأنهم متنزهون عن كثير من الدنيا، وأنهم مقبلون على أمر آخرتهم، وفيهم مكاشفات وإخبار بغيبيات، ويحصل لهم خوارق عادات، فإنَّ هذا القدْر يحصل أيضا لكثير من المتزهدة ومن له بعض فلسفة وعلم من الذين داووا نفوسهم وباطنهم من غير هذه الأمة، فذكر أمثلة من التُّرك يعني الروس الآن وإلى تركستان وما حولها، ومن الهند ومن خراسان، وكذلك من اليونان، هؤلاء فيهم أناس نُقل من نَقل المستفيض أنه يحصلهم خوارق عادات، وأن عندهم زهد وعبادة إلى آخره، فإن كان-شيخ الإسلام كأنه يتنزل ويناظر- مدار الوَلاية وإطلاق اسم الولي على من عنده زهد وعبادة أوخوارق عادات فأولئك أيضا كذلك، لكن هم كفار بالإجماع؛ لأن متعبدة اليهود، زهاد النصارى قد يكون لهم بكاء من خشية الله وقد يكون عندهم خوارق عادات، وكذلك زهاد ومتعبدة الهند والترك والفرس واليونان إلى آخره هؤلاء كفار بالإجماع؛ لأنهم لم يتبعوا محمدا r ولم يكونوا مسلمين ظاهرا وباطنا. فإذن ما الفرق في الحال بين هؤلاء الذين أُدعي فيهم الولاية وادعوا الخروج عن شريعة محمد r وأولئك؟ فإذا قيل إن عندهم خوارق عادات، فنقول إن خوارق العادة ليس هو الكرامة، فالذي يؤتي الله جل وعلا الأولياء هي الكرامات، وأما الخوارق فإنها تجري للسحرة، وتجري للكهنة، وتجري للشياطين وغير ذلك، فحصول الخارق للعادة ليس برهانا على أنّ من حصل له ولي من أولياء الله، خارق للعادة مثل يخبرك بها في نفسك، مثل أن يجري شيئا غريبا، مثل أن ينتقل من مكان إلى مكان بسرعة عجيبة، مثل أن يَحْضُر شيء من الأطعمة ليست في أوانها.[انتهى الشريط الأول] إلى آخره

هذه نحصل للسحرة وتحصل للكهنة وتحصل للمشعوذين فالخارق للعادة أمر يشترك بين الأنبياء والرسل، وما بين الأولياء وما بين المشعوذون والكهنة والسحرة والبطّالون:

1. فإن كان الخارق للعادة أوتي نبيا فيُسمى آية وبرهانا.

2. وإن كان الخارق للعادة أوتي عبدا صالحا تبعا لنبي فيسمى كرامة للوليِّ.

3. وإن كان الخارق للعادة أوتي مستكبرا على الأنبياء أو مبتدعا أو فاجرا أو كافرا فإنّه يُسمى مخاريق شيطانية أو من مساعدة الشياطين.

فإذن ليس العبرة في خرق العادة. ولهذا تعرّف الكرامة التي تكون للأولياء بأن الكرامة أمر خارق للعادة يرى على يدي ولي، وآية النبي أمر خارق لعادة الجن والإنس، يرى على يدي نبي، والعادة التي تُخرق لفظها غير منضبط؛ لأنهم قالوا خارق للعادة. العادة هذه عادة من؟ هذا الوصف غير منضبط لأنه خارق للعادة ، لهذا عند التحقيق يكون ثَم تفصيل:

· فالعادة التي تُخرق للرسل والأنبياء آية وبرهان، فتكون العادة هي عادة الجن والإنس عادة الثقلين، قد دل على هذا قوله تعالى﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾[الإسراء:88].

· وأما الكرامة فهي خارق لعادة الإنس الذين فيهم ذلك الولي، قد يكون في مكان آخر لا تخرق العادة، لكنه يكرم بهذا مثل طعام يؤتاه في فصل الصيف وهو من طعام الشتاء، في مكان أخر من الأرض يكون ثَم شتاء في وقت هذا الصيف فيكون طعامهم طعام الشتاء، فيكون إذن العادة في حق الولي عادة الإنس الذين فيهم ذلك الولي، وقد يكون الإنس بعامة مثل المشي على الماء، أو الطيران في الهواء أو إلى آخره، لكن هذا يختلف باختلاف الأزمنة، فمثلا إذا مشى على الماء؛ الماء صار له يابسا ومشى عليه، اليوم ممكن أنه يقوم ببعض المعالجات الماء يكون يابس ويُمشي عليه، كذلك الطيران في الهواء كرامة، اليوم اختلف الوضع صار البر والفاجر يطير في الهواء بوسائل أحدثت، فإذن خرق العادة بالنسبة للولي قيده أن تكون عادة الناس في زمنه، أو عادة جنسه الذين يعيش فيهم.

· أما خرق العادة بالنسبة الشياطين: الكهنة والسحرة فهم يأتون بأمور خارقة للعادة ولكنها عادة من ليس منهم، فالساحر يخرِق عادة من ليس بساحر، والكاهن يخرق عادة من ليس بكاهن.

المقصود من هذا بيان التفصيل في هذه الكلمة المجملة وهي خرق العادة، وأنّ ما آتاه الله جل وعلا للأنبياء والرسل خوارق للعادات، ولكن عادة كذا وكذا، وما آتاه الله جل وعلا الأولياء خارق للعادة من الكرامات ولكن عادة كذا وكذا، وأما مخاريق السحرة والكهنة فهي خارق للعادة من ليس من السحرة والكهنة، ولهذا لما أتى الله جل وعلا بآية موسى بطَلَت مكايد السحرة وما فعلوا؛ لأن ذلك الذي أعطاه جل وعلا موسى فوق ما تخرق الشياطين وتخبر به الجن أو يفعله السحرة والكهنة.

كل هذا لأجل تقرير الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، إذن كون الشيء يحصل خارقا للعادة المعتادة لا يدلّ على أن من حصل له وليا، يخبر بما في نفسه أو يخبر بأمر غائب، أو يأتيه شيء غريب في وقت غريب، أو يحصل له نوع أشياء وانتقالات، أو يسّر له أمور ونحو ذلك لا يدل على أنه ولي حتى يكون مؤمنا تقيا، لأن الخوارق قد تحصل من جهة الشياطين وحزبه. في هذا القدْر كفاية وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

([22]) صلة لما سبق من أن أولياء الله جل جلاله أهل الإيمان والتُّقى والطاعة، فلا يوصفون إلا بمتابعة الكتاب والسنة والإيمان والتقوى، وليسوا بمعرِضين عن ذكر الله بل مقبلون عليه، والذي لا يقرأ القرآن ولا يتبع ما فيه ولا يستن بسنة النبي العدنان بل يخالفها بأقواله وأعماله وعلمه، فإنّ هذا ليس من أولياء الله، بل أولياء الله جل وعلا هم المؤمنون المتقون. فهذا تتمة لما سلف الكلام عليه من وصف أولياء الله بأنّهم أهل ذكر الله وأهل طاعته وتقواه

([23])المقصود بـ (الخصلة)أن يكون يغلب على أمره ذلك، أما من حصل منه مرة كذب في الحديث، أو خيانة في الأمانة، أو إخلاف للوعد، فلا يقول فيه لهذا شعبة من شعب النفاق، بل يكون عنده معصية فالشعبة من شعب النفاق تكون لمن كان على ذلك مستمرًّا، كان إذا حدّث كذبّ يكذب في الحديث دائما، أو يغلب عليه الكذب، معروف بالكذب في الحديث، فهذا هو الذي يكون فيه خصلة من النفاق، وكذلك إذا عاهد غدر أو إذا أئتمن خان أو إذا خاصم فجر، أما حصول ذلك على جهة القلّة ليس هذا دليلا على شعب النفاق في من كانت فيه. وقوله «إذا وعد أخلف» يعني إذا أعطى الوعد ناويا به الإخلاف، أما إذا وعد على رجاء الوفاء ثم حصل منه الإخلاف فإنّ هذا غير مراد هنا، كما هو مبسوط في مكانه في الشروح.

([24]) الفخر بالأحساب بقصد الترفع على القبائل الأخرى، يفخر بحسَبه لإظهار فضله على غيره، أما الفخر في الحسب لإظهار حسبه وأنّه أصيل ونحو ذلك، دون ترفع على غيره، ليس هذا بمراد هنا لأنه ليس أمر الجاهلية. كذلك الطعن في النسب المقصود منه طعن في الأنساب بغير دليل، أو لازدراء الناس ونحو ذلك والقاعدة الشرعية أن الناس مؤتمنون على أنسابهم، لكن من ادعى نسبا وهو فيه كاذب، فتكذيبه فيه بما يُعلم أنّه كاذب فيه ليس طعنا في النسب، وتفصيل شرح هذا الحديث في شروح كتاب التوحيد وفي شروح كتب السنة.

([25])المؤمنين المتقين خبر كان، (وإذا كان أولياء الله هم) هم: ضمير فصل لا محل له من الإعراب، ليس مبتدأ وما بعده خبر، وما بعده خبر كان، كقوله جل وعلا ﴿ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمْ الْخَاسِرِينَ﴾[الأعراف:92] أو في قوله في سورة الأنفال ﴿ وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾[الأتفال:32] ضمير الفصل (هُوَ)وأشباهه، إذا يأتي بين المبتدأ والخبر في اسم كان وخبرها أو في اسم إنّ وخبرها أو غير ذلك يراد به الفصل بين المبتدأ والخبر حتى لا يشابه الصفات؛ حتى لا يتشابه الخبر بالنعت، لأنه بدون(هم) تقرأها هكذا (وإذا كان أولياءُ الله المؤمنين المتقين) يشتبه، تقول (أولياء الله المؤمنون المتقون) مبتدأ وخبر يشتبه، هل المؤمنون المتقون نعت، اخبر لم يأتِ، أو أنها خبر، (أولياء الله المؤمنون المتقون لهم الجنة) يُشكل، لكن إذا قلت (أولياء الله هم المؤمنون المتقون) ظهر بظهير الفصل لأنك فصلت الخبر والمبتدأ بهم لئلا يشتبه الخبر بأنه نعت للمبتدأ، وهذا على طريقة عامة النحاة، وإن كان سيبويه أجاز على لغة بعض العرب أن يكون الضمير هذا ضمير الفصل مبتدأ وما بعده خبرا للمبتدأ، وعليها بعض القراءات في بعض الآيات.

([26]) هذا الفصل لبيان أن الوَلاية ليست على مرتبة واحدة، وأنّ الأولياء متفاوتون، وذاك لأنّ شرطي الوَلاية الإيمان والتقوى ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس:62-63]، ومن المتقرر أنّ الإيمان في أهله متفاضل، وأنّ التقوى في أهلها متفاضلة، فنتج من ذلك أن ما ترتب منهما وهي الوَلاية تتفاضل؛ لأنّ الإيمان متفاضل والتقوى متفاضلة، فالوَلاية متفاضلة، فالولي قد يكون عنده بعض نقص، في الإيمان والتقوى، ولكن هو له نصيب من وَلاية الله جل وعلا لما معهم من الإيمان والتقوى، لهذا نقول كل مؤمن له نصيب من الوَلاية وليس كل مسلم، لكن كل مؤمن عنده إيمان له نصيب من ولاية الله جل وعلا، وهؤلاء يتفاوتون، ومَنْ وصل إلى مرتبة الإيمان فهو من أولياء الله إذا كان من المتقين، لكن درجته فيه مختلفة، وسبب نقص الإيمان أو نقص التقوى في الولي ليس هو ارتكاب المعاصي، وإنما هو إما من جهة الإقتصاد، وإما من جهة أنّه لم يسابق في الخيرات.

فإذن الأولياء ليسوا بظالمي أنفسهم، وإنما هم من المؤمنين المتقين، والمتقي أقلّ درجاته أن يكون تاركا للمحرمات ممتثلا للواجبات، وأكمل درجات هؤلاء أن يكون مسابقا في الخيرات، لهذا يأتيك في الفصل الذي بعده أنّ الأولياء على قسمين مقتصدون وسابقون.

([27])الحب المطلق يعني الكامل، كنظائره: الإيمان المطلق يعني الكامل، الهداية المطلقة يعني الكاملة، الكفر المطلق يعني الكامل، بخلاف مطلق الحب يعني أصلَه، مطلق الإيمان يعني أصله، مطلق الهداية يعني أصلها، مطلق الكفر يعني أصل الكفر، وكل هذه قد تكون أقل الدرجات.

([28]) هذه مباحث متنوعة لكن يجمعُها أنّ أولياء الله جل وعلا لا يكونون من الظالمين لأنفسهم، بل أولياء الله إمّا مقربون سابقون بالخيرات، وإمّا مقتصدون أصحاب يمين، وأمّا الظالم لنفسه الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا من الأشياء التي لا تكفر مثل يعني الكبائر وأشباه ذلك، فإنّ هذا لا يسمى وليا بالإتفاق، وله نصيب من الوَلاية؛ ولاية الله لعبده بقدر ما عنده من الإيمان، لكن ليس له اسم الولي؛ فالأولياء هم الصالحون من عباد الله القائمون بحقوقه وحقوق عباده إمّا مقتصدون وإما مقربون سابقون بالخيرات، وهؤلاء لهم محبة الله جل وعلا وعوْنه وتوفيقه ومعيته الخاصة، ذَكر أيضا أن هذا نظير امتثال الأنبياء والرّسل إلى عبد رسول وإلى نبي ملِك، فالعبد الرسول كأولي العزم من الرسل، والنبي الملك كيوسف وداوود وسليمان عليهم الصلاة والسلام، ففرّق بينهما:

• لأن النبيّ الملِك يتصرّف في المال باختياره؛ يعني أنه ينظر للمصالح العامة وفيما يراه فيتصرف في المال بما يراه، إذ المال بيده فيتصرف فيه كيف يشاء فيما لم يأتِ فيه أمر أو نهي بخصوصه.

•أما العبد الرسول فإنه قاسم يضع المال حيث أمره الله جل وعلا ولا يجتهد فيه، هذا باعتبار الغالب، وقد يجتهد فيه في بعض الأحوال، كما اجتهد الرسول r في بعض قسمة الفيء فأعطى رجلا واحدا ما بين جبلين من الإبل والماشية، وهكذا.

لهذا اختلف الصحابة رضوان الله عليهم كما ذكر لك أنّ أصح قولي العلماء أن ولي الأمر والإمام يتصرف في المال بما فيه المصلحة الدينية حيث أمر الله جل وعلا، والقول الآخر لأهل العلم أن ولي الأمر يتصرف في المال حيث ينظر هو المصلحة فيه فيما يتعلق لما فيه المصالح والمفاسد من قسمة الفيء ونحو ذلك، ولا يلزم له الرجوع لأهل العلم ولا لما يشاوَر فيه بل بما ينظر فيه، وشيخ الإسلام بسط هذه المسألة طويلا في كتابه منهاج أهل السنة النبوية لمّا ذكر طعن الرافضة في عثمان وأنّه تصرف في الأموال كيف شاء، قال شيخ الإسلام هناك ما حاصله: إنّ أهل العلم في مسألة تصرف الوالي في المال على قولين:

u منهم من يقول يأخذون بما عليه العبد الرسول، فلا يضعون المال إلا فيما أمر الله به في الشرع، وإذا لم يكن ثَم أمر ونهي في خصوصه وتعرضت له المصلحة فإن عليه أن يشاور في وضع المال، وعلى هذا سيرة أبي بكر وعمر فإنهما لم يجتهدا في المال رضي الله عنهما.

v والقول الآخر أنّ ولي الأمر له أن يأخذ بسيرة النبي الملك، فيتصرف في المال كيف شاء بما يراه فيه مصلحة، ولو كان فيه محاباة لبعض أهله وأقاربه. قال: وعلى هذا يخرّج فعل عثمان t، وفعل معاوية t؛ وهما عثمان أحد الخلفاء الراشدين ولم يخطئه أحد من أهل السنة في فعله؛ في تصرفه في المال، إنما خطّأه الظلاّل، وذاك معاوية خير ملوك المسلمين وتصرف في المال على هذا النحو.

المقصود من هذا –المسألة تحتاج إلى زيادة تفصيل- لكن التنبيه إلى أصل هذه المسألة حيث أشار شيخ الإسلام هنا بقوله؛ في أصح قولي العلماء أن ولي الأمر يتصرف في المال حيث المصلحة الشرعية فيما يحبه الله ورسوله بحسب إجتهاده. والقول الآخر أن له أن يتصرف حيث يرى هو المصلحة دون الرجوع لأهل العلم إلا فيما فيه أمر ونهي من أداء الزكاة وصرفها في مصارفٍ شرعية أما الفيء الذي يَفِيؤُه الله جل وعلا في الأموال العامة فله أن يجتهد فيها بحسب ما يرى، فهما قولان لأهل العلم، وحبذا مراجعة المسألة في كتاب منهاج أهل السنة فقد بسطها وأجاب عن قول الرافضة والخوارج في طعنهم على عثمان وعلى معاوية رضي الله عنهما في التصرف في المال، وقال إنّ أهل السنة لم يطعن أحد منهم في عثمان لأجل تصرفه في المال من جهة محاباته لأقاربه وتوليته بعض الولايات لذوي رحمه؛ لأنّ هذا راجع إلى تخريج شرعي، وعثمان أجل من أن يظن فيه أنه يسير في ذلك وفق هواه، وإنما يسير في ذلك وفق الإجتهاد الشرعي الذي يراه لكونه نائب في هذا المال عن النبي وله أنْ يُعطي وله أن يمنع بحسب ما يراه، فهما قولان والصحيح ما ذكر هنا منْ أنّ ولي الأمر يتصرف في المال على وفق ما يحبه الله ورسوله...

إذا تقرر هذا فإنّ أولياء الله يوصفون بأنهم متنزهون عن فضول المباحات، وشيخ الإسلام حرّم على المسلم أنْ يأتي كل مباح، سواء كان من مباحات النّظر أم من مباحات السماع أم من مباحات العمل، قال: للمسلم أن يعمل بعض المباحات لكن أنْ يأتي كل مباح دون تنزه عن فضول المباحات، قال هذا لا يجوز، وأخذ هذا من ظاهر قول الله جل وعلا لنبيه عليه الصلاة والسلام ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾[طه:131]، وظاهر قوله جل وعلا ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾[الأحقاف:20] فيرى أنّ التمتع بفضول المباحات لا يجوز.

والقول الآخر لأهل العلم أن التمتع بفضول المباحات جائز وهذا هو الظاهر؛ لأن قوله (وَلَا تَمُدَّنَّ) هذا للنبي عليه الصلاة والسلام خاصة، وهذا يدل على تكْميله عليه الصلاة والسلام، وأنْ لا يتعرض إلى ما فيه إنقاص لمرتبته العليا عليه الصلاة والسلام، أما قوله (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا) فهي في الكفار وليست في المسلمين.

فأولياء الله يتنزهون عن فضول المباحات وليس كل مباح يأتونه، بل هناك مباحات لا تناسبهم ولو كانت مباحات في الشرع، ولكن تناسب غيرهم من المسلمين، فالأولياء يتنزهون عن كثير من المباحات، إما من جهة الورع وإما من جهة ترك خوارم المروءة وإما من جهة أشياء قد يراها الولي لا تناسبه، مثاله مثلا كثرة المزاح والضحك بأنْ يغلب هذا على المرء وإنْ كان مباحا إذا لم يكن ينطق بكذب وأشباه هذا، لكن أولياء الله في قلوبهم فإجلال الله وخشيته والرغبة فيما عنده ما يجعلهم لا يُكثرون من هذا، وإنما إن فعلوا فيكون من جهة الإستنباط الوارد عنه الصلاة والسلام، وهذا أصل في أن الأولياء فيما يفعلون من فضول المباحات، يتابعون النبي r في أصول ما فعل، فيضحكون بعضا من الوقت لأنه ضحك عليه الصلاة والسلام وتبسم، ويفعلون بعض الأشياء التي فيها ترويح بما لا يكون قادحا وأشباه ذلك بنية الإقتداء ونية العمل، وهذا في بعض المباحات ما في كل المباحات، والولي لا بمد أن يكون متنزها عن فضول المباحات، أمّا الولي لا يتصور فيه من حيث الواقع أنْ يأتي كل مباح، بل الولي من حيث الواقع ومن حيث دِلالة العمل الأول عليه أنّه لابد أن يكون متنزها على مباحات كثيرة لأسباب.

نكتفي بهذا القدر صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.

([29]) أنّ الأمم التي سبقت أمة محمد r فالمؤمنون فيها قسمان: مقتصدون وظالمون لأنفسهم، أما السابقون بالخيرات في الأمم السالفة هم الأنبياء والرسل، وفي أمة محمد r فيهم ثلّة من الأولين وقليل من الآخرين، فالأمم السالفة قسمان، كما قال جل وعلا في سورة المائدة ﴿ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾[المائدة:66] وعلى هذا أكثر أهل التفسير بأن الأمم السالفة تنقسم على ظاهر هذه الآية –يعني من استجاب إلى الرسل- إلى ظالم لنفسه وإلى مقتصد، والسبْق بالخيرات هذا من فضل الله جل وعلا لهذه الأمة.

([30])الرعد:23، النحل:31، فاطر:33.

([31])هذا كله استطراد البحث كان في الأولياء وأنّ الأولياء قسمان مقتصدون وسابقون بالخيرات، أما الظالم لنفسه فلا يكون وليا وهو المصر على الذنوب، أما المقتصد قد يكون وليا، السابق بالخيرات قد يكون وليا لله جل جلاله، ثم استطرد رحمه الله لذكر الأقسام الثلاثة وماذا يراد بهذه الأقسام وشرح ذلك، لكن أصل الكلام حتى لا يغيب عنك الكلام في أنّ الأولياء قسمان: صفة الولي أن يكون أما مقتصدا أو يكون سابقا بالخيرات، مع أن الجميع مع الظالم لنفسه موعود بالجنة بفضل الله وكرمه.

([32])لاحظ هنا قوله (أن أهل الكبائر قد يدخل جميعهم الجنة من غير عذاب) هذا قول المرجئة، وأهل السنة يقولون "أهل الكبائر قد يدخلون الجنة بلا عذاب" واضح الفرق بين القولين؟ الفرق بينهما أن أولئك يُجَوِّزُونَ دخول الجميع للجنة بلا عذاب، وأهل السنة يُجَوِّزُونَ دخول البعض الجنة بلا عذاب؛ لأنّ الله جل وعلا قال ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾[المائدة:40] ووعيده حق جل وعلا فلا بد أن يصيب بعضا منهم وواجب بأن يغفر لمن يشاء وحق فلا بد أن يصيب بعضا منهم. فإذن المرجئة يقولون أهل الكبائر قد يدخلون جميعا الجنة بلا عذاب، هذا غلط بل الصواب أن أهل الكبائر قد يدخل بعضهم الجنة بلا عذاب فيغفر الله جل وعلا له ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾[المائدة:40]، الفرق في إطلاق لفظ جميعهم.

([33])نربط الموضوع بأصله وهو أن هذا الكتاب فيه ذكر الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، يعني الفاصل والفصل وما يميز هذا من هذا، وقد ذكرنا أن الأصل في الفرق هو قول الله جل وعلا﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس:62-63]، وإذا كان كذلك، فإنّ أولياء الله هم المؤمنون المتقون والإيمان يتبعض والناس ليسوا فيه سواء، وكذلك التقوى تتبعض والناس ليسوا في التقوى بسواء فحصل من ذلك أن وَلاية الله جل وعلا لعباده المؤمنين المتقين ليست واحدة بل متفاضلة، فالله جل وعلا يحبّ المؤمن المتقي بعامة، ومن كان أكثر إيمانا وتقوى كان أحب إلى الله جل وعلا، وهذا من جهة محبة الله جل وعلا للعبد فإنّ كل مؤمن مُتَّقٍ له نصيب من ولاية الله جل وعلا وله نصيب من محبة الله جل وعلا ونصرَتِه على حسب ما معه من الإيمان والتقوى، كذلك إذا كان معه عصيان وضلال وبدع وفسوق وفجور فله نصيب من بغض الله جل وعلا له، فعندنا أنه يجتمع في حق المعين ما يوجب الولاية وما يوجب العداوة، هذا من جهة الوصف أما من جهة الاسم أو اسم الولي فإنما يطلق في الإصطلاح على من حقق الإيمان والتقوى وكل ذلك بحسبه وسعته وطاقته؛ فلا يقال فلان ولي لحصول أصل الإيمان والتقوى فيه لأن كل مسلم عنده أصل الإيمان وأصل التقوى، فإنّ كل مسلم عنده قدر من الإيمان، وكل مسلم عنده قدر من التقوى، فالمقصود أنّ الولي هو من حقق الإيمان والتقوى هذا من حيث الإصطلاح، أما من حيث الشرع فكما ذكر في أول الكلام أنّ الولي هو المؤمن التقي، وأنّ كل واحد له نصيب من هذه الولاية إذا كان عنده إيمان وتقوى، ذكر شيخ الإسلام بعد ذلك أنّ أصل حصول الولاية إنما هو باتباع الرسل، فإن الإيمان إيمان بالرسل وما جاءت به الرسل، والتقوى هي اتقاء ما حذرت عنه الرسل وأنذرت وخوفت، وإذا كان كذلك رجعت الوَلاية وحصول هذه المحبة والنصرة من الله جل وعلا، رجعت إلى الإيمان بالرسل وإلى متابعة الرسل والتصديق بما جاءت به الرسل، كلٌّ بحسب الرسول الذي بُعث إليه، ولما بعث المصطفي محمد عليه الصلاة والسلام صار الإيمان والتقوى راجعا إلى هذه الوسيلة العظيمة وهو محمد عليه الصلاة والسلام، فكلّ ادعاء لوَلاية ليست سببها الإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام واتقاء ما حذر عنه عليه الصلاة والسلام فهو ادعاء كاذب. وبهذا سيفصل في ذكر الإيمان بالرسل لتحقيق أنّ الوَلاية لا تكون إلا باتباع الرسول عليه الصلاة والسلام.

([34])هذا استطراد من شيخ الإسلام رحمه الله، ليبين أن المؤمنين بالرسل من هذه الأمة ليسوا على مرتبة سواء، فبعضهم إيمانه مجمَل وليس عنده إيمان مفصل، فيكون مؤمنا تقيا؛ مؤمنا بما جاءه وما عنده من الإيمان المجمَل، وهناك من إيمانه مفصل يعني عمل ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام فآمن به مفصَّلا، ومنهم من آمن فما جاءه مفصلا لكن ما جاء غيره أكثر لما عنده من العلم، فصار الذين يؤمنون بالرسول عليه الصلاة والسلام متفاضلين فبعظمهم أعظم إيمانا من بعض لما وصله من العلم. كذلك من جهة العمل فإنّ الإيمان منه العمل فإذا عمل بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام كان أعظم إيمانا به، ونتج من ذلك أنه أعظم وَلاية، فإذن الأولياء ليسوا على مرتبة واحدة، ثم ذكر الأدلة الدالة على أنّ التفاضل بين أهل الإيمان كثير في النصوص، فذكر أنّ الرسل فضل الله جل وعلا بعضهم على بعض، وذكر أنّ المؤمنين فضل الله بعضهم على بعض في عدة نصوص من القرآن، وكذلك المجاهدين فضل الله بعضهم على بعض ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾[الحديد:10] والصحابة يختلفون في مراتبهم و«المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير»، فهذا الإستطراد يدل على أن الأصل الذي أصله معروف في الشريعة. وهذا تنتبه له في طريقة شيخ الإسلام رحمه الله في أنّه يقرر في صدر الكلام ما يريده، ثم يستحضر سؤالا أو استشكالا يورده عليه من أنشأ الرسالة لأجله (هذه الرسالة أو غير هذه الرسالة) فيأتي بالنظائر التي تدل على أن أصله الذي أصله سليم من جهة الإستدلال وسليم من جهة النظر، وهذا لا شك أنه قوة في الحجة سيما مع المجادلين والمبتدعة لأن هذه الكتب ألفها شيخ الإسلام لهداية من ضل في باب السلوك.

([35])لا يتعلق بها حكم شرعي، المقصود به التكليفي أما الوضعي فيؤاخذ به.

([36]) كلام شيخ الإسلام من أول الفصل إلى هذا الموطن يريد أنّه بعد أنْ بين أنّ التقوى والإيمان سبب ولاية الله لعبده، وأنّ الولي هو المؤمن التقي، بين أنّ الإيمان والتقوى والتقوى لا تصح من العبد إلا إذا كان باختياره، يعني إذا كان مكلفا وصار متقيا لرغبته واختياره، وصار مؤمنا برغبته واختياره، وأمّا منْ رفع عنه القلم لا يوصف بالإيمان والتقوى، حتى ولو حصل منه بعض الأشياء التي هي منَ العبادات فإنّه لا يوصف بالإيمان والتقوى حتى يأتيها اختيارا، ومثَّل بذلك بالمجنون لأنّ الصوفية لهم اعتقاد في المجنون لأن الصوفية لهم اعتقاد في المجانين كما سيأتي في بقية الكلام، فالمجنون هذا لم يقع منه في جنونه إيمان وتقوى برغبة واختيار وطاعة لله، فإذن تعريف الولي بأنه كل مؤمن تقي وليس بنبي هذا لا يصدق عليه لأنه لم يأتِ الإيمان والتقوى طاعة لله واختيارا، بل هو غاقل أو مجنون والمجنون مرفوع عنه القلم، ومثَّل له أنّ الناس مجمعون على أن المجنون لا يبايع ولا ينكح إلى آخره، ويأباه الناس حتى لا يقعوا في تصرفات له لا يعقلوها، وكذلك أعظم الأمور وأهم المهمات وهو الإيمان فإنه لا يوصف المجنون بذلك، معلوم أنّه إذا كان الجنون عرض له فإنّه إذا مات عليه فإن حاله على ما كان قبل الجنون؛ يعني إذا كان قبل الجنون رجلا صالحا فإنّه إلى حين أن يُجَن فيعتبر رجلا صالحا، وما بعد ذلك لا يوصف بصلاح ولا بغيره، بل بداية الجنون كنزول الموت، فيقال كان كذا، كان رجلا صالحا، أما في حال جنونه من جهة تصرفاته وعطائه الشرعي فإنّه مرفوع عنه القلم، يعني قلم التكليف، قد يقع من المجنون أشياء غريبة وتوافق صوابا في نفسها، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في مرة أن أحد ولاة دمشق مرّ في سوق، وكان في الطريق رجل من المجانين فلما مرّ عليه فصاح هذا بالوالي "يا هذا ما فعلت الخبزة" فارتاع الوالي لهذه الكلمة ونزل، وسأل عنه قال هذا المجنون فلان، وكانوا يعتقدون في المجانين، وأخذه وقبل يده. فقال فكان هذا المجنون ربما أتى في مجلس الوالي وبصق في وجهه وذاك مسرور بفعله.

لأنهم يعتقدون أن الجنون سببه إنجذاب الروح عن المخلوق إلى الخالق، فالظاهر في ما بينه وبين الناس أنّه لا عقل له لأن عقله مع ربه جل وعلا، لهذا يعدلون عن اسم المجنون إلى اسم المجذوب يعني الذي جُذب عقله وروحه إلى ربّه فغاب عقله عن الناس وصار مع ربه، فلهذا يقولون أنه إذا تصرف فهو يتصرف بأمر الله، وأشباه ذلك مما يتنزه العقلاء من ظنّه فضلا عن اليقين به، وفي هذا قال قائلهم في وصف المجانين:

والمجانين إلا أنّ سر جنونهم عزيز على أبوابه يسجد العقل

يعني أن سبب الجنون هو كمال المحبة والإنجذاب إلى الله جل وعلا. نسأل الله العافية.

([37])ذكر أن شبهة المعتقدين في الجنون والمجنونين والمجذوبين والمتولهين ما يحصل لهم من نوع خوارق للعادات سواء كانت خوارق علمية بذكر أشياء، يقول أنت تقول كذا، وحصل منك كذا، وهو مجنون فيوافق صوابا، أو خوارق من جهة القُدْرة كما ذكر يشير إلى أحد فيموت، أو يشير إلى الماء فيمشي عليه أو يحلق بإصبعه فينزل عليه رغيف وأشباه ذلك من أنواع القدرة والعلم، هذه أنواع خوارق والمتقرر أن الخوارق حصلت للكهان، حصلت للسحرة, وحصلت للمشعوذين وللشياطين وللكفار، وحصلت أيضا الخوارق للمؤمنين وحصلت أيضا الخوارق للرسل والأنبياء، لهذا قسم العلماء الخوارق إلى ثلاثة أقسام من جهة من تحصل له باعتبار من حصلت له. [انتهى الشريط الثاني]

قالوا الخوارق:

1. قد تحصل للأنبياء والرسل؛ حصلت للأنبياء والرسل وهذه تسمى آيات وبراهين.

2. والقسم الثاني خوارق تحصل لاتباع الرسل، هذه تسمى الكرامات.

3. والثالث خوارق تحصل للمنافقين والعاصين للرسل، فهذه خوارق شيطانية ليست إكراما من الله عز وجل لهم؛ لأن الله لايكرم من لم يتبع رسله عليهم الصلاة والسلام،

فإذن ليس اعتبار المرء محبوبا لله، وليا لله، أنه يحصل له خارق؛ لأن الخارق يحصل للشياطين وللكفار وللمنافقين، إذن لابد في النظر فيمن حصلت له، فإنْ حصل الخارق لمطيع للرسل معظم لهم متبع لهم في الظاهر والباطن صارت هذه الخوارق كرامات، وإنْ حصلت لمنافق عاص للرسل مبتدع أو مجنون فنقول هذه من الشياطين لإيقاع الناس في الفتنة أو في الكفر والشرك. هذا باعتبار.

وباعتبار آخر، فإن الخوارق راجعة من حيث الصفات إلى نوعين من الصفات: وهي صفتي الغنى والقدرة. ومعلوم أن غنى المغتني وقدرته على الشيء إنما هي بإقدار الله جل وعلا له وبإغتنائه جل وعلا، وإذا كان كذلك فإن:

1. الخارق للعادة إذا كان راجعا إلى صفة الغنى فقد يكون لحاجة من حصل له الخارق، فالخارق حصل له لأجل إغنائه، فهذا يدل على أنّ من حصل له الخارق لا يُفضَّل على من لم يحصل له الخارق؛ لأنّ الخوارق راجعة إلى صفتي الغنى والإقتدار، فإذا كان ليس بغني ومحتاج وضعفت نفسه فقد يكون يحصل له خارق، وهو ليس كالولي الذي لم يحصل له خارق، لهذا نجد أنَّ بعض الصحابة كان أكثر خوارق ممن كان أفضل منه كأبي بكر وعمر، وذلك لكمال غنى أبي بكر وعمر الكمال البشري، وافتقار ذلك إلى ما يقوي إيمانه ويصحح أويثبت يقينه.

فحصول الخارق من حيث هو باعتبار صفات الكمال راجع إلى النقص، فيحصل الخارق لفائدة الشخص لرفع النقص عنه في صفات الكمال أو لزيادته في صفات الكمال، فإذا كان ضعيفا من جهة الغنى زِيد في غناه بالخارق ليقوى إيمانه.

2. كذلك من جهة القدرة ربما أُعطي ليظهر إيقانه كما يحصل للمجاهدين فإنّ بعظهم يُكرم بأشياء؛ لأنهم لم يحققوا من أمر الله جل وعلا ما يوجب إغتناءهم عن الكرامات، فيكون اتيانهم بالكرامات لأجل عدم قدرتهم والله جل وعلا يريد نصر دينه ونصر أتباع دينه على أعدائه وأعداء دينه.

وهذه مسألة تحتاج إلى مزيد بسط لمعرفة أفراد صفات الغنى وتقسيماتها، وأفراد صفات الإقتدار والقدرة وتقسيماتها، وهي مبسوطة في كتب أهل العلم.

المقصود من هذا أن المجنون لا يجوز أن يوصف بأنه من الأولياء لأن ليس له اختيار وليس له فعل بنفسه، وإنما الأولياء هم المؤمنون المتقون.

([38]) بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه،أما بعد: فهذا الفصل تفريع على تعريف الولي وشروط الوَلاية، قد ذكرنا لكم أن الولي هو كل مؤمن تقي وليس بنبي، والولي هو من حصّل الإيمان والتقوى، ومعلوم أنّ الإيمان والتقوى لا يشترط على أهله أنْ يكونوا على صفة ما في المأكل أو المشرب أو في اللباس، إلا أنْ يكون ذلك إتيان الحلال و ترك الحرام، فإنّ هذا هو الذي جعلهم أولياء مؤمنين أتقياء، تميّز الأولياء بلباس خاص يُشار إلهيم به ليس له أصل، وتميّزهم بشكل في شعورهم ليس له أصل، إما بحلق الرأس أو بتكثيره أو ما أشبه ذلك، فهذا كله ليس له أصل، وكذلك تميّزهم في مآكلهم أو في مراكبهم أو في مشاربهم ونحو ذلك، هذا كله ليس له أصل، بل يختلفون في هذه إذا كان ما يأتون من المباح لهم. نعم، مِن صفة أولياء الله جل وعلا أنهم لا يتوسّعون في المباحات؛ يعني ليس كل مباح يأتونه لأنّ الله جل وعلا نهى نبيه عن ذلك بقوله ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾[طه:131]، وذَكر أنّ مدّ النظر إلى ما مُتِّع به الناس من زهرة الحياة الدنيا أنّ هذا من عاجلة الدنيا، ونُهي النبي r عن مدِّ العين إلى كل المباحات في الآية، وأنّ رزق الله خير وأبقى يعني في الآخرة، هذا يدل على أنّ من صفة العُبَّاد ومن صفة أولياء الله الذين كمّلوا الإيمان والتقوى أنهم لا يتوسّعون في المباحات، فربما كان الشيء مباحا وتُرك لأنّ فيه نوع تعلق بالدنيا، لكن مِن جهة الأمور لا يختلفون عن غيرهم إلا فيما يكون فيه نوع خرم للمروءة ودناءة أو أشباه ذلك فإنهم يتنزهون عنه، لهذا كان الناس يأتون النبي r في مجلسه فيسألون أيكم محمد؟ لأنّه لم يكن عليه الصلاة والسلام يتميز عنهم بمكان أو بلباس أو بشارة ونحو ذلك عليه الصلاة والسلام، وأمّا إحداث بعض الألبسة لخاصة من الناس فإنما حدث في المائة الثانية، كما حدث أنّ للصوفية لباس خاص يعني للزهاد أو للفقراء، وكما حدث في المئة الثامنة أنْ يُخصّ آل البيت بلباس أخضر يجعلونه على أكتافهم أو بعمامة خضراء؛ ليدلوا الناس على أن هذا من آل البيت حتى يعطوه حقه الذي أوجبه الله جل وعلا له. هذه كلّها أمور حادثة، فعُلم منه أنّ الصالحين والأولياء والمتقين ليس لهم لباس خاص، ومن منع بعض الأشياء لأجل أنها ليست من لباس الأولياء،؛ فهذا من جنس المُحدثين في الدين وإن أعتقد صار ذلك بدعة وقولا على الله جل وعلا بلا علم، وهذا له أصناف شتى قد يقع الناس فيه من حيث لا يشعرون، يرون مثلا أنّ بعض الألوان تناسب وبعض الألوان لا تناسب، ويرون مثلا أنّ بعض الأغذية تناسب وبعض الأغذية لاتناسب،... وبعض المراكب تناسب وبعض المراكب لا تناسب، وأشباه هذا، وهذا إذا كان من جهة الرّأي فلا أصل له، أما إذا كان من جهة ترك مشابهة الفسّاق فإن هذا مطلوب، فإنّ الأولياء الصالحين لا يلبسون لباسا يشابهون فيه لباس الفساق وإن كان مباحا، ولا يعملون عملا يشابهون فيه الفسّاق ولو كان مستحبا، بل ربما تركوه لترك المشابهة، وقد ذكر الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في التمهيد حينما أتى لبيان حال النبي r في شعره وأنّه عليه الصلاة والسلام كانت له جُمَّة تضرب إلى أنصاف أذنيه وكان له غَدائر يعني شعر طويل ربما جعله غدائر ، قال وكان على هذا العلماء حتى فشى في فسقة الجُنْد أنهم يتخذون الشعر للزينة عند أهل الفسق والمجون، لما شاع ذلك فيهم ترك العلماء إكرام الشعر وتربيته واختاروا قَصَّهُ مخالفة لفسقة الجند. وهذا أصل معروف وشاع في الأزمنة المتأخرة أنه يكون من صفة أهل الفسق أو من صفة أهل عدم الطاعة أنّ لهم كذا وكذا من الأحوال، فهي وإنْ كانت مباحة فتترك إذا كانت مميزة له، هذا يتميز به الصالحون لا حرج في ذلك، أما أنْ يُعتقد شيء من المباحات لاوما لأهل الصلاح، أو يُعتقد في شيء من المباحات أنه لا يجوز في أهل الصلاح دون سبب شرعي من مشابهة ونحو ذلك فإنه لا يسوغ، بل أولياء الله هم المؤمنون المتقون كما وصفهم الله جل وعلا لأنهم من جميع الفئات، فمنهم العابد، ومنهم العالم، ومنهم التاجر، ومنهم المعلم، ومنهم الغازي في سبيل الله، وأشباه هؤلاء في أصناف الأمة، كما قال الله جل وعلا في آخر سورة المزمل ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾[المزمل:20]الآية، فذكر فيها أصناف الناس وأن منهم الذين يضربون في الأرض ويبتغون من فضل الله، وأنّ منهم من يقاتل في سبيل الله، وهذا يعم من أنواعا كثيرة.

أما لفظ الصوفية ولفظ الفقراء فهذان لفظان حادثان من جهة وسم المتعبدين الزهاد بذلك، وذكر عدة أقوال في الصوفية واشتقاقها، وذكر الصحيح منها أنها نسبة إلى الصّوف، ولِبْس الصوف في الصيف والشتاء -الصوف الخشن- يدلّ على بعد عن التلذذ في الحياة في الدنيا، ولذلك صار سُنّة لهم أنهم لا يلبسون الرقيق من الثياب ولا القطن ولا الكَتَّان وأشباه ذلك من الثياب الناعمة؛ لأنّ فيها نوع تلذذ ونوع إقبال على الدنيا، وهذا بلا شك في أصله خروج عن السنّة؛ لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام كان يلبس الثياب ما جرت عادة قومه بلبسه ما لم يكن مما يخص المشركين في هيئتهم الظاهرة أو يخص أهل الكتاب في هيئتهم الظاهرة، فلبِسَ الإزار والرداء، ولبس القميص والسراويلات، ولبس العمائم وترك، ولبس الصوف ولبس الخزّ ولبس الكتان ولبس القطن ونحو ذلك، وهذا يدل على أن لبس الخشن من الثياب لأهل الصلاح أنه بدعة، قال الصحيح أنهم نسبوا إلى الصوف، فقيل لهم صوفية نسبة إلى الصوف، وهذا أرجح الأقوال كما ذكر، ومن القوال أيضا في نسبتهم التي لم يذكرها أنهم منسوبون إلى كلمة يونانية هي كلمة (صوفيا) وهؤلاء هم متنسكة اليونان الذين يطلبون الحكمة. فالفلسفة (فلا صوفيا) وبالعربية تكون بالسين وبالصاد.

وإذا عرفتَ تاريخ ظهور هؤلاء الصوفية في بلاد الإسلام، عرفتَ أنه جاء من جهة النصارى، فإنّ اتصال بعض من لا علم عنده من المتزهّدة بالنصارى وانقطاع أولئك مع النصارى في معابدهم في الكنائس والأديرة خارج البلدان المعمورة خارج المدن، أنشأ هذا المذهب أو هذه الطريقة الصوفية، كما هو ظاهر من كتاب الديارات للسابُسكي وغيره مما هو معروف في تاريخ الصوفية، يعني أنهم يطلبون – يعالصوفية- أنهم أهل الإشراق الروحي أو أهل الحكمة السلوكية. هذا قول نصره أيضا طائفة من العلماء.

([39])هذه الأحاديث التي ذَكر فيها بيان خصال أهل الإيمان والتقوى، وأنّ مَنْ أتى بهذه الخصال فهو أحبّ إلى الله جل وعلا، ومعلوم أن من يُسَمَّوْن بالفقراء في البلاد التي تنتشر فيها الصوفية أو المتصوفة أنهم يتركون الجهاد في سبيل الله، وينقطعون عن الأعمال، ويَلزَمون مجالسهم في مساجدهم، أو يلزمون الذِّكر، أو يلتزمون الببيوت، ولا يعملون من الأعمال الصالحة ما ذكر الله جل وعلا في كتابه أو بيّنه الله جل وعلا في سنته من حل أهل الإيمان والتقوى، فعُلم منه أنه يفوتهم شيء كثير من الطاعات، فمن أتى بهذه الطاعات فهو أفضل منهم ولو كانوا منقطعين فإنّ الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وكلما كان المرء أكثر طاعة لله كلما كان أقرب وأعظم وأكرم عند الله جل وعلا.

لهذا ليس من صفة الأولياء الإنقطاع عن مخالطة الناس، وليس من صفة الأولياء أنهم يلتزمون البحث عن النفس وعن عيوبها ويتركون بهذا الأعداء بأصناف الأعداء، بل أولياء الله جل وعلا هم الذين يمتثلون الأوامر حيث وجبت عليهم، أو توجّهت إليهم؛ فإذا كان المقام مقام إصلاح للنفس أصلحوها، وإذا كان المقام مقام تركٍ للحرام تركوه، وإذا كان المقام مقام جهاد جاهدوا، وإذا كان المقام مقام دعوة دَعَوْا، وإذا كان المقام مقام أمر ونهي أمروا ونهوا، كل ذلك لتحصيل ما أمر الله جل وعلا به، أما من يترك هذه الأشياء ويلتزم الذِّكر الطويل ويلتزم العبادة الطويلة والصلاة الطويلة ويترك واجبات كثيرة، فهذا ليس بأفضل ممن يقوم بواجبات هاهنا يعني حيث وجبت. فيقوم بكلّ ما أوجب الله جل وعلا عليه بحسب طاقته. نكتفي بهذا.

([40])هذا تتمة لما سبق في بيان أنّ أولياء الله جل وعلا ليس لهم وصف غير الإيمان والتقوى والسعي في تكميل ما أوجب الله جل وعلا عليهم والابتعاد عما نهى وامتثال الأوامر واجتناب النواهي، وأن هؤلاء لهم صفات متعددة فأكرمهم عند الله أتقاهم فأعلاهم منزلة عند الله جل وعلا أمثلهم وأكثرهم امتثالا لشرعه ودينه وسنة رسوله r، وفليسوا بالاسم يكونون أولياء؛ باسم الفقير، أو باسم الصوفي، أو باسم العالِم، أو باسم المحدِّث، أو باسم المؤلف، أو باسم كذا يكونون أولياء، وإنما يكونون أولياء بتقربهم إلى الله جل وعلا بالطاعات الواجبة والمستحبة وابتعادهم عما نهى الله جل وعلا عنه ونهى عنه رسوله r، هذه صفتهم.

([41])غلِط، يغلَط،غلَطا، في الماضي غلِط، والمضارع يغلَط.

([42])هذا التفصيل أصل في مسألة الوَلاية؛ وهو أنّه ليس من شرط ولي الله جل وعلا أنه لا يخطئ البتة، أو لا يغلط أبدا، أو لا يكون عنده إلتباس في بعض المسائل المهمة في العقيدة أو في الشريعة، أو لا يكون عنده نقص في العمل في بعض الأشياء، هذا ليس مِنْ شرط ولي الله جل وعلا أنْ يكون كاملا، إذْ لو شرط هذا لقيل إن الولي في مرتبة النبي؛ لأن النبي هو الذي لا يغلَط وهو الذي لا ينقص عن الكمال في مسألة الطاعة، ولا يلتبس عليه شيء، أمّا أولياء الله جل وعلا في هذه الأمة وفي الأمم فَهُم أكمل أقوامهم وأكمل أتباع الأنبياء، فقد يحصل لهم غلط والتباس واشتباه وبعض قصور في العمل، ولا ينفي ذلك أن يكونوا أولياء الله جل وعلا؛ لكن من كان أتم في العلم والعمل كان أكثر وأعظم ولاية؛ لأن الولاية تتبعض -كما ذكرنا في دروس ماضية-.

ومن المهم في هذا الباب أنَّ الولي -كما ذَكر- قد يحصل له اشتباه فيما يحصل له من أنواع الكرامات أو الخوارق؛ فإنّه يأتيه خارق قد يحصل له اشتباه في أنْ يظنّه كرامة وهذا لا يقدح في أن يكون وليا ولو كان هذا الخارق شيطانيا؛ لأنّ هذا راجع إلى العلم، فالتفرقة ما بين العارض الشيطاني والعارض الرحماني، أو الكرامة الرحمانية والخارق الشيطاني هذا يحتاج إلى العلم بالتفريق في ما بين هذا وهذا، فإذَا لم يفرِّق كان ذاك بسبب قصور العلم، وقصور العلم لا ينفي أن يكون وليا لله جل وعلا في مثل هذا؛ لأنّ الإلتباس وقع على كثير من الصفوة في مثل هذه المسائل فيقع لهم أشياء من خوارق الشيطان، وقد يكون ضعيفا عن العلم بها.

القاضي يكون وليا لله جل وعلا وقد يخطئ في اجتهاده، ... لكنه حين اجتهد استفرغ وسعه أو يعطي مالا لغير مستحقه في نفس الأمر، لكنه حين أعطى استفرغ وسعه في الإجتهاد وبذل طاقته، والله جل وعلا رفع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان، وثبت كما نقل شيخ الإسلام في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال «إذَا اجتهد الْحَاكِمُ فَأَصَابَ, فَلَهُ أَجْرَانِ» أجر الإجتهاد وأجر الإصابة، وإن أخطأ فله أجر واحد وهو أجر الإجتهاد بذل الوسع في معرفة حكم الشرع في هذه المسألة.

فهذا يعني أن من رُئِي عليه نقص في العلم والعمل مما لا يقوده إلى معصية فإنه لا ينفي أن يكون وليا لله جل وعلا، وقد يكون عنده قصور في السنّة في بعض المسائل، أو قصور في العلم في بعض المسائل، ويكون عنده من الخير والعبادة وتحقيق الإيمان والتقوى ما به يكون وليا لله جل وعلا، والأولياء مراتب ودرجات ليسوا مرتبة واحدة إما أن تحصل وإما ألاّ تحصل، بل هم متفاوتون في ذلك كما قال جل وعلا ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾[آل عمران:163].

([43])المقصود من (مع اجتهاده) فيما يسوغ فيه الإجتهاد، أمّا الإجتهاد في المسائل المجمع عليها أو في العقيدة؛ عقيده أهل السنة أو ما أشبه ذلك فهذه لا يسوغ فيها الإجتهاد، ومن خالف واجتهد فيما ليس مجالا للإجتهاد فهو معلوم ومؤثّم، أما المسائل التي يقبل فيها الاجتهاد لا يلام صاحبها بل يشكر، ولا يؤثم إذا أخطأ بل يقال أخطأ وأراد الخير حيث اجتهد فيما يسوغ فيه الإجتهاد.

w ...أمّا من جهة المواجهة فلا، لأنها مدح وثناء، فلا يكون في وجه الرجل أما في ذكره وخلفه يعني فيما لا يكون مواجهة فلا بأس، إذا كان المرء قالها عن علم لا عن هوى لأن مسألو الولاية تدخل فيها الأهواء وقد يقول لمعجب له هذا ولي الله ليرفع مقامه بين الناس، هذا حكم عليه بأنّه ممن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون؛ ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس:62-63] لا يجوز التجرّي في مثل هذه المسألة إلا بعلم، وهدي السلف ترك المقولة هذه إلا في أشخاص معدودين مثل أنهم قالوا فلان من الأبدال، فلان من أولياء الله، قليل، فيمن اشتهرت إمامته وعلمه وتقواه زصلاحه فلا بأس، أما أن تدخل هذه الأسماء الأهواءُ وكل معجب بأحد يقول هذا ولي الله، وإذا لم يكن هذا ولي لله فليس لله ولي، أومثل هذه العبارات، فهذا من التَجَرِّي على الدين وعلى ما يحب الله.

([44]) مُحَدَّث يعني مُلهَم، فيُلقى الصواب في روعه فيدركه؛ يأتيه، وعُبّر عنه بلفظ المحدَّث لأن صاحبه يشعر أنه يحدث بهذا الصواب، فيحدث كأنّ أحدا يكلمه في داخله ويقول كذا وكذا، من الكلام في المسألة، مثل ما حصل لعمر t فإنه ثبت عليه الصلاة والسلام أنه قال «إن الله ألقى الحق على لسان عمر وقلبه» وعمر t حُدِّث بحال سارية فتكلم به ((يا ساريةُ الجبل، الجبل)) يعني إلزم الجبل، حُدِّث بحاله فأوصى، وكُشِفَ له حجاب البصر فرأى ما يفعل سارية فأوصى، فإذن التحديث راجع إلى علم سمعي، قد ذكرنا لكم أنّ الكرامات منها ما يحصل من جهة العلم، ومنها ما يحصل من جهة السمع، ومنها ما يحصل من جهة البصر، ومنها ما يحصل من جهة القدرة، فهي أربعة اقسام: كرامات علمية، كرامات سمعية، وكرامات بصرية، وكرامات قُدرية.

1. فالعلمية: مِثْل ما حصل لأبي بكر الصديق أنه قال لإمرأته أن في بطنها أنثى هذا من جهة العلم، ويدخل فيه قول عمر يا سارية الجبل، الجبل.

2. والسمعية: مثل سماع سارية لكلام عمر t فسمع كلام عمر؛ فهذا كرامة من جهة السمع.

3. من جهة البصر: يرى ما لا يرى غيرُه، أو أو يحجب عنه ما يُرى بالبصر، مثل أن شُرَط دخلوا على الحسن يريدونه فبحثوا في البيت، بحثوا، لم يجدوا أحدا وخرجوا وهو بفناء الدار جالس يُسبِّح أمامهم، فحُجب عنهم أن يُبصروه، هذا من جهة الكرامات البصرية.

4. والكرامات القُدريّة: -من جهة القدرة- أنْ يقدر على ما لا يقدر غيره. يقدر على أن يمشي على الماء بإقدار الله جل وعلا عليه وإكرامه له، يقدر على أن يُحيى له الميت، مثل ما حصل للصحابي مع فرسه، أو حصلت له من جهة القدرة أنه يرفع فلا يُعرف له مكان، أو دخل النار فلا يضره ذلك. وأشباه هذا.

إذن هي أقسام يمكن أن ترجع أنواع الكرامة إلى واحدة من هذه الأقسام، وكلّ قسم منها أيضا ينقسم إلى نوعين: لازم، ومتعدي. وحصول اللازم والمتعدي لمن حصلت له لا يدل على قوة إيمانه، ولا قوة إيمان من حصلت فيهم؛ لأنّه قد يكون محتاجا إلى ذلك فيُثَبَّت بالكرامة، فقد يكون الناس محتاجين فيثبتون بالكرامة إذا حصلت لبعضهم.

([45])السكينة اسم لما يُسكن إليه من الأقوال والإعتقادات والأعمال، ويُسكن إليه لأنّه الحق. كما قال جل وعلا في الإعتقادات ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾[الفتح:4]، وقوله (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا) دل على أنّ السكينة حصل بها زيادة إيمان لهم، فهي نوع اعتقاد نتج عنه الطمأنينة والراحة. كذلك ما يُسكن إليه مِنَ الحق في الأقوال يقال سكينة، وما يُسكن إليه من الأعمال للحق يُقال له سكينة،... (سكينة تنطق) هذه سكينة قولية.

([46])ومن هذا الموافقات؛ وافَقَ حكم عمر حكم الرب جل وعلا في مواضع في القرآن.

([47]) وقصد بالمخاطبات ليست المخاطبات التي يخاطب بها الرب عبادَه أو تخاطِب بها الملائكةُ العباد؛ لأن هذا للأنبياء، وإنما يقصد بالمخاطبات الإلهام القولي الذي يُحس به الولي المحدَّث في نفسه؛ فيحس أنه يخاطَب بشيء، وأنّ كلاما يقال له في أذنه أو في قلبه، وهذا نوع من الإلهام له، قد يكون بواسطة الملَك الذي يلازمه وقد يكون بواسطة ملَك آخر، المهم أنه ليس وحيا إليه، ولا مكاشفة قولية من الرب جل وعلا كما يزعم الصوفية.

([48])ثبت في الصحيح يحتمل أن يكون المراد ثبت في البخاري أو مسلم أو هما معا. ومراده هنا مسلم.

([49]) النكتة من نكت القوم يعني يأتي في خاطره وفي قلبه شيء مما يتصل بالإيمان والأحوال وتزكية النفس ورؤية الأشياء والتفكر وأشباه ذلك. فيقع في الخاطر أشياء. قال فلا أقبلها إلا بشاهدين من الكتاب والسنة؛ لأنّه قد يكون هذا الخاطر الذي جاءه ليس بحق، قد يكون هذا التأمل الذي جاءه باطل، قد يكون هذا الاستنتاج الذي استنتجه باطل، فإذا شهد له الكتاب والسنة وهما القاضيان والشاهدان والمعدِّلان والمزكيان للأفكار والآراء، فإنه إذا لم يُشهد له فإنه باطل.

w... لأنه يعلم وخالف عنه فهذا من أهل الإباء والإستكبار مثل حال ابن عربي والتلمساني وأشباههم؛ الذين يقولون لأقوامهم ما نقول لكم وحي من الله، ونحن معصومون أن نخطئ لا في اللفظ ولا في العمل ولا في الفكر، هؤلاء إما أنْ يكونوا علماء فهؤلاء كفار لأنهم أبوا واستكبروا عن الإنقياد للحق وإلا أن يكونوا جهّالا هؤلاء قد يعذرون.

([50])في كلامه (القديم) غلط؛ لأن القرآن محدث ليس بالقديم، كما قال سبحانه ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ(2)لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾[الأنبياء:2-3]، وكذلك في آية سورة الشعراء، فالقرآن مُحْدَث بمعنى حديث النزول من ربه جل وعلا حديث العهد من ربه جل وعلا، إنما تكلم الله به فسمعه جبريل فبلغه للنبي عليه الصلاة والسلام، وأما الذي يقال أنه قديم هو كلام الله ليس القرآن، الكلام كلام الرحمن جل وعلا نقول قديم النوع حادث الآحاد، ويجوز أن نقول إنّ كلام الله قديم؛ يعني قديم النوع لا بأس بهذا؛ لأنّ الله جل وعلا أول وكذلك صفاته سبحانه وتعالى أزلية -يعني الصفات الذاتية- أزلية قديمة، فهو سبحانه وتعالى يتكلم كيف شاء وإذا شاء وكلامه قديم ولا يزال يتجدد كلامه بتجدد الأحوال، متعلِّقا بمشيئته سبحانه وتعالى وقدرته، فالقرآن لا يسوغ وصفه بأنّه قديم، بل هذا مذهب الأشاعرة فإنهم يجعلون القرآن قديما تكلم الله به في الأزل، فكل كلام أراده الله ثم يتعلق هذا الكلام بالإرادة وبالزمن الذي يصلح له فيتجدد، فليس عندهم أن القرآن كلام الله جل وعلا الذي تكلم به حين أَنزل القرآن، ولهذا اعترض الآمدي عليهم في هذه المسألة في كتابه أفكار الأفكار وفي كتابه نهاية وغاية المرام وفي غيرهما بأن قول الأشاعرة باطل فإم أن يكون الحق من جهة التقسيم قول أهل السنة وإما أن يكون قول المعتزلة الذي هو أن القرآن مخلوق ثم استدل على بطلان قول المعتزلة وبقي الحق وهو قول أهل السنة؛ لأنه يلزم من أن القرآن قديم -حسَب كلام الآمدي- قال تأملت هذه المسألة -وهو أشعري من كبارهم، من علماء أهل الكلام- من يقول الكلام قديم فإذا في القرآن ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾[المجادلة:1]، وفي القرآن ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾[البقرة:144]، وفي القرآن ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾[الأنعام:33] ونحو ذلك مما فيه ذكر صيغة الماضي قد سمع الله فإن كان هذا الكلام قديما فإن الله يقول قد سمع لشيء لم يحصل وهذا، وهذا لا يجوز لأنّه نوع من الكذب وهذا يدل على بطلان هذا القول.

المقصود أنّ القول هذا (في كلامه القديم) هذا غلط موافق لطريقة الأشاعرة لعله من إضافاتهم.

([51])هذا الكلام الذي سبق كله تفريع على ما ذكرتُ في أول الفصل من أن أولياء الله جل وعلا ليس من شرطهم أن يكونوا معصومين من الغلط؛ بل قد يكون المرء يغلط بالعمل وقد يكون عنده بعض غفلة؛ بعض نسيان، قد يغلط في بعض ما يجتهد فيه سواء في أمور العمليات أو العلميات فكل هذا يحصل، وهم على نوعين:

1. منهم من يغلط بعد استفراغ الوسع والطاقة في الإجتهاد، فهذا معذور وله أجر على اجتهاده؛ لأنّه نظر واجتهد وأفرغ الوُسع والطاقة، والله سبحانه وتعالى يقول ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾[التغابن:16].

2. ومنهم من لا يُفرغ الوسع والطاقة، ولا يجتهد عن بذل لتحري الحق، وبذل لطاقته في تحصيل الحق، وإنما يثق بأول خاطر أو إذا نَدَر عليه شيء و عرض لذهنه شيء أو لقلبه تطق به أو تكلم، وذكر ذلك عن نفسه أو حثَّ الناس عليه، دون الإجتهاد والرجوع إلى النصوص، فهذا مذموم، وإن كان يُسَمِّي نفسه مجتهدا فهو مذموم.

فأولياء الله جل وعلا لا يشترط فيهم عدم الغلط، بل يكون وليا وإنْ كان عنده نوع معصية أو غفلة لا يقيم عليها، أو عنده نوع إجتهاد يغلط فيه ويبقى على غلطه لعدم ظهور الحجة له، أو لتأوله ولإجتهاده هذا بخلاف حال الأنبياء فهم الذين لا يتكلمون إلا بحق ولا يوافقون أو يقرون على إجتهاد باطل، وهذا من الفروق ما بين الأنبياء –كما ذكر- وبين الأولياء، وهذا يبين لك ضلال قول من قال إنّ الأولياء أرفع رتبة من الأنبياء، مثل ما قاله الضال الزنديق حيث يقول: إن النبي r طاف ببناء الأنبياء فوجد لبنة في زاوية منه لم تَكْمُل فقال أنا تلك اللبنة. قال: فيرى خاتم الأولياء نفسه في مقام لبنتين في البناء لبنة ظاهرة من ذهب، ولبنة باطنة من فضة -أو العكس- ويأخذ من المشكاة التي أخذ منها الرسول. فهو في الظاهر متبع وهو في الباطن يأخذ من المعدن الذي أخذ منه الرسول عليه الصلاة والسلام؛ يعني يأخذ من الله مباشرة أو من جبريل، وهذا رفع لمقام الأولياء على مقام الأنبياء وهو من أنواع الزندقة، فمن فَضَّل وليا على نبي فإنه كافر بالله جل وعلا لأن الأنبياء هم أفضل الخلق والأولياء تبع لهم بل ما ارتفع الأولياء إلا لكونهم أتباع الأنبياء، فدليل وَلاية الولي أنّه تابع للنبي كيف يكون أفضل منه؟ أو يأمر بشيء لم يجيء بالكتاب والسنة أو ينهى عن شيء قد جاء الأمر به في الكتاب والسنة، وأشباه ذلك، لا شك أن هذا ليس من صنيع أولياء الله.

ومثل هذا الكلام هنا ربما لا نعرف أبعاده لكن في البلاد التي يكثر فيها الصوفية وغلاة الصوفية يرون من هذا شيئا عجيبا، حتى أن الشعراني ذكر بأن فلانا الولي يقول ومنهم يعني من الأولياء سيدي فلان الفلاني كان t يتلو آيات ليست في القرآن، وكان فلان من الأولياء يخطب الجمعة في سبع صلاة يعني في نفس الوقت، ونحو ذلك مما يفضلون به الأولياء على الأنبياء، مثل ما قال قائلهم:

مقام النبوة في برزخ فُوَيْقَ الرسول ودون الولي

يعني أن أعلى مقامات الولي ثم يليه النبي ويليه الرسول، عكسوا.[انتهى تعليقات الشريط الثالث]

([52])ينطق بعض الأوقات من الغيب.

([53])هذا الكلام مبني على تفصيل ما ذكره في الفصل، وأنّ أولياء الله جل وعلا لا يكونون أولياء حتى يكونوا مِن المتبعين للكتاب والمتبعين للسنة وليس الوَلاية دعوى ليس لها برهان، فمِن الناس من يغلط في هذا الموضع فيقول هذا ولي الله فيقبل منه ما جاء به ما ذكر على أساس هذه المقدمة الباطلة أنّه ولي لله، فلا يكون وليا لله في الواقع لمخالفته للأمر والنهي ولوقوعه في مفسِّقات أو في أمور بدعية أو شركية إلى غير ذلك، فيُسَلِّم له الأمور البدعية أو الشركية على أساس أنه ولي لله جل وعلا، وهذا هو الذي جعل البدع والشركيات تنتشر في الأمصار من جرّاء الاعتقاد في الأولياء، فإنّه يكون هذا الولي حيًّا ويكون فاسقا فيحبّب للناس بعض المنكرات أو بعض البدع ليحصُل منهم على مال أو على جاه أو إلى آخره، فيعتقد الناس أنّه ولي فيتبعونه على ذلك ويقولون قالها الولي الفلاني، والذي يحطِّم هذا الأمر هو إقامة البرهان عند الناس أن الوَلاية لا تكون إلا للمؤمنين المتقين ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس:62-63] فالمؤمن الذي حصَّل الإيمان والأركانه، المتقي الخائف من اللله جل وعلا، والممتثل للواجب، وينتهي عن المحرم ووجل قلبه من الله، ويستعد للقائه، وهذا هو المتقي، وهو المؤمن الذي يرجى أن يكون وليا لله جل وعلا، أمّا الذين أتوا بالبدع والشركيات ليسوا من أولياء الله فَرَاج أمرهم في الناس والناس لا ينظرون هل هو ولي أم ليس بولي. إنتشر في الناس أنه ولي فقبلوا كل ما جاء به ولهذا ذكر لك في أول الكلام أبي عمرو بن نجيد (كل وَجْدٍ لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل) والوَجد يعنون به ما يظهر للمرء من الاستحسان لأشياء في العبادة أو في التأملات والتفكر، أو في السلوك مع الناس وكل وجد ليس عليه دليل فهو باطل.

ومن عجائب ذلك ما ذكره بعض العلماء أن رجلاً من أحفاد أحد الأولياء -كما يزعمون- في المغرب، زعم عند بعض الناس أنه من أولياء الله وأن جدَّه حدثه بكذا وكذا وكذا، فعظَّمه من حلّ بهم وأسكنوه عندهم، فصار يأمرهم وينهاهم وهم يطيعون، فقال لا أكافؤكم إلاّ أن تحجوا معي هذا العام، قالوا أَوَ تحج؟ قال نعم وستحجون معي جميعا، -وهم في المغرب- فلما صار وقت الحج قرب وأعدّ العدة، قالوا ألاَ نحج؟ قال سوف نحج فالأمر عند الأولياء يسير، والثاني والثالث، والرابع حتى أتى يوم عرفة، فقالوا ألا تحج؟ فقال بلى إذا أتى بعد العصر ذهبنا إلى عرفة، فلما أتى بعد العصر أمرهم بالإستعداد، ولما تجهزوا هم وأهلوهم، قال هلمُّوا، فصعد بهم إلى سطح البيت، وقال لهم سبحان الله هذا جبل عرفة، فقالوا له أين جبل عرفة؟ فقال لهم وهل تريدون أن تروا نُورَ الأولياء؟ هذا جبل عرفة أدعوا هنا، فدعوا فلما مكث مدة، قال غابت الشمس في عرفة فارحلوا فرحلوا قليلا، فقال افعلوا كذا، أتريدون أن نطوف هذه الكعبة، فطوفوا، فأخذ يعمل بهم مثل هذه الحركات وهم يسلمون له للوَلاية.

يعني أن الدرجة الأولى التي يدخل بها صنيع الدجالين والمشعوذين والكهنة وأشباه هؤلاء أن يقال لكل الناس وأن يعلم كل الناس أن الولي لا يكون إلا مؤمنا تقيا، فإذا كان حي في الناس يأمرهم وينهاهم ويدعوهم إلى أشياء ويعتقد أنها تفيد، فيقال لهم الولي هو المؤمن التقي وهذا من أفعاله كيت وكيت وكيت من المحرمات، والأولياء الدجالين أشاعوا في الناس أن الأولياء أعمالهم الظاهرة غير أعمالهم الباطنة حتى لا يأتي مثل هذا، فيقال هو في الظاهر يعمل أشياءً وفي الباطن قلبه وعمله لله جل وعلا، ومنهم طائفة تسمى الملامكية أو الملامية، وهم الذين إدَّعَوْا أنهم لإخلاصهم يُظهرون خلاف التوحيد، أوخلاف الإستقامة، خلاف الإخلاص لأجل أن لا يُتَّهموا بالرياء يقولون نظهر هذا في الناس لأجل الإخلاص حتى لا يقال هم مراؤون، فيُخفون الطاعات ويظهرون الفسوق لأجل ألا يرائي في الناس، ففي مثل هؤلاء قال فضيل بن عياض وجماعة ”العمل لغير الله رياء وترك العمل لغير الله شرك“ فهؤلاء يزعمون أنهم هربوا من الرياء ووقعوا في الشرك، لأنهم تركوا العمل لأجل الناس، فالعمل لغير الله رياء وترك العمل لأجل الناس أو لغير الله هذا شرك. يعني ترك العمل الصالح الواجب.

المقصود من هذا أن تأصيل شيخ الإسلام عظيم في بيان هذه المسألة المهمة.

[الهروي الذي تكلمنا عليه المرة الماضية هو أبو إسماعيل في الصحيح مثل ما هو موجود عندكم في الكتاب أبو إسماعيل عبد الله محمد الهروي ليس إسماعيل إسماعيل رجل آخر غير المنقول الآن؛ أبو إسماعيل عبد الله محمد الهروي]

([54]) هذه صفات موجودة في فئات ممن يُدَّعى أنهم من الأولياء وأنهم من أصحاب الكرامات:

الفئة الأولى المجاذيب والمجانين: وفيهم مثل هذه الصفات من ترْك الوضوء والصلاة لأنه مجنون أصلا، والناس يعتقدون في جنونه كما سبق أن ذكرنا.

الفئة الثانية الدّجّالون: الذين عرفوا أن مثل هذه الصفات يعتقد الناس فيها الوَلاية، فأرادوا أن يجعلوا لأنفسهم مقاما، فتلبسوا بهذه الصفات المنكرة، والعياذ بالله لأجل أن يعظمهم الناس ويدعوا فيهم الوَلاية.

الفئة الثالثة الكهنة والسّحرة وأصحاب المخارق الشيطانية: والمشعوذون منهم عقلاء ولكن يستعينون بالجن ويستخدمون الجن يكون لهم مثل هذه الصفات السئة.

هذه الفئات الثلاث إدعى فيها الناس إلى يومنا هذا أنهم من أهل الكرامات والأولياء، نجد في بعض البلاد يُقال للكاهن أنّه ولي وهو كاهن، إنما يخبر من طريق الجني، وكذلك منهم من يجعل المجنون الذي يترك الصلوات ويلابس النجاسات ولا ينطق كلمة عاقلة يجعلون ذلك أيضا دليلا على ولايته وكرامته كذلك الفئة الثالثة، فكما ذَكر شيخ افسلام هنا أن أهل الإيمان لهم صفات وهؤلاء وإنْ ظهرت على أيديهم خوارق فإنما هي من الشياطين لتغوي الناس، شياطين الجن قد تُظهر للمرء بعض المعلومات، وقد تجعل له بعض الأحوال في مساعدتهم فيغتر الناس لذلك، والجن أقدرهم الله جل وعلا على بعض الأمور لا يقدرها البشر كما قال جل وعلا ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ(39)قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ﴾[النمل:39-40] يعني من الإنس ممن عُلِّم الاسم الأعظم (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ) يعني بالإسم الأعظم الذي إذا سئل به الله جل وعلا أجاب وإذا طلب به منه أعطى﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾[النمل:40]، إلى آخر الآيات، فدل أن الجن يقدرون على أشياء أقدرهم الله جل وعلا عليها، (قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ) أحمل لك العرش من اليمن إلى بيتك أو إلى دار لك في الشام قبل أن تقوم من مقامك فقط مدة مقامك في المجلس.

فالجن يخبرون بمغيبات، ليست مغيبات مطلقة؛ مغيبات عن بعض البشر حصلت في الماضي، وربما أخبروا عن مغيبات تحدث في المستقبل، ومنهم من يكون صادقا فيما أخبر ويكون مما إلتقطه المسترق السمع، ومنهم وهو الأكثر أن يكونوا كَذَبَة فيكذبون مع الخبر الصادق مائة كذبة فيروج هذا فيالناس، ومنهم –يعني غير الإقدار وغير الإعلام وهو الوحي- من يوحي يعني يلقي في نفس وليه ما في قلب صاحبه؛ فيأتيه آتٍ ويقول له كلاما فيأتيه الجني ويقول هذا كاذب لأنه حصل منه كذا وكذا فيقول أنت كاذب، كيف تقول هذا وفي بيتك كذا؟ كيف تفعل وأنت البارحة قد عملت كذا فيغتر هذا السائل بحال هذا المسؤول. هو الذي يعلمه بالأمور الغيبية الماضية والحاضرة والمستقبلة ويخبره عن أشياء وهو الملك، ولا يجعلون هذا من الشياطين لأنه بالإتفاق الشياطين لا تخدم أهل الإيمان، لهذا وَجَب على المؤمنين أن يغتروا بمثل هذه الظواهر التي يكون فيها ادعاء للخوارق.

كما ذكرنا أن الخوارق تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

1. خوارق جرت على يدي الأنبياء هذه تسمى آيات وبراهين ودلائل.

2. وخوارق جرت على يد أولياء صالحين مؤمنين متقين هذه تسمى كرامات.

3. والثالث خوارق جرت على أيدي الفسقة، المردة، وربما كفرة بعيدون عن الشريعة لا يصلون ولا يتطهرون، أو عندهم بدع، عندهم خرافات وأشباه ذلك، هذه تكون من عند الشياطين.

طبعا في حدودها مختلفة؛ يعني الخارق الشيطاني غير الكرامة بضابطها غير الآية والبرهان.

([55])وأظهر دلالة على المقصود من إستدلاله بالآيتين قوله جل وعلا في سورة الأنفال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾[الأنفال:29] فبتقوى الله جل وعلا يجعل للمرء فرقانا، وهذا الفرقان قد يكون في الأمور العلمية، وقد يكون في الأمور العملية، وقد يكون في الأمور القُدرية يعني الراجعة إلى القدرة, وهذه هي أنحاء الكرامات فالكرامة قد تكون راجعة إلى العلم، وقد تكون راجعة إلى العمل، وقد تكون راجعة إلى القُدرة، ولهذا قوله سبحانه (إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) يعني فرقان بين الأشياء بين الحق والباطل في الأمور العلمية، وما بين الهدى والضلال في الأمور العملية، وما بين صنيع الشياطين وصنيع الأولياء وكرامات الأولياء والصالحين ومخاريق الكهنة والشياطين، فهذا يكون بالتقوى، فإذا اتقى اللهَ العبدُ وكان في تقواه محسنا، فإنه يؤتى هذا الفرقان، ويُبصر الحق ويبصر الباطل وكما قال سبحانه وتعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ﴾[الحديد:28] ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم، وهذا النور هو الفِراسة وقوله عليه الصلاة والسلام «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله»، الفراسة قسَمَها العلماء إلى ثلاثة أقسام:

1. فراسة خَلقية رياضية: هذه الفراسة هي التي كتبت فيها المألفات التي تسمى كتب الفراسة، يعني يستدلون بالخَلق على الخلق، يستدلون بالخَلق على الصفات، يستدلون بصفة العينين على ذكائه من عدمه، يستدلون بكبر الرأس عن ذكائه من عدمه، يستدلون عن سعة الصدر عن حلمه وعدم حلمه، يستدلون بوَفْرة جسمه على كذا من كذا، يستدلون بتقاطيع وجهه، بعرض جبهته، بشموخ أنفه بسعة وجهه، بطول وجهه إلى آخره، هذه أُلفت فيها مألفات كثيرة، بلون الشعر، بلون العينين على صفات هذا المتصف بتلك الصفات. فهذا النوع وهي الفراسة الخَلقية هذه راجعة إلى تجارب الناس منها ما هو حق، و منها ما هو باطل، كذلك ما فيها لا يجوز أن يُعتمد بإطلاقه، كذلك لا يرد بإطلاقه؛ لأنّ فيه ما هو من حق، ومن العلماء من كان يغلو في مثل هذه كان يعتمدها، مثل ما يذكر -وهو صحيح عنه- عن الشافعي رحمه الله، فإنه تعلم هذا النوع من الفراسة و أكثر فيها جدا، حتى ربما أُشتري له الشيء من أحد فسأل عن صفته فربما لم يطعم الطعام لأجل صفته؛ أرسل خادمه مرة فقال له أنْ يشتري له بعض البقول يعني بعض الخضروات فقال: ممن إشتريت؟ قال: من رجل؟ قال: ما صفته؟ قال: كان أعرج. فقال: لا آكله، كلوه. وأشباه ذلك، هذا نوع من التشاؤم وإن كان وقع فيه بغض أجلة أهل العلم وأجلة الأئمة لكنه شيء يغلب على النفس، وكل يأخذ من قوله ويرد0 وبعض العلماء أيضا كان يكثر من هذا ويستعمله في حياته، فهذا لاينبغي فأن الصحابة رضوان الله عليهم كانت صفاتهم محتلفة منهم كان دقيقا قصيرا جدا، ومنهم من كان طويلا، ومنهم من كان كبير الرأس، ومنهم من كان صغير الرأس، ومنهم من كان صغير العينين إلى آخر هذه الصفات التي يزعمون، وكاتوا في مقامات الإيمان والصلاح والفأل ومخالفة ما تعلمه.

2. والنوع الثاني من الفراسة: فراسة علمية: وهذه الفراسة العلمية تسمّى فراسة؛ لأنّ العلم الصحيح يأتي لصاحبه كوُفود صاحب الفرس عليه، ودنو صاحب الفرس منه وتمكنه من ذلك. أيضا هذا يأتيه من العلم والإلهام ما يعلم به الحق، وهذا النوع من الفراسة هو الذي يكون كرامة من الكرامات ولهذا يببحث العلماء بحث الفِراسة وأنواعها في مبحث كرامات الأولياء لأجل هذا النوع0 فقوله عليه الصلاة والسلام «إتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» يعني هذا النوع من الفراسة في الأمور العلمية الراجعة إلى علمه بالأشياء؛ علمه بما في تفس صاحبه، ينظر إليه فيعلم ما يجول بخاطره، يعلم أنه يفكر في كذا وأشباه هذا، هذا من النور الذي يقذفه الله جل وعلا في قلبه، لكن هذا لايسوغ أن يُحكم به؛ يعني أنْ يجعل دليلا على الحكم؛ فيستعمله المستعمل على أنه دليل، هذا خاطر يأتي للقلب، ويكون في أهل الولاية وأهل الإيمان الصحيح والتقوى فراسةً، لكن لا يسوغ لصاحبه أن يحكم به وأن يستعمله، فيظن بالناس الظنون لأجل هذه الفراسة أو أن يحمدهم لأجل هذه الفراسة، لأن هذه الفراسة دليل ناقص؛ قد تكون من نور الله جل وعلا وقد لاتكون، فالمرء لا يزكي نفسه فلا يدري هذا الخاطر الذي هجم عليه هل هو من نور الله جل وعلا أو هو من الظن السيء أو هو من الظن الحسن الذي فيه تزكية لغيره وأشباه ذلك مما لا يسوغ، فله أن يستعمله من جهة الإحتياط، من جهة المعرفة ولكن ليس له أن يحكم به إلا في بعض الأحوال التي يقوى فيها حيث يكون عنده يقين بذلك قال عليه الصلاة والسلام «كان فيمن كان قبلكم محدَّثون» يعني ملهمين «فإن يكون أحد منكم فعمر»

3. النوع الثالث من الفراسة -أُدخلت في الفِراسة- المسماة بالقياسَة: والقاسَة منهم من يعلم الأشكال فيلحق هذا بأبيه، ومنهم من يعلم الأثر. وهذه القياسة قد تصل في أهلها، معروف عن قبائل العرب فيها هذا الأمر كبني مُرَّة ونحوهم يعرفون من وطئ القدم هو من أي قبيلة، ويعرفون من وطئ القدم هل هو رجل أم إمرأة، وهل المرأة حائض أم طاهر، وهذا يسمى القياسة؛ تتبع الأثر، هذا علم خاص يتداولونه فيما بينهم وهو صحيح دلت التجارب على صحته، والشريعة جاء فيها الحكم بالقياسة، فالقائس يُحكم بقوله في المسائل التي يحتاج فيها إلى قائس، مثل تنازع الأنساب وأشباه ذلك، والنبي عليه الصلاة والسلام كان عنده زيد بن حارثة نائما وابنه أسامة بن زيد وقد غطيا وجهيهما وبدت أقدامهما، فات رجل من القاسة قال يارسول الله هذه الأقدام بعضها من بعض فسُرّ النبي r وبرقت أسارير وجهه عليه الصلاة والسلام، لمحبته لأسامة ولأبيه رضي الله عنها، فهذا النوع شرعا ويحكم به ويصير القاضي إليه، وهو من حيث الظاهر أقوى الأدلة، يعني أقوى أنواع الفراسة، وليست الأدلة التي هي البينات عند القاضي، أقوى أنواع الفراسة؛ يعني من حيث الحكم الظاهر، أما الباطن فالثاني الذي هو الكرامة؛ فراسة المؤمن، والأول قد يكون أو لا يكون.

العلماء يقولون علم ... فيه استعداد فطري لكن هو علم. نكتفي بهذا

([56]) يعني دين الإسلام العام، فكل دين؛ الذي جاء به الرسل هو دين الإسلام لكنه دين الإسلام عام الذي يشترك فيه الأنبياء والمرسلون الذي هو الاستسلام لله بالتوحيد والإنقياد له الطاعة والبراءة من الشرك وأهله أما الإسلام الخاص فهو شريعة الإسلام؛ الذي أُرسل به محمد عليه الصلاة والسلام، فالإسلام ثلاثة؛ يطلق على ثلاثة أشياء:

1. الإسلام العام: وهو دين الأنبياء والمرسلين جميعا من أجل قول جل وعلا ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾[آل عمران:85].

2. و الثاني دين الإسلام الخاص: وهو الإسلام الذي بُعث به محمد عليه الصلاة والسلام.

3. والثالث هو الإسلام الأخص: وهو أن تشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن إستطعت إليه سبيلا.

إذن الإسلام في النصوص له هذه الإطلاقات الثلاث عام وخاص وأخص.

([57])هذا الكلام من أول الفصل على هنا في مسألة أنّ الأنبياء أفضل من الأولياء قطعا، وتفضيل النبي على الولي ظاهر من جهة الدليل، كما ذكر شيخ الإسلام بالأدلة الكثيرة في الباب، وظاهر أيضا من جهة التعليل؛ فإنّ الولي لم يكن وليا إلاّ باتباعه للنبي فبسبب إقتداءه بالنبي واتباعه له صار وليا وجاءته الكرامة من جهة اتباعه للنبي عليه الصلاة والسلام، فهو دائما أقلّ رتبة والأولياء في هذه الأمة أكملهم وأرفعهم درجة الأربعة الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين.

والطوائف التي فضلت الأولياء على الأنبياء، أو فضلت خاتم الأولياء على خاتم الأنبياء ثلاث طوائف: أما الأولى: فهم غلاة الصوفية، والثانية: هم الرافضة والإسماعيلية باعتبار أصلهم بأنهم طائفة واحدة. والثالثة: الفلاسفة.

1. غلاة الصوفية: فزعموا أن جهة تفضيل الولي على النبي، أنّ النبي إنما يأخذ من الملَك، وأما الولي فإنه يأخذ من المعدن الذي أخذ منه الملَك، كما قال ابن عربي في فصوصه؛ فالنبي يأخذ بواسطة والولي يأخذ بلا بواسطة ولهذا كتب ابن عربي كتابه المعروف (الأربعين عن رب العالمين) يعني التي حَدّث بها عن رب العالمين مباشرة لما سمعه منه. وهذا من حيث التفضيل أنّ الولي يصل به المكاشفة إلى حيث لا يكون هناك حجاب، والأنبياء حُجبوا منهم من كلموا في بعض الأحيان، أما الولي فإنه إذا اختار أن يسمع الكلام فما عليه إلا أنْ يصفي قلبه ويعمل بالرياضات الخاصة عندهم؛ الرياضات الروحية، ثم ينكشف له الحجاب فيصبح يرى ما يحدث في الملكوت ويسمع أوامر الحق جل وعلا للملائكة.

2. والطائفة الثانية الرافضة والإسماعيلية: فإن الرافضة يزعمون أن أئمتهم لهم من المقام ما ليس للأنبياء، وعندهم هذا من ضروريات المذهب حيث يقول بعض أئمتهم: من ضروريات مذهبنا أنّ لأئمتنا مقاما لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل. يعني مما لا يُحتاج إلى استدلال أصلا معروف، الأئمة الأثني عشر إبتداء من علي إلى العسكري، هؤلاء لا بيلغهم ملَك مقرب ولا نبي مرسل، قال: وأنهم كانوا قبل خلق هذا العالم أنوارا فجعلهم الله بعرشه محدثين وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما لم يجعله لأحد من العالمين. والإسماعيلية القرامطة والعبيديين والنصيرية والدروز زعموا أن الأولياء؛ أولياؤهم أعظم من الأنبياء من جهة أنّ الولي -وهم أولياء سبعة عندهم أو أربعة – أنّ الولي يحل فيه الحق جل وعلا، وليس كل شيء يستحق هذه المنزلة، فالأولياء تميزوا على الأنبياء لأنهم يحل فيهم الحق جل وعلا فيصبحون صورة لله جل وعلا؛ صورة ناسوتية وليست لاهوتية يعني بحلول الحق جل وعلا، فالجسمان جسمان إنساني ولكن العلم والحكمة والأمر والنهي إلهي.

3. والطائفة الثالثة ممن يقولون بتفضيل الأولياء على الأنبياء الفلاسفة: فإنهم يقولون التبوة الفلسفة تجتمع في شيء واحد، وهو أن الجميع فيه تحصيل غاية الحكمة، والنبوة تحصيل الحكمة فيها بواسطة الملَك لا دور للنبي في تحصيل الحكمة بإدراكه وعقله وسعيه وبذله، وأما الفيلسوف الحكيم فإنه حصل له هذا المقام وإدراك الحكمة بفعله وإدراكه وبذله وعقله وفهمه، ولهذا الفيلسوف تساوى مع النبي في إدراك الحكمة، ولكن زاد على أنه أدركها بعقله وبحثه ونظره، وذاك بواسطة، ومن أدرك بنفسه أرفع درجة ممن أدرك بواسطة. وهذا القول وكل الأقوال السالفة زندقة وكل من قال بهذا القول فهو زنديق يستتاب هلى الكفر فإن تاب وإلا قتل. وكلام أهل العلم قالوا يجب قتله بلا استتابة؛ من أظهر هذا القول فإنه يجب قتله بلا استتابة؛ لأنّ هذا القول مما لا شبهة فيه أصلا وإنما هي زندقة محضة.

وما ذكره شيخ الإسلام في تفصيل الكلام واضح من أنّ الرسالات جميعا جاءت بالإسلام وأن الرسل إنما يَفْضُلون بالإسلام لله رب العالمين وباتباع الأنبياء والرسل يشرف أقوامهم والأولياء، إلى آخر ما ساق من الآيات والأحاديث في هذا الباب.

نقف عند هذا، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

([58])ما سبق يريد منه الشيخ تقي الدين رحمه الله أنْ يربط ما بين قول غلاة المتصوفة في مسألة الولاية وقول الفلاسفة، فإنّ غلاة المتصوفة أخذوا تفضيل الولي على النبي من الفلاسفة، والفلاسفة -كما ذكرت لك في الدرس الماضي- قالوا إنّ الفيلسوف وصل إلى الحكمة بجهده، وأما النبي فوصل إليها بإعطاء، ومعلومٌ أن المجتهد أفضل من المُعطى وهؤلاء نظروا إلى جهة العمل؛ لأنّ الحكمة والفضل يرجع إلى جهتين: إلى قوة علمية وإلى قوة عملية، فالفلاسفة فضلوا من الجهة العلمية؛ فضلوا الفلاسفة والحكماء على الأنبياء من جهة العلمية، والصوفية؛ غلاة المتصوفة فضلوا الأولياء على الأنبياء من الجهة العملية التي أساسها الجهة العلمية؛ لكن طابع الفلاسفة غير طابع المتصوفة، طابع الفلاسفة شيء والمتصوفة شيء آخر، سبب هذا التفضيل راجع إلى ما وصف لك شيخ الإسلام من أصول أقوال الفلاسفة من فلاسفة اليونان أصلا، والقول بوجودات مجردة وكليات مجردة وتصرفات للكواكب أو تصرفات للعلل التي تنتج المعلولات، وأنّ إدراك هذه الحقائق الكلية وتأثيراتها في هذا الكون هو حقيقة الحكمة والعلم الذي يتفاضل به الناس، فالقوة مختلفة؛ فالقوة العلمية والعملية هذه هي أقوى الإدراكات، وكذلك القوة التخيلية التي بها يُتخيل الأمر، فرجعوا بالنبوات إلى أنها إجتماع قوة علمية وعملية وتخيلية، فلهذا قالوا: نحن نقول ما نقول عن برهان، وأما الأنبياء والرسل فقالوا ما قالوا عن تخيل. والبرهان الذي أقاموه برهان خطابي لا برهان عقلي فإنما جاء في النبوات من ذكر الجنة والنار وذكر الغيبيات أمور عندهم خَطابية والعقليات المجردة وتصور الأمثلة المجردة عن الواقع، المقصود من هذا الكلام وهو مبسوط وله كلام لشرحه ولايناسب شرحه في المساجد.

المقصود من هذا الصلة ما بين قول الفلاسفة الإسلاميين والفلاسفة اليونانيين ثم ما نتج من قول الصوفية، وفي الحقيقة أن الصوفية لم يأخذوا هذا القول كما ذكر شيخ الإسلام أو ما ألمع إليه كلامُه لم يأخذوه من الفلسفة الإسلامية، بل أخذوه من الفلسفة اليونانية، وأصل ذلك أن الفلسفة اليونانية والفلسفة القديمة لها قسمان:

1. فلسفة علمية: وهذه المراد منها الوصول إلى حقائق الأشياء العلمية على ما هي عليه.

2. والنوع الثاني فلسفة عملية: والمراد منها الوصول بالروح إلى إشراقها.

ولهذا صارت الفلسفة أقساما ومنها الفلسفة العلمية التي ذهب إليها أفلاطون وتلميذه أرسطو، والفلسفة الإشراقية التي قال بها أفلوطين (أفلوطين غير أفلاطون).

دخلت المذاهب –يعني فيه تفاصيل لمذاهبهم وكذا- هذه إلى بلاد المسلمين وتلقفها من تلقفها:

فالفلسفة العلمية تلقفها العقلانيون من المعتزلة فنشأ من خليط ما عند أهل الإعتزال وما عند الفلاسفة وما في النصوص ما يسمى بعلم الكلام، خليط من هذه الأشياء الثلاثة عقيدة المعتزلة، النصوص، فالفلسفة، فنشأ علم الكلام من مجموع هذه الثلاثة أشياء.

وأما الفلسفة العملية الإشراقية فهذه أيضا دخلت إلى المسلمين عن طريقين: الطريق الأول طريق الكتب المترجمة، والطريق الثاني مخالطة طائفة كبيرة من المسلمين للنصارى في أديرتهم في الشام وفي العراق وفي غيرها.

دخلت الفلسفة الإشراقية -الفلسفة الإشراقية معناها الوصول بالروح إلى إشراقها فتتعدى العالم المحسوس إلى العالم غير المحسوس، وهذا يصل بالرياضة، يصل إليه الواصل بالرياضة-، هذا النوع هو الذي دخل في الصوفية فنشأ الغلو في التصوف من جهة دخول فلسفة أفلوطين الإشراقية، ونشأ ما يسمى بالسلوك الضال أو التصوف في خليط ما بين الزهد الشرعي، وما بين الإشراق الفلسفي وظهرت النظريات أو الأقوال المختلفة عند الصوفية الغالية من الإتحاد والوحدة والفناء إلى آخره نتيجة لهذا.وصلوا كما وصل إليه الفلاسفة العمليين الإشراقيين إلى أنّ الإنسان قد يصل إلى مرتبة تُكشف عنه فيها الحُجُب فيصل إلى ما وراء العالم المنظور إلى آخره.

فحصل القول عند الطائفتين أن الفيلسوف صاحب المحكمة هو أفضل البشر، فالفيلسوف العلمي العقلي أفضل من غيره، وهذا الذي قال به الفلاسفة مثل ابن سينا وجماعته، قالوا يتفضيل الفيلسوف على النبي لما ذكرنا لك في الدرس السابق، والصوفية فضّلوا الولي صاحب الإشراق على النبي؛ لأن النبي حجب بالحجب أما ذاك فأشرق فكمُل ووصل إلى مشاهدة الرب جل وعلا وسماع كلامه والأخذ من المعدن الذي أَخذ منه الملَك الذي نقل إلى الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه؛ ففضَلوا من جهة أنهم أخذوا بلا واسطة وأن الأنبياء أخذوا بواسطة.

فيه تفاصيل في هذا الكلام معروف؛ لكن بيان أصل الإتباط ما بين القول بتفضيل الولي على النبي في ربطه بالفلاسفة العلميين والفلاسفة العمليين كما ذكرتُ لك.

([59]) تكون (مبدعًا) لأنها خبر ليس.

([60]) أبو حاتم البستي يعني ابن حبان.

([61]) أهل الكلام –مثل ما في النسخة الثانية- لأن أهل الكتاب والسنة هم أهل العلم

([62]) المقصود من هذا: الصلة بما سبق الكلام عليه من الفرق ما بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وكرامات الأولياء ومخاريق السحرة ومعجزات الأنبياء، فإنّ الخوارق كما ذكرنا التي تحصل في الأرض ثلاثة أصناف:

1. خوارق الأنبياء وهذه تسمى آيات وبراهين، وآيات الأنبياء قسمان: آيات كبرى وآيات صغرى.

2. والثاني من الخوارق ما يختص بالأولياء، وهذه يُقال لها كرامة، وهذه تكون من الآيات الصغرى للأنبياء، أو من جنس الآيات الكبرى مع اختلافها معها في الذات والقدْر والصفة.

3. والثالث خوارق جرت على ايدي السحرة والكهنة، فهذه مخاريق الشياطين ليست من الله جل وعلا إمدادا لهم، وإنما هي من الشياطين إبتلاء لهم.

الأول آيات وبراهين، والثاني كرامات، والثالث خوارق شيطانية.

أما آيات الأنبياء فإنها لا تشبه كرامات الأولياء، ولا تشبه مخاريق السحرة والشياطين والكهنة، فربُّنا جل وعلا قال في وصف الآيات التي أعطاها نبيه r محمدا قال ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾[النجم:18] فدل على إنقسام آيات ربنا جل وعلا إلى كبرى وما هو أدنى من ذلك صغرى وغيرها. كذلك قوله جل وعلا في موسى عليه السلام ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى(20)فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾[النازعات:20-21]، فدل المفهوم أن هناك آيات دون ذلك؛ فالآيات الكبرى هذه لا يَشْرَكهم فيها حتى الأولياء لا يمكن أن يعطى الولي آية كبرى؛ لأنّ هذه الآية الكبرى دليل نبوة النبي ودليل رسالة الرسول عليهم صلوات الله وسلامه، أما الآيات الصغرى مثل نبع الطعام منبع الماء قليل مثلا من الأصابع أو مثل سماع الأخبار أو مثل المشي على الماء أو أشباه ذلك هذه آيات تحصل للأنبياء -أو تكثير الطعام القليل- تحصل للأنبياء وتحصل للأولياء وأما الآيات الكبرى فإنها إنْ حصل للولي فإنما يحصل له ما من جنسها لكن لا يماثلها قدْرا ولا ذاتا ولا صفة؛ مثل النار التي جعلت لإبراهيم عليه السلام فأنجاه الله منها، والنار التي جعلت لأبي مسلم الخولاني في نجد فأنجاه الله منها، فما بين النار والنار فرق، وما بين الصفة والصفة فرق، وما بين سبيل النجاة وسبيل النجاة فرق.

فإذن هنا بهذا التفصيل يزول إشكال من قال إنه لا كرامة للولي لأنه لو قلنا بالكرامات لاشتبهت خوارق الأنبياء وآياتهم بكرامات الأولياء كما هو مذهب المعتزلة وابن حزم وجماعة ممن أنكر كرامة الأولياء وأنكر الخوارق، وكذلك يبطل قول من قال أن كل خارق يحصل لحكيم أو لولي، فإنها قد تحصل للشياطين لكن ما يحصل للشياطين فليس معجِزا إلا لمن لم يكن مثلهم، أما من كان مثلهم فهو لا يعجز، لأنّه ليس بإقداره هو وإنما بمقدرته يعني أن الشياطين أعطته ذلك حصل له ذلك بالكهانة، حصل له ذلك بالسحر أما الكرامة فهي من الله جل وعلا لعبده، فالسحرة مثلا الذين جاءوا لموسى جاءوا بسحر عظيم هؤلاء سحرهم العظيم إنما كان خارقا على من لم يكن ساحرا، أما من كان ساحرا فليس عليه بخارق وأما أهل الكرامات، كرامات الأولياء الأولياء الذين لهم الكرامات فإنّهم جنسها يختلف ما بين ولي وولي، وما بين مُكرَم بهذه الكرامة وآخر، وكل أجناسها يكون مُعجزا أو خارقا لناس زمانهم، وقد يكون حصل لناس في الزمن الأول كرامة هي في وقتنا الحاضر ليست كرامة لأنها تحصل لآحاد الناس مثل الطيران في الهواء، مثل المشي على الماء وأشباه ذلك، أو أنْ يكون في الشتاء القارس بملابس خفيفة هذا قد يحصل الآن لاختلاف الزمن.

فإذن كرامة الولي تحصل خارقةً لناس زمانهم ليس الناس جميعا أو للإنس والجن جميعا، وإنما لناس زمانه أي في أرضه ومن عنده؛ ليدل ما حصل له على كرامته على الله جل وعلا، أما خوارق الأنبياء آياتهم وبراهينهم الكبرى فإنها خارقة [انتهى الشريط الرابع] لعادة الجن والإنس جميعا لهذا ينبغي أن يُضبط قول من قال خارق للعادة في الكرامات أو في الخوارق أو في آيات الأنبياء أو في المعجزات.

خارق للعادة, العادة هذه عادة من؟ فإن فُسِّرت بأنها عادة الجن والإنس جميعا فيكون الخارق آية وبرهان لنبيٍّ, لأن الله جل وعلا قال في سورة الإسراء ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾[الإسراء:88]. فجعلها معلّقة في الجن والإنس جميعا، وأهل الكرامات يكون خارقا لعادة الناس في بلدهم وزمنانهم، فقد لايكون خارقا لأناس في طرف من الأرض آخر, يكون خارقا لمثل أهل زمانهم ما يحصل لهم مثل هذا, مثل مثلا يحضر له عنب في وقت الصيف أو في وقت الشتاء هذا بالنسبة لأهل مكة ليس عندهم عنب لكن لو لكن لو تذهب إلى بلد آخر يكون فيه، هذا ينبغي أن لا يكون خلط هذا بهذا. أما السّحرة والكهنة والخوارق الشيطانية تتقيد بأنها خارقة لعادة من لم يكن مثلهم؛ يعني لمن من الناس من لم يكن ساحرا، ولا يدخل في ذلك من هو أعلى منهم قدرا في المعجزات والبراهين مثل الأنبياء.

مقصود شيخ الإسلام بما مرّ إثبات الكرامات، وأن الكرامة إنما هي خارق أُيِّد به ولي، أو أُعْطِيه ولي، وأنّ جنس الخوارق قد يحصل للشياطين، وأنّ قول طائفة من الصوفية أو أكثر الصوفية أن كل خارق دليل الكرامة هذا غلط، كذلك من شاركهم في ذلك مثل القلاسفة وأتباع الفلاسفة الذين قالوا إنّ الخوارق تحصل بالرياضات؛ فإذا إجتمعت القوة العلمية بالتخيلية والفعلية صار .... الخوارق، قالوا هذه تحصل بالرياضات والجوع والتعب، فبالعلم تحصل القوة العلمية ..... المعلومات، وبالجوع والسهر تحصل القوة التخيلية، وصدق من قال أنه تحصل القوة التخيلية كما قال الذهبي في السير وفي غيرها، لأنهم إذا أداموا الجوع وأدمنوا السهر فإنه فقد يتصورون أشياء ويتخيلون صورا ويسمونها ملائكة، ويسمعون أصواتا من جراء إضطراب أبدانهم وعقولهم ويجعلونها نداء من الملأ الأعلى وهي الشياطين خاطبتهم إلى غير ذلك.

فهذا فرقان عظيم ما بين ما يُعطاه الولي من الكرامة، وما يكون عند الكهنة وأولياء الشياطين من الخوارق، أو ما عند الفلاسفة من الخوارق، فالفلاسفة يقولون لا فرق فإنها تحصل النبوة علما وعملا؛ علم: قوة علمية، وعمل: قوة فعلية، وتخيلات، هذا يحصل للفيلسوف ويحصل للنبي، فالأنبياء إنما هم فلاسفة وأولي إصلاح العالم. نسأل الله جل وعلا العفو والعافية، عليهم من الله ما يستحقون، معلوم أنه فرق كبير بين هذا وهذا. لا يستوي الليل والنهار.

¨ ...هيولى الشيء ما منه يتكون؛ قد تكون مادة قد يكون غيرها؛ فهيولى العالم يعني مكونات العالم.

نبّه شيخ الإسلام على مسألة مهمة، ليكن تقعيد في العلوم جميعا، وهي أن: المصنف لعلم قد يستخدم عبارات يتلقاها المتلقي في ما عنده من معنى هذه العبارات والمصنف عنى بها معتى آخر، ويصبح يردد كلام هذا المؤلف أو هذا الذي قرأ كلامه والمراد مختلف؛ مثل قول الفلاسفة إنّ هذا العالم مُحْدَث، أو قولهم في العقل، العقل عندهم غير العقل عند العرب، فالعقل عند منطق اليونان، عند فلسفة اليونان ومن ورث فلسفتهم له معنى آخر، له معنى آخر غير العقل في النصوص، العقل في النصوص له مراد، والعقل هناك له مراد آخر، ولهذا لما جاء أهل الكلام راموا الجمع ما بين الفلسفة والشريعة، فظنوا أن العقل هناك هو العقل في النصوص، فجمعوا بينها على ما ترون بما سُمي بعلم الكلام، فعلم الكلام خليط ما بين فهم الفلسفة وفهم الشريعة وجاء المشترك بينهم الألفاظ التي جاءت هنا وهنا مثل ما نبه شيخ الإسلام، فإذن استعمال لفظ في معنى لم يرده من وضفه أو من استعمله فيه هذا لاشك أنه يُحدث جنايات، وهذا من أنواع استعمال المصطلحات التي تُحدث جنايات في الأمة، كذلك لفظ المُحدث؛ يقول الفلاسفة مثلا هذا العالم مُحدث نحن قد نستعمل المحدث ونريد به أنه مخلوق خُلق وأُحدث من غير مثال سابق –أُحْدث-، وهم يريدون بكلمة محدث أنه معلول، لأنّ المحدث عندهم لا بد أن يكون عن علة أحدثته عندهم، الحدث هو المعلول فإذا قال العالم محدث أو قال هذا الملكوت الذي تراه محدث لا يعني أنه مخلوق، يعني أنه معلول لعلة سبقته، وعلة سبقتها علة إلى أن تصل إلى الأصل الفعال إلى أن نصل إلى الأصل الذي صدرت عنه العلل ومعلولات العلل. فهذا يعطيك تحفُّزا في أنّ استعمال الألفاظ الشرعية لا بد منه بل هو المتعين؛ وأن طالب العلم إذا احتاج إلى استعمال ألفاظ القوم فلا بد أن يفهم مرادهم منها أولا، ثم المراد منها لغة ثانيا، استعمال غيرهم ثم ينزلها منزلتها اللائقة بها، أما أنْ يسمع لفظا ثم يستعمله بدون معرفة لأبعاده ومعرفة المعنى الأول المستعمل له، فهذا يحدث فسادا ويحدث خللا، مثل الألفاظ هذه التي تستعمل؛ المحدثة، قد يستعملها المرء ويظن أنها سليمة لكنّ مراد الأول غير مراد الثاني بها, فأنت تنشر لفظا أُريد به باطل لفهمك له فهما صحيحا، هذا ليس سليما؛ لأنّ المتلقي قد يفهمه فهم الأول أو قد يُنشر في الناس الفهم الأول، فتصبح أنت ناقل لمصطلحات الناس؛ مثل لو قلنا مثلا للناس أنّ الله جل وعلا ليس بجسم، بمعنى ليس بجسم يدخل فيه قول من قال أن الله لا يتصف بالصفات، يعني ليس بجسم هذه الكلمة لمم يرِد نفيها ولم يرد إثباتها، ولو قلنا ليس بجسم كتلك الأجسام لكان صحيحا، لكن إطلاق هذا اللفظ يجعل هذه الكلمة وسيلة لتقرير عقائد باطلة. الألفاظ المحدثة كثيرة والمصطلحات في هذا متنوعة.

فإذن استعمال العقل في النصوص غير العقل عند الفلاسفة، استعمال لفظ الخارق عند أهل السنة غير الخارق عند الصوفية غير الخارق عند الفلاسفة، استخدام لفظ النبوة عندنا غير النبوة عند الفلاسفة، المعاد عندنا غير المعاد عند الفلاسفة، الخطاب، الوحي عندنا غير الوحي عندهم. فإذن معنى كل كلمة لابد له من استدلال، فبعض المعاصرين فيمن قرأنا بعض كتاباتهم لم يفهموا هذا فهما جيدا فأصبحوا ينتقدون بعض كلام شيخ الإسلام أو بعض كلام المحققين فيقولون بل نص فلان في الكتاب الفلاني على أن العالم مُحدث وقال أنه أقر بالنبوة أو ابن سينا أقرّ في موضع بالمعاد هو ما يعرف كلمة المعاد حيث وردت، كلمة العقل حيث وردت إلى آخره.

فإذن فهم كلام المتكلم على غير استعماله للعبارات؛ قد يستعمل عبارة لها مدلول عنده خاص، والمدلول عندنا يختلف فمحاكمته على مدلولاته لا على ما عندنا، فاختلاف اللغات في العلم يسبب خلالا في الفهم والتقويم والإدراك. نقف عند هذا وأسأل الله جل وعلا لي ولكم العفو والعافية.

([63])هذا الكلام واضح في بيان إستطراده لبيان معتقد غلاة المتصوفة أصحاب وحدة الوجود مثل إبن عربي الطائي وأمثاله، وهؤلاء قالوا إنّ الوجود واحد، ووهذا الوجود إنما هو وجود الله جل وعلا، وينقسم إلى وجود مقصود ووجود غير مقصود, وأنّ وجود الله جل وعلا مقصود وهو الأصل وأن وجود غيره وهو وجوده سبحانه، إذْ لو لم يوجد غيره لم يوجد هو فصار الأمر إلى أن الوجود واحد، والوجود من حيث هو صفة لا توجد في الظاهر، لاتوجد كما ترى في خارج الأذهان إلا مضافة إلى متصف بها مثل المعاني العامة التي ذكرنا لكم فيما سبق المعاني لاتوجد من حيث هي عامة إلا في الأذهان؛ ما يوجد في الخارج شيء اسمه كلام، وشيء اسمه وجود، وشيء اسمه حياة، هكذا بدون موجود أو متكلم أو حي، إنما يوجد في الرأس في الذهن تصور الوجود، يوجد في الذهن تصور الحياة، لكنها في خارج الأذهان في الواقع لابد أن تضاف لمتصف بها، فالإشتراك في المعنى الكلي لا يعني الإشتراك في المعنى الإضافي، فالمعنى الكلي نعم؛ يشترك فيه كل موجود، ولكن لكل وجودٍ يناسبه، وإذا تفرّقت الأشياء بالوجود الذي يناسب كل شيء على حِدَا، فإن معنى ذلك أن الأشياء تغايرت فتباينت في الذات، مثل ما ذكر مثل الإنسان والفرس يشتركان في معنى الحيوانية وهي الحياة المتحركة؛ الحياة والحركة، يقال الحيوان الحيِّ المتحرك؛ يعني أن الإنسان والفرس إشتركا في هذه الصفة، لكن الحياة والحركة وهي الحيوانية هذه هل هي موجودة في الخارج بدون متصف بها ؟ لا. فهل يقال إنّ الإنسان والحيوان شيء واحد من جهة صفة الحياتية؟ لا قائل به حتى أصحاب وحدة الوجود. لكنهم يقولون من جهة صفة الوجود نعم. وهذا في الحقيقة راجع إلى شيء وهو أن أصحاب وحدة الوجود أخذوا هذا من قول الجهمية الذين لا يؤمنون إلا بصفة واحدة لله جل وعلا وهي صفة الوجود الأعظم، فلما لم يصفوا الله بشيء وكانت صفة وجود المخلوق مشكلة على إثبات وجود الله جل وعلا جعلوا الخالق عين المخلوق والمخلوق عين الخالق من جهة الوجود، حتى فرعون جعلوه رمزا أو صفة من صفات وجود الله جل وعلا؛ لأنه قال ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾[القصص:38]، وقال ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى﴾[النازعات:24].

ومن هذا المنطلق أو من هذا المبدأ والأصل أخذه النصيرية وأخذه الدروز وأصحاب التناسخ والنصارى بأن هذا وهذا إتحدا وكانا شيئا واحدا، وتفصيل الكلام على مقالهم كما قال شيخ الإسلام ليس هذا موضعه، وإنما المقصود بيان فساد قولهم.

([64])هذا الكلام استطراد في بيان حال المدعون للإتحاد ووحدة الوجود والذي يهمُّك في هذا أشياء:

الأول: أن إنشاء شيخ الإسلام لهذا الإستطراد وهذه البينات لهؤلاء الملاحدة، الغرض أنّ أهل الشام ومصر في ذلك الوقت يعظمون أصحاب وحدة الوجود؛ يعظمون ابن عربي والتلمساني وأشباه هؤلاء، وابن الفارض يعظمونهم جدا، واشتهر عنهم أنهم يقولون بهذا الكلام ومع ذلك يعظمونهم، ولهذا أوجب أن يبين أن هؤلاء ليسوا من أولياء الله، فاستطرد ليبين لك فساد قول هؤلاء وأنه لا يكون أمثال هؤلاء أولياء لله جل وعلا.

الثاني: أنّ هؤلاء الملاحدة والزنادقة أمثال ابن عربي وأشباهه، شاع في الناس أنّ لهم كرامات وأنهم يخبِرون بأشياء تكون حقا، وأنّ الكهان من اتباعهم والمنتسبين للتصوف عندهم أحوال إيمانية ينكشف لهم بها الغيب، وأنّه يوحى إليه، وأنه تأتيه المعلومات ليست إلا عندهم، فجعلوا هذه الأشياء من كراماتهم فبيّن رحمه الله فيما ذكر أنّ هذه الأشياء التي تنسب إليهم صحيحة، ولكن ليست هي كرامات تأتيهم من الملائكة وإنما هي أحوال شيطانية تأتيهم من الشياطين ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ﴾[الأنعام:121]، والشيطان يتنزل على مَن يواليه ويخبره بأشياء ويعلمه ويعطيه معلومات فربما حمله وربما تصور بصورته وربما طار به في الهواء وربما سخر له بعض الأشياء بما أقدره الله عليه، فإذن فالشأن ليس في أنّه يُخدم، أو أنه يُدَّعَى أنّ الملائكة تخدمه وتعمل له، ولكن الشأن هل هو من أولياء الله موافق لشرع الله ومتبع للسنة أو لا؟ فإذا لم يكن متبعا للسنة ويقول مثل هذه الأقوال الكفرية فنعلم قطعا أنه من أولياء الشيطان، وأنّ ما قاله وافتراه وادعاه من هذه الأقوال الباطلة هي دليل أنه شيطان من الشياطين، وأنّ المؤمن لا يجوز له أن يغتر بأحوال هؤلاء وأنْ يجعلهم من أولياء الله جل وعلا .

والثالث من أسباب إنشائه هذا الكلام أو الاستطراد: أنّ أكثر السحرة والكهنة في أزمنة الإسلام ادَّعَوا الصلاح، وادعوا أنّ ما يأتيهم إنما هو من جهة الملائكة، فهذا تسمعه عند كثير من مُغَفَّل من المسلمين وجهلتهم فيما يذكرون من أخبار بعض الناس في بلد كذا وبلد كذا وبلد كذا، هم يقولون فلان تأتيه هذا تخبره الملائكة لأنه رجل صالح، وهذا لاشك أن هذا من براثن تلك الخلفية العامة، فإذا قيل إنّ فلانا تنزل عليه الملائكة فاعلم أن هذا من جهة أولياء الشيطان؛ لأننا لا نعلم أحدا من الصحابة ولا من التابعين ولا من سادات المسلمين قيل أن الملائكة تنزل عليه فتخبره إلى آخره، وإنما هي دعوى لأولئك الفسقة الفجرة فيها يروجون على الناس في كهانتهم أو سحرهم، فالسحرة الآن يأمرون الناس بتلاوة القرآن؛ ويتلون عليهم القرآن ثم يخلطون معها غيرها، يقولون نخبركم؛ الملائكة تأتينا وتخبرنا، وهي الشياطين، وهم أصلا من أكذب الناس فكيف يصدَّقون في مثل هذه الأشياء، فإذن يبيّن شيخ الإسلام حال من كان في زمنه؛ وهو الوجه الثاني الذي ذكرنا، والوجه الثالث حال كل من ادعى نزول الملائكة عليهم، فإنّه الحجة كما قال ابن عباس في حال المختار بن أبي عبيد؛ قيل له إنه ينزّل عليه قال صدق فإنه تنزّل عليه الشياطين، كما قيل إنه يوحى إليه قال نعم كما قال الله ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ﴾[الأنعام:121]

وملخص هذا أن الكلام أو الغرض منه ما ذكرنا من بيان الفرقان العظيم بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وأن مسألة خرق العادات ليست فرقانا؛ أن يحصل للمرء خارقا للعادة؛ أن يحصل له شيء لم يحصل لغيره هذا ليس دليلا على صلاحه، وليس دليلا على فساده، حتى ينظر في أمره فإن كان من أهل الإيمان والصلاح المتابعين للحق فإنه يرجى أن تكون هذه كرامة له، وإن كان من غير أهل الإيمان؛ من أهل البدعة والفسق والفجور فإن ما حصل له يعتبر فارقا شيطانيا وحالا شيطانية وليست بكرامة. فإذن هذا كل ما بحثه في هذا الموضع والذي قبله ملخصه أن الأحوال والخوارق ليست برهانا ولا دِلالة، وإنما البرهان والدلالة هو ما قال الله جل وعلا ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس:62]، والملائكة لا تنزل إلا على الرسل أو على المؤمنين لتثبيتهم في القتال أما الإخبار بالمغيبات وأشباه ذلك فلا يكون، قد يُلقى في روع المؤمن من أن يكون هذا الأمر كذا؛ يكون من باب الفراسة الإيمانية التي يعطيها الله جل وعلا لمن يشاء من خلقه، لكن تحديث الملائكة ويقول سمعت الملائكة قالت لي الملائكة هذا لا شك أنه من صنيع الشيطان.

سؤال فقهي: أرجو التوضيح فيما قلتم في الفرق بين... ؟ البر والشعير من الأصناف الربوية كما هو معلوم والذهب والفضة من الأصناف الربوية والنبي عليه الصلاة والسلام قال «إذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد» فبهذا الحديث ترى عند اختلاف الأصناف أن يكون مقبوضا يدا بيد، ذهب بفضة لابد أن يكون يدا بيد، ذهب ببر لا بد أن يكون يدا بيد، ذهب بشعير، فضة بشعير يدا بيد، فهل هذا في كل الأنواع أم لا؟ هذا ليس في كل الأنواع، إذا كان أحد النوعين نقدا جاز التفاضل وأن نتداين، إذا كان أحد العوضين نقد...

هذا أحد الأخوة كتب على حقيقة التوحيد للدكتور يوسف القرضاوي فيه أغلاط كثيرة في التوحيد منها عده الذبح والنذر من الشرك الأصغر ومنها أن المقصود توحيد الربوبية وأشياء من هذا، ومن جهة مكاتب الدعوة والجاليات يُنَبَّهون إلى منعه من التداول ومن توزيعه وإقرائه... فمن رآه في مكتب ينبها إن شاء الله ونتابع هذا نحن مأمورون بإزالة هذا الكتاب مع أنه طبع في الإفتاء في المكان الذي نشروه تبع الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله لكن ... أنّ فيه أغلاط كثيرة فمن رآه ينبه صاحب المكتب الجاليات والدعوة عليه ويذكرني بهذا ... لأن فيه خلطا كثيرا .

([65])مجازات العقول يعني ما تُجيزه العقول فليس المقصود المجاز الذي هو قسيم الحقيقة أو مقابل الحقيقة؛ مجازات العقول هنا يعني ما تجيزه العقول، هذا أصل معنى المجاز؛ أصل معنى المجاز ما يجيزه الشيء، فمجاز في اللغة ما تجيزه، هنا مجاز العقول يعني ما تجيزه العقول لا بمحالات العقول.

([66])هذا الكلام راجع إلى كون كلام الناس في الإتحاد والحلول، وتقرير هذا الباب وفهم كلام شيخ الاسلام، هذا يحتاج إلى إيضاح لمعنى الحلول والإتحاد:

الحلول في عُرف القوم أن شيئين متمايزين مختلفين في الحقيقة يحل أحدُهما في الآخر مع بقاء التميّز.

والإتحاد أيضا شيئان مختلفانفي الحقيقة يتحد أحدهما بالآخر فيزول التميُّز.

• فالحلول يبقى هذا وهذا لكن الصورة الظاهرة واحدة، ولكن حل أحدُهما في الآخر؛ مثل الكأس والماء فالكأس إذا حلّ فيه الماء, حقيقة الكأس شيء وحقيقة الماء شيء وصارا شيئا واحدا كأس ماء لكن هناك تميز؛ يمكن هذا أن يفصل عن هذا.

• لكن الإتحاد مثل السكر والماء, الحبر والماء, الملح والماء، الشاي والماء, كانا منفصلين فاتحد أحدهما بالآخر حتى صارا لا ينفك أحدهما عن الآخر، يعني لا يتميز أحدهما عن الآخر، السكر لما ذاب في الماء، أين السكر؟ تقول في الماء، والماء ذاب فيه السكر، أين هذا وهذا؟ سكر وماء، أفصلهما، ما ينفصلان، ورق شاي حَطِّيتَهْ في الماء كذلك صار ماء وشاي إلى آخره. هذا الفهم في تقريرها مهم في بيان ما عليه الناس في ذلك.

إذا تبين هذا في المعنى العام. فالحلول نوعان، والإتحاد أيضا نوعان، الحلول عام وخاص عند أهله، والإتحاد عام وخاص عند أهله:

Áفالقائلون بالحلول منهم من قال حلّ في أشخاص معينين؛ حلّ الله جل جلاله -تعالى الله عن قولهم- حلّ في أشخاص معينين؛ حلّ في عُزير عند اليهود، حلّ في المسيح عند النصارى، حلّ في البقر عند عباد البقر، حلّ في الإله الفلاني عندهم، حلّ في الصنم، حلّ في كذا وكذا إلى آخره، حلّ في أئمة آل البيت عند غلاة الرافضة، حلّ في الحاكم بأمر الله العبيدي عند الدروز، وهكذا، هذا حلول خاص في بعض المخلوقات.

Áوهناك حلول عام وهو قول من قال: الله حالٌّ في كل مكان. وهذا قول المتكلمين والمعتزلة والأشاعرة وأشباههم، الله حالٌّ في كل مكان، في أي مكان هو حال، ولكن منفصل ليست مختلطة، الحقيقة متميزة.

والإتحاد نوعان أيضا: إتحاد خاص وإتحاد عام، والقائلون بالإتحاد هم غلاة التصوفة هم الذين يقولون بالإتحاد، وأما الحلول فلا يقول به غلاة المتصوفة وإنما يرون أنّ من قال بالحلول في شخص معين فهو كافر، فعند أهل الوحدة -وحدة الوجود، أو إتحاد الله بكل موجود حتى صارت الحقيقة مع حقيقة المخلوق غير متميزة- يقولون كفر من كفر لادعائه عدم الإتحاد أو لإدعائه الحلول في بعض المخلوقات دون بعض؛ لأنّ النصارى كفرت لأن المسيح حل فيه الله، واليهود كفروا كذا، والعرب كفرت لأنها قالت إنّ هذه الأصنام آلهة يعني يحل فيها الله، وهكذا، ولو أنهم قالوا حلّ في كل شيء؛ يعني إتحد بكل شيء فصارت الأشياء عين وجود الله جل وعلا لم يكفروا، وعندهم الإتحاد -عند القائلين به- نوعان: إتحاد خاص وهو ببعض المخلوقات، وإتحاد عام بجميع المخلوقات:

Áفالذين يقولون بالإتحاد العام هم الذين يُعَبَّر عنهم بأصحاب وحدة الوجود، إتحد بالسموات والأرض؛ كل شيء هذه إتحد بها حتى صار موجود الحق جل وعلا هو عين وجود هذه المخلوقات، وجود المخلوقات هو عين وجود الله؛ حتى ما تفك هذه عن هذه، مثل السكر الذي ذاب في الماء صارت الحقيقة واحدة لا يمكن إنفصال إحدى الحقيقتين عن الأخرى.

Áوالذين قالوا بالإتحاد الخاص –غير الإتحاد العام- هؤلاء لا يقال لهم أصحاب وحدة الوجود هم طائفة من المتصوفة، فغلاة المتصوفة جميعا إتحادية، لكن منهم أهل وحدة الوجود ومن إتحد بكل موجود، بحيث صار عين الوجود واحدة، ومنهم من يقول بالإتحاد في بعض المخلوقات دون بعض.

ومن أعظم ما يدل على كفر هؤلاء؛ على كفر من يقول بالإتحاد العام وكذلك الإتحاد الخاص: أنّ هذا القول يعني أنّ الكفر والفِسق صارا في الله جل وعلا؛ لأن الفاسق والمجرم والقاتل والزاني وشارب الخمر وفاعل الفواحش والكاذب إلى آخره من أنواع الموبقات والكبائر لما كان هو عين الوجود ولا تمايز بينهما يكون لا يُفَرَّق بين الكاذب شَخْصًا والكاذب إتحادًا، لأنه صارت حقيقة واحدة، كما أننا لا نقول الماء حلو والسكر لا طعم، كما أننا لا نقول السكر حلو والماء لا طعم له، فأنت إذا شربت ماءً زِيد فيه سكر صارت الحقيقة واحدة، ما تستطيع أن تقول هذا حلو وهذا وهذا مالح والماء هذا فيه ملح ما تستطيع أن تميز بين هذا وهذا لأنه بالإتحاد صارت الحقيقة واحدة هذا هو معنى الإتحاد، فيلزم من هذا أن يكون كل من شر وكل فسق وكل هذا منسوب لله جل وعلا، لهذا ابن القيم لما ذكر هذه المسائل في أول النونية قال:

يا أمة منكوحها معبودها أين الإله وثغرة الطعام

ما فيه تفريق صار المنكوح حالّ فيه الإله يعني إتحد به الإله الحقيقة واحدة؛ مَاهُو حلّ لأن الحلول يقتضي الإنفصال في بعض الأحوال لكن المتحد مع المتحد به صارت الحقيقة واحدة صار الناكح هو المنكوح فأين الإله بين هذا وهذا، لاشك أن هذا من أعظم ما يكون من إهانة الرب جل وعلا وسبّه وعدم قدْره حق قدْره سبحانه. هؤلاء لما قالوا بالإتحاد وبالوحدة قالوا إنّ الاتحاد العام والوحدة العامة هذه متفاوتة بين أهلها؛ فيكون الولي له من الإتحاد لتخصيصه ما ليس لغيره من الموجودات، فلهذا يصبح ينظر بنظر الإله لما له من خصوصية في الإتحاد، ويصبح يقدْر بقدرة الاله لما له من خصوصية في الإتحاد، فالإتحاد عام لكن درجات المتَّحد بهم مختلفة من حيث الصفات، ولهذا جعلوا للأولياء مقاما يزيد على مقام الأنبياء؛ لأنّ عندهم درجة الإتحاد مختلفة فالأنبياء أعطوا درجة لكن هذه الدرجة زاد عليهم فيها أصحاب الوَحدة من جهة أنّ أولئك -في شبههم- وجودهم هو عين وجود الله جل وعلا، لكن عند غلاة المتصوفة الأنبياء يحتاجون في الأخذ من السماء كلام الله جل وعلا إلى واسطة، فلم يكن الإتحاد بهم من جميع الصفات, وأما الأولياء -كُمَّلُ الأولياء عندهم- فإنهم الإتحاد بهم جاء في الصفات كلها، لهذا يجعلون العالم مقسَّما قسم يتولاه الولي الفلاني وقسم يتولاه الولي الفلاني، وقسم يتولاه الولي الفلاني، إلى آخر ما عندهم في ذلك.

المقصود أن فهم هذا الكلام، وفهم هذه المسائل، وما يدور عليها:

1. راجع إلى فهم معنى الحلول والإتحاد.(واحد)

2. راجع إلى معنى أقسام الحلول والإتحاد.(اثنين)

3. راجع إلى أنّ أصحاب الوَحدة -غلاة الصوفية- يقسمون القسمة لاختلاف الصفات، فلا يجعلون الإتحاد عاما في الصفات، كما أن أهل الحلول لا يجعلونه متساويا فيمن حلّ بهم.

هذا أصل مسألة تفضيل الولي على النبي عندهم، وأن الولي له كرامات أكثر ويصل، تكشف عنه الحجب والنبي قد لا يُعمل عقله، لكن الولي يرى ما لا يراه غيره وحسه يكذب العقليات، إلى غير ذلك من المسائل. نعم

[سؤال: عن لازم المذهب هل هو من المذهب؟]

هذا إن كانوا ينكرون هم لا ينكرون هذا هم يفتخرون به قال ابن الفارض

لها صـلاتي بالمقـام أقيمــها وأشهد فيها أنها لي صلّـــت

ما في جبتي إلا هو، هم يعترفون بذلك مثل ما قال لك شيخ الإسلام أن رجلا من غلاتهم قال لمريده من حدّثك أن في الوجود غير الله فهو كاذب، إذا قال لك أحد في الوجود غير الله فهو كاذب، فقال له الغلام: من الكاذب؟!!! – ما أعرف من هو الكاذب إذا كان ما في الوجود غير الله- إذا ما كان في الوجود غير الله فمن الكاذب. فهم يعترفون، لازم المذهب ليس بمذهب إذا كان لا يُقِرُّه هو، لا يلتزم به، لكن في مثل هذه المسائل هم يلتزمون بها، نقول لازم المذهب ليس بمذهب في التفصيلات التي ذكرها شارحج الطحاوية في أولها: يلزم منها إبطال الرسالات... لازم المذهب ليس بمذهب، لكن في أنهم يرون أن هذا الذي صلى إليه هو الله ويستدلون بقوله تعالى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾[الإسراء:23] هذا قضاء كوني فلم يعبد إلا هو فمن عبد الصنم عبد الله ما كفر بعبادته الصنم ممكن الرجل الصالح يعبد الصنم ولا يكفر، لكن كفر باعتقاده أنّ الصنم غير الله جل وعلا لأن الصنم هنا منفصل باعتقاده في الحجر من حيث هو، أما إن عبد الحجر من حيث فيه الله حال فيه فهذا ما عبد غير الله جل وعلا، أعوذ بالله من كلامهم.

لكن المقصود من هذا أن تفهم مراد شيخ الإسلام في ما أورد أعوذ بالله منهم ومما قرب إلى قولهم. نعم

نحن ما أوردنا الآثار المترتبة، ولا أوردها هو، لكن هم إعترافهم أن المصلي صلى لنفسه:

لها صـلاتي بالمقـام أقيمــها وأشهد فيها أنها لي صلـــت

لا يفرق بين هذا وهذا.

انفصل اللاهوت يعني الجثمان هذا صفة بشرية، روح عيسى هذه إلهية، لذلك عندهم أنه لما انقضت المدة مدة التكفير عن الخطيئة دفن عيسى بعد صلبه، والقسم اللاهوتي الذي حل في هذا الجثمان البشري صعد إلى الله يعني رجع إلى أصله؛ فيكون عندهم قبر في القدس لعيسى عليه السلام حسب ما يدعيه النصارى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾[النساء:157] عندهم أنه بقي في القبر ثلاثة أيام حتى الجثمان نفسه ثم صعد؛ رفع حتى الجثمان، يعني معتقد النصارى كلها أشياء يضحك منها العاقل فضلا عن ذوي البصيرة.

• شوف هذه عندك مخلوقات توصف هذه التي ذكرتها أنت من أن الوحدة عامة في الصفات، فجنس المخلوقات التي فيها صفات الخالق كلها يخصص بعضهم لكذا وبعضهم لكذا، يعني صفات الخالق موجودة في المخلوقات؛ لأنهم لما قالوا بأن وجود المخلوق هو عين وجود الله ووجود الله جل وعلا هو عين وجود المخلوق، فصارت صفات الحق جل وعلا؛ صفات الله سبحانه وتعالى موجودة في المخلوقات لكن بالتخصيص، تختلف بالتخصيص الذي ذكرته لك.

• (ويقولون ما قاله صاحب الفصوص، فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستوعب به جميع النعوت الوجودية والنسب العدمية، سواء كانت محمودة عرفا أو عقلا أو شرعا) لعله يعني بها هو لما قسمها إلى نعوت وجودية ونسب عدمية أنّ كمال يجمع ما بين النفي والإثبات، فالصفات صفات الكمال فيها وجود؛ صفات وجودية يثبتها يعني يثبتونها وجودا، وفيه أشياء تنفي وهي التي تسمى عند الأشاعرة والمتكلمين السُّلُوب؛ ما بسلب على الله جل وعلا فهنا يقول (فالعلي لنفسه هو الذي يكون له الكمال الذي يستوعب به جميع النعوت الوجودية –وهي والمثبتة- والنسب العدمية – يعني الصفات السلبية-) لاحظ ما قال صفات وإنما سمّاها نسب يعني ما ينسب إليه مما يعدم ولا يثبت.

([67]) (أنا كافر برب يُعصى) يَقصد به يُعصى في كونه، لكن التعبير هذا، تعبير كفري؛ لأن الله جل وعلا يعصى، يعصى في الأرض، فَهُم يشهدون الحقيقة الكونية فيقولون الله غالب على أمره، أمر الله نافذ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فيقولون إذا الرب لا يعصى فوقعت المعصية بإرادة الله الكونية وأمره الكوني، لكن لم تقع بإرادته الشرعية ولا كونه الشرعي، فعبروا بتعبير يوهم حال الإرادة والأمر، وهذا من الألفاظ الكفرية.

([68])لأنهم يقولون بالجبر، الصوفية جبرية.

([69])وكذلك في الحشر:1، الصف:1.

([70])هذا الكلام له سابق بني عليه، لكن خلاصة ذلك كما قال في أوله حيث قال عنهم يعني الذين يقولون بالوحدة: يجعلون المراتب ثلاثة من حيث شهود الطاعات والمعاصي يقولون العبد يشهد أولا طاعة ومعصية، ثم يشهد طاعة بلا معصية، ثم لا يشهد طاعة ولا معصية. فعندهم أنّ الناس مرتبون على ذلك، فأقل درجات الناس الذين يشهدون الطاعات والمعاصي، ثم يطيع ولا يرى المعصية يعني سقطت عنه التكاليف في المعاصي لعدم تأثيرها فيه ثم تسقط عنه التكاليف كلها لا في التكاليف ولا في المعاصي لعدم تأثير الطاعات فيه إيمانا ولعدم تأثير المعصية فيه إيمانا أو جحدا أو كفرانا، وكما هو معلوم من كلام شيخ الإسلام كما سمعت أن الأول ولا شك أنه هو الذي أُمر به العباد أن يشهدوا الطاعة والمعصية، أن تسره طاعته وأن تسأه معصيته، هذا هو حال الأنبياء والمرسلين وحال أولياء الله جل وعلا.

وأما شهود الطاعة بلا معصية أو لاشهود لا طاعة ولا معصية، هذا عند الصوفية له منشأ، ومنشؤه الغلو في إثبات المشيئة الكونية القدرية وعدم النظر في المشيئة الكونية والإرادة الشرعية، وذلك أنّ النصوص كما هو معلوم لكم في غير هذا الموضع قررت الفرق بين ما يشاؤه الله جل وعلا كونا وبين ما يريده شرعا، فالعبد ينظر بنظرين؛ ينظر إلى ما ينفذه الله جل وعلا في ملكوته كونا وأنه واقع بمشيئة الله جل وعلا الطاعة والمعصية جميعا كما هو قول أهل الحق في القدر، وأنّ الطاعة كانت من مشيئة الله وأن المعصية كانت من معصية الله، وأمّا الشرع فنقول الإرادة الشرعية أن تُفعل الطاعة وألا تفعل المعصية. فإذا غلب على العبد شهود الأمر الكوني نظر إلى أنّ العباد مجبرون على الطاعات وعلى المعاصي، فيُثبت أن الله جل وعلا أجبر العباد، ولذلك الصوفية كلهم جبرية؛ ومنهم من يغلو في الجبر حتى يرى أنّ الإنسان لا منزلة له لشهود الإرادة الكونية حيث لا قيمة له، لا اختيار له أصلا إنما هو مفعول به دائما، ومنهم من يرى الطاعة دون المعصية في شهود الأمر الكوني يعني أنّ المعصية إنما وقعت لأجل الطاعة، لأجل الطاعة يعني من جهة التوبة ومن جهة الإنابة وأشباه ذلك، فإنما يرى طاعة الله بلا معصية لحصول المعصية بحكمة الله جل وعلا، فيرى إذن أمر الله جل وعلا الكوني خاص بالطاعات دون المعاصي وأنّ المعاصي غير مقصودة لذاتها، فالله أجبر على المعصية عندهم ولكن لأجل الطاعة، وهذا إذا نظر فيه المكلف أيضا يعني منهم فيقول أنا مطيع وإن عصيت فلأجل طاعته، فما عصيت إلا لأجل أن أطيع. والعياذ بالله، فهو يرى المعصية يرتكبها ويرضى بها؛ يرضى أن يكون عاصيا لأجل رضائه بإرادة الله الكونية.

والثالث وهو قول ملاحدتهم أنه لا يشهد طاعة ولا معصية.فني عن شهود سوى الله عز وجل، فلا الطاعات لها أثر ولا المعاصي لها أثر، وإنما الأثر فيما حصل لهذا الذي يزعم الوَحدة باتحاده بالله جل وعلا أو حلول الله جل وعلا فيه مثل ما سمعت من كلام ابن العارض.

هذا كله استطراد من شيخ الإسلام في الرد على من يزعم أنه من الأولياء وهو يفضل الأولياء على الأنبياء أو أنه لا يشهد طاعة ولا معصية أو لايشهد معصية وإنما يشهد طاعة، وكل هذه ليست من صفات الأولياء. فأولياء الله وصفتهم أنهم أهل فرقان ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾[الأنفال:29]، وأهل التقوى هم أهل الإيمان وهم الأولياء ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس:62]، فحصل من ذلك أن أهل التقوى هم أهل وَلاية الله جل وعلا، وأهل تقوى الله هم الذين لديهم الفرقان، لذلك سمّى شيخ الإسلام كتابه هذا الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان؛ لأن العمدة في الفرق فيما بين ولي الله وولي الشيطان، هل عنده فرقان أم لا؟ والصوفية الغلاة منهم يزعمون أن الأولياء يأخذون إلى المرتبة المتوسطة التي يكون عندهم الحال أنه لا فرق بين الطاعة والمعصية، فالمعصية تؤول إلى الطاعة، والطاعة هي المقصودة، وقد يصل إلى أنه لا فرق أصلا بين الطاعة والمعصية إذ لا طاعة ولا معصية، وهذا إستطراد فيما أصله بعد ذلك. وأولياء الله جل وعلا هم المتقون المؤمنون وهم الذين لديهم الفرقان بين الطاعة والمعصية يشهدوا الطاعة كونا وشرعا ويشهد المعصية كونا وشرعا، فيرضى بالطاعة كونا وشرعا، ويرضى بالمعصية شرعا ويكرهها كونا؛ يعني يكره وقوعها يعني يرضى بها من جهة الحكم من جهة تحريمها ومن جهة ذمها ولا يرضى بوقوعها؛ لأن المعصية وقوعها كان من جهة تفريط العبد، فإذن نشهد الطاعة رضاءً كونا وشرعا، ونشهد المعصية بعدم الرضا بها بل نذم أنفسنا على المعصية، وهذا هو صفة أولياء الله جل وعلا، أما الذي ينظر إلى المهصية؛ كلما فعل المعصية قال هذا خير لي، ويقبل على المعاصي ويقول هذا خير لي، هذا من صفات المهملين ليس من صفات أولياء الله جل وعلا، بل المؤمن هو الذي تسرُّه حسنته وتسوؤه سيته ويكون عنده فرقان بين المحمود والمذموم.

([71])يعني هذا من أدلة أهل الحلول أن الله يكون مع الولي، إذا كان معه معناه يكون ملازم له أو يكون فيه؟ استدلوا به على أنه يكون حل فيه.

([72])هذا رد عل احتجاج أهل الإتحاد في آية المعية على أن الله جل وعلا يحل في خلقه أو بعض خلقه-لأنه كما ذكرنا لكم الإتحاد والحلول نوعان:عام وخاص- وهذا من جملة الأدلة التي استدلوا بها وظهر لك في البحث أن هذا ليس بدليل بل هو ضد ما قالوا، وهم جهلة أصلا كيف يستدلون، لكن أهل الباطل يبحثون عن شبهة ليتمسكوا بها-هذه قاعدة-؛ لأنّ الله جل وعلا وصفهم بقوله ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾[آل عمران:7] والزيغ موجودا أولا، ثم يأتي اتباع المتشابه ولذا فإنّ المتشابه في القرآن لا يُحدث زيغا، فالله جل وعلا ابتلى العباد به، والزائغ يبحث عن المتشابه ليستدل به على زيغه، قال (فأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ) يعني يتتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة، فوجود الزيغ أولا، وهؤلاء زاغوا فأزاغ الله قلوبهم، استدلوا بآية المعية، استدلوا على الوحدة من القرآن والسنة بأدلة كثيرة؛ استدلوا مثلا من القرآن بقوله ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾[الأنعام:19] و(في كل شيء له آية تدل على أنه الواحد)[هذا بيت لأبي العتاهية ذكره الشيخ صالح آل الشيخ في شرح ثلاثة الأصول(المفرغ)] وكل شيء يشهد أن الله جل وعلا هو الرب وحده، جعلوا هذا إلى هذا جعلوا الأشياء كلها هي الله جل وعلا (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلْ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) التفسيرات المنسوبة إلى المتصوفة كابن عربي وغيره تجد كثيرا من الآيات التي فيها عموم الخلق أو الشهادة العامة يستدلون بها على الوحدة، وكذلك من أدلتهم أن الآيات؛ آية الأنعام ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾[الأنعام:3] وكقوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾[الزخرف:84]يستدلون بها على الوحدة والإتحاد العام. لكن هذه كلها من إتباع المتشابه مما يدل على أنّ في قلوبهم زيغ، الحقيقة ليست متشابهة (وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ) ليست متشابهة لأن دلالتها ظاهرة على المعنى، ليست متشابهة أصلا، وكذلك(وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ) ليست متشابهة لكن هم يتبعون بما اشتبه عليهم من الإشتباه النسبي فيستدلون به، كل هذا نسأل الله العافية من آثار ترك التمسك والاستسلام للكتاب والسنة.

كتاب الفرقان عندنا الآن أربعة أو خمسة شروح كلها استطراد، ذهب عن الأصل بعد ما عرّف التعريفات، تذكرون الولي وتعريفه وصفات الأولياء و شروح شروط الولي إلى آخره، الآن كلٌّ استغرق في لما أتى للأولياء والفرق بين ولي الرحمن المطيع لله جل وعلا المستجيب للكتاب والسنة المنسجم صاحب عمل[انتهى الشريط الخامس] وأن ولي الشيطان عنده كذا من المخاريق. إذن كلها استطرادات في علوم شتى دخل في علوم الفلاسفة كما تذكرون، وفي بعض المباحث الكلامية، وذهب إلى قول الإتحادية...، يرجع بعد ذلك إلى أصل المبحث والكلام على الكرامات وعلى صفات الأولياء وشروط الكرامة إلى آخر ذلك من المباحث، وهذه نبهتكم مرارا عليها شيخ الإسلام استطراداته تشتت الذهن لهذا ينبغي لطالب العلم لما يقرأ كتب شيخ الإسلام أن لا يسترسل مع استطراداته، إذا أراد أن يفهم الموضوع يفهمه أولا مختصرا عن طريق الفهرس أو عن طريق تتبع الفصول، ويأخذ جملة الكلام ويأخذ القواعد التي هي الفوائد والإستدلالات، وإذا فهم هذا وعرف بناء الكتاب على أي شيء أو بناء القاعدة على أي شيء في فهم شيخ الإسلام وتصوره قبل إنشاء الكلام، بعد ذلك لو قرأ ومرت عليه الإستطرادات فإن انساق مع الإستطرادات نسي الموضوع، وشيخ الإسلام لو استطرد يحصل في استطراده أنواع من العلوم والفوائد، لكن قد لايكون نحريرها في هذا الموضع هو الأكمل، تجد أنه في موضع يستطرد لكنه يكون فيه ثغرات كثيرة ما استكملها، يأتي كلما أراد يبحث يقول (وقد بسطنا هذا في موضع آخر)، (قد بسطناه) ثم لا يكون مع طالب العلم في فهم معنى الإستطراد من كل وجه هو يستطرد لغرض يريد تقريره ليس لتقرير المسألة التي استطردها، لكن المسألة هذه جاءت لغرض آخر .

طالب العلم لابد أن يكون متتبع كلام شيخ الإسلام كليا قبل أن يبحث جزئياته، يعني يتصور الكتاب قبل، مثلا في كتاب الفرقان الولي من هو، الدليل على وجود الأولياء من هم الأولياء، تعريف الولي، شروط الأولياء، الإيمان والتقوى، الإيمان متفاضل، التقوى متفاضلة، فصّل فيها كذا، صفة الأولياء، الخوارق التي تحصل لهم والكرامات، جمع العناوين هذه هي زبدة البحث، إذا جاء الإستطراد تتركه؛ يعني تمر على الكتاب، ثم تستكمل كل الفصول بالعناوين الرئيسة هذه للفصول فتعرف ماذا يريد أن يقرر شيخ الإسلام، في بعض كتبه الإستطراد بلغ مائة صفحة استطرد إلى مئة صفحة رحمه الله تعالى؛ يعني .... صفحة عندنا، هو كتب الواسطية في جلسة والحموية في جلسة إلى آخره فلا غرابة أن يستطرد فهو بحر لا ..... رحمه الله تعالى، لكن طالب العلم في الاستفادة منها واضح أنه ينتبه، ومن الكلام الحسن ما قاله الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله -وسمعته منه-: شيخ الإسلام يأتي إلى جدار الباطل كالموت فيُسقطه جميعا دفعة واحدة، وأما ابن القيم فيأخذ جدار الباطل حجرا حجرا فيكسّره. وهذا واقع ومثل ما وصف الشيخ؛ فإنك تجد ما أجمله شيخ الإسلام واستطرد فيه وجاء جميعا كالموت إذا جمعت بين هذا وهذا أخذت بقوة كلام شيخ الإسلام وبحسن عرض ابن القيم رحمه الله تعالى. نسأل الله جل وعلا أن يرفع منزلتهما في الجنة وأن يجعلهما مع الأنبياء والصديقين وأن يجزيهما عن أهل التوحيد خير الجزاء، فقد أبليا بلاء حسنا عظيما رحمهما الله تعالى، وابن القيم حسنة من حسنات شيخ الإسلام، ولو الله جل وعلا ثم شيخ الإسلام ما راح ابن القيم وما جاء مثل ما ذكر عن نفسه في النونية لما ذكر حالته لما قدم فقال:

حتى أتاح لي الإله بفضله من ليس تجزيه يدي ولساني

رحمهما الله تعالى.نكتفي بهذا القدر

([73])هذه في البقرة.

([74])شيخ الإسلام رحمه الله يستطرد في الاستدلال قد يذهب لطالب العلم المقصود من ذلك، فتكلم في هذا الكتاب الفرقان بين صفات أولياء الله وصفات أولياء الشيطان فمن صفات الذين ادعوا الوَلاية وتعلق الناس بهم في زمن شيخ الإسلام من أصناف المخرفين رأوا الأمر؛ أمر الله جل وعلا واحدا، رأوا أنه إذا مثل فيهم القدر فقد مثل فيهم الشرع، وأنهم مجبورون وكل ما يعملون، وكل ما يعملون به محبوب لله جل وعلا، ولذلك لا تجد عند أحدهم ندما على ما يحصل له من المعصية ولا فرحا بما يحصل له من الطاعة، فليس عندهم فرق ما بين الأمر الكوني القدري والأمر الشرعي الديني، وأولياء الرحمن جل وعلا هم الذين يفرقون بين الأمرين، الله سبحانه فرّق بين الخلق والأمر فقال ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾[الأعراف:54] وأَمْر الله سبحانه بالشرع غير الأمر الله جل وعلا الكوني القدري، فالأمور الكونية القدرية التي تحصل في ملكوت الله وما في الأرض وما يحصل للإنسان من أشياء وتقلبات وأمور مقدرة عليه وما يحصل من تقاتل الناس إلى آخره، هذه كلها حصلت بإذن الله جل وعلا ومشيئته كما قال سبحانه ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾[البقرة:253] فإذن الأمر الكوني القدري شيء والأمر الشرعي الديني ما أمر الله به في كتابه وعلى لسانه رسوله عليه الصلاة والسلام شيء آخر، قد يجتمعان فيي المحبة وقد يفترقان، ويكون إذن ما أمر الله جل وعلا به شرعا هو محبوب له سبحانه ولذلك أمر به، فامتثاله امتثال لما هو محبوب وتركه لم يأذن الله جل وعلا به شرعا، تركه مذموم، تركه أصحابه عصاة، ترك الأمر ...النهي مع كونه مأذون به كونا ووقع قدرا بمشيئة الله جل وعلا، ولكن لا يحبه الله ولا يرضاه.

الصوفية أو الذين ادعوا ولاية الله جل علا ممن ضلوا قال طائفة منهم: أنه إذا حصل لي حال أو حصل علي شيء فإن هذا هو نفوذ أمر الله فيّ، فاستسلامي لذلك ورضاي به هو حقيقة التوحيد والإستسلام لله، وهذا باطل؛ لأن الله جل وعلا أوجب على العبد أن يفرح بالطاعة، وأن يبغض المعصية، وأنه إذا غَفل أو جاءه ما يصدّه، أو فرط في أمر الله، أو جاء نهيه سبحانه أو ران على قلبه فإنه يجب الإستغفار والتوبة وهو ما يل على لأن مخالفة الأمر الشرعي يجب منه التوبة ويجب منه الاستغفار ومعنى ذلك أن المخالفة مذمومة، وأن العبد بحاجة إلى أن يكفِّر عن ذلك وأن يستغفر الحق جل وعلا. وهذا يدل على أن نفوذ الأمر الكوني القدري لا يعني أن يُرضى به، بل هذا لله جل وعلا فيه حكمة بالغة.

فإذن فهؤلاء هم الذين أراد شيخ الإسلام أن يرد عليهم الذين يجعلون يحصل عليهم من أمور المعصية والطاعة كلها أمر كوني شرعي قدري، ويخلطون الأمرين ويجعلونها محبوبة لله وبالتالي فهم يرضون لذلك تجد في تراجم الصوفي، تجد أنهم ربما مُدحوا لفعل لبعض المعاصي لماذا؟ لأنهم عندهم على أصلهم أنه لا فرق ما بين الأمر الكوني والأمر الشرعي فنفوذ أمر الله فيهم بهذا الشيء يعني أن لا يختاروا غيره، معناه أن نستسلم لأمر الله وهذا عندهم هو نهاية التوحيد والفناء لأحد أقطابهم كما هو معروف. المقصود أن الاستدلالات؛ والاستطراد في الإستدلال أراد به ما ذكرتُ لك من التفريق والرد على تلك الطائفة.

([75])قال الشيخ محمد في كتاب التوحيد قال علقمة وذكره، باب الإيمان بالله والصبر على أقدار الله.

([76])الكلام الذي سبق واضح؛ واضح في دلالته على مراد المصنف الذي من أجله أتى بهذا الكلام وواضح في نفسه، ولهذا لا نقف على ما سبق، وإنما في هذا الموطن وهو قوله رحمه الله تعالى (إنّ الصبر مأمور به وعلينا الرضا وعلينا الشكر) هذه مراتب ثلاث للعبد المؤمن تجاه ما يصيب به الله جل وعلا ويبتليه، وسعادة المؤمن تكمن في أنه إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر، وإذا أذنب استغفر، ومن كان عنده هذه الثلاث وهي الإستغفار عند الذنب والشكر على النعمة والصبر على الإبتلاء كان قد حصل الإيمان الحق.

الصبر مأمور به فهو واجب، وإذا كان الصبر مأمورا به فإنما يؤجر العبد على صبره، لا على نفس المصيبة، ولهذا إذا أصابت العبد المصيبة فإن المصيبة بنفسها يكفِّر الله جل وعلا بها من خطاياه، فالمصائب كفّارات كما سلف في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:«ما أصاب المؤمن من همّ ولا حَزن ولا وصب حتى الشوكة يُشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» وهذا يدل مع أحاديث أُخر على أن المصيبة تكفّر، لكن الأجر على المصيبة لا يكون إلا لمن صبر كما جاء في الحديث الآخر الذي جاء في الصحيح أيضا «عَجَباً لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنّ أَمْرَهُ كُلّهُ خَيْرٌ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرّاءُ شَكَرَ. فَكَانَ خَيْراً لَهُ. وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرّاءُ صَبَرَ, فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاّ لِلْمُؤْمِنِ ». فإذن المصائب بنفسها كفارة ولا يؤجر إلاّ على الصبر وذلك لأنّ الصبر مأمور به وإذا امتثل الواجب فصبر أُجر على ذلك.

أما الرضا فهو مقام أعلا.

والصبر: -تعلمون تفسيره- هو حبس القلب عن التسخط، واللسان عن التشكي، والجوارح عن إظهار الجزع باللطم والشق أو بأشباه ذلك. فإذن من شكى باللسان فإنه ليس بصابر، ومن تسخط المصيبة بالقلب فليس بصابر، ومن لطم وشق أو عمل أعمالا تنافي الصبر فليس بصابر.

المرتبة الثانية الرضا : قال رحمه الله إن الرضا (قيل واجب وقيل مستحب) وهذان قولان لأهل العلم منهم من قال إن الرضا واجب. ومنهم من قال إن الرضا مستحب. والصواب أن لا يقال أن الرضا لا هو واجب ولا مستحب بل هو جهتان:

1. الرضا بفعل الله جل وعلا فهو قضاءه وقدره وهذا واجب، لأن الرضا بصفات الله جل وعلا وما يفعله واجب.

2. والثاني الرضا بالمقضي بالمقدر فهذا مستحب.

مثلا فقد الولد أو فقد حبيب من جهة أنّ هذا الفعل جاء من الله جل وعلا فواجب الرضا عن أفعال الله جل وعلا وأما تسخط أفعال الله جل وعلا في ملكوته لأن هذا يدخل في ظن السوء بالله؛ يدخل في عموم قوله ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾[الفتح:6]، والجهة الثانية المقضيُّ نفسه والمصيبة نفسها وهي فقد الولد، فالرضا به فهذا مستحب، يرضى لكونه يعلم أن هذا فيه خير له وأنه أصلح وأن الله جل وعلا لا يختار للعبد إلا ما هو أصلح له ونحو ذلك فهنا يرضى بالمصيبة وهذا من الأمور المستحبة لذوي المقامات العالية، كما قال تعالى ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾[التغابن:11]، قال علقمة هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها –يعني المصيبة- من عند الله فيرضى بها ويسلّم لله جل وعلا. هذا من تمام الإيمان وهو سبب من أسباب الهداية.

فإذن الرضا له جهتان:

جهة واجبة وهي الرضا بفعل الله؛ الرضا بالقضاء نفسه يعني بما أمر الله جل وعلا به كونا وبما قضاه يعني بما أمر به أن يقضى بفعله سبحانه بصفته بتقديره وأشباه ذلك فهذا واجب. لأن الرضا عن الله جل وعلا عن صفاته وأسمائه واجب، فلا يظن به سبحانه ظن السوء.

والجهة الثانية الرضا بالمقدور فهذا مستحب، الرضا بالمصيبة في نفسها بفقد الولد في نفسه وأشباه ذلك.

المرتبة الثالثة: أن يكون بعد الرضا شاكرا لله جل وعلا على تلك المصيبة وهذه إنما هي لخاصة عباد الله ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾[فصلت:35]. فهو رضى وبعد ذلك يشكر الله جل وعلا أنْ جاءته هذه المصيبة ليكون له بها الخير في جهة تكفير السيئات ومن جهة أنه يصبر فيثاب؛ ومن جهة أنه يرضى عن فعل الله جل وعلا الرضا الواجب فيثاب، ويرضى بالمصيبة أيضا فيثاب، وأيضا لذلك يشكر الله سبحانه وتعالى أن لم يجعله من المتسخطين أو من ... أو نحو ذلك وهذا مقام الشكر لله جل وعلا.

إذن فثم أربع درجات ذكرها شيخ الإسلام الأولى: الصبر، والثانية: الرضا عن القضاء أو عن فعل الله، والثانية: الرضا بالمصيبة والثالثة: الشكر. اثنتان منها واجبة واثنتان مستحبة؛ الصبر والرضا بقضاء الله هذا واجب والرضا بالمصيبة والشكر بعد ذلك مستحبة وهي من مقامات الأولياء. نقف عند هذا، ونكمل إن شاء الله في المرة القادمة.

- المصائب كفارات للخطايا بمجردها، الضابط هو أن يكون مؤمنا فقط، أما هو ولو لم تخطر بباله كفّر الله بها من خطاياه لو ما خطر بباله، لو ما علم فمن رحمة الله بهذه الأمة «ما أصاب المؤمن من همّ ولا حَزن ولا وصب حتى الشوكة يُشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه» فالمصائب كفارات للخطايا بمجردها.

- الصبر واجب فإن لم يصبر أثم، يكفّر ولو لم يصبر لكنه لا يؤجر إلا بالصبر. هذا الذي دلت عليه الأحاديث في هذا الباب وهو قول عامة جمهور أهل العلم.

أما من جهة فعل الله جل وعلا فهو ظن السوء به سبحانه بصفته وأن هذه جاءت بغير حكمة أو أنه ابتلاه هو وترك غيره وأن غيره أولى منه وهذا قلّ من يسلم منه... هذا ما رضي عن فعل الله ظن بالله ظن السوء، الرضا بالمصيبة في نفسها وأن ينشرح صدره لها فإن كَلِفَت نفسه وعدّ هذا فعل المصيبة عليه بفقده للولد أو في فقده لأبيه ونفسه ما انشرحت لذلك ويكرهها ويكره ما حصل له هذا ما رضي بالمصيبة في نفسها.

([77])الحمد لله وبعد: هذا المقطع الذي سمعتم اشتمل على تأصيل مسألة عظيمة هي الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وهي أن العبد المؤمن يفرق ما بين ما يجريه الله جل وعلا كونا وقدرا وما يجعله الله جل وعلا دينا وشرعا. فالحقيقة منقسمة إلى حقيقة كونية قدرية وإلى حقيقة شرعية دينية، فلهذا يتعامل مع ما يجري كونا بالرضا بل بالصبر عليه والرضا به كما ذكرت لك آنفا أن الصبر واجب وأن الرضا مستحب يعني بما يقع، ومع الحقيقة الدينية الشرعية التي يتعامل معها بالامتثال في الأمر والنهي، إذا نظر العبد إلى ما بين هاتين المسألتين وجد أن الولي هو الذي لا يحتج بالقدر إذا ... ولا يحتج بالجبر إذا رغب إذا رغب، فالأمور الكونية التي تحصل من المصائب والبلاء والفتن التي تحصل في الأرض أو مما يحصل في السماء مما يبتلي به الله جل وعلا العباد، هذه أمور كونية لله جل وعلا فيها الحكمة البالغة، لا تؤثر هذه في الإستسلام وفي الرضا على أفعال العبد تجاه هذه الأشياء، فضلَّت طائفة رأوا أن كل ما يجري فيه حكمة ولكن لا يفعلون معها شيء؛ لا يفعلون مع ما يحصل شيئا، وهذا من مثل مثلا ابتلاء الله جل وعلا العباد بالأعداء، ابتلاء الله جل وعلا العباد المؤمنين بالمنافقين، ابتلاء الله جل وعلا العباد بالفُرقة والفتنة ونحو ذلك من الأمور التي تحصل، وهو مما قدره الله كونا ووقع، فهذه من استسلم لها ولم ينظر إلى الحقيقة الشرعية الدونية فإنه ضال وعلى غواية، وأما من جمع بين الأمرين ورأى أن هذه وقعت والله جل وعلا له الحكمة البالغة في ذلك، وإذا وقعت لم يحمله هذا ولم ينشغل به عما يجب عليه شرعا، فإن الناس قد ينشغلون بالكونيات عن الشرعيات، والناس عند ورود البلاء وورود الشبهات وعند ورود الفتن قد لا يستعملون معها الشرعيات، قد لا تتحملها قلوبهم وعقولهم فلا يعملون معها ما يجب، وهذه ليست من صفة أولياء الله، فأولياء الله جل وعلا هم الذين يعلمون أن ما يُجري الله جل وعلا في الكون أنه بحكمة وأن له الأمر الغالب، ثم يستعملون ما أمر به شرعا، إذا كان الميدان ميدان جهاد جاهدوا، إذا كان الميدان ميدان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمروا ونهوا، إذا كان المجال مجال نصيحة نصحوا لله جل وعلا ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وإذا كان الميدان ميدان اجتماع وائتلاف ونهي عن الفرقة والإختلاف فإنهم لا يشغلهم ذكر الفرقة والإختلاف عن ما يجد شرعا تجاه ذلك من كف اللسان ومن النصيحة ومن التآلف والتآخي ووقلّ من يَخلص من ذلك بالتوفيق ما بين أمر الله الشرعي وما بين ابتلائه الكوني، وإنما يخلص من ذلك أولياء الله جل وعلا، كذلك ذكر أن أولياء الله جل وعلا بخلاف من ليسوا كذلك في أمر الشريعة فليس أمر الشريعة فيما يسمى شريعة ليس هو فقط فيما أنزل الله جل وعلا على رسوله r بل ما حكم به الحاكم فيما له أنْ يحكم فيه القاضي هذا أيضا من الشريعة الذي لا يجوز لأحد أن يخرج عنه، لكن ثَم فرق ما بين الكتاب المنزل والسنة والشريعة التي هي كتاب الله وسنة رسوله r الذي من خالفها فهو كافر وما بين كلام عالم أوحكم قاض ونحو ذلك فليس كل من خالف كلام عالم أو طائفة من العلماء يُعد كافرا، وليس كل من خالف أو لم يرض بحكم الحاكم المعين أنه يكون كافرا، بل ثَم فرق بين النوعين لكن من خالف الشريعة المنزلة أو خرج عنها هذا كافر، ومن خالف عالما معين فهذا فيه التفصيل، فقد يخالفه لأمر آخر يكون فيه محقا أو يكون فيه مبطلا، لكن يكون ثم له شبهة، وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أنه قد يقضي القضاء عليه الصلاة والسلام ولا يكون مصيبا في حقيقة الأمر، ولكن يكون مصيبا في ظاهر الأمر؛ لأن قضاء القاضي إنما هو على البينات الظاهرة أو على الإقراء، فإذا قضى على من يكون من بيننا أو ما يأتيه من الفهم من حجة هذا وحجة هذا فإنه في الظاهر حكم بشرع الله جل وعلا وأعطى الحق لأهله، وقد لا يكون في الباطن وصل إلى حقيقة الأمر، وهذا ما يجعل هذا القاضي لم يصب حكم الشريعة، لهذا القاضي إذا قضى على نحو ما سمع أو علة نحو ما ظهر له من الأمر وكان في الباطن ليس محقا، فإن هذا لا يقدح فيه فإن النبي عليه الصلاة والسلام وهو أكمل الخلق قد قال «لعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأحكم له فإنما أقضي على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فإنما أقضي له بقطعة من النار فليأخذ أو ليدع» مع أنه عليه الصلاة والسلام هو النبي وهو المؤيد وهو الذي يوحى إليه، لكن قد يخالف حكمه الظاهر ما في حقيقة باطن المسألة فيقضي لمن ليس له الحق فليس هذا موجبا للقدح فيه، والناس في هذا ما بين طرفين ووسط، والطرفان طرف أولياء الشيطان أو من لم يرعَ للشريعة حقها فرأى أنه بهذا يسعه الخروج من حكم الشريعة إذا حصل له علم الحقيقة الباطن ، وطرف آخر غلا فقال إن القاضي إذا حكم بغير الحق في نفس الأمر فإنه يُحكم عليه بالكفر، ويحكم عليه الضلال ونحو ذلك لأنه إذا لم يكن إلى حقيقة الأمر فإنه اتبع هواه وهذا أيضا باطل والصواب التفريق ما بين الشريعة المطلقة التي لا يسوغ لأحد أن يخرج عنها وما بين حكم الحاكم أو كلام العالم أو فتوى العالم أو رأي العالم أو طائفة من العلماء في مسألة ما أو في مسائل، فإن هذه قد يكون لهم الحق فيها وقد لا يكون، لكن الناس يلزمهم أن يمشوا على فتوى علمائهم، وأن يلتزموا بقضاء قضاتهم، ولو كان في نفس الأمر غير موافق للصواب، لأن الناس لا يصلحون فوضى ولا يصلحون دون حكم حاكم ودون فتوى مُفْتٍ للمسائل.

فإذن يُنتبه إلى طرف الغلاة وهم الذين جعلوا الشريعة قِسْما واحدا وهو ما دل عليه الكتاب والسنة فمن خالفها فهو ضال دون نظر إلى ما يجري ظاهرا على فهم العلماء من المفتين والقضاة، وما بين فئة جَفت فتركت اتباع السنة، واتباع محمد عليه الصلاة والسلام طلبا للحقيقة كما سيأتي في كلام الشيخ رحمه الله تعالى.

([78])مثل بعض المسائل قد يرددها بعضهم وهو لايفقه مثلا يقول: حَكم بغير الشريعة، يقول هذا حُكم بغير الشريعة ونحو ذلك لخروج من فعل ذلك عن الحكم بقول بعض العلماء أو القول ببعض المذاهب ونحو ذلك، فهذا لاشك أنه لا يجوز أن يطلق القول في حق أحد أو في حق دولة أو في حق مجتمع بأنه حكم بغير الشريعة لخروجه عن الحكم بقول طائفة من أهل العلم، وإنما يقال حكم بغير الشريعة وخرج عن الشريعة إذا خرج عن مدلول الكتاب والسنة؛ خرج عن ما دل عليه الدليل، فإنْ كان الدليل محتملا والمسألة ليس فيها إجماع فلا يجوز أن يقال أن فلانا خرج عن حكم الشريعة أو حكم بغير الشريعة، والقاضي الفلاني حكم بالهوى وبحكم بغير الشريعة، أو الدولة الفلانية تحكم بغير الشريعة إذا كانت حكمت بقول غير طائفة معينة من أهل العلم، فإذن لا بد من التفريق ما بين الحكم المطلق للشريعة الذي من تركه فهو كافر وضال وما بين الحكم المقيد الشرعي فهو شريعة فهو حكم طائفة من أهل العلم، فإن الخروج عن الأول كفر؛ الشريعة المنزلة، أما الخروج عن الثاني ففيه تفصيل

([79])الخضر سبب اتصال موسى به أنه قال أي موسى: أنا أعلم أهل الأرض فأوحى الله جل وعلا إليه "إيتي عبدنا خضرا فإنه أعلم منك" والحديث معروف في أول البخاري وفي تفسير سورة الكهف.

الخضر اختلف العلماء فيه: هل كان نبيا أم كان وليا؟

فرأى طائفة أنه نبي وهم [جمهور أهل العلم] أنه كان نبيا، واستدلوا على ذلك بقوله جل وعلا ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾[الكهف:65] وما حصل من قصته مع موسى من أشياء لا يمكن أن يدركها إلا بالوحي وفيها قول ينسب إليه وإلى الملائكة وهو قوله ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:81] وقال في الجدار ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف:82] وهذا إنما يكون عن وحي والوحي للأنبياء لا لأولياء لأن للولي إلهام والإلهام في قضايا ولا يكون في مثل هذه يكون في قضايا يحكم فيها يتبين له فيها الصواب أما هذا إنما هو الوحي، قتل الغلام، إقامة الجدار خرق سفينة ونحو ذلك، وقال (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا).

والقول الثاني وهو قول [قليل من أهل العلم] أنه كان وليا، جمهور أهل العلم على أنه كان ولي وقالت طائفة إنه نبي واستدلوا بما ذكرت لك من الأدلة وقال الجمهور إنه ولي وليس بنبي. وقد قال الحافظ ابن حجر رحمه الله إن أولى درجات الزندقة أن يقال إن الخضر ولي لأجل أن الزنادقة الذين خرجوا عن اتباع محمد عليه الصلاة والسلام من أصحاب الوحدة قالوا كما وسع الخضر الخروج نخرج. الخضر خرج عن رسالة موسى وعن اتباع موسى لما أُلهم لأنه كان وليا فنحن نخرج كما خرج الخضر عن موسى.

المقصود –حاصل الكلام- أن المحققين من أهل العلم على أنه نبيا، والجمهور على أنه كان وليا يعني أكثر العلماء الذين تكلموا في هذه المسألة.

تعرفون كلمة الراجح هي نسبية معناها الراجح عند المتكلم إذا سمعتم (والراجح كذا) فمعناها الراجح عندي، إذا قال أحد من أهل العلم (الراجح كذا) الراجح عنده لا أنه راجح في نفس الأمر، لأن الرجحان هذا نسبي، والراجح ... يعني عنده، ما فيه راجح عام الرجحان نسبي إفهموها في كلام أهل العلم، إذا قال بعض أهل العلم (والصحيح كذا) يعني والصحيح عنده ليس الصحيح المطلق، إذا قال الراجح في المسألة كذا يعني عنده هو بما تحرى هو من الحق، (أصح القولين في المسألة كذا) يعني عنده،قد لا تكون أصح القولين في نفس الأمر.

لهذا ذكرت لك في المسألة هذه أن جمع من المحققين أنه نبي وأبطلوا القول بأنه ولي، وجمهور أهل العلم على أنه ولي، كذلك إذا قلنا مثلا كيف الراجح؟ معناه –كما في سؤال الأخ- معناه أُوش ترى في المسألة؟ هذا إذا اختلف العلماء وقيل ما الراجح عندك؟ معناه ما قولك في المسألة على أي القولين. (الدرس عندنا درس تعليم الترجيح والإتباع لأهل العلم الراسخين)

كلمة المحققين كلمة فتانة في الدروس والكتب هذه معناها أنه إذا عرض لمسألة فإنه لا يمر عليها على وَفق ما عنده من المعلومات السابقة التي ربما نشأ عليها، بل اعتاد أنه يحرر كل مسألة خاصة المسائل العظام، الذي إعتاد أنْ يحرر كل مسألة يقال له محقق، ليس تحقيق الكتب هذه الآن. وأصلها في اللغة من حَقَّقَ الشيء إذا أحسن نسجه، والثوب المحقق إذا كان نسجه على الغاية، لهذا المحقق من يحسن النظر في المسائل لا يدري هكذا بما ألف أو بما سمع بل يحسن النظر ، معلوم الأمة إختلفت إختلاف كبير في مسائل العلم والمسائل المجمه عليها قليلة، المسائل المختلف فيها كثيرة جدا جدا جدا، لذلك لا يخلو أحد مهما كان من تقليد (التقليد المحمود يعني الإتباع) الإمام مالك رحمه الله، الإمام أبو حنيفة قبله جرى على ما عليه أهل الكوفة أخذ فتاوى ... فتاوى أصحاب ابن مسعود وقاس وزاد أشياء، جرى على أشياء قلد فيها، الإمام مالك أيضا قلد أهل المدينة في أشياء ... عليه، الشافعي قلد أهل مكة وخلط شيء من نظر أهل المدينة ولما ذهب إلى بغداد أيضا شيء من نظر أهل العراق، جمع بين أشياء كون بها فقهه في مصر، الإمام أحمد اختلفت أقواله في المسائل لأسباب تارة في المسألة الواحدة تجد عنده عدة روايات، بل في مسألة جاء سبع روايات، هذا له أسباب يطول المقام بذكرها، لكن منها أنه يتابع بعض العلماء ممن قبله في مسائل، إذا نظرتَ إلى مسائل الأصول؛ أصول الفقه فيها تقليد، شيخ الإسلام بن تيمية اجتهد أن يحقق بعض المسائل في الأصول، إذا نظرت إلى الرجال هل كل عالم له نظر مستقل في الرجال في باب الحديث، يعني فلان ابن اسحاق هل هو ثقة أو صدوق؟ الواقدي هل هو ثقة أم هو ضعيف؟ الحجاج بن ... إيش وضعه؟ السدي الكبير ، اسماعيل بن عبد الرحمان هذا هل هو ثقة هل هو صدوق رواية مسلم لمن روى؟ رواية البخاري لمن روى؟ هذه كلها مسائل إختلف فيها أهل العلم في الرجال أو في المنهج، هل نستطيع أن نحقق في كل مسألة؟لا، فلا بد لكل أحد من التقليد هذه ليمكن الكف عنها ولكن ثم تقليد لأئمة السنة، هذا ولله الحمد به تبرأ الذمة وثم تقليد لمن ليس من أهل العلم المحققين فهذا نوع ما نشأ عليه العبد نشأ عليه الإنسان في بلده أو حسب وضعه يختلف يختلف الحال، فإذن الذين يقولون الاجتهاد، لا يسمى إجتهادا كاملا، يجتهد في مسألة فحققها فصار مجتهد في هذه المسألة المعينة أما أن يصير عالم مجتهد فهذا مستحيل ولذلك من أراد الاجتهاد في أول طلبه العلم في كل مسألة يحررها إلى آخرها فسيكون جاهلا في مسائل كثيرة لن يطلع عليها لن يكون فيها محقق ولا مقلد لأنها تفوته، لأن العلم كثير. لذلك ذكرنا لكم مرارا أنّ طالب العلم يسعى في معرفة كلام العلماء في مسائل المسائل كلها في التوحيد في الفقه يمر عليه بكماله، الأحاديث المشهورة يعرف معناها التفسير يمر عليها بكاملها يكون طالب علم، ثم بعد ذلك مع ما قُدِّر له وما عنده من الإستعدادات والمواهب والآلات وجِدّه واجتهاده في طلب العلم بعد توفيق الله له يكون عنده تحقيق واجتهاد في المسائل إذ هذه المسألة تجد فلان متميز فيها، مثلا صالح بن عبد العزيز عنده مسائل حررها فأحسن الكلام فيها فيه مسائل أخرى ليس كذلك، وهكذا آخر من أهل العلم تجد عنده مسائل حررها وهكذا؛ لأن العلم واسع ولا يمكن لأحد أن يقال كلامي هو التحرير في كل مسألة هذا جناية على العلم وأيضا المرء يجني فيه على نفسه، أو أن يتطلب الواحد منا أن يحرر في كل مسألة الأعمار أقل من ذلك والعلم كثير إذا وصلت آخره نسيت أوله ينبغي لك تكرار وفهم وتصوير المسائل ونحو ذلك، لهذا ينبغي أن ينتبه طالب العلم أن دعوى الإجتهاد في كل مسألة، والنظر كما نظر الأئمة أحمد والشافعي ومالك في فعل السلف وتحري الأدلة في كل مسألة هذا يجعل المرء جاهلا في مسائل كثيرة، نعم يحقق هذه المسألة فيجيد فيها وتجد عنده تفصيل وربما يتميز عن بعض الراسخين في العلم بكثرة معرفته وتفاصيله لهذه المسألة أو المسائل التي حررها، لكن تجد عنده من الجهل الكثير في مسائل لم يطلع عليها لأنه شغل وقته بتحرير مسائل وأطال فيها وترتب على هذا أنه جهل مسائل كثيرة كما هو الواقع، وحرك ترى ولهذا طالب العلم ينبغي عليه أن لا يجعل العلم في طلبه له لذة وشهوة، وقد قال ابن المبارك رحمه الله "إن للعلم طغيانا كطغيان المال" مثل ما يكون الغني يطغى ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾[العلق:7] كذلك طالب العلم ربما يطغى، صار عنده مسائل، شاف نفسه مثلا في الأصول عنده كذا، صار عنده نظر جيد، أو عنده في الحديث أو الرجال معرفة، صار عنده في بعض المسائل، هذا ليس من صنيع أهل العلم، كلما ازدت علما ازدت معرفة بأنك تجهل الكثير، وأنه لو مد الله جل وعلا في عمرك لحققت مسائل كذا ولزدت معلومات وهكذا، لذلك قال بعض أهل العلم أموت ولا زال في نفسي شيء من حتى. حتى تارة ترفع، تارة تنصب، تارة تخفض. وهذه المشائل الرفوع والمنصوب والمخفوض هي مسائل النحو فيموت وهو متعلق بتحرير مسائل المخفوض والمرفوع والمنصوب.لا كما يفهم البعض أموت ولا زال في نفسي شيء من حتى، يعني مات وما يعرف معنى حتى؟ لا. هذه كلمة لأحد علماء النحو الكبار يعني أن مسائل العلم هذه إما مرفوع وإما مخفوض وإما منصوب هذه في النحو، حتى تارة ترفع، تارة تنصب، تارة تخفض وهكذا العلم، تارة ترفع هذا ، وتخفضه وتنصبه فإذن يموت المرء وهو يتعلم، يموت المرء وهو في العلم، لا يظنن ظان أنه سيحيط بالعلوم كلها هذه إقطعها، أن تحيط بكل شيء إقطعها؛ إقطع الأمل، وليكن إن أحطت بكثير فذاك حسن وأعظم ما تهته به ما قاله ابن القيم رحمه الله في نونيته

والعلم أقسام ثلاث مالـــها
من رابع والحق ذو تبيــانِ

علم بأوصاف الإلـه وفعلــه
وكــذلك الأسماء للديـانِ

والأمر والنهي الذي هو ديـنه
وجزاؤه يوم المعاد الثانــي

تهتم بثلاثة علوم إهتمام عام ثم بعد ذلك زد في التفاصيل بحسب ما قدر لك من العمر والإستعدادات والمواهب وما وفق الله جل وعلا العبد به. الإهتمام بالتوحيد في مسائل... لأن صلاح القلب ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾[الشعراء:89] وأعطم الحسنات حسنة التوحيد فعلا وتعلما لأن الوسائل لها أحكام المقاصد. والثاني الأمر والنهي الحلال والحرام فهذه في الفقه تتعدد، واحد يدخل بيته لا يعرف الأحكام الشرعية في عشرته لأهله يعاشرهم هكذا بمقتضى الطبيعة والجبلة وما نشأ عليه وما رأى عليه أهل بيته الجد والجدة وإلى آخره، ما يعرف الأحكام الشرعية فهو سيتصرف بلا على هذا ليس بعالم هذا جاهل يصاحب الناس في البيت، في المسجد يصاحب الناس في العمل زملاء إلى آخره أصناف الناس لن يتعامل معهم بعلم لأنه فاته أشياء كثيرة، في التجارة، في البيع في الأمر، في النهي في النصيحة، في أشياء كثيرة، ما يعترض له من أشياء في يومه وليلته، العالم هو الذي علم فطبق بحسب ما قدر له، هذا العلم في الأمر والنهي؛ الفقه لا بد ينقل بدليله من الكتاب والسنة هذا هو الأصل والإجماع والأدلة البقية المتفق عليها والمختلف فيها، لكن هل كل مسألة ستدركها بالدليل؟ ليس كذلك، فلذلك لا بد أن تعرف الفقه جميعا على كلام طائفة من أهل العلم واحد أو أكثر تتصوره وتمضي، لأن الله جل وعلا كلف العبد بأن يسأل أهل الذكر إن كان لا يعلم ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[الأنبياء:7، النحل:43] فإذا جهلت في المسألة فاسأل أهل الذكر، فلا بد للعلم، لمعرفة الفقه على قوم هذا سؤال أهل الذكر، أما في المسألة فتحرر فيها هذا لن يكون إلا إذا أمد الله في العمر ثم تتابعت شيئا فشيئا بعد ذلك.

ثم العلم الثالث بعد التوحيد والفقه: علم السلوك، الجزاء، القيامة، أن يحسن فهم العبد، الطمأنينة التي يحسن العبد بها، الاستقامة، وعدم الركون للدنيا، ومعرفة بحال السلف، وحال الأئمة، وحال الصالحين، وحال الزهاد حتى ينطلق في الدنيا فيضل في الفقه، وحتى لا يغفل عن فعل السلف، وعن سلوكهم وعن صلاحهم فيضعف من إخلاصه وتوحيده هذه الثلاث هي العلم، وكل يأخذ بما قُدِّرَ له من ذلك، ولهذا نسأل الله جل وعلا دائما العلم النافع والعمل الصالح وأن يزيدنا علما وعملا ووهدى واقتداء إنه سبحانه جواد كريم، هذه كلمة وإطالة إقتضاها المقام ومناسبة لا أدري هل هي مناسَبة مناسِبة أم لا؟ لكن لا بد من الأخذ بالتّواصي في مثل هذه المسائل وأسأل الله جل وعلا أن يختم لي ولكم برضاه أختم بهذا القدر وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.

العلم له شهوة، له لذة، تجده منبسط في السيرة، تجد ليله ونهاره في السيرة، طيب أين التوحيد، سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، نعم هل علمت توحيد الله جل وعلا عليك، الأفعال، الألفاظ، التوحيد، الشرك الظاهر، الخفي، أنواعه ألعقيدة العامة لله جل وعلا وملائكته ورسله، الأمر والنهي وهل خلاصك على بينة، فعلك زكاتك صيامك حجك، كل هذه... عن بينة، الأحكام التي تليها في لبس لباسك في مركبك إلى آخره كل هذه إذا طلب الطالب العلم عن شهوة ولذة تجد أنه يتوسع في أشياء ثم لو نظر في نفسه لوجد أنه يجهل أشياء من ضروريات الدين وهذا لايسوغ، ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في قاعدة له أن العبد قد يطلب العلم بلذة مثل الكريم الذي يكرم الناس بلذة لو ما أكرم وأضاف الأضياف ضاق وما تحمل لما طبعه الله جل وعلا عليه، ولهذا فإن صاحب هذه اللذة فعل ما يجب من تعلم العلم الذي فرض عليه فإنه ينجو بإذن الله تعالى، فإذا كان يجهل ما فرض الله عليه فإنه... فيكون ممن ألهاهم التكاثر، أو ممن اتبعوا الشهوات لأن العلم شهوة وإن كان طلب العلم عبادة لكن العبادة إذا كانت معارضة بعبادة أوجب منها، فعبادة واجبة وعبادة مستحبة، لا يجوز، نعم نظرك في الأصول نظرك في الرجال، نظرك في التخريج، نظرك في السيرة، هذا علم مستحب لكن هل يقدم، هل هو أولى أو الواجب عليك؟ هذه مصيبة تراها الآن في مجتمعات كثيرة، تحقيقات وكتب كثيرة ومطبوعات كثيرة، لكن أين العلم النافع ؟ المسائل الظاهرة ما يعرفها، مسائل النظر فإما أن يغلي فيحرم ما لا يحرم أو يبيح ما لا يباح لا لغرض له في ذلك إلا لأجل عدم العلم... المقصود أن هذه المسألة أنتم تعرفونها، وتعرفون الواقع وواقع طلبة العلم لكن هي ليست لأجل عيب من كان كذلك نبرأ إلى الله من ذلك، لكن لأجل الوصية, أوجه لنفسي بذلك قبلكم وأسأل الله جل وعلا أن يعينني وإياكم على الحق والهدى.

([80])الحمد لله وبعد: هذا الكتاب؛ كتاب الفرقان أنشأه شيخ الإسلام لبيان ضلال طوائف من غلاة الصوفية في مسائل الولاية والأولياء وبين في هذا الكتاب الفرق البيّن بين ولي الله وولي الشيطان، وسمى كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فطوائف الضلال في هذا الباب لهم أقوال ولهم آراء ولهم شبه كثيرة في مسألة الوَلاية وفي مسألة الإعتقاد في الأولياء، فمن تلك المسائل زعم طائفة من ظلال الصوفية أنّ أحدا من الناس الذين بلغوا مبلغا عظيما وسمعوا الخطاب، سموا أولا، ثم سمعوا الخطاب؛ خطاب الرب جل وعلا أنّ لهم أن يخرجوا عن شريعة محمد r كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام، وهذا الرأي الذي ذهبوا إليه مبني على شيئين:

الأول: الخضر خرج على شريعة موسى.

الثاني: خاطبهم الله جل وعلا وأوحى إليهم كما خاطب جل وعلا الخضر وموسى.

هذان القولان ردهما شيخ الإسلام فيما سمعت.

الأول: خروج الخضر عن شريعة موسى لا يعرف أنه خرج عن شريعة موسى بهذه الأفعال الثلاثة التي صحب فيها موسى الخضر، هذه الأفعال الثلاثة جاءت بها شريعة الخضر، وهي موجودة حتى في شريعة الإسلام، ففعل أفعالا ثلاثة أنكرها عليه موسى، وإنكار موسى عليه هذه الأفعال الثلاثة ليس لأجل أنها لا توافق الشريعة لكن لأجل أنه لم يعلم تأويلها ولم يعلم تفسيرها فما صبر لهذا قال الخضر لموسى عليه السلام (أنت على علم من علم الله لا أعلمه وأنا على علم من علم الله لا تعلمه)يعني فإذا كان المرجع علم الرب جل وعلا، فإنّ الواجب عليك أن لا تنكر ما لا تعلم، سبب ذهاب موسى إلى الخضر أنه قال حين سئل أي الناس أعلم، أو أي أهل الأرض أعلم فقال موسى عليه السلام أنا، ولم يُرجع الأمر إلى علم الله فقال له الله جل جلاله موحيا إليه (إيتي عبدنا خضرا فإنه أعلم منك) كما رواه البخاري في أول الصحيح. الأفعال الثلاثة:

u خرق السفينة هذا إحسان والإحسان مطلوب في الشرائع جميعا وفعل الخضر لم يكن ظلما ولم يكن إعتداء بل كان إحسانا إليهم وهذا الإحسان جاءت به شريعة موسى عليه السلام وجاءت به الشرائع جميعا، فإن الملك أراد أن يأخذ الفينة السليمة فلما وجد أن السفينة معابة تركها ثم أصلحت السفينة.

vكذلك الغلام خشي أن يكفر أبويه كما قال سبحانه ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾[الكهف:80] أنْ يَطغى عليهما وأن يكفر أو أن يكفرهما وأن يدلهما على الكفر والباطل فقتل هذا الذي علم أنه سيكون صائلا على أبويه في الدين أصله مشروع؛ لأنّ الصائل على الأبدان يقتل فكيف بالصائل على الدين.

wالثالث بناء الجدار هذا أيضا إحسان فإذن في أفعال الخضر لم يكن شيء منها دالا على أن الخضر خرج عن شريعة موسى، فإذن تأصيلهم المسألة بأن الولي له أن يخرج عن شريعة محمد عليه الصلاة والسلام كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى هذا مبني على هذه المقدمة غير الصحيحة؛ لأن هذه المقدمة مظنونة، هل كان الخضر مخاطبا بشريعة موسى أو غير مخاطب، هذا لا نعلمه هل كان مأمورا باقتداء موسى أو لم يكن هذا لا نعلمه، هل كان موسى من قوم موسى أم لم يكن لا نعلمه فالخضر علم من الله جل وعلا ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾[الكهف:65] له علم لدني من الله سبحانه وتعالى وأفعاله لا تدل على ذلك وليس ثَم دليل زائد على ما زعموا.

الأمرالثاني الذي بني عليه الكلام: الكلام على الولي مخاطب هذا في الحقيقة باطل لأن الوحي إنقطع والخطابات التي يسمعها من إستعمل الرياضة والجوع والتفكر هذه خطابات من داخل النفس، وليست وحيا من الله جل وعلا، ضلّ طائفة منهم سمعوا أحاديث قدسية يعني سمعوا الرب جل وعلا يتكلم بكلام. حتى منهم من قال إنّ عند بعض الأئمة أو الأولياء عندهم شيء زائد عن القرآن كما ذكر الشعراني في طبقات الأولياء في أوخره في ترجمة أحد الناس قال في ترجمته: كان رحمه الله ورضي عنه يتلو آيات ليست في القرآن. يعني -على أصلهم- أنه سمع كلام الله جل وعلا فأصبح يقرأ أشياء ليست في القرآن، وهذا ولا شك أنها مقدمة باطلة؛ لأن الوحي إنقطع ولايمكن لأحد أن يوحى إليه وحي سماء بعد رسول الله r، وإنما في هذه الأمة فيها الإلهام والتحديث بما يوقع في روع العبد أما السماع يقول سمعت، وكما قلنا في ابن العربي الأربعين في أحاديث رب العالمين، الأحاديث التي سمعها عن الرب جل وعلا الأحاديث القدسية كلها فيها قال الله تعالى كذا فيما يرويه مما سمع.

• ..النبي r لما سئل عن أولاد المشركين قال الله أعلم بما كانوا عاملين، الله جل وعلا أطلع الخضر ما سيعمله هذا، لأنه يُخشى أن يرهق أبويه طغيانا وكفرا، فالزائد على هذا لا نعلمه لكن إذا كان الله جل وعلا يعلم أنه إذا بلغ سيكون كافرا فإنه من أهل النار الله أعلم بما كانوا عاملين، فأولاد المشركين فيهم أقوال كثيرة عند أهل العلم، وأقرب الأقوال أنْ يقال كما قال النبي r الله أعلم بما كانوا عاملين. هل بما كانوا عاملين لو بلغوا أو بما كانوا عاملين يوم القيامة إذا بُعث لهم رسول قولان عند أهل العلم، لكن نقول بما قاله عليه الصلاة والسلام، نقول كما قال الله أعلم بما كانوا يعملون، هذا خشي أن يرهقهما طغيانا وكفرا فقتل....

([81])الإرادة كما ذكر منقسمة إرادة كونية قدرية وإلى إرادة دينية شرعية، وأما المشيئة فلا تنقسم ولا يقال مشيئة كونية ومشيئة شرعية بل يقال مشيئة الله، ولا توصف المشيئة بكونها كونية أودينية، لأن المشيئة نوع واحد فلا تنقسم المشيئة، فلم يأتي الدليل ما يدل على إنقسامها بل معناها واضح في أنها متعلقة بالكون وليست متعلقة بالشرع، لهذا نقول مشيئة الله جل وعلا نوع واحد، وهي إرادته الكونية، الإرادة هي التي تنقسم كما ذكر لك في هذه الأنواع، هذه الأنواع جميعا تنقسم إلى كونية ودينية، وليس منها المشيئة، الإرادة منقسمة وسيأتي بالأدلة.

([82])الثانية الإرادة الدينية، الأولى من الآيات الإرادة الكونية والمجموعة الثانية في الإرادة الدينية الشرعية.

([83])هذه محتملة للنوعين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾[النساء:64] هذه تحتمل أن تكون الكونية و تحتمل أن تكون الشرعية؛ يعني الآيات فيهما معا تصلح لهذا وتصلح لهذا، فالرسول طاعته شرع، فيكون إذن الله جل وعلا هو الشرع الديني، وأيضا الرسول يطاع بإذن الله جل وعلا الكوني أن يطاع. (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ) يعني ممن أطاعه، وتكون الطاعة هذه بإذن الله، ليس العبد هو الذي يطيع من عند نفسه، بل﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾[الإنسان:30، التكوير:29] فتصلح للنوعين.

وكذلك ﴿مَا قطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أو تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾[الحشر:5]،هذه يعني في أمر الله جل وعلا، يعني فيما تُرك وفيما أُبقي ... الشريعة وهو بإذن الله الشرعي، وهو أيضا ما ترك وما أبقي هو بمشيئة الله جل وعلا بإذنه الكوني، ولكن الثانية أظهر في الشرع.

· ...هناك من يقول إنّ الإذن لا ينقسم إنما إذن كوني فقط. أما المنقسم هو الإرادة وآية السّحر هي في الكوني وغيرها مثلها، ومن قال إن الآيات التي فيها الإذن ديني ما عندنا في الكوني إلا آية السحر ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾[البقرة:102] فإيراد الاحتمال في الجميع يقوي الانقسام، عندك الآن الإذن في آية السحر هذا إذن كوني لأنّ...محرم، ... هم يريدون مثالا آخر على الإذن الكوني؛ من طريق آخر، لا يوردون إلا آية السحر، فالذين يتعلقون بالسحر يقولون الإذن هنا (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) الإذن هنا ما هو الإذن الكوني فيدخل فيه الإذن الشرعي أيضا؛ لأنّ هناك من يجيز استعمال السحر فيما ينفع ولا يضر، وبقولون ما يضر يعني مثل...و الصرف والعطف يعني إلى وقتنا الحاضر وفي زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى آخره يجادل كثيرون في أن الصرف والعطف يعني المحبة هذه التي تنتج محبة -وفي الحقيقة فيها ضرر هذه من هنا تكون محرمة- ويكون هنا الإذن هنا يكون ديني (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) يعني الإذن الديني، المقصود أنّ إنقسام الإذن دليله في الإذن الكوني آية السحر، وعدم إيراد العلماء –أنا ما استقرأت القرآن-لأنواع أخرى لأدلة أخرى يشكل في تقوية الإنقسام -واضح هذا؟- لهذا نزول الآيات محتملة لهذا وهذا حتى يقوى التقسيم، وهذا معلوم في قوله مثلا ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾[النساء:27] يعني يحب الله أن يتوب عليكم، أنّ من تاب قد وقعت توبته بالنوعين، لكن لا يلزم من محبة الله جل وعلا وإرادته الشرعية أن يقع الكوني لا يلزم منه من مثل الإذن الكوني؛ يعني قد يريد الله جل وعلا الشيء شرعا ولا يريده كونا كما هو معلوم، وقد يأذن به شرعا ولا يأذن به كونا، والإستلزام غير حاصل من الجهتين أو الإستلزام في الجهة الثانية غير حاصل، يعني أنه وجد الشرعي وُجد الديني, لا, إذا وجد الشرعي قد يكون الكوني موجود وقد لا يكون، فإذا وقع الشرعي لا شك أنه يجتمع فيه الأمران يعني في طاعة المطيع تحصل الإرادتان، في القطع هذا قطع اللينة وتركها هذا يقع وانتهى واجتمع فيه الإذن الشرعي والإذن الديني بمعنى أن الإشياء الدينية التي ذكر هي قد توافق الكوني فتكون واقعة وقد لا توافقه فلا يفعلها العبد، مثل الجعْل فلا يأتيه إلى آخره ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾[المائدة:97] هذا جعل شرعي؛ ديني، أناس ما جعلوها كذلك واقتحموا البيت وقتلوا من قتلوا وسفكوا الدماء كالقرامطة ونحوهم، ما جعلوا البيت قياما للناس، إذن الجعل هما شرعي يعني حينما لم يؤمَّن البيت لم تجتمع الجهتان، فلما أُمِّن البيت إجتمعت هذه وهذه، فإذن وجود الأول وهو الكوني لا يستلزم الثاني ووجود الثاني لا يستلزم الأول [وجود في الآيات(المفرّغ)] لكن وقوع الثاني يستلزم وجود الأول. نعم كمّل.

([84]) البقرة:117، آل عمران:47، مريم:35.(المفرّغ)

([85])يعني به أصحاب وحدة الوجود الذين قالوا المعبود والعابد شيء واحد لأن الله جل وعلا قضى أنْ لا يُعبد إلا هو ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾[الإسراء:23]، يعني قَدَّر أن لا يعبد إلا هو؛ فمن عبد غير الله فقد عبد الله؛ لأن الله قدّر كونا أن لا يُعبد إلا هو، هذا باطل عظيم البطلان؛ لأن (قَضَى) هنا بمعنى أمر ووصى؛ لأنه سبحانه هو الذي أثبت بالقرآن أنهم عبدوا غير الله ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾[الفرقان:17، مريم:49]، و﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾[ص:5] فهو سبحانه هو الذي بين أنهم عبدوا غيره، وكلمة الغَيْرِيّة هذه واضحة، وكونهم عبدوا من دون الله آلهة أيضا واضحة، في أنه لا يمكن أن تكون قضى بمعنى أمضى. وهذا هو الذي ذكره شيخ الإسلام، و الوجه الثاني أن قضى هنا لا تكون بمعنى قدّر و إنما بمعنى أمر لمجيء (أنْ) بعدها فـ(أنْ) تفسيرية تكون بعد كلمة فيها معنى القول دون شروط القول، وكلمة (قدّر) ليس فيها معنى القول وليس فيها حروف القول بخلاف كلمة (أمر) فإنها في معنى القول، ولهذا إذا إخترنا القول في (أنْ) في قوله (أَلَّا تَعْبُدُوا) تفسيرية قضى بمعنى أَمَر واضحة، وكل منهما مترتبة على أخرى، يعني (قَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا)، (أمر ألا تعبدوا) من أجل التفسير بأَمر صارت (أنْ) تفسيرية، وأيضا كون (أنْ) مصدرية هذا فيه بحث.

¨ ... كأنه عندك إشكال لماذا خصّ الكتب؟ هو في الحقيقة لا إشكال في ذلك، لكن كقاعدة في الأشياء المتلازمة أنه قد يفترض أحد النوعين ويترك الآخر أو تترك الأشياء التي تلزم إكتفاءً بما ذكر، التكذيب بالكتب هو تكذيب بمن أُنزلت عليه الكتب، فنقول إن الإيمان بالكتب إيمان بالرسل، والإيمان بالرسل إيمان بالكتب، فالأشياء المتلازمة يُكتفى فيها بأحد النوعين. أكمل.

([86])الفعل المشدد دخلت عليه (لم) الأصل أنه يجزم وتكون علامة جزمه السكون وتكون علامة جومه السكون، لكن إلتقى ساكنان؛ سكون التضعيف والسكون الذي هو علامة فلذلك غُيِّر إلى الفتح لسببين:

الأول: لأن الفتحة أخف الحركات.

والثاني: لأن الضم ممتنع لكونه حالة الفعل قبل دخول (لم) والكسر ممتنع لأن الفعل لا يجر أو لايدخله الجر.

هذه مثل: لم يَجُرُّهُ، لم يهمَّه...، إلى آخره، كل فهل مشدد في آخره إذا دخلت عليه (لم) أو حرف من حروف الجزم فإنه يكون مجزوم بسكون مقدّر.

([87])جماع الفرق يعني وأصل الفرق، جِماع الشيء يعني الأصل الذي يقوم عليه.

([88])بعنى (إلاّ) قال جل وعلا ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾[يس:32] يعني إلاّ جميعم.

([89])يعنى ما دعا فاستجاب الدعوة؛ يعني الغالب بل الأكثر، وليس معناه أن له حقا في أنه ما دعا به يُجاب، فهذه لم يُعطها الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، الأنبياء ربما ردت دعواتهم كما ردّت دعاء نوح لابنه ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾[هود:45] وكما ردت دعوة إبراهيم لأبيه﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾[التوبة:114]، وكما رد استغفار النبي r لأبي طالب وهكذا، فدعوات الأنبياء هي أعظم الدعوات التي تجاب، ثم الصالحون من أقوامهم ممن يقال فيهم مستجاب الدعوة يعني بأكثر دعواتهم، ويُرد منها كثير لأن إجابة الدعاء من آثار الربوبية والله جل وعلا له الحكمة فيما يأتي، فيما يفعل، وفيما يُقَدِّر، وفيما يجيب، وفيما يمنع، وهو سبحانه المعطي المانع.

([90])معنى يا سارية الجبلَ، الجبلَ: يا سارية إلزم الجبل، إلزم الجبلَ.

([91])هذه أمثلة كثيرة لما حصل للصحابة رضوان الله عليهم من كرامات، وما حصل لهم من الإكرام.

([92])قاعدة في الكرامات مطبوعة”قاعدة في الكرامات والخوارق“ كبيرة لشيخ الإسلام أصّل فيها قاعدة الخوارق والآيات والكرامات والفرق بين هذه الأمور.

([93])مستغنيا هي الخبر.

([94])هذا الكلام المستفيض ذكر فيه شيخ الإسلام رحمه الله وأجزل له المثوبة وجزاه عنا وعن كل سنُّي خيرا، ذكر فيه الكرامات وأن الكرامة فرع معجزات الأنبياء؛ لأنّ كلّ كرامة لم تحصل إلا باتباع النبي عليه الصلاة والسلام، والذي لا يتّبع النبي عليه الصلاة والسلام لا تحصل له كرامة، وإنما الذي يحصل له خارق شيطاني من الشيطان وليس بكرامة من الله جل وعلا، إذْ الكرامة للمتبعين وليست للمخالفين، وباب الكرامات باب واسع، والكرامة تُعرّف بما يجريه الله من خوارق العادات على يدي ولي، والكرامة من لفظها إكرام للعبد وقد يكون هذا الإكرام لحاجته هو إلى ذلك أو لحاجة غيره، ولهذا حصول الكرامة لا يدل على رِفعة من حصلت له، فهو إكرام خاص، وقد يكون من لم تحصل له كرامة أُكرم بأنواع من الإيمان واليقين والصدق بما لم يكرم به من حصلت له كرامات، لهذا ذكر لك شيخ الإسلام أنّ الكرامات في التابعين أكثر منها في الصحابة لأجل ضَعف الإيمان وحاجتهم لما يقوي إيمانهم ولحاجة غيرهم ممن يراهم إلى اتباعهم واقتفاء أثر التابعين لضَعف الإيمان في الناس وضعف اليقين، فإذن الكرامات من حيث الأصل هي فرع معجزات النبي عليه الصلاة والسلام، ولا تصل إلى قدرها وإن كانت تشترك معها في الجنس؛ يعني قد يحصل للولي من الكرامة؛ إجراء طعام على يديه لكن لا يبلغ قدْر المعجزة لأن يطعم بطعام الذي يأتي الولي يطعم به الجيش العظيم لكن يحصل له جنس الكرامة، يحصل له ما يشترك به مع المعجزة في الجنس، ومثل النار التي حصلت لإبراهيم عليه السلام قال لها الله جل وعلا ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾[الأنبياء:69] هذه نار عظيمة أجج النار بنار عظيمة، فكانت معجزة لإبراهيم، حصلت لبعض الصحابة أنه أدخل النار فلم تضره لكن كانت نارا ليست على قدر تلك النار كانت نارا صغيرة وهكذا في أجناس ما سمعت.

إذن فكل كرامة هي معجزة للنبي؛ يعني مجموع الكرامات التي حصلت بالإتباع هي من جملة دلائل النبوة؛ لأنها ماحصلت للأولياء إلا باتباع محمد عليه الصلاة والسلام.

الكرامات من حيث التقسيم، نحن نؤمن أهل السنة بكرامات الأولياء ونؤمن بما يجري اله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات وأنواع القدرة والتأثيرات، فالكرامات نصدّق بها، ونؤمن بأنها تحصل لأولياء الله جل وعلا، وهذه الكرامات على نوعين:

· الأول كرامة علمية: فالعلم قد يكون علما كشفيا بأن يعلم الخافي مثل علم أبي بكر بالجنين (بنوع الجنين، علم أبي بكر رضي الله عنه بنوع الجنين رأى بطن امرأته فقال فيها أنثى) وقد يكون علما بالسماع؛ يسمع ما لم يسمعه غيره، مثل سارية سمع كلام عمر، أو اسماع ما لم تجرِ العادة أن يُسمع مِنْ بُعد المسافة مثل الكرامة التي حصلت لعمر، وقد يكون الخارق العلمي من جهة التأثير على الخلق، فيكون العالم أوالرجل الصالح يُعلِّم يؤثر على الناس بعلمه أو بوعظه ونحو ذلك فيهديهم الله جل وعلا ويصلحهم على يديه، هذا نوع إكرام من جهة العلم والتعليم. له أمثلة كثيرة مما مرّ معنا، أدرج الأمثلة المناسبة تحت هذا القسم.

· الثاني كرامة من جهة القدرة والتأثير: يعني أنْ يقدر على ما لا يقدر عليه غيره، وأن يؤثر في الكونيات بما لا يؤثر عليه غيره وإن قلت يأثر ويقدر فهو إجراء الله على يديه ذلك، كما عرفنا الكرامة بقولنا: ما يجري اللهُ من خوارق العادات على يدي ولي. وليس معناه أنه يعطى القدرة بالتأثير، كما يقوله غلاة الصوفية حتى بلغوا فيمن يزعمونه وليا بأنه يقول للشيء كن فيكون، إنما يجريه الله على يديه إكراما له، وليس معناه أنه عنده قدرة دائمة في التأثير أو في قلب الأشياء أو ما أشبه ذلك، من هذا المثال: يُرسل النهر لسعد حتى يمر عليه ومن معه، وسفينة مسك بالأسد حتى أوصله مقصده, وأمثال كثيرة في أنواع القدرة.

إذن الكرامة من حيث هي حاصلة، الكرامة لا تدل على أن من حصلت له أعظم ممن لم تحصل له، الكرامة قد يحتاج إليها ضعيف الإيمان فتحصل له وتُحجب عن قوي الإيمان فلا يُعطى كرامة حسية من قدر وتأثير أو كشف علمي، وإنما يُعطى العلم التأثيري وأشباه ذلك، الخوارق سيأتي كلام شيخ الإسلام عليها وأنها تختلف عن الكرامات، الخوارق تجري على يدي المبتدعة، العصاة إلى آخر ذلك.

إذا تبين هذا، فالكرامة قد تحصل على يدي غير الولي، الأصل أنها لا تحصل إلا لمطيع، لصالح، لولي مؤمن متقي. وقد تحصل لعاصي وقد تحصل لمبتدع، وهذه الحالات القليلة إنما هي لتقوية إيمانه لضعفه أو لتقوية من معه على عدوهم لما معهم من أصل الإيمان مع عدوٍ معه الكفر أو لأنه ينافح عن الدين فيُعطى من الإكرام لأجل منافحته عن الدِّين في مقابل المشرك والكافر، لهذا يُشكل على البعض حصول طائفة من الكرامات أو الخوارق لمن هو مبتدع مثل ما قد يُذكر من حصول كرامات في أفغانستان لبعض الناس وفي قتالهم مع الملاحدة ويأتي طائفة ويقولون ليس بصحيح لأن هؤلاء مبتدعة ويفشو فيهم أنواع من الشِّركيات ويكذبون، وآخرون ويقولون رأينا بأعيننا فيصدقون فيحصل خلط، هل يكذب هذا أم يصدّق؟

وقاعدة أهل السنة في هذا الباب أنّ هؤلاء يقاتلون الملاحدة، يقاتلون الكفار أعداء الله جل وعلا، فهؤلاء المسلمون الذين ينتسبون إلى أصل الإسلام قد يعطون شيئا من الخوارق لا لهم ولكن لإظهار الدين الذي معهم على عدوهم.

وهذا يحصل أيضا في باب المناظرات قد يأتي شخص من المعتزلة ويناظر نصرانيا فيُكرم بأشياء من الحجج ما خطرت بباله، وذلك لما له من أصل الإسلام في مقابلة ذلك النصراني المشرك، وقد يكون أشعريا مثلا يناظر وهكذ.

فإذن الكرامة التي تحصل للعبد ينبغي النظر فيها والتأمل فلا يُعجَّل بالإثبات ولا بالإنكار.

أيضا من قاعدة أهل السنة في الكرامة أن الكرامة لا يُتعلق بأصحابها بل هي إكرام لهم، ولا يُتعلق بصاحبها لأجل الكرامة والله جل وعلا أكرمه وأعظم من كرامة الولي كرامة محمد عليه الصلاة والسلام في حياته وبعد مماته بالآيات وبالبراهين، بل وباصطفائه رسولا وخاتما للأنبياء والمرسلين ومع ذلك هو عليه الصلاة والسلام الذي حذّر أن يتخذ قبره مسجدا، وأن يُدعا، وأن يجعل قبره عيدا وأشباه ذلك لما حدثت لطائفة من الأولياء الذين حُكيت عنهم كرامات. فإذن حصول الكرامة لا تعني التعلق، بل لا يجب التعلق بمن حصلت له الكرامة لا في حياته ولا بعد مماته، التعلق غير الشرعي، أما التعلق الشرعي بأن يتأثر بالرجل الصالح وأن يصاحب لتقوية المصاحَب على طاعة الله أو أن يسأل أحيانا للدعاء، أن يدعو ونحو ذلك، فهذا لا بأس به لكن لا من جهة التعلق به. وهذا لمصلحة؛ لمصلحة عامة يحصل ذلك مثل ما طلب من سعد أن يقسم في الفتح وأشباه ذلك مما هو داخل في ضمن الفائدة العامة.

إذن فأهل السنة في باب الكرامات وسط؛ وسط بين المنكرين كالمعتزلة ومن شابههم كابن حزم وغيره، وبين الغالين كغلاة الصوفية الذين يجعلون الكرامة سبيلا للتعلق البدعي وأيضا لا يفرقون بين الخارق الشيطاني وبين الكرامة. سيأتي في هذه المباحث زيادة تفصيل فيما نستقبل. نقف عند هذا.

· ...الكرامة مثل ما ذكرت لك ما يُجري الله من خوارق العادات على يدي ولي، أما على يدي نبي الآية والبرهان ما يؤتاه النبي مما يَعجز عنه الإنس والجن، فالأشاعرة عندهم المعجزة والكرامة متساوية في جنسها وقدرها؛ في الجنس والقدر متساوية؛ النار هي النار المعجزة التي تحصل للنبي r تحصل للولي بنفسها لكن الفرق بينهما أنها تكون في النبي مقرونة بدعوى النبوة وبالتحدي في بعضها ليس في جميعها، وأما الكرامة فليست مقترنة بذلك. وهذا غير لازم؛ لأن الكرامات مراتب مختلفة في الجنس وفي القدْر وكذلك آيات الأنبياء مختلفة في الجنس والقدْر.

· الرؤيا: هذا مثل يضربه الملك لروح النائم أو يُري روحه أشياء وهو نائم قد تكون دليلا على ما سيقع، أما تعبير الرؤيا فهو علم، والله جل وعلا يُعلِّم عباده تعبير الرؤيا. إما بقذف؛ يقذف في قلوبهم الصواب، وإما بالدلائل.ولهذا من عبر الرؤيا وهو ليس عالم بها فهو داخل في الوعيد﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾[الإسراء:36] والله سبحانه وتعالى سمّى التعبير علما ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾[يوسف:21] فتأويل الرؤى علم وليس خرصا، ولا يجوز للمرء أن يقدم على تفسير الرؤيا في غير علم بها، العلم قد يكون بدليل منالكتاب والسنة، عندك الفقه في الشرع الفقه في حال السائل في حال الرائي ومعرفة يستدل بالشيء على الشيء لأنها أمثال مضروبة، والمثل قد يدركه صاحب الفِراسة، ويستدل بآية بحديث هذا ظاهر، وقد يكون أن وقع في نفسه تفسير الرؤيا كذا بدون دليل،لو تفكر لا دليل على ذلك أو شيء مستغرب جذا أن يفسره بهذا، وهذا كثير جدا في تعبير الرؤيا. إذن فالمقصود أن تعبير الرؤى علم، ومما ينبغي في آداب الرؤيا أن لا يتحدث المرء بالرؤى؛ إذا رأى رؤيا تسوؤه فيستعيذ بالله جل وعلا من شرها ويتفل عن يساره أولا ثلاثا ثم يستعيذ بالله جل وعلا من شرها وينقلب إلى الجهة الثانية كما ثبت في الصحيح، وإذا رأى رؤيا تسره يحمد الله جل وعلا عليها ويسال الله خيرها، فإذا أراد أن يقصها فلا يقصها إلا على عالم مأمون؛ لأن الرؤيا على رِجل طائر وفي رواية على جناح طائر إذا قٌصَّت وقعت، يعني مثل الطائر الذي له جناح إذا قص الجناح وقع وكذالك الرؤيا على جناح طائر إذا أولت وقعت، فلا ينبغي للمرء أن يعرِّض نفسه لمثل هذه المخالفات قد فيكون في تأويل الرؤيا شر عليه فإذا أمضاها تُركت.

· ...هو ما ذكرنا أنه في مقابلة المشرك تحصل له لا في نفسه –لا تحصل للعاصي في نفسه، لا تحصل للمؤمن المبتدع في نفسه إنما تحصل له في مقابلة أهل الشرك في حرب أو مناظرة أو نحو ذلك، لنصرة الدين ، من جنس إنزال الملائكة ومن جنس تأييد الناس قد يؤيدون بأشياء ...

([95])استراق السمع موجود قبل النبوة، وفي أثناء حياة النبي عليه الصلاة والسلام، نبيا رسولا، وبعد موته عليه الصلاة والسلام فاستراق السمع لم ينقطع لكنه كان:

· قبل البعثة كان كثيرا جدا لحكمة يعلمها الله جل جلاله.

· وبعد البعثة ملئت السماء حرسا شديدا وشهبا، فلم يصل مردة الجن، ولم يصل مسترق السمع إلى ما كان يصلون إليه قبل ذلك، وإنما قلت جدا، ولكنهم استرقوا بعض السمع ولكنهم لم يسترقوا السمع كُلاًّ، مثل ما جاء الحديث ابن صائد أن النبيr قال «قد خبأت لك خَبْأ» قال: الدخ ، قال له النبي r «إخسأ فلن تعدو قدرك» ولأنك كاهن سمعت الشياطين الكلمتين وأوحتها إليك الدخ لكن لا تدري البقية لأن الشياطين لا تحسن إستماع الوحي الذي يوحى إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ربما تحدث أشياء في وقت النبوة مما يقضي الله جل وعلا به من الأمر في السماء، مما لا يختص بالوحي إنما هو من الأوامر الكونية وما سيحدث ونحو ذلك فتسترق الشياطين السمع فيصلون لكن بقلة.

فإذن الأحوال استراق الشياطين للسمع بالنسبة للبعثة ثلاثة: ما قبل البعثة الاستراق كثير، وفي وقت البعثة مدة الرسالة قليل أو نادر وبعد محمد عليه الصلاة والسلام زاد ولكن لا يوصف بالكثرة ولا بقلة؛ يعني زاد على ما كان في البعثة لكن لا يوصف بكثرة ولذلك كان قبل البعثة الكهان كثيرون يخبرون بالمغيبات، وبعد البعثة لا؛ موجود لكن قليل عما كان؛ يعني بعد موت النبي r قليل عما كان قبل حياته عليه الصلاة والسلام.

هذا من جهة.

والجهة الثانية أن أولياء الشيطان تحصل لهم خوارق مثل الإخبار بالمغيبات فكون الرجل يكون عنده خوارق عنده إخبار بالمغيبات لا يعني أنه ولي، هذا غلِط فيه أناس كثيرفي عهد شيخ الإسلام ومن بعده يعتقدون أن من حصل له خوارق وإخبار بالمغيبات أنه ولي؛ هذا غلط كبير، الولي هو المؤمن التقي المتابع للسنة الموحد الصادق، هذا هو الولي، يجُري الله جل وعلا على أيدي هؤلاء بعض الكرامات، لكن إذا كان فاسقا فاجرا مفرطا عمل المحرمات يترك الفرائض فكيف يكون ما يحدث له كرامة إنما هذه خوارق شيطانية، فإذن الخوارق على هذا ثلاثة أقسام:

b القسم الأول: خوارق ليست في مقدور الجن والإنس وهذه هي الآيات والبراهين التي يؤتاها الأنبياء.

b والنوع الثاني: خوارق تكون على يدي المؤمن التقي، تجري على يدي المؤمن التقي، وهذه هي التي تسمى كرامة وهو دليل أيضا من دلائل النبوة لأنها ما حصلت لهذا إلا لاتباعه لنبيه.

b الثالث: خوارق تحصل للفجرة والكفرة وللعصاة الذين يرتكبون المحرمات ويفعلون الموبقات ويتركون الفرائض هذه تسمى خوارق شيطانية.

إذن حصول الخارق بنفسه بمجرده لا يعني شيئا في الحكم على صاحبه بل يُنظر في حاله.

([96])يقلبها يعني يقرأها من آخرها إلى أولها وهذا بالنسبة للآيات.

([97])وهذا سحر من كتابة الآيات بالنجاسات وإهانة المصحف والعياذ بالله أو البول عليه والعياذ بالله، هذا من آخر مراتب السحرة يعني بتعلم السحر والعياذ بالله لا يكون كاهنا ساحرا تخدمه الشياطين وتعمل بأمره فيما يشتهي إلا إذا حصل منه الكفر، بهذه الأنواع كما قد ذكر في بعض كتب السحر المعاصرة والقديمة فالناس في زمن شيخ الإسلام وما قبله إلى زمن قريب من زمننا هذا كانوا يعتقدون في هؤلاء السحرة والكهنة، واليوم في بعض البلاد مثل ما هو موجود في المغرب فيما يذكرون، وفي لبنان وفي مصر أيضا على قلة لكن في المغرب يقولون بكثرة، وفي بعض البلاد يوجد أناس تخدمهم الشياطين ويخبّرونهم بالمغيبات وراج على بعض أهل هذه البلاد من أهل الفطرة راج عليهم أنّ أولئك قالوا الملائكة تخبرهم، الملائكة تخدمهم، هؤلاء صالحون ويظهرون لهم بصورة الصلاح، ويزعمون أن الملائكة هي التي تصنع لهم وتخدمهم، الملائكة لا تفعل شيئا من ذلك، ولم تخدم الصحابة في مثل هذه الأشياء، وإنما هذه من الشياطين، يخبرونهم بالمغيبات ويغيرون لهم الأشياء، وينطق الناطق وهو بعيد ويأتي ويقول الميت يقول كذا وكذا، أو يسمع صوت وأشباه ذلك مما ذكر.

المقصود من هذا البحث الذي ذكر شيخ الإسلام وأطال فيه من حيث الأمثلة، تأصيل القاعدة بأن الفرقان بين الخارق الشيطاني هوحال الشخص، فإذا كان من حصلت له الخوارق مطيعا لله ورسوله آمرا ناهيا صاحب تقوى، فهذا قد يُجري الله على يديه كرامات، وإذا كان عاصيا مخالفا مرتكبا للمحرمات تاركا للفرائض، عنده حب للنجاسات، وعنده إظهار للتعذيب بالنار أو الخوارق التي لا تحصل لأهل الإيمان لأنها أمور منكرة فهذه حال شيطانية، ولو إدعى أنها من الملائكة أو من صلاحه أو إلى آخره فهذه أحوال شيطانية.

كذلك ما يكون من الأمور التي ذكرها من الأمثلة هذه يجب على المرء أن لا يكذب يقول لا ما حصل هذا، لأن الأشياء حصلت ويكون الذي رأى أنه حصل يقول حصل ورأيته بعيني فيحيل الداعية إلى الحق يحيل الموحد، يقول نعم حصل ولكن لم يحصل إلا من الشيطان، نعم سُمع الصوت من القبر وهو صوت فلان وكلمكم قال إفعلوا كذا أو غفرت لكم أو سألت لكم ربي أو شفعت لكم، لكن هو في الواقع صوت شيطان ليس صوت الميت، لأن الشيطان قلد صوت الميت ليغوي العباد فالأموات لا يخاطبون الأحياء، لا يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام الأحياء والصحابة ولا شهداء بدر ولا أكرم الناس، لم يخاطبوا الأحياء بأمور، وإذا الشيطان تكلم على لسان هذا الميت فيحصل من هذا التكليم إغواء تعلق وإعتقادات باطلة إذن فالشياطين مهمتهم الإغواء كما هو معلوم ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا(62)قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا(63)وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾[الإسراء:62-64] صوت الشيطان يشمل كل ما يغوي الشيطان به العباد من الأصوات سواء كانت أصوات المخلوقين التي من جهة الشيطان أو تجد الشيطان نفسه في القبور في هذه الأحوال.

فإذن يجب أن ينتبه إلى مثل هذه المسائل خاصة في البلاد التي يكثر فيها الجهل والإعتقاد بالكهنة والأولياء وما شابه ذلك وأن أكثر ما يحصل لهم من هذه الأشياء إنما هي من الشياطين، وبعضها خيالات، سبب إستطراد شيخ الإسلام في مثل هذه الأمثلة هو أن يُعلم القارئ الذي يقرأ كتابه أنه محيط بأحوال القوم حتى لا يقول قائل أنت تتكلم عنهم وأنت لا تعرفهم فذكر كل الأصناف الأصناف جميعا التي يحصل لهم الخوارق وتخدمهم الشياطين وأصناف ما يحصل لهم في الأطعمة في الأشربة في الطيران في الهواء في الماء وفي الإخبار بالمغيبات وفي المكث عند القبور والتمثل بالأشخاص كل هذه حصلت للناس وهو يمثل بها حتى يجمع ما بين معرفة واقع الناس وما بين تقرير الأحكام الشرعية حتى يكون أعظم في الحجة.

ذكر شيخ الإسلام في بعض كتبه لا أدري هل ذكرها هنا أم لا؟ أن الشيطان تمثل في صورته يقول وقعت مرة لطائفة من أصحابي ضائقة وكرب قالوا فرأينا صورتك يعني فرأيناك عندنا فاستغثنا بك، فأتيت وخلصتنا من العدو، فلما أخبره لما قدموا هنا قال لم آتِ إنما ذاك شيطان تصور بصورتي ليغويكم فاحذروا ، أو كما قال رحمه الله تعالى. فالشيطان بشهادة الثقات الجمع من أصحابه تمثل بصورته لذلك هند شيخ الإسلام هذا يقيني لأنه شهد به الثقات وهو يعلم بيقين من نفسه أنه ما تعدى بنفسه، كيف هؤلاء يقولون حصل لنا كيت وكيت وأنت جئت وخلصتنا لاشك أن هذا من الشيطان لذلك، يتكلم بأشياء مبنية على محسوس والمبني على محسوس لا يُكذَّب والذي ذكرتَه هذا يُرد عليه بما ذكر شيخ الإسلام عن نفسه لأنه لم يتخيل بحال الناس إنما ذكر عن نفسه هذه الأشياء. المسألة هذه تطول نقف عند هذا.

([98])بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فهذه الجمل أوردها شيخ الإسلام المؤلف رحمه الله لبيان حال الذين تحصل لهم خوارق، وأنّ كثيرين من أهل زمنه، بل أن الكثيرين من أهل زمنه لا ينفكون عن أن يكونوا من أهل هذه الصفات إما أن يدعو الميت وإما أن يدعو به وإما أن يتخذوا قبره مكانا للعبادة، والطرق الصوفية بعامة تعلقت بالقبور وتعلق أصحابها وتعلق المريدون بالمشاهد هذه إما قبور من اتبعوهم من أصحاب المعرفة، مثل ما يُفعل عند قبر عبد القادر الجيلاني، ومثل ما يفعل عند قبر الرؤساء منهم في دمشق وفي مصر إلى آخره، هؤلاء صفتهم أنهم يتعلقون بالموتى واتخذوا القبور مساجد وعظموا تلك المساجد ولهذا ذكر لك أنّ هؤلاء الذين تحصل لهم خوارق هم من أهل البدع والشركيات، معلوم أن الكرامة لعبده إنما هي للمؤمن التقي، وأما أهل البدع والشرك فهم إن وقعت لهم خوارق فهي من الشياطين؛ لأنهم يضلونهم بغير علم وهذه الصّور الثلاث التي ذكر أن يدعى الميت بأنواع الدعاء:

b إما باستغاثة به يقول يا ولي الله أغثني، أنجدني أنا في كفايتك، أنا في كنفك، أعني على هذا الأمر، أنا في غياثك يا غياث المستغيثين، أغثني ونحو ذلك، مما هو دعوة لغير الله جل وعلا فيما هو من صفات الرب جل جلاله، أو أن يدعى بالميت والدعاء بالميت له صور منها أن يسأل به في ذاته، يقول أسألك ربي بفلان بالميت بعبد القادر بالبدوي بالعندروس وأشباه ذلك، هذا إذا سأل بالميت يظن السائل أنه يحصل له حين ذلك قبول لسؤاله، وتحصل له أحوال عند القبر إذا سأل بالميت؛ لأن روح الولي تساعده والسؤال بفلان هذا وسيلة من وسائل الشرك وبدعة وخيمة، فلا يجوز لأحد أن يبتدع هذه البدعة، ولا أن يعمل بها هي أن يسأل بفلان كائنا من كان ولو كان برسول الله r أسألك بنبيك، أسألك بأبي بكر، أسألك بأهل بدر، أسألك بالولي الفلاني هذا كله بدعة ووسيلة إلى الشرك.

b الصورة الثانية للدعاء بالميت، أن يتوسل بما يظنه من منزلة للميت يقول أتوسل إليك ربي بحق فلان الولي عليك أتوسل إليك بعمله الصالح أتوسل إليك بمكانته عندك وحرمته عندك ، ونحو ذلك أو أن نقول أسألك بحقه أسألك بحرمته عندك بجاهه عندك ونحو ذلك هذه كلها داخلة في الدعاء به وهي أيضا بدعة ووسيلة إلى الشرك.

b أما الدعاء عند القبور فإنما شرع الدعاء عند القبور للميت وقد يدخل الحي تبعا، فالشرع جاء بالزيارة الشرعية للقبر والدعاء عند القبر للمقبور لا للحي وقد يدخل الحي تبعا في الدعاء فأن يقول الحي للميت: اللهم إرحم المستقدمين منا والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، أو يقول اللهم إغفر لأصحاب القبور ونور عليهم قبورهم، واغفر لنا ولهم ونحو ذلك، فيكون دعاؤه لنفسه أتى تبعا لأنه دعى للمؤمنين بعامة من أهل القبور، فيدخل هو تبعا لا استقلالا، أما أن يختص موقع قبر أو قبور أو المقبرة للدعاء للحي أو أن يدعو لنفسه فهذا من البدع المحدثة ووسيلة إلى تعظيم القبور والعبادة عندها.

وهذه الصفات الثلاث موجودة عند أهل التصوف وأهل الغلو في الأولياء حتى قال قائلهم في قبر معروف الكرخي العابد المشهور قالوا فيه:

(قبر معروف الترياق المجرب ) يعني من أعياه شيء وأراد الاستشفاء من الأمراض البدنية أو الأمراض الدينية يعني كان عليه جنون أو أراد شيئا في أمره دينه أو دنياه فعليه بقبر معروف فإنه الترياق المجرب، يعني أن يدعى معروف أو أن يسأل به أو أن يدعى عند القبر، كل هذه الصور حاصلة، وإذا كانت هذه الصور من البدع والمحدثات وبعضها بدعة كفرية شركية، فمعلوم أن الشياطين تساعد أهل البدع، وتساعد أهل الشرك كما ساعدت أوائلهم، وأن أول الشرك كما ذكر هو قصة قوم نوح في عبادة ودّ وسواع ويعوق ونسر، ولما عبدوهم أغوتهم الشياطين، وصار عندهم أحوال وآراء وكلام تنطق، وربما خرج من القبر وتصور بصورته وتكلم بصورته إلى غير ذلك مما ذكر، لهذا جاء في هذه الشريعة النهي الشديد عن اتخاذ القبور مساجد «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ألا لا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» وأن من اتخذ القبر مسجدا يعني فصلى عنده أو دعى عنده واختصه بذلك فإن هذا مبتدع وملعون فكيف بمن عبد صاحب القبر واستغاث به لا شك أن هذا أعظم «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» هذه وصية قالها عليه الصلاة ولسلام في آخر حياته وصية أوصى بها الأمة وحذرها من ذلك، فإذا كان هؤلاء من أهل الشرك والبدع والخرافات فإنه يحصل لهم خوارق، وهذه الخوارق من الشياطين ليست كرامات، فإذن لا بد أن يكون ثم فرقان بين الكرامنة والخارق الشيطاني، فالكرامة هي للمؤمن المتقي المتبع للسنة، أما الخارق الشيطاني فهذا يحصل لكل من تولى الشيطان، تولاه بطاعته في الشرك وفي البدع والخرافات وفي التعلق بغير الله جل جلاله.

إذا تبين ذلك فأصحاب الطرق الصوفية في زمن شيخ الإسلام كان عندهم كل هذه أنواع التعلقات؛ التعلق بالقبور، التعلق بالأوثان، التعلق بالأولياء، كان عندهم اعتقاد بالشيخ حتى إنهم يعتقدون فيه أنه يَعلم ما في النفس، حتى ولو بَعُدَ، كما قال قائلهم لأحد مريديه إذا هممت بمعصية فتذكر أني أعلم حالك، هذا لا شك أنه من إدعاء ما ليس له، وبه حصل التعلقات لأنها تربية غير شرعية فهي إن كان نطق بها الأول يريد تخويفه ويريد تربيته لكن هذا إدعاء لشيء من أمور الغيب، والعياذ بالله، ولهذا حصل من التربية الباطلة السلوكية حصل الشرك والبدع وأنواع من الضلالات.

المقصود من هذا أن المكلف الذي يتعلق بهذه البدع بالقبور ودعاء أصحابها وبالبناء على القبور هذه المشاهد الشركية أو بسؤال أصحابها أو السؤال بهم أو الدعاء واختصاص القبور بمزيد مزية، هؤلاء قد تخدمهم الشياطين، وقد تظهر له من القبر من قبر فلان يسمع صوت المدفون هو يعرف صوته؛ من مشايخه ثم يخبره بأشياء فعلها هو فعلت في بيتك كذا وهذا يبقى متعلقا لا يدري أنّ حقيقة الحال أن هذا شيطان، والجن يرونها من حيث لا نراهم ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾[الأعراف:27] فالشيطان ولي لغير المؤمن ينصره ويساعده ويذله، لهذا ينبغي على الناظر في مثل هذه الأحوال، أو الذي يُناظر الذي يذكر مثل هذه الأحوال أن لا يبادر بإنكار وقعها يقول مثل هذا قد يقع، قد يكلمك الميت قد تسمع أصوات، قد يخبرك فلان بالمغيبات، لكن الذي يخبره بهذه الأشياء ويحصل له هذه الخوارق إنما هي الشياطين، لأنها ولية لأهل البدع والشرك، والشيطان يريد بالعباد أن يقعوا في الشرك والبدع التي هي وسائل الشرك هي طريق الشرك، وبريد الشرك لذلك يعينهم الشيطان، فيؤول الأمر أن هذا من فعل الشياطين فلا ينفى وقوعه لأنه وقع وشوهد لكنه يكون خارقا شيطانيا وليس كرامة، فالفرق بين الكرامة وبين الأحوال الشيطانية ظاهر وهي أن الكرامة يؤتاها المؤمن التقي تعالى ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس:62-63] فالولي هو المؤمن التقي ﴿ لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾[يونس:64] ومن البشرى الكرانات التي قد تحصل لبعض عباد الله أما من ليس على الإيمان والتقوى والسنة من أهل البدع والشركيات هذا تحصل له الخوارق ولكن ليست بكرامات إنما هي خوارق شيطانية إما من جهة القدرة أو من جهة الغنى أو من جهة العلم تحصل لهم خوارق عديدة، مثل ما ذكر نقل في الهواء ولما قال لا إله إلا الله ذهب الشيطان الذي يحمله فسقط، ومثل أن يعلم ما في البطن ومثل أن يغيث في وقت الحاجة، ويكلمهم ويخبرهم بأشياء مخفية كل هذا من فعل الشياطين، والإنسان يعلم قصوره وأنه لا يعلم الغيب﴿ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾[النمل:65] سبحانه وتعالى.

¨ هي لا تنسب إليهم بعد الممات، بالنسبة للخارق الشيطاني يحصل لهم في الحياة، أمابعد الممات فليس له لأنه إنتهى لكن الشيطان يضل به ليس خارقا له لكن يضل به مثل ما يحصل عند القبور الشيطان يضله ليس خارقا له لأنه انتهى، وأما الكرامة فإن العبد المؤمن قد يكرم بعد مماته، يكرم في أحبابه يكرم فيمن يعطف عليهم، فيمن يرحمهم، مثل ما أكرم الله جل وعلا به أمة محمد عليه الصلاة والسلام بعد وفاته بأشياء كثيرة فهذا لأجله محبته عليه الصلاة والسلام لنا، ومثل إكرام الله جل وعلا للعبد الصالح الذي يموت فيصلح الله جل وعلا عقبه ويحفظ لهم دينهم وأموالهم إلى آخره كما جاء في سورة الكهف ﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ﴾[الكهف:82] فبسبب الصلاح أكرم الأبناء وهكذا، فإذن بعد الممات الموتى لا ينسب الخارق ولا الإكرام للميت وإنما يقال الشياطين فعلت أو أكرم الله جل وعلا فلانا بعد وفاته بكذا بصلاح أحبابه، بنفع من يحب، بنفع الأمة إلى آخره، أما الميت فلا يحصل له كرامة في نفسه فيما يراه الأحياء كرامته في الجنة عند ربه جل وعلا.

¨ ليست منزلة صورة ثانية، صورة مثل السؤال بالذات، لكن السؤال بالذات أعظم وسيلة للشرك من السؤال بالجاه، أو بالعمل أو بحق فلان، الصوفية عندهم كتب في السؤال بالمنظومات في السؤال بالذوات مثل منظومة تسمى جالية الكدر بالسؤال بأهل بدر، منظومة كل بيت نها سؤال بواحد من الصحابة، الصوفية يعظمون السؤال بالموتى كثيرا، السؤال بالذات أعظم وسيلة، السؤال بالحق والجاه أقل منه لكن كلها بدع ووسائل للشرك. هي طريق لتعظيمه بدعة وليست شركا، بدعة واعتداء في الدعاءلأنه لم يأتِ بها دليل ولا وسنة ووسيلة إلى أن يعظم السؤول به فيسأل من دون الله، أول ما حدث كان السؤال بالذوات قبل أن يحصل دعاء غير الله مباشرة كان السؤال بالذوات نسألك بفلان وفلان كثر هذا ثم حصل الشرك بسؤال الميت، نسأل الله العافية، لهذا تجد أن شيخ الإسلام في بعض المواضع يسمي سؤال الميت الشفاعة بدعة والسؤال به بدعة وذلك لأنها لم تكن عند المشركين حتى طوائف مشركي العرب لا تعرف الاستشفاع به مباشرة يعني يقول اشفع لي لكنهم يعبدون ليشفعوا، لكن اشفع لي يا لات اشفع لي يا عزى هذه ما فيه ولكن يعبدون ويتقربون ليشفعوا ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾[الزمر:3] فهم يرومون منها الشفاعةلذلك سماها بدعة في بعض المواضع لأنها بدعة حدثت وليست سابقة وهي بدعة كفرية شركية، مثل الشرك نقول محرم ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾[الأنعام:151] البدعة لا يعني أنها ليست بشرك، تكونشركا أكبر وبدعة هذا باعتبار أنها حدثت في الأمة، فالبدع منها بدع كفرية شركية مخرجة من الملة منها بدع ما دون ذلك، لكن في تعبير أهل العلم العام يعني الذي يجري ومشهور أن يُختص البدعة لما دون الشرك أذا أردت أن تعبر سنعبر عن البدعة بما دون الشرك، فإذا كانت المسألة شركا أكبر ننص عليها نقول شرك أكبر مخرج من الملة أو شرك أصغر أو نحو ذلك.

([99]) ذكر في ما سمعنا عدة مسائل:

· المسألة الأولى منها: أنّ طائفة ممن تحصل لهم الخوارق تعبّدوا بعبادات بدعية منْ مثل الإنقطاع والذهاب إلى المغارات والجبال والبراري والخلوات يتأملون ويتعبدون وينقطعون عن الناس، فتجد أنّ طائفة منهم يأوون إلى الغيران أو إلى الأودية ويلبسون ملابس الحيوانات يعني صوف الحيوانات ونحو ذلك رغبة في التقشف والبعد عن الملذات وأيضا رغبة في التفكر، ولا شك أن هذه الطريقة لتحصيل الإيمان طريقة بدعية مذمومة، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يأمر بها بعد نزول الوحي عليه، وإنما كان يتعبد ويتحنث في الغار يعني في حراء الليالي ذوات العدد في السنة قبل نزول الوحي عليه، ولما نزل الوحي عليه ونبئ ربما أتى إلى الغار، ثم لما بُعث للناس ترك عليه الصلاة والسلام ذلك تعبدا، فإذن إحداثه بدعة فلم يأمر به عليه الصلاة والسلام بل أمر بمخالطة الناس والصبر على أَذَاهُم قال عليه الصلاة والسلام«الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» فإذن التَّخَلِّي في بمثل هذه الطرق والابتعاد يضم هذا المحذور ويضم محذورا آخر، وهو أن فاعله يسير وحده ويبيت وحده ويأوي إلى هذه الغيران وحده، وهذه أشياء تأتي معها الشياطين كما قال عليه الصلاة والسلام«الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب»، فهؤلاء لما أَوَوْا إلى المغارات وتعبدوا بها العبادات البدعية جاءتهم الشياطين، وذكر أحوالهم وذكر أنواع ما يحصل في الجبال إلى آخره، وهؤلاء تأتيهم أحوال كلامية؛ يعني يسمعون من يكلمهم ومن يحضر لهم الغيلان بكلام رجال وتارة يكون فيه صور رجال لا يعلمونهم، وهذه الأنواع سمتها الصوفية رجال الغيب؛ يعني الرجال الذين لا يُعرفون ويأتون ليخدموا ولينصروا الولي وهم غائبون لا يُعرف من هم، وكما ذكر لك شيخ الإسلام أن الرجل إذا انقطع فإن الشاطين تعينه والذين يعينونه هم رجال الجن فإذا كان رأى رجلا فإنه رأى جنيا والجني قد يتشكل في صورة رجل وقد يسمع صوت رجل، إلى آخره، قالوا الآن تقريبا انقطعت إلا في قلة جدا في العالم، لكن مثل هذه الأحوال والانقطاع للتعبد والنظر والتفكر هذه إنقطعت على هذا النحو.

· المسألة الثانية التي عرض لها: هي أنّ الخوارق التي تحصل، الناس في التصديق بها والتكذيب ثلاثة أقسام كما ذكر:

1. قسم مكذِّب مطلقا.

2. قسم مصدق مطلقا.

3. والصواب أنها لا تصدق ولا تكذب؛ بمعنى نقول ليست هذه كرامة من الله -من جهة التكذيب- والواقع حصلت -من جهة التصديق- لكنها من جهة الشياطين.

والعياذ بالله لما دخل الإستعمار ودخل جنود المشركين الكفار إلى طائفة من بلاد الإسلام في القرون المتأخرة، ورآهم مَن رآهم من الصوفية سماها -سمى تلك العساكر الشركية الكفرية- سماها طائفة من الصوفية رجال الغيب؛ يعني أن هؤلاء الرجال الذين ينصرون الأمة بالغيب ...كرامة وهذا ولا شك بسببه تمكن الكفار من بلاد المسلمين، فأعظم من مكن لهم الصوفية الذين إما تركوا الأمر قالوا توكلنا على الله ولم يفعلوا سببا، أو قالوا هؤلاء رجال الغيب الذين يخدمون المؤمنين، وهذا من جراء الاعتقادات الفاسدة والباطلة.

· المسألة الثالثة التي ذكر: هي مسألة السماع-السماع مما تكلم فيه العلماء من قديم- وكان الناس يتعبدون به في أول ما حدث من جهة ما يسمى التغبير كما قال الشافعي في من أحدث التغبير في بغداد، والتغبير سمي تغبيرا لأنهم يأخذون جلودا قديمة يَبِسَتْ عليها تراب والغبار فيبدؤون –يعني لأنهم ... متزهدون كما يزعمون- فيضربون عليها بالعصي فتحدث صوتا كصوت الدف، فيترنّمون به مع الأشعار، فسمي الفعل مع الإنشاد تغبيرا؛ لأنه يظهر معه الغبار، وحقيقة التغبير هي إنشاد الأشعار الزهدية مع استخدام الدفوف، هذه حقيقة التغبير، والأشعار الزهدية أحدثها طائفة من المتزهدة لتنشد في مقابلة الغناء المحرم الذي انتشر في عهد الدولة العباسية، انتشر الغناء المحرم والمعاوف يعني في أنواع من الألحان موجودة في كتب ومعروفة وأصوات، فأحدثوا هذا في مقابلة ذاك، وتدرّج الأمر إلى أن صاروا يتقربون إلى الله بسماع الدف نفسه والطبول والمزمار الذي هو القصب يعني لأنه هو القصب؛ قصب السكر يؤخذ ييبّس ويفرّغ وبعد ذلك ...ثم يكون منه مزمارا، فأصبحوا يتقربون إلى الله بذلك، ينشدون الأشعار الزهدية، ويترنمون بهذه الأصوات يعني بالقصب وبالمزمار والطبل بأشياء محزنة، ومعلوم أن هذه الآلات قد تُستخدم بألحان يكون معها نشوة، وقد تُستخدم بألحان يكون معها حزن ورِقّة، فلهذا هم استخدموها في جانب الحزن والرقة والبكاء، وأثّرت على النفوس وبكى من بكى من سماعها، وأثّرت في القلوب وفي ترقيقها ظنّوا أن هذا مشروع؛ لأنها أحدثت أمرا مشروعا وهو البكاء والخوف من الله جل وعلا، فظنوا أنّ وسيلته مشروعة فلهذا ألفوا فيه من ألف من أهل العلم في السماع وفي ذمه، وأنه مما أحدث في مؤلفات كثيرة معلومة لدى المطلع، آلَ الأمر بعد زمن إلى أنْ يصحب هذا السماع رقص، والرقص ليس على صفة الرقص الذي ترونه الآن من الصوفية، لا. هو أول ما بدء رَقْصُ تمايل من التواجد كما يقولون، والتمايل من جراء أثر هذا السماع، فهو من جهة خوفه ورقته وترنمه وانشغاله بهذا السماع ورقة قلبه، أصبح يتمايل ويتمايل، ثم آل الأمر حتى أصبح التمايل مقصود، إلى أن صار هناك أناس يأدونه، فصار طقوسا وشعائر عندهم مع الزمن، هذه كلها أمور لا شك أنها محدثة، أرادوا منها؛ من السماع؛ سماع الأشعار أو سماع المزامير هذه، أرادوا منها رقة القلوب، وأرادوا منها الإستعاظة عن سماع المعازف والسماع الشيطاني، وآل بهم الأمر إلى أن كان سماعا شيطانيا.

ومعلوم أن السماع الذي يحرك القلوب ويبعث فيها الإيمان ويبعث فيها الخوف والرجاء والمحبة وأنواع العبادات القلبية ويثمر العمل إنما هو سماع القرآن هذا هو السماع المشروع﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾[الحشر:21]، وقال جل وعلا أيضا ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾[مريم:58] من شدة ما سمعوا وتأثُّرهم به، وكما ذكر لك لما سمع النبي عليه الصلاة والسلام قراءة أبي موسى الأشعري وحدّثه فقال أبو موسى: له لو علمت بك لحبّرته لك تحبيرا. وقال عليه الصلاة والسلام «زينوا القرآن بأصواتكم» القرآن حجة الله الباقية وفي نفسه مؤثر، ولكن مطلوب أن يُزيَّن القرآن بالصوت؛ لأن الصوت من جهته يحصل نوع تأثر فالتأثر يكون بالكلام وبنغمة الصوت؛ رنة الصوت، ولهذا أوتي داوود مزمارا؛ كان داوود إذا ترنم فكأنما يسمعون مزمارا، وهذا التلذذ بسماع القرآن هو السماع الشرعي الذي به تحيا القلوب، وبه يكون الإيمان، وتعظم أنواع العبادات القلبية النفس، الخوف من الله جل وعلا وإجلاله وتعظيمه؛ لأنه يسمع كلام الملك العلام الجبار جل جلاله وتقدست أسماؤه، إذن فهذا السماع هو سماع أهل الإيمان.

أما سماع المشركين فهو كما كانوا يفعلون عند البيت ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾[الأنفال:35] يعني دعاءهم عند البيت كان مكاء يعني صفيرا؛ لأن المكاء في اللغة هو الصفير، (مَكَّ) يعني صَفَر، والتصدية هي التصفيق، كانوا يتعبدون بذلك برنة يعني يَصْفِرُونَ ويصفِّقون برنة للتأثير على القلب.

الله جل جلاله جعل سماع أهل الإيمان سماع القرآن ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[الأعراف:204]، فإذن أنواع السماع التي يظن أنها فيها فوائد من سماع الألحان لما يكون غير القرآن هذا كله من المحدثات، ومن جنسه ما حدث في هذا الزمان من الأناشيد التي يسميها الشباب الأناشيد الإسلامية التي فيها استعمال الدفوف أو تحتوي على معنىً باطل أو تكون جماعية، هذه كلها من المحدثات.

فإذا كان النشيد الذي هو الشعر جماعيا هذا واحد، أو كان معه دف أو كان مشتملا على معنى باطل إما من جهة العقيدة؛ الإستغاثات، مخاطبة الموتى، أو من جهة التحنيث الباطل ونحو ذلك، هذه كلها منكرة وهي شبيه بألحان وسماع الصوفية، ولهذا إنما جاءت الأناشيد من جراء التربية الصوفية لبعض الجماعات الإسلامية.

أما نشيد المرء بمفرده فلا بأس، حتى ذكر العلماء أن المرء ليترنم ببيت أو ببيتين من الشعر وترنم بها فهذا لا بأس به، يعني لو كان وحده وكان قليلا، يعني أراد أن يرفع صوته بشيء فهذا لا بأس به، يعني أنه ليس بمنكر لأن النفس قد -كما عللوا- قد تحتاج، بحث هذا السّفاريني في شرح منظومة الآداب، وبما هو معروف في محله. المقصود أن إنشاد المنشد وحده بقصيدة في محل لا بأس به، إذا كان وحده ينشد قصيدة لكن لا يستعاض عنها أو يكون سماعا مقصودا يعني يرقق القلوب بها وتُكرر ويصبح ترقيق القلوب بمثل هذه القصائد التي تتكرر، هذه كلها من جنس سماع الصوفية وقد تفضي إليها, سماع المؤمن هو القرآن، لهذا تجد أن الذين انفتحوا على هذه الأشياء ما يستلذون القرآن، ومن استلذ القرآن وأذن له وسمعه وتلاه أو حفظه هو وقام به فإنه لا يأنس لتلك الأشياء؛ لأن الله جل وعلا قذف بالحق على الباطل﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾[الأنبياء:18].

¨ ...الرياء هذا بحسب النفس؛ يعني مثلا قد أُحسِّن قراءتي بالقرآن لأجل أنْ يقال قراءته جيدة هذا رياء، وقد أحسِّن قراءتي بالقرآن وأتباكى أو أبكي لأجل أنْ يتأثر السامع هذا مشروع «إقرأوا القرأن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا»، «زينوا القرآن بأصواتكم» النية هي المدار، وأبوموسى الأشعري رضي الله عنه يريد أن تكون قراءته أعظم تأثيرا للنبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه إذا كان حدث للنبي عليه الصلاة والسلام خشوع وتعظيم وعبادة حين سماعه لأبي موسى فله هو أجره فهو يريد هذا الأجر العظيم الذي حصل بسببه لأفضل الخلق عليه الصلاة والسلام.[انتهى الشريط الثامن]

¨ ...كلامنا في أي القسمين؟ كلامنا فيمن اتخذ السماع عبادة، أما الذي يسمع للهو؛ يسمع المعازف لغير العبادة فهذا ليس الكلام فيه، نحن تكلمنا فيمن سمع للتعبّد، المعازف معروف الكلام عليها والغناء يعني تصحبه معازف وألحان.

سكر مثل ما ذكر شيخ الإسلام أن الغناء يحدث سكرا، السكر يحصل بثلاثة أشياء: بالهوى وبالغناء أو بالخمرة، الهوى يعني هوى الرجل للصور للمرأة وبالخمر وبالغناء فإذا اجتمعت الثلاث سكر العياذ بالله من جميع الجهات؛ سكر عقله وسكر بدنه إلى آخره، فإذا لم يكن خمر يكن سكر، الهوى يسكر بمعنى أنه يغطي العقل عن الصواب يعني يكون خمرا للعقل يغطي العقل عن إدراك الصواب، كذلك الغناء من استبانه وألف له –الغناء المحرم؛ المعازف المحرمة والغناء المحرم-فيحدث لصاحبه السكر والعياذ بالله، فهذه أنواع السكر إذا اجتمعت طغى السكر على صاحبه؛ يعني صار في أقبح أنواع السكر والعياذ بالله.

¨ ... مثل ما قال الصوفية وهذا كلام الصوفية، التغبير أو ما حدث لأجل الترقيقأول ما حدثت عندنا يعني في بيتنا؛ أذكر أنه أول أناشيد جاءت يمكن في حدود عام 96هجري أو 97 أذكرها وكانت تباع بالسر والدَّف كان فيه تسجيلات في البطحة في ... بالدَّف يعني الناس... يكفي أنها منكرة هم عارفين أنها منكرة، ثم بعد ذلك أصبحت تمارس في بعض المعاهد في الأندية الصيفية حتى ألفها الناس، أول ما جاءت الأناشيد السورية لا أدري موجودة الآن أو لا؟ كان معا طبل، بَعْدِينْ جاءت أشياء معها طبل لا أدري إيش، وتوسعوا فيه إلى أن صارت أناشيد متنوعة يعني أغاني متنوعة بعضها خليط وبعضها محلي وبعضها كذا، والله المستعان.

قد يُحتاج إليها للصغير –صغير السن دون التكليف- ، قد يُحتاج إليها في شخص إنتقل من الغناء، يعني هذه الحالات تقدر بقدرها، يعني يقدرها العالم أو المفتي أو المربي بقدرها على حدودها، لكن أنها تكون منهج أو أن تكون عادي ما فيها شيء، الأصل فيها أنها منكرة، الإجتماع عليها منكر.

مثل ما قلت لك أنا هذا الضابط الذي قلت لك ما فيه مانع، كان العلماء يتعاطون بعض الأشعار التي يقرأها أحدهم في مثل هذا ... مع الترنم بها ، يعني فيه سماع له، ..... ما يكون المقصود سماع تلذذ، سماع تعبد، ما يكون سماع تلذذ ولا تعبد، يكون سماع فائدة لا بأس، سماع الفائدة مطلوب، لكن سماع التلذذ للحن هذا ما يصلح، إذا كان سماع تلذذ للحن لا يصلح ؛ للحن، أما إذا كان فائدة يسمعها للفائدة هذا من جنس ما يُقرأ من الأشياء.

([100])آية مكررة في سورة الرحمن 31 مرة.[المفرغ]

([101])هذا إذا كان، إذا كان صحيحا يعني قد يأمرهم وينهاهم مثل ما حصل لسليمان عليه السلام، كل ملَك يأمر وينهى، إذا كان، فهذا يكون بمنزلة الملوك مش بمنزلة المحتاج ما يخرج عن هذا القسم، هو يأمرهم وينهاهم لأنه كالملك عليهم، أوامر كثيرة يدخل ضمنها الأمر الواجب، كذلك عندك في النسخة الثانية (إذا كان يأمرهم) يعني من كان استعملهم في أمر مباح وهو مع هذا يأمرهم وينهاهم بما يجب عليهم فهو كالملك لأن الملك يسعى في صلاح رعيته وهو يجمع ما بين الاستفادة منهم في الأمور المباحة وأمرهم ونهيهم ما يجب شرعا.

الحال الأولى: حال الكُمَّل.

الحال الثانية: هذه موارد زلل.

¨ .... تعرف أصلا أن استخدام الإنس والطلب منه، تعرف الأصل فيه المنع، هذا يعني رتب هذا على هذا، يعني أن الأصل الترك ، يعني وإن عرض يعني عرض جني وقال أخدمك، إن عرض جني وقال أنا أدلك على الطريق، مثل واحد ضاع في فلاة، وقال أنا أدلك على الطريق، أو أشباه ذلك فإن قال له دلني ، فلا بأس، باعتبار أنه حاضر يقدرويسمع، فإن تركه فهو مثل استخدام الإنس وقال له أنا لست محتاج لك، أنا بَدُلْ الطريق بنفسي ، يعني المقصود في أصل المسألة، موش في الاستعانة، يعني فيه أناس يرفضون حتى الاستفادة من الإنس على الأمور المباحة... خاصة الذين يسعون في الكمالات السلوكية.

¨ ...ما فيه شك، هو مثل استعمال الإنس ، استعمالك في أمور مباحة، يعلم الإنسي أنها مباحة، هذا إذا جاءه الجني؛ عرض له -مسلم أو غير مسلم- لا بأس به، إذا كان الأمر مشتبها عليه ما يدري فلا بد أن يكون مسلما مثل استخدام الانس لأنه لا يأمن الجني الكافر ولا يشترط هنا؛ لا أعرف أن أهل العلم قالوا تسأله مسلم أو كافر، لكن إذا جاء من جهة الكيد فيحذر الجني، إذا جاء من جهة قبول الخبر: الجني خبره ضعيف لا يصدق إلا أن يكون على البرهان، مثل بعض الناس يجيءه الذين يقرؤون يجيء الجن ينطق يقول هذا فيه بلاء أو يعلمه بعض الأشياء وزوجته ما أدري أوش سوّت، خبر الجن أصله ضعيف ما يصدق لأن الجن هذا لا تعلم عدالته ولا تعلم صدقه ولا تعلم ديانته، كيف تأخذ خبره وتنقله للإنس؟ يحصل مشاكل يحصل مصائب وقطيعة بسبب نقل خبر الجني إلى الإنس، يقول فيكم بلاء مسويلكم كذا وكذا، أم الزوج فعلت فيك كذا وكذا من جهة الجني، والجني خبره ضعيف ما يصدق فلا يجوز نقله حتى تعلم عدالته، العلم بعدالة الجني متعذرة، ولهذا قال أهل العلم في المصطلح ؛ مصطلح الحديث وحديث الجني ضعيف؛ يعني إذا كان في الإسناد جني فالإسناد ضعيف وفيه روايات كثيرة معروفة في أسانيدها جن لكن هي ضعيفة.

([102])هذا الفصل ذكر فيه شيخ الإسلام رحمه الله أحوال الجن من جهة التكليف ومن جهة النبوة ومن جهة إستجابتهم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وما أنزل الله جل وعلا فيهم من قرآن يُتلى، ومن جهة علاقة الإنسي بالجني، وسبب هذا الفصل أنّ طائفة من الذين يدعون الوَلاية يقولون نستخدم الجن فيما ينفعنا، وهذا كان كثير في أنه يكون للإنسي ولي من الجن يساعده على أمور، والجن كما ذكر سابقا هم الذين يعينون أصحاب الخوارق؛ بل يعينون من يدّعون الوَلاية من أهل البدع والفجور والشركيات، يعينونهم على الخوارق ويفعلون بهم أشياء حتى يغووا الناس بهم. فالمقصود من هذا الفصل هو أن علاقة الإنس بالجن مبيّنة في الكتاب والسنة وأنها ليست متروكة لإجتهاد الناس فيما يرون أنه ينفع، فالنبي عليه الصلاة والسلام مبعوث إلى الثقلين الجن والإنس بعامة، وهذه البعثة معناها أنهم يؤمرون وينهون، وأنّ التكليف الذي على الإنس تكليف على الجن، وأن الجن ليسوا بخارجين على شريعة محمد عليه الصلاة والسلام، فإذن ما يكون بدعة في حق الإنسي هو بدعة في حق الجني، وما كان وسيلة إلى الشرك في حق الإنسي يكون وسيلة إلى الشرك في حق الجني، وما كان شركا في حق الإنسي يكون شركا في حق الجني، لهذا كان الساحر الذي يستخدم الجن كان كافرا لأنه استعان بهم في أمور أشرك فيها وأولئك دعوه إلى الشرك فصاروا هم كفارا وصار الساحر أيضا كافرا، كما قال جل وعلا ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾[البقرة:102] ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال «حَدّ السّاحِرِ ضَرْبه بالسّيْفِ» أو «ضَرْبة بالسّيْفِ» الصحيح أن هذا حد ردة وليس حد تعزير أو حد قصاص؛ كما هو مبسوط في موضعه. إذن فالجن مخاطبون بمثل ما خوطب الإنس لهذا من الجن مسلمون ومنهم مشركون، من الجن يهود ونصارى وسنة وبدعة إلى آخره، كما أن الإنس فيهم ذلك، إذا تبين هذا فللإنسي مع الجني كما ذكر أحوال:

1. أكمل هذه الأحوال أنه إذا علم الإنسي بالجني فإنه يكون فيه في مقام ورثة الأنبياء؛ أنه يأمره وينهاه؛ يأمره بطاعة الله وينهاه عن معصية الله، كما يحصل لبعض أهل العلم إذا قرأوا على أحد وكلمهم الجني الذي يكون متلبسا بالإنسي فإنه إذا نطق فإنهم يعلمونه التوحيد وينهونه عن الشرك ويأمرونه بالإحسان وينهونه عن التعدي والظلم الذي منه دخول الجني في هذا الإنسي، فيأمرونه بما أمر به الله جل وعلا به ورسوله وينهونه عما نهى الله جل وعلا ورسوله r، وهكذا كان عليه الصلاة والسلام وورثة الأنبياء يفعلون ذلك لا يطلبون منهم ولا يسألونهم بل يأمرونهم وينهونهم ويتلون عليهم القرآن والسنة إقامة للحجة عليهم وتعليما لهم وأمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر كما يفعل هذا مع الإنسي، سواء بسواء لأنهم مكلفون.

2. والحال الثانية أن الإنسي قد يحتاج إلى جني في أمر مباح، وهذا لا حرج أن يستخدم الإنسيُّ الجنيَّ إذا إحتاج إليه في أمر مباح؛ لكن هذا بشرط وهو ألاّ يكون هذا ديدنا له؛ يعني يؤاخي قرينا من الجن أو إذا احتاج علما أو خيرا طلب من جني معين، بل الاستخدام الذي قاله هنا شيخ الإسلام (ومن كان يستخدم الجن في أمور مباحة) يعني إذا عرض له الجتي استعمله في أمر مباح، أما أن يكون الجني مآخيا مستخدما دائما هذه ليست بالحالة الجائزة؛ لأن هذه تفضي إلى محرم والله جل وعلا قال في وصف الإنس والجن ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾[الأنعام:128] ومعنى الاستمتاع يعني الديمومة؛ أن الجني يستمتع دائما بالإنسي والإنسي يستمتع دائما بالجني، كما يستمتع الرجل بصديقه الدائم معه وكما يستمتع الرجل بنسائه وأهله إلى آخره بما يكون ملازما له، إذا عرض له فإنه يخاطبه وقد يطلب منه أشياء ويستخدمه في أمر مباح، وهذا على وجه القلة لا على وجه الديمومة. يعني من عرض له جني فاستفاد منه في أمر مباح فلا يقال هذا خارج عن الشريعة، لكن من كان له جني يقول أنا أستخدم هذا الجني المعين دائما فهذا لاشك أنه محرم؛ لأنه لم يأتِ عليه دليل لا من الكتاب ولا من السنة ولم يكن عليه فعل أهل العلم والسلف بل كانوا يفعلون بالجن كما كان عليه حال النبي عليه الصلاة والسلام وحال أصحابه من بعده.

المقصود من هذا أن قول شيخ الإسلام (ومن كان يستخدم الجن في أمور مباحة فهو كمن استعمل الإنس في أمور مباحة) فهو كما استعمل الجن في أمور مباحة؛ فالإنسان يعرض له إنسي فيطلب منه شيء يسأله عن شيء يعرض له يسأله عن شيء لكن لا يتخذه دائما على هذه الحال في سؤال الجني.

فإذن سؤال الجني دائما إما أن يقول أسأل قريني أو يقرأ على أحد وإذا تكلم سأله أو يتخذ عنده شخص فيه جني ملابس له وكلما أراد أن يستعلم شيئا قرأ عليه حتى ينطق الجني ثم بعد ذلك يسأله على أشياء، فإن هذا كله من وسائل البدع والمحدثات وفهو محرم ومنكر ويجب النهي عنه، أما الإستخدام الذي يكون في حالة دون حالة يعني تارة يعرض له مرة ونحو ذلك فهذا لا يقدح مثل ما كان يحصل لبعض الأولياء يعني ممن مثل بهم شيخ الإسلام يعني في مقصود كلامه أنه إذا استخدمه مرة ونحو ذلك استعمله في عمل مباح فهذا لا حرج فيه.

3. الحال الثالثة في علاقة الإنسي بالجني: في علاقة الاستمتاع بالمحرم إما بالإخبار بالغيب أو بالإتيان بالأمور المحرمة له من النساء أو المردان أو خمر أو مال مسروق يأتي به الجني ونحو ذلك، هذه كلها حرام وهي حرام وهي بحسب الحال إن كان استخدمه في أمور شركية فهو شرك وإن استخدمه في محرم فهو محرم.

ثم ذكر في آخر قال (إن استعان بهم على المعاصي فهو عاصي إما فاسق وإما مذنب غير فاسق) وذلك أن المعصية قد تكون فسقا وقد لاتكون فسقا فبيست كل معصية فسقا، وكذلك ليس كل عاص فاسقا فالفاسق هو الذي يجاهر بالكبيرة، هذا الذي عليه حد الفسق أما فعل الصغائر ليس بفسق، وكذلك الكبيرة إذا استتر بها فلا يحكم عليه بالفسق لقوله « كلّ أمّتي مُعَافىً إلا المجاهِرين»، فالمعاصي منقسمة إلى كبائر وصغائر، وإلى فسوق وإلى غيره؛ وكذلك فاعل المعصية قد يكون مذنبا وقد يكون فاسقا بحسب نوع الذنب وصفة إرتكابه.

...لا، في مقدور الجن ليس في مقدور الإنس إشترط أن يطلب منهم أشياء في مقدورهم.

...هو فتنة إذا حدّث به أو بين لهم أنّ هذا من وَلايته وإلى آخره هذا بحسب الذي يحصل له، حصلت للصحابة أشياء ما افتتن الناس بهم حذيفة رضي الله عنه أتاه أناس في دمشق فسألوه الدعاء يعني طلبوا منه أن يدعوا لهم فدعى، ثم أتوه مرة أخرى فطلبوا منه الدعاء فأنكر عليهم وقال أنبياء نحن؟ ففرق بين الإستمرار والحالة، هذا أصل مهم ففرق بين الإستمرار في الأشياء والحالة لأن الإستمرار يجعل الشيء ملازم يجعل الشيء يعتقد فيهإما اعتقاد في شخص أو إعتقاد في حالة أو صفة إلى آخره العبرة بالحالة العبرة بالفاعل.

([103])هذا تمام هذه الرسالة النافعة الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.

وخلاصة هذه الرسالة في مسائل:

· المسألة الأولى: في أنّ وجود ولي الله وولي الشيطان هذا أمر مقرّر في الشرع؛ في الكتاب والسنة:

1. أما وَلاية الله جل وعلا لعبده فهي كما قال ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(55)وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ﴾[المائدة:55-56]، وقال﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[يونس:62].

2. وفي وَلاية الشيطان آيات كثيرة ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾[النحل:100]، وقال ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[آل عمران:175] والآيات في ذلك كثيرة ساقها الإمام في أول البحث.

· المسألة الثانية: في تعريف وليّ الله وتعريف وليّ الشيطان وأنّ:

1. وليّ الله: الوليّ هو كل مؤمن تقي ليس بنبيّ للآية حيث عرّف الأولياء بأنهم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾[يونس:63]، المؤمن المتقي هو الوليّ.

2. ووليّ الشيطان: هو الذي يطيع الشيطان ويأمر بأمره ويخالف ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام؛ لأن الله جل وعلا قال ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾[يس:60] يعني بطاعته في ارتكاب الحرام بأنواعه، في ترك الفرائض بأنواعها، والآيات في هذا كثيرة ذكرنا لكم بعضًا منها.

· المسألة الثالثة-في خلاصة هذا-:

1. أنّ وَلاية المؤمن لله جل وعلا ووَلاية الله جل وعلا لعبده المؤمن متبعِّضة ليست على مرتبة واحدة؛ فكل مؤمن له نصيب من التقوى له نصيب من الوَلاية، فالإيمان والتقوى متبعِّضة فكذلك الوَلاية متبعضة.

2. وكذلك وَلاية الشيطان للعبد والعبد للشيطان متبعضة فكل عاص له نصيبه من وَلاية الشيطان.

فمعتقد أهل السنة أنه يكون في الشخص أشياء موجبةً لوَلاية الشيطان وموجبة لولاية الرحمن جل وعلا، فيجتمع في المعيّن الوَلاية من الجهتين، وهو لما غَلَبَ منها، يعني يكون ولي لله جل وعلا في طاعته ويكون مطيع للشيطان وولي له فيما عصاه به؛ لكن لا يُقال في المؤمن: إنّه ولي للشيطان بإطلاق. بل يقال: مؤمن وليّ لله جل وعلا فيه معصية، فيه طاعة للشيطان ونحو ذلك. لأن الله سبحانه جعل وَلاية الشيطان وسلطانه على الذين لا يؤمنون؛ ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾[الأعراف:27]. إذن المؤمن لا يُقال: هذا ولي للشيطان بإطلاق. لكن بتقييد.

· المسألة الرابعة: أنّ لأولياء الرحمن علامات، ولأولياء الشيطان علامات، وذكرها شيخ الإسلام في الكتاب.

· المسألة الخامسة:

1. أنّ أولياء الرحمن لهم كرامات، والكرامة عُرّفت بأنها أمر خارق للعادة يجري على يدي وليّ، وأن حصول الكرامة لا يعني رِفعة من حصلت له على من لم تحصل له، بل قد يكون من لم تحصل له كرامة أرفع ممن حصلت له كرامة. وهذه قرّرها في كتابه.

2. وما يحصل لأولياء الشيطان من خوارق هي خوارق شيطانية من جهة الشيطان يعينهم، وليس الله جل وعلا يكرمهم بذلك؛ ليسوا بأهلٍ للإكرام.

فإذن يجب أن يُنظر في الفرق ما بين وليّ الرحمن ووليّ الشيطان من جهة العمل؛ من جهة طاعته لله ورسوله، وليس ذلك عمادُه الخوارق؛ قد تحصل الخوارق الشيطانية لبعض الناس.

· المسألة السادسة: أنّ المبتدعة من هذه الأمة والمشركين والذين يتعلقون بالقبور ويتعلقون التعلقات البدعية والشركية بالمعظَّمين، هؤلاء تُعينهم الشياطين على أشياء غريبة، بالأنواع التي ذكرها وأصناف أطال فيها من أمور علمية وأمور قُدَرية وأشباه ذلك، أو أنواع هذه الأجناس، هذا كلُّه إذا كان لمن ليس على الإيمان والتقوى؛ يعني أن أهل الشرك والبدع تحصل لهم أمور خوارق، وهذه من جهة إعانة الشياطين لهم بأمور كثيرة من تكليمهم الموتى، ومن حصول أنواع المعلومات والمعارف، وأحيانا يكون شفاء مرضى، وأحيانا يشفى بقراءته، وأحيانا يشفى بلمسه أو بكتابته أو ما أشبه ذلك، كل هذا يكون من الشيطان، الشيطان الذي يَنْخَسُ المرء ويُوجع، ثم إذا أتى هذا المشرك والمبتدع فحصل منه بعض الأشياء رفع يده، مثل ما قال ابن مسعود: إنما ذلك الشيطان ينخسها بيده.

فهذا أيضا فرقان مهمّ في أنّ أهل الشرك والبدع والتعلقات الشركية والقبور والأوثان ليسوا بأهل لكرامة الله جل وعلا؛ بل هم أهل لإهانة المولى جل جلاله، ولكن يحصل لهم خوارق من فعل الشياطين.

· المسألة السابعة: أنّ الجن مكلفون مثل تكليف الإنس، وأنهم مخاطبون، وأنّ وليّ الله جل وعلا إذا عرضت له الجن والشياطين بأشياء تخدمه بها أو أحوال يفعلونها به فإنه يجب عليه أن يأمرهم وينهاهم كما أمرهم النبي r ونهاهم، وأن يتلو عليهم القرآن، وأن يقيم عليم الحجة.

· المسألة الثامنة: والأخيرة التي ختم بها الكتاب أنّ العبد إذا تبين له الحق والصواب في هذه المسائل، وعرف المقصد، وعرف سبب ونشأة الضلال، فيجب عليه أن يراجع الصواب وأن يتوب إلى الله جل وعلا فإن الحق ديْدن المؤمن، ولا يجوز له أن يعلم الحق ويكابر، ويترك ذلك إلى غيره، كما ذكر أنّ طائفة من الناس عرفوا الحق في ذلك، وأنّ ما يأتيهم من الشياطين، فاستغفروا وأنابوا وتركوا موجبات إعانة الشيطان من البدعة والشرك إلى آخره، إلى موجبات إعانة الرحمن جل جلاله وتوفيقه وهي السنة ومتابعة الهدي ولزوم طريقة السلف الصالح رضوان الله عليهم. وهذا ختام هذه الرسالة.

وأسأل الله جل جلاله أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يُقِرَّ العلم في قلوبنا، وأن لا يحجبه عنا ولا عن أحبابنا بذنوبنا ومعاصينا، كما أسأله سبحانه أن يلهمني وإياكم كلمة التقوى، وأن يجعلنا من الدعاة إلى دينه والمعلمين شريعة نبيه عليه الصلاة والسلام للناس أجمعين، إنّه سبحانه جواد كريم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.