التحذير من البدع وعواقبها الوخيمة

أو (موضوع البدع، وبيان حقيقتها، وأثر البدع في حياة المسلم)

علق عليها فضيلة الشيخ:

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

[شريط مفرّغ]

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبد الله ورسوله وصفيه وخليله، نشهد أنه بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد.

ونشهد أنه لا خير إلا دلّ الأمة عليه ولا شر إلا حذرها منه، فصلوات الله وسلامه على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. قاله المصطفى صَلَّى الله عليه وسلم.

إنّ هذا الموضوع وهو:

موضوع البدع، وبيان حقيقتها، وأثر البدع في حياة المسلمين

إنه لموضوع غاية في الأهمية؛ ذلك لأن كل انحراف في الدين إنما كان سببه إحداث بدعة لم يكن عليها الأمر الأول في حياة النبي عليه الصلاة والسلام:

· في أمور الاعتقاد.

· وفي الأمور العملية الشركية.

· وفي وسائل الشرك.

· وفي أنواع البدع العملية التي ظن أصحابها أنها تقربهم إلى الله جل جلاله.

ولا شك أن كل مسلم شهد أنْ لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله رغِب بإسلامه أن يسلم في الدنيا وأن يسلم في الآخرة؛ لأن لقاء الله والحساب وما يكون هنالك في الدار الأخرى أمر عظيم عظيم، فالمسلم يهرب من كل ما يشينه في ذلك ليوم أو يخِّف موازينه.

ولهذا كان من الواجب على كل مسلم أن يسعى في تعلم تحقيق معنى شهادة أن لا إله إلا الله والشهادة بأنّ محمدا رسول الله؛ لأن كل سعادة ستحوزها إذا حققت هاتين الشهادتين.

وتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله بالتوحيد بأنواعه توحيد الإلهية بالمطابقة وتوحيد الربوبية والأسماء والصفات بما تضمنته تلك الكلمة العظيمة.

وأما تحقيق شهادة أن محمدا رسول فهو في أنحاء وفي جهات:

ومنه أن لا تكون عبادة ولا تقربا إلى الله جل وعلا إلا عن طريق المصطفى صَلَّى الله عليه وسلم، فالعبادة إنما هي التي شرعها المصطفى عليه الصلاة والسلام والتي سلكها وأمر بها أو دل عليها أصحابه وأمته عليه الصلاة والسلام، وهو عليه الصلاة والسلام بالمؤمنين رؤوف رحيم.

وقد أمره الله جل وعلا بإبلاغ الدين وبألاَّ يكتم شيئا من الدين فبلّغ الدين وبلّغ الرسالة وجاهد في ذلك، فكان مما بلَّغ أشياء مفصّلة في أمور العبادات، ومما بلّغ النهي عن أشياء مجملة نهى عنها مما لا يجوز إحداثه أو التقرب إلى الله جل وعلا به، وتلكم هي البدع.

فكان عليه الصلاة والسلام آمرا بأشياء مفصلة من أمور الخير كثيرة تكفي من أراد أن يتقرب إلى الله جل جلاله بها.

ونهى بإجمال عن كل غير تلك العبادات، فنهى عن البدع ونهى عن أن يُتقرب إلى الله جل جلاله بغير ما سنّه المصطفى صَلَّى الله عليه وسلم.

ولهذا قال العلماء: معنى شهادة أن محمدا رسول الله أن يُطاع فيما أمر، وأن يُصدق فيما أخبر، وأن يُجتنب ما عنه نهى وزجر، وأنْ لا يُعبد الله إلا بما شرعه رسوله صَلَّى الله عليه وسلم.

فكل عبادة يُتعبد بها الله جل جلاله لم يكن عليها أمر المصطفى صَلَّى الله عليه وسلم فهي باطلة وسالكها قد انقدح في سلوكه قد انقدح في أمره وعبادته تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله، قد قُدِح في ذلك ونقص بمقدار تلك البدعة وربما كانت بدعة كفرية فخرج من أصل الدين والعبادة والعياذ بالله.

لهذا الأصل قال العلماء: إن أعظم آية في هذا الأمر وهي آية سورة المائدة هذه الآية لو تأملها أهل الإسلام لكفتهم عن أن يكونوا على غير السنة، قال جل وعلا ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾[المائدة:3]، قال يهودي لعمر رضي الله عنه: آية أو أنزل علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم الذي أنزلت فيه عيدا. قال: وما هي؟ قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ). قال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والساعة التي نزلت فيها، والمكان الذي نزلت فيه. لأنها نزلت يوم الجمعة، نزلت يوم عرفة وهذا اليوم هو يوم عيد للمسلمين.

فهذه الآية فيها بيان أنّ الله جل وعلا أكمل لنا الدين قال (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) يعني أن الدين وهو ما يتدين به المرء ليقربه إلى الله جل وعلا قد كَمُل، فإذا كان كاملا فهل ثَم وسيلة لإدخال شيء فيه حتى يتقرب به إلى الله جل جلاله؟ إن هذا مناقض لمعنى هذه الآية، ولهذا قال الشاطبي وغيره من أهل العلم قالوا: إنَّ أهل البدع ليس عندهم لهذه الآية معنى وهي قوله (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)؛ لأن معنى الإكمال أنه ليس فيه مجال لآن يدخل فيه شيء يقرب إلى الله جل جلاله.

وإذا كان كذلك فكل شيء أُحدث بعد الرسول عليه الصلاة والسلام بعد زمنه فإنه بدعة ضلالة يدَّعي صاحبها أن الدين ناقص وأنه يريد إكماله؛ لأنه لم يأتِه ما جاءت به الشريعة.

لهذا قال الإمام مالك فيما رواه عنه ابن الماجشون قال: قال مالك رحمه الله تعالى: من زعم أن في الدين بدعة حسنة فقد زعم أن محمدا عليه الصلاة والسلام خان الرسالة، والله جل جلاله يقول ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾[المائدة:3].

لهذا كان كل محدِث لبدعة مدَّع بأن الدين لم يكمل إن بلسان حاله أو بلسان مقاله وهو أعظم والعياذ بالله.

لهذا وجب عليك أن تتعرف إلى البدع:

· من جهة معناها.

· ومن جهة أسبابها.

· ومن جهة القواعد التي بها تعرف البدعة وتعرف السنة.

· ومن جهة الضوابط في هذه المسألة .

· وتتعلم الشبهات التي أثارها أهل البدع، وما أكثرهم لا كثرهم الله جل جلاله، تتعلم تلك الشبهات والرد عليها؛ لأنه قد يأتي من يحسن البدع عندك بأنواع من التحسينات أو يلقي شبهة، فإذا كشفت الشبهة بتعلم وتعليم كنت في حيازة وحراسة من أهل البدع؛ أتباع الهوى.

· وكذلك تعرف أنواعا مما أحدثه الناس من أنواع البدع حتى إذا مرّ عليك شيء منها أو سمعت بأحد يعمل بشيء منها كنت منها على بغض وحذر وكذلك أنكرتها لعلم لك بها.

لهذا تقول إن البدعة مأخوذة من ابتدع الشيء يعني اخترعه، تقول هذا أمر مبتدع يعني جديد مخترع ليس له مثال سابق، ولهذا قال الله جل وعلا ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾([1]) يعني قد اخترعهما وأنشأهما من غير مثال سابق، وقال جل وعلا آمرا نبيه صَلَّى الله عليه وسلم ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾[الأحقاف:9]، يعني ما كنت مخترعا من الرسل ليس قبلي رسول؛ بل ثَم رسل من قبلي فلم تنكرون رسالتي وتقرون بأن ثمة رسلا أرسلهم الله جل وعلا؟ (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) يعني ليست رسالتي بمخترعة ولا جديدة لم يُسبق أن أرسل الله جل وعلا؛ بل أرسل الله جل وعلا رسلا وأنا لست ببدع فيهم لست بجديد في الرسل.

لهذا أصل البدعة أنها شيء مخترع جديد هذا في اللغة.

قد يكون في أصل اللغة معنى يكون هذا الاختراع في أمور محمودة وقد يكون في أمور مذمومة؛ لكن إذا اخترع شيئا وابتدعه فإنه يقال هذه بدعة، ولهذا استعمل عمر رضي الله عنه الخليفة الراشد الثاني استعمل لفظ البدعة في المعنى اللغوي فقال رضي الله عنه لما اجتمع الناس على إمام واحد يصلون خلفه في أيام رمضان قال لما رآهم يجتمعون يصلون التراويح: نِعْمَ البدعة هذه بدعة. بدعة من جهة اللغة؛ لأنهم لم يكونوا يفعلونها فاجتمعوا على إمام واحد، وليست ببدعة في الشرع لأن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ قد جمّع بهم في رمضان وصلوا خلفه بضع ليال عليه الصلاة والسلام، فعنى عمر بهذه الكلمة المعنى اللغوي لها لأنهم اجتمعوا بعد أن كانوا متفرقين على عدد من الأئمة في مسجده صَلَّى الله عليه وسلم.

أما في الاصطلاح يعني في عُرف أهل الشرع فإن البدعة عُرِّفت بأنواع من التعاريف:

منها أن البدعة طريقة في الدين مخترعة يُضَاهى بها الطريقة الشرعية، ويُقصد بها المبالغة في التعبُّد لله جل وعلا. وهذا تعريف الشاطبي رحمه الله في كتابه الاعتصام وهو كتاب نفيس في هذا الباب في معرفة البدع والرد على أهل الشبهات فيها.

وعرّفها آخرون بقولهم بأن البدعة هي ما أُحدث على خلاف الحق المتلقَّى عن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم بقول أو اعتقاد أو حال بنوع شبهة أو استحسان.

ولا بأس أن ننظر إلى التعريف الأول لأن كثيرين من أهل العلم يعتمدون ذلك التعريف.

فما هي البدعة في الشرع؟ قال الشاطبي لنا: البدعة هي طريقة في الدين مخترعة.

(طريقة) الطريق هو المسلوك، طريق يعني قد طرقته الأقدام فسُلك، فمعنى ذلك أن البدعة لم تفعل مرة بل طُرقت وطرقت كثيرا، فصار أمرها مطروقا؛ يعني فُعلت كثيرا حتى صارت طريقة.

(طريقة في الدين) يعني أنها ليست في الدنيا، فإذا أحدث الناس في أمور دنياهم ما يعينهم على تحسين أمور دنياهم فليست تلك من البدع المنهي عنها؛ بل البدعة المنهي عنها في الدين، (طريقة في الدين) لأن أمر الدنيا على الإباحة لكن أمر الشريعة والعبادات على الحظر حتى يكون عن المصطفىصَلَّى الله عليه وسلم.

(مخترعة) يعني جديدة لم يكن لها مثال سابق في عهده عليه الصلاة والسلام.

قال (تضاهى بها الطريقة الشرعية) يعني تجعل مماثلة للطريقة الشرعية، فماذا يقصد الناس بالطريقة الشرعية؟ يعني بالالتزام بأمر شرعي بعبادة من العبادات، يقصدون بذلك أن يتقربوا إلى الله جل وعلا بتلك العبادة وأن يكون فعلهم الذي فعلوه مقتدًى به؛ يعني يقتدي الناس به ويكونون هم قد اقتدوا برسول الله صَلَّى الله عليه وسلم فيه إما من جهة الإذن بالقول أو الإذن بالحال، فإذن يقصد أصحاب البدع بها مضاهات الطريقة الشرعية، قد تأتي إلى مبتدع وتقول: أنت تريد مضاهات الطريقة الشرعية؛ منافسة الطريقة الشرعية، يقول:لا، ولكن المقصود الحال فإنه حين تعبد بعبادة جديدة فإنه ضاهى الطريقة الشرعية؛ يعني جعل شيئا يتعبد به فيه وبه هو على شكل وهيئة الطريقة الشرعية.

قال (تضاهى بها الطريقة الشرعية، ويقصد بها المبالغة في التعبد) وهذا أمر مهم، لأن الذين تعبدوا بالبدع لماذا تعبدوا بالبدع؟ يريدون المبالغة في التعبد.

مرَّ ابن مسعود رضي الله عنه على قوم بعد أن أخبر عنهم في مسجد الكوفة، فإذا هم يسبحون بحصى، يأتون بحصى ويجمعون كل عشرة حصيات أو مائة حصاة، ثم يعدون سبحان الله مائة؛ واحد اثنان ثلاثة إلى آخره، فلما رآهم غضب وقال: إما أن تكونوا أهدى من صحابة رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، أو أن تكونوا محدثي ضلالة، هذه آنية رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم لم تكسر وهذه ثيابه لم تبلَ، فكيف -يعني معنى كلامه- فكيف تحدثون ذلك مع القرب بعهد النبوة؟ قالوا: يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير.

فهذا قصد الشاطبي حين قال (يقصد بإحداث البدعة المبالغة في التعبد لله جل وعلا) فإنه حين أحدث البدعة لم يحدِثها وهو يعلم أنه مخالف للدين؛ بل هو يقول أنا أريد الزيادة في الخير. لكن هل أُذِن له بأن يزيد ما شاء دون إذن من الشرع؟ لم يؤذن له بذلك.

لهذا نقول أن أدلة الشرع دلت على وجوب الالتزام بالسنة، وعلى حرمة مخالفة السنة، والإتيان بالبدع يعني مخالفة الطريقة التي يُتعبد بها والتعبد لله جل وعلا بالبدع، قال الله جل وعلا ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾[آل عمران:31]، قال بعض السلف ليس الشأن أن تُحِبَّ ولكن الشأن أن تحب ليس الشأن أن تحب أنت الله جل وعلا. ليس الشأن أن تحب الرسول صَلَّى الله عليه وسلم ليس الشأن أن تحب الدين، ولكن الشأن أن يحبك الله جل وعلا، والله جل وعلا لا يحب العبد إلا إذا كان عمله حسنا، قال جل وعلا ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾([2]) قال الفضل في كلمته المشهورة العمل الحسن هو الذي كان خالصا صوابا. خالصا لله جل وعلا لا لغيره، صوابا على سنة المصطفى صَلَّى الله عليه وسلم، وقد قال جل وعلا ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[الأنعام:153]، قال (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا) فصراط الله واحد، سبل الضلال قال (فَاتَّبِعُوهُ) يعني اتبعوا هذا الصراط (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) فسبيل الله واحد، وأما السُّبل سبل البدع والشبهات فهي كثيرة، ولهذا فسرها مجاهد بن جبر أبو الحجاج التابعي المعروف تلميذ ابن عباس فسَّر هذه الآية بقوله: هي البدع والشبهات. قال (فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

وقال جل وعلا في سورة آل عمران ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾[آل عمران:7]، من هم الذين يتركون لأمر الواضح البين ويأخذون بالمشتبهات والمتشابهات؟ هم أهل الزيغ، وأهل الزيغ قال فيهم عليه الصلاة والسلام «إذا رأيتهم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذروهم».

فإذن الذين يتركون الأمر الواضح ويأخذون بالمشتبهات فهؤلاء أصحاب الزيغ؛ لأنهم تركوا الأمر البين الذي بينه عليه الصلاة والسلام وأخذوا بالأمور المشتبهات أو لم يأتِ بها شرع المصطفى عليه الصلاة والسلام.

لهذا كان في خطبة الحاجة التي يذكِّر بها النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه دائما كان فيها قوله عليه الصلاة والسلام «أما بعد فإن أحسن الحديث كلام الله -أو كتاب الله- وخير الهدي هدي محمد صَلَّى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) هذه خطة الحاجة كان عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ يعلمها أصحابه، يعلمهم أن كل محدثة بدعة ول بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، هذا تأكيد على هذا الأمر حتى لا يُحدث في الدين شيء.

ولهذا جاء في حديث العرباض بن سارية الحديث المشهور قال فيه العرباض بن سارية رضي الله عنه: وعَظَنَا رسول الله r موعظةً بليغة، ذَرفَت منها العيونُ، وَجِلَت منها القلوبُ فقلنا: يا رسول الله؛ كَأنّها مَوعظةُ مُوَدَّعٍ، فَأوصِنا. فأوصاهم عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ وكان مما أوصاهم به أن قال «إِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اختِلافًا كَثِيرًا» إِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اختِلافًا كَثِيرًا «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الْخُلفَاء الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيينَ من بعدي تمسكوا بها وعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» يعني لا تفكونها عظوا عليه بالنواجذ يعني بأقوى ما عندكم «وعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ محدثة بدعة».

وهذه وصيته عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ بعد موعظته التي ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، فما كان أنصحه لأمته وما كان أرأفه بأمته لا خير إلا دلهم عليه ولا شر إلا حذرهم منه، كما جاء في مسلم أنه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ قال «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وأن يحذر أمته عن شر ما يخافه عليهم» وهكذا كان المصطفى عليه الصلاة والسلام.

إذن فأمر البدع أمر عظيم وجامعتها والدليل الذي يجب عليك أن يكون معك دائما في هذا الأمر هو قول المصطفى عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ بميزان تزن به الأمور وتزن به الأفعال قوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فيما روته عائشة وأخرجه صاحبا الصحيح «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، وفي رواية لمسلم وعلقه البخاري في صحيحه «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».

قال العلماء: ثَم حديثان هما ميزانان لأعمال أما الأول فهو ميزان للأعمال في باطنها.

تزن عملك في الباطن الذي لا يظهر للناس وهو قول المصطفى عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» هذا ميزان باطن أنت تقوم نفسك به (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ) فإن كانت نيتك صالحة خالصة لله جل وعلا فهذا معناه أن الجهة الباطنة صحيحة.

والميزان الظاهر الذي تزن به العمل في الظاهر الذي يُرى قوله عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ في هذا الحديث «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ -وفي رواية (مَا لَيْسَ فيه)- فَهُوَ رَدٌّ) هذا هو ميزان للظاهر.

إذن تزن الأعمال في الباطن من جهة صلاحيتها وكونها حسنة مقبولة وهل أنت مخلص فيها أم لا.

وتزن العمل الظاهر فيما يرى الناس بـ: هل هو على أمر النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ أم ليس على أمره.

فهما ميزانان لا يشذ عنها شيء من الأعمال واحد للباطن وواحد للظاهر.

[أسباب البدع]

إذن إذا كان الأمر كذلك والبدع بهذا الشأن وهذه الأدلة التي جاءت فيها، فلم أحدثت البدع؟ المسلمون يحبون الخير ويحبون نبيهم عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، فما أسباب حدوث البدع؟ ولم حدثت البدع في هذه الأمة؟

أول أسباب حدوث البدع الجهل بالسُّنن: إذا جهل المرء الذي يزن الخير بالسنة فإنه جهله هذا يأتي الشيطان من جهته ويحبب له الخير بشيء مبتدَع، مثل ما قال أولئك لابن مسعود: يا ابن مسعود ما أردنا إلا الخير. ما أرادوا إلا الخير، وإذا كانوا ما أرادوا إلا الخير فالأمر جائز، وهذا ليس بصواب.

إذن فأهم أسباب البدع أن المحُدث لها يقول ما أردنا إلا الخير وهو جاهل بالسنة.

ما سمعنا مبتدعا يقول: أنا أردت مخالفة السنة. هل سمعتم؟ ما أحد يقول أنا أردت مخالفة السنة. كلهم يقولون ما أردنا إلا الخير. نحن نبغي التقرب إلى الله، كيف تقول إن هذا الفعل كذا وكذا وتنهى عنه هو صالح، اجعل الناس يتذكرون، اجعل الناس يعبدون، اذهب إلى الفسقة إلى الفجرة وانههم، أما الذين يريدون الخير فاجعلهم يتعبدون لأنهم ما أرادوا إلا الخير.

هل كل مريد للخير يحصله؟ لا، لابد أن يكون على هذا الطريق وهو طريق المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[الأنعام:153].

السبب الثاني من وجود البدع واستمرار البدع الهوى والتقليد؛ لأنك تجد أن الذي استمر على البدع وعمل بها إذا سألته: النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ ألم يقل كذا؟ هل فعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا الشيء؟ فيقول العالم الفلاني قال كذا، وشيخنا قال كذا، وهذا كان في القرية كان فيها كذا وكذا والبلد، هؤلاء ضلال، فيأتيه الهوى الذي من أجله نصر من قبله نصر أسلافه، يأتيه التقليد يأتيه التعصب فيجعله ينتصر لهذا الأمر الباطل، ولم ينتصر إلى السنة فسأل نفسه هل كان النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ على هذا الأمر أم لا؟ فيكون عنده هوى وتقليد وتعصّب، جعله هذا الهوى والتقليد والتعصب ينتصر للرجال ولا ينتصر لسنة النبي العدنان عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ هذا سبب مهم.

ومن أسباب حدوث البدع أمور سياسية: وهذا الأمر السياسي كان من أعظم فشوِّ البدع في المسلمين لم؟ لأن الشيء إذا أيدته دولة فإنه ينتشر، البدع وذلك على أصنافها المختلفة أيدتها دولة فنشرتها في المسلمين وهي الدولة الفاطمية، التي حقيقة اسمها الدولة العبيدية، هم ينتسبون إلى العبيديين ولا ينتسبون إلى علي رضي الله عنه على الصحيح، هذه الدولة جاءت وتكلم العلماء فيها وقالوا إنها كذا ودولة باطنية وهي على غير الإسلام ولها معتقدات مكفِّرة، إلى آخره، فكيف يقنعون الناس أنهم محبون للدين ومحبون للنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ وأنهم من آل البيت أول ما بدأ أحدثوا الاحتفالات البدعية، فهم أول من أحدث الاحتفال بالمولد النبوي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، جاءوا قالوا هذا يوم المولد لابد أن نحتفل به، فلما رأى العوام أن هؤلاء هذه الدولة تحتفل بمولد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتتلوا سورته، ويفعلون في المولد صرخات وأكل وطعام ونحو ذلك قالوا هؤلاء محبون للشريعة محبون للسنة، والعوام ليس عندهم من تقييم الأمور ما عند أهل العلم، وابتدأ ذلك فبدل أن يكون يوم واحد من الاحتفالات في السنة صار كما قال المؤرخون عندهم في كل يوم مولد في كل يوم احتفال في الدولة العبيدية، فأيدتها الدولة وانتشرت في الناس ذلك شيئا فشيئا حتى عمّ في الناس.

إذن من الأسباب التي دعت إلى انتشار البدع ما أيدت به البدع الدولة العبيدية، وأعظم البدع التي أيدتها الدولة العبيدية من جهة العمل الاحتفالات بأنواعها مع ما هم عليه من البدع في الاعتقاد.

من الأسباب أيضا لإحداث البدع ولبقائها ولانتشارها الاستحسان العقلي في مقابلة النص الشرعي: الدين كامل فلا يجوز أن تستحسن فيه بالعقل في عبادة؛ لأن العبادات في الأصل لا تعلم عللها، لم جُعلت صلاة الظهر أربعا والمغرب ثلاثا، لم المغرب ثلاثا وبعد ساعة ونصف العشاء أربع؟ لم صار التقييد في التسبيح بكذا وكذا؟ هذه العبادات لا نعلم عللها.

فلهذا وجب أن يقتصر فيها على نص الشارع؛ لأنه لا علة معلومة فيها، ولهذا يقول العلماء العبادات هي غير معلومة العلة يعني في الغالب، الحكمة غير العلة، الحكمة وصف قاصر، أما العلة هي الأمر الذي أو الوصف المناسب الذي تستخرج منه حكما لغير المسألة بجامع بينها وبين المسألة المنصوص عليها، الحكم شيء والعلل شيء آخر.

إذن من أسباب البدع الاستحسان العقلي، والشريعة كاملة والعبادات لا مجال فيها للعقل أصلا.

إذا قال قائل: أنا أريد أن أدعوا الله بالطريقة الفلانية. فقل: لماذا لا تصلي الظهر خمسا؟ فهو يقول: الظهر خمسا!! ما صلى النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ خمسا.

فإذن هل فعل النبي هذا الدعاء أو هذه الهيئة أو هذا الذكر؟ أو هل اجتمع الصحابة على هذا النحو؟ ما الفرق بين هذه وهذه؟

أدخل تحسينه العقلي في أشياء ولم يدخله في أشياء لأنه هابه؛ هاب المخالفة فيه لعظم المخالفة.

ولهذا من أسباب البدع الدخول فيه بالتحسين العقلي، يدخل في العقل يقول هذا الشيء نفعل كذا حتى نجيب الناس نجمعهم بهذه الطريقة.

وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف

إذن هذه خمسة أسباب لحدوث البدع ولاستمرار البدع في هذه الأمة.

[القواعد التي تعرف بها السنة والبدعة]

هناك قواعد مهمة إذا علمتها سهُل عليك القوة في أمر السنة والرد على أهل البدع.

أما القاعدة الأول منها: فهي أن الأصل في العبادات الحظر حتى يأتي الدليل، الأصل في العبادات المنع حتى يأتي الدليل بها، لم؟ لأن العبادة شُرعت على غير تعليل عقلي، فالأصل أن لا يتعبد أحد بشيء حتى يأتي الدليل به لقول الله جل وعلا ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾[الحشر:7] ما آتاكم من الأقوال والأعمال والاعتقادات فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا.

هذه قاعدة مهمة أن الأصل في العبادات الحظر حتى يأتي الدليل، فإذا أتى آتٍ وقال لك أن هذه البدعة طيبة، فقل: الأصل في العبادة المنع حتى يأتي الدليل، فهل أتى بهذه دليل هل أجمع عليها العلماء؟ هل ذكرها الصحابة؟ هل فعلها الصحابة؟ كما سيأتي في القواعد الأخرى هذه قاعدة مهمة.

القاعدة الثانية في أصول معرفة البدع والرد على أهلها:

أنّ البدعة التي أُحدثت لو كانت خيرا لفعلها خير هذه الأمة، وخير هذه الأمة هم صحابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتابعوهم وتابعوهم، هم خير هذه الأمة.

فإذن إذا أتى واحد وفعل بدعة فتسأله: هل فعلها الصحابة؟ هل فعلها التابعون؟ فإذا قال: لا. فتقول: إذن لو كانت خيرا تُقَرِّبُ إلى الله لفعلها خير هذه الأمة؛ بل لفعلها النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ ولفعلها أصحابه في وقته، فلو كانت خيرا لفعلوها، فما دام أنهم ما يفعلوها، فدلنا ذلك على أنها ليست بطريقة مرضية؛ لأنهم خير هذه الأمة، ومقتضى أنهم خير هذه الأمة أن الأمور الخيرة قد عملوها في أمور العبادات والاعتقادات والجهاد وغير ذلك.

من القواعد أيضا المهمة في ذلك:

أنْ تعلم أن فعل النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ أو سنة النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ نقول سنة النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ على قسمين:

· سنة فعلية.

· وسنة تركية.

كما حققها العلامة ابن القيم في كتابه معالم الموقعين عن رب العالمين سنة فعلية وسنة تركية، الناس يهتمون بسنن الفعل النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ، روي عنه أنه فعل كذا فنصلي، صلى الراتبة نصليها، أمر بالذكر فنذكر على هذا النحو، هذه سنة فعلية واضحة، فأمر أو أتى أو رغب فهذه سنن الأفعال، أو فعل ذلك بنفسه أو أقر غيره فهذه السنن الفعلية.

لكن المهم في قواعد البدع أن تعلم من سنته سنة الترك، وتركه سنة كما أن فعله سنة لأن الترك في الحقيقة فعل، هو ترك للفعل، فهو فعل ترك.

فلهذا نقول سنة النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ منها الترك.

وإذن الذي يرد اتباع السنة فإنه يفعل ما فعل عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ ويترك ما ترك؛ لأن سنته عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ منها سنة تركية.

هذه قاعدة مهمة، فتأتي إلى أهل البدع وتقول لهم: النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فعل وهذه سنة فعلية تقتدي بها أولا تقتدي؟ يقول: نعم أقتدي بها. فتقول: أيضا النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ ترك وهذه سنة تركية، فإذا كانت سنة تركية فنترك لأنه ترك، كما أننا نفعل لأنه فعل.

فالسنة ترجع إلى الشيئين، وإقتداء المكلف بالنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ الذي يؤجر عليه من جهة النية ومن جهة الفعل أن يفعل لأجل أن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فعل،وأن يترك لأجل أن النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ ترك .

هذه بعض القواعد والمقام يقصر عن تفسير هذا المقال.

[الضوابط التي تفرق بين البدعة وغيرها]

نذكر بعد القواعد شيئا من الضوابط التي تفرق بين البدعة وغيرها.

البدعة من تعريفها الذي ذكر يظهر أنه يعني يغني من فعلها يلتزم بها.

ولهذا قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله في موضع ضابط البدعة أنها ملتزم بها، قال الفرق بين ترك السنة وفعل البدعة أو بين مخالفة السنة والبدعة أن مخالفة السنة تقع أحيانا ونادرا، وأما البدعة فهي ملتزم بها.

وهذا ضابط مهم.

مثلا نوضح لك هذا الضابط مثلا لو رأيت رجلا يدعو بعد الصلاة رفع يديه فدعا، مرة رفع يديه فدعا هذا بدعة أو مخالف للسنة، تنظر:

إذا التزم بهذا الفعل فكان دائما عليه فنعماه أنه جعله من الدين وأراد بذلك التقرب إلى الله جل وعلا فكان بدعة.

وأما إذا فعله مرة فيكون خطأ مخالف للسنة لكن لا يكون بدعة.

فضابط الالتزام مهم في الفرق بين البدعة ومخالفة السنة، فمن خالف السنة وفعل فعلا مخالفا للسنة في أمر التعبد مرة أو مرتين بحسب ما ظهر له فإنه يقال أخطأ وخالف السنة؛ لكنه لا يسمى مبتدعا حتى يكون ملتزما بهذا الفعل فإذا التزمه صار فعله طريقة في الدين مخترعة تضاهي بها الطريقة الشرعية يقصد بها المبالغة في التعبد بها لله جل وعلا، وهكذا أفعال أخر من أمور التسبيح والأذكار، فينكر عليه تارة لمخالفته للسنة، وينكر عليه بأشد إذا كان على بدعة، فمن فعل شيء مخالفا للسنة ينكر عليه وينصح ويبين له لكن لا يسمى مبتدعا حتى يلتزم بذلك، فيكون التزامه طريقة في الدين مخترعة.

وهذا ضابط مهم في هذا البحث.

شبهات تتعلق بالنهي على البدع

قد علمنا النصوص التي دلت على التحذير من البدع والنهي عنها، وأنّ كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، وأنّ ما عمل أحد عملا ليس عليه أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا وهو رد يعني مردود عليه، «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ -وفي رواية (مَا لَيْسَ فيه)- فَهُوَ رَدٌّ» يعني مردودا عليه.

فهناك شبهات حسّنها أهل البدع وعلماء البدعة والضلالة.

من هذه الشبهات: أنهم قالوا الصحابة رضوان الله عليهم فعلوا أشياء لم تكن في عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ ما هي؟ قالوا: جمع القرآن، هل النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ أذن بجمع القرآن؟ هل جمع القرآن في عهده؟الصحابة أحدثوا الجمع جمع القرآن في كتاب واحد، وهو في عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ كان مفرقا في الصحف والعظام والألواح ونحو ذلك، فجمعهم لهم تقربوا به إلى الله جل وعلا ولم يجعله أحد بدعة مذمومة، فدل على أنه وإن كان بدعة لكنه بدعة حسنة.

هذه شبهة، وهي ناتجة عن الجهل أو عدم فقه الشرع كما ذكرنا لكم في أسباب البدع.

الله جل وعلا دلنا في كتابه على أن القرآن سيكون كتابا، فقال جل وعلا ﴿الم(1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾[البقرة:1-2]، الكتاب إشارة إلى أي شيء؟ الكتاب اسم للمجموع، وقال﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾[الحجر:1]، (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ) النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ في عهده لم يكن ثمة مصحف مجموع في شيء واحد، قال فيما رواه مسلم في الصحيح يعني نهى عن أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو أين المصحف؟ أين الكتاب؟ الذي قال الله فيه (ذَلِكَ الْكِتَابُ)؟ هل هو إشارة إلى اللوح المحفوظ أو الكتاب الذي سيجمع؟

فهذا فيه دليل على أنه يجب أن يجمع حتى يكون كتابا؛ ولكن في عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ ما قام المقتضي بجمعه فيما بين دفتين لم؟ لأن الوقت يتنزل ما انتهى الوقت بعد، هل تم تنزل القرآن؟ ما تم في حياته عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.

ولهذا نقول في عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ القرآن ينزل والآيات تنزل، فإذا كان سيجمع في مصحف واحد معنى ذلك أنه ستدخل آية في هذا الموضع وتدخل آية في ذلك الموضع، وسيكون تلاوته ليست متواترة بل ستحتاج إلى أن ينسخ مرة ثانية وثالثة بعد نزول مجموعة من الآيات أو بعض السور.

فأُخِّر جمعه لتلك الدلالة إلى ما بعد عهده عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ حتى يتم تنزل القرآن وإيحاء الله جل وعلا لنبيه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ.

فلهذا نقول إنه ليس لهذه الشبهة معنى؛ لأن الصحابة فعلوه من جهة الفقه في النص، ففعلوا ما دل النص بالإشارة وباللفظ على أنه يجب أن يُفعل، فهم امتثلوا الأمر الذي دُل عليه بالإشارة.

شبهة ثانية: قالوا النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ يقول «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»، (من سن في الإسلام سنة حسنة) فهذا يدل على أن من جاء بشيء جديد ولكنه حسن فإن له أجرا. والنبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ ثبت عنه ذلك كما رواه مسلم في صحيحه وغيره فقال (من سن في الإسلام سنة حسنة).

الجواب فيما لو طرح أحد عليك سمعت هذه الشبهة. الجواب على ذلك: أن هذا الحديث له سبب وسببه يوضح معناه، والعلماء يقولون: العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب. إذا علمت السبب فهمت الكلام.

وسببه أن قوما مجتابي النمار يعني كانت عليهم ملابس مجتابة أي محرقة أتوا إلى النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فلما رآهم رق لحالهم وعُرف ذلك في وجهه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فحث على الصدقة وأمر بها، فقام رجل فقال: عليَّ يا رسول الله كذا. فلما فعل ذلك تبادر الناس وفعلو مثل فعله فقال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ حين ذلك «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عل بها إلى يوم القيامة» معنى (من سن في الإسلام سنة حسنة) يعني ترك العمل بها هي من الدين لكن ترك العمل بها مثل التصدق؛ لأنه قالها حتى تصدق ذاك فتبعه الناس على ذلك.

فالذي يبتدئ بالأمر الذي شُرع في الدين ويتبعه الناس على إحياء هذا الأمر الذي شرع في الدين يكون ذلك الفاعل الأول سن في الإسلام سنة حسنة، ما ابتدع ولكنه أحيى تلك السنة.

ومن معلوم في قواعد اللغة أنه يطلق الشيء على مُلاَبسه فيقال من سن ويراد من أحيي السنة كما قال عز وجل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾[المائة:6]، يعني إذا أردتم القيام للصلاة كقوله ﴿وَقَبِضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا﴾[طه:96]؛ يعني قبضت قبضة من أثر [حافر] الرسول فنبذتها، ونحو ذلك مما هو معلوم في اللغة.

إذن هذه الشبهة لا وجه لها.

ومن الشبه التي يقولونها: إن هؤلاء ما أرادوا إلا الخير.

هذا سبق ن ذكرته لكم؛ يعني ذكرت لكم جوابه وأنه ليس بشيء لأنه ليس الأمر على أن تريد الخير الأمر على أن يكون عملك خالصا صوابا .

من الشبهات أيضا: هذه مهمة أنهم قالوا: الصحابة أحدثوا أشياء والمسلمون أحدثون أشياء في أمورهم، فأحدث عمر وضع الدواوين، وأحدثوا في المساجد؛ يعني في تنظيم بعض الأشياء المتعلقة بالإمام وبالأئمة، وأحدثوا بعض أنواع الإدارة، وأحدثوا ديوان الجند، وأحدثوا المدارس، وأحدثوا كذا وكذا... إلى آخره.

يعني أنهم فعلوا أشياء ونظَّموا أشياء جديدة، وهذه لاشك أنهم يريدون بها أنها من الدين لأنها تقرب إلى الله جل وعلا، فلم يجعلوها من البدع.

والجواب عن ذلك: أن هناك فرقا مهما بين البدع، وبين ما سماه الإمام مالك وأتباعه وطائفة من أهل العلم المصالح المرسلة.

هناك شيء اسمه البدع كما ذكرنا، وهناك مصالح مرسلة.

المصالح المرسلة مثل فعل الصحابة، نظموا الإدراة، نظموا أمور دنياهم، نظموا الدواوين، عملوا أشياء أحدثوا التاريخ وكتابة التاريخ ونحو ذلك، هذه من المصالح المرسلة.

والمصالح المرسلة مرعية في الدين ويُحثُّ عليها لأن فيها رفع الحرج.

الفرق بين البدعة والمصلحة المرسلة أن المصلحة المرسلة راجعة إلى أمر به حفظ أمرٍ ضروري من الدين، والضروريات خمس، وإلى رفع حرج عن المسلمين في شيء.

إذن فهي راجعة إلى جهة المعاملة إلى جهة العمل إلى جهة التنظيم، لا إلى جهة العبادة، وأما البدعة فليست راجعة إلى هذه الأشياء، وإنما هي راجعة لإحداث أمر في الدين، يعني في العبادات.

ففرق بين شؤون وبين أمور المعاملات وما يفعله الناس، فالصحابة ما أثبتوا أمرا في العبادات وإنما أحدثوا أمر في دنياهم، وقد قدمت لك القاعدة أما الأصل في العبادات الحظر حتى يرد دليل الجواز، والأصل في المعاملات الجواز حتى يرد دليل الحظر.

أيضا من الفرق المهم بين المصلحة المرسلة وبين البدعة:

أن المصلحة المرسلة راجعة إلى الوسائل وسيلة.

وأما البدعة فهي غاية.

وهذا فرق مهم البدعة غاية؛ يعني هي في نفسها مرادة يتعبد الله بها، وأما المصلحة المرسلة فهي وسيلة لتحصيل أمر مشروع.

ففرق ما بين الإذن بالوسائل التي تدخل تحت قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد، فإذا كان المقصد وهو حفظ أمر ضروري مطلوبا في الشرع فإن وسيلته وهي المصلحة المرسلة مطلوبة، وإذا كان المقصد وهو إزالة الحرج مطلوبا في الشرع فكذلك وسيلته التي هي المصلحة المرسلة مطلوبة، فهذا فرق مهم.

فإذن الذي يحتجون به في مسألة المصالح المرسلة والبدع لا وجه له لأن الفرق بينهما قائم، وقد حقق العلماء ذلك بتفصيل وإيضاح.

نختم كلامنا بذكر:

طائفة من البدع

هذا الذي سبق تأصيل، والتأصيل مهم لأنك به تعرف ما لا نذكره، قد نذكر أشياء من البدع ليست على وجه الحصر ولكن على وجه التمثيل، فإذا عرفت القواعد والتأصيلات في هذا الأمر المهم فإنك تعرف البدعة من السنة إن شاء الله تعالى.

من البدع المحدثة بدع متعلقة بالأزمنة:

فهناك في شهر محرم أحدثوا بدع مثل بدع الرافضة في ضرب الصدر ونحو ذلك في أيام عاشوراء يعني اليوم العاشر في محرم وفي غيره.

هناك بدع متعلقة بشهر ربيع الأول ومن أظهرها بدعة الاحتفال بالمولد، الاحتفال بيوم مولد النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ فيجتمعون ليلته ويقرَؤون سيرته وبعض القصائد التي في مدح النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ وربما كان منها ما فيه شرك أكبر بالله جل وعلا، وقد ذكرت لك فيما سبق أن أول من أحدث بدعة الاحتفال بمولد النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ وبالموالد جميعا من؟ الدولة العبيدية.

ومنها بدع في شهر رجب مثل بعض الصلوات فيه، وبعض العبادات التي يتقربون إلى الله جل وعلا فيها، فشهر رجب ليس له مزية عن غيره من الشهور.

ومنها بدع متعلقة بغيرها من الأشهر كشهر شوال ونحو ذلك.

هناك بدع راجعة إلى هيئات العبادة:

مثل الاجتماع على الذكر على نحو معين، تقول نجتمع على الذكر ويذكرون الله على شكل جماعي واحد، يقول: سبحان الله، والجميع: سبحان الله، سبحان الله.

هذا الفعل هيئة التسبيح في أصله مشروع لكن هذه الهيئة غير مشروعة لم؟ لأن سنة النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ جاءت بشيئين:

· جاءت بالفعل في نفسه؛ يعني بالحكم في نفسه من حيث الفعل أو الترك.

· وجاءت بهيئة الفعل.

فجاءت بالتسبيح من حيث هو، وكذلك هيئة التسبيح أنه يكون مثلا باليد.

فثم شيئان الكيفية والهيئة، والأمر في نفسه العبادة في نفسها.

فإذا كانت الهيئة في أصلها مشروعة لابد أن تكون الهيئة مشروعة، فإذا كانت الهيئة غير مشروعة فإن ذلك من البدع التي تسمى البدع الإضافية، ولو كان أصلها مشروعا؛ لكن لما كانت الهيئة مبتدعة كان ذلك دليل عدم الجواز.

من ذلك أيضا: بعض الأذكار مثل أن يذكر الله عز وجل في أعلى المنارة؛ يعني على المناير يصلون على النبي بعد الآذان، أو يذكرون الله على المآذن على نحو ما.

أو يجتمعون في الصلاة على النبي عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ على صفة ما.

هذا كله من هيئة البدع؛ لأن أصل هذه الأعمال مشروع ولكنها مبتدعة.

أعظم البدع البدع الشركية ووسائل الشرك:

ومن وسائل الشرك التي هي داخلة في البدع الاعتناء بالقبور، من البدع ومن أخطر أنواعها وسائل الشرك الأكبر، ومن ذلك العناية بالقبور، وذلك تشييدها أو تجصيصها أو التسريج عليها أو بناء الأبنية عليها أو وضع القباب عليها أو بناء المساجد عليها وهو أشدها وقد قال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ «لَعْنَة اللّهُ على الْيَهُودَ وَالنّصَارىَ. اتّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ أَلاَ فَلاَ تَتّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ. إِنّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ».

هذه بدعة وخيمة ووسيلة من وسائل الشرك، لما حدثت في هذه الأمة آل الأمر بالناس إلى أن يعظموا ذلك المقبور، فيخترعوا له من الصفات ما تضاهى به صفات الله جل وعلا، ثم عبدوهم وتوجهوا إليهم.

من البدع المتعلقة بوسائل الشرك أن يدعو المرء الله جل وعلا متوسلا إليه بذات أحد من الخلق أو بجاهه أو بحرمته، مثلا يقول: اللهم إني أسألك بجاه نبيك، أسألك بحرمة أهل بدر، أسألك بأبي بكر، بالعالم الفلاني، فيجعل التوسل بذات أو بجاه أو بحرمة . لظنه أن ذاك عند الله عز وجل له جاه وله حرمة، وإذا كان كذلك جاز أن يكون وسيلة وهذا من الاعتداء في الدعاء وبدعة ووسيلة من وسائل الشرك.

فلهذا لم يأتِ بأن أحدا من الصحابة ولا من السلف توسل بهذا التوسل البدعي؛ لأنه توسل بأمر خارجي فلان أو عمل فلان أو جاه فلان له وأنت ليس لك إلا ما سألت ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾[النجم:39] فتوسلت بأمر خارج عنك، فكان ذلك اعتداء في الدعاء وبدعة، يؤول الأمر بهذه البدعة حتى يعظم ذلك الذي يُتوسل به دائما فيسأل أو يجعل له صفات من التعظيم لا يجوز أن تجعل لبشر.

كذلك كم الابتداع العظيم الابتداع في أنواع الاعتقاد، الابتداع في مسائل الصفات، بأن يجعل العقل محكما في صفات الله جل وعلا، وهذه بدعة أحدثها الجهمية والمعتزلة، فإنهم جعلوا العقل محكما على الغيبيات، وجعْل العقل محكما على الغيبيات فيه تقديم العقل على ما جاء به النقل، وهذا فيه قدح صريح فيما جاء عن الله جل وعلا أو عن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

فإذن الواجب ألا يتعرض للصفات بتأويل يخرجها عن ظاهرها، ولا أن يتعرض لها بمجاز يخرجه عن حقيقتها فالإيمان بها على ما دله عليه ظاهرها وعلى ما دل عليه حقيقة اللفظ الافرادية أو التركيبية مع نفي المثيل عن الله جل وعلا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾[الشورى:11].

من البدع ما حدث في أبواب القدر من أن يُجعل الإنسان هو الذي يخلق فعل نفسه، أو أن يجعل الإنسان مجبورا على فعله كقول غلاتهم من الجهمية، أو قول متوسط الجبرية من الأشاعرة ونحوهم.

كذلك في أبواب الإيمان ابتدعت أشياء كثيرة من أقوال الخوارج ونحو ذلك .

وزمن البدع المحدثة أيضا التي أُحدثت في الدين أن يفرق في أبواب الإمامة في الاعتقاد ما بين الإمامة العظمى والإمامة الخاصة، قال بعضهم: الإمامة العظمى لها حقوق هي التي جاءت في الحديث، وأما الإمام أو ولي الأمر إذا كان في بلد معين فهذا له السمع والطاعة، وليس له حقوق الإمامة العظمى من البيعة ونحو ذلك.

وهذه بدعة وخيمة خطيرة خالف فيها أصحابها ما أجمع عليه سلف هذه الأمة وأجمعت عليه كتب الاعتقاد مِن أن الإمام هو الذي له البيعة وله والسمع والطاعة بلا تفريق، وأن الإمامة سواء كانت خاصة أو عامة الحقوق واحدة فيها البيعة وفيها السمع والطاعة ونحو ذلك.

لهذا أجمع المسلمون على أن بيعة وإمامة أهل الأندلس للأمويين فيها صحيحة ماضية، وعلى أن بيعة من في الشرق من أهل بغداد أي العراق والحرمين ودمشق ومصر...إلى آخره، أن بيعته للعباسيين ماضية فقام إمامان هنا وهنا، وكل منهما إمامته إسلامية والبيعة منعقدة لهذا وهذا، كل بحسب محله ولم يفرقوا في هذا الأمر فيما بين الإمامة العظمى والإمامة الخاصة.

هذا والحديث في هذا الباب يطول، فالحذر الحذر ما كل سبيل فيه مخالفة السنة.

فكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف

وأهل البدع قال الله عز وجل فيهم ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءَ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ فكل ما اخترع شيئا في الدين أو جعل شيئا في العقيدة؛ لأن العقيدة تسمى شريعة، من جعل شيئا في ذلك على غير ما عليه الأمر الأول فقد جعل نفسه شريكا لصاحب الرسالة في التشريع، وهذا والعياذ بالله من أشد ما يكون خطرًا من جهة المبتدع كذلك البدع تفرق بين الناس، ويعاقب الله الناس بالبدع يعني إذا سلكوا البدع بالتفريق بين قلوبهم وقد قال جل وعلا ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ﴾[الأنعام:159]، فهؤلاء الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا يدخل فيهم كل من سعى في التفرقة باتخاذ طريقة في الدين مبتدعة كالطرق الصوفية المختلفة هذه الطريقة شاذلية هذه قادرية هذه نقشبندية وهذه بشتية وهذه وهذه، وكل هذا من التفريق في الدين، وسبيل المصطفى عَلَيْهِ الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ واحد ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[الأنعام:153]، فهل نقبل وصية الله جل وعلا؟ وهل نقبل وصية المصطفى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ الله الله في السنة، الله الله في الالتزام بها، الله الله في الحذر من البدع وفي الإنكار على أهلها، وفي المجاهدة في ذلك فإن ذلك من أعظم أنواع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وهذا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

المقدِّم: شكر الله فضيلة الشيخ صالح على هذا التوجيه الطيب والمحاضرة القيمة، سوف نستمع الآن إلى تعليق فضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ على المحاضرة، ونعرض عليه بعد ذلك ما تيسر من الأسئلة إن شاء الله.

فليتفضل فضيلته جزاه الله خيرا.

تعليق فضيلة الشيخ

عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ

وبعد: فلقد استمعنا إلى هذه المحاضرة القيمة التي عنوانها البدع تعريفها والتحذير منها وإيراد الشبه التي حسنها أهل المبتدع، ووضع القواعد والضوابط التي تحث المرء منها وتميز بين البدعة في الدين وبين المصالح المانعة وبين المعاملة والعبادات التي قدمها لنا فضيلة الشيخ صالح بن الشيخ عبد العزيز ووفق الله الجميع إلى ما يحب ويرضى....، لا شك أن المسلم الذي رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نبيا رسولا، هذا المسلم يعلم....... محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأن العمل لا يكون محمودا إلا إذا ..... ولا يشرك بعبادة ربه أحدا، فالعمل لابد أن يكون خالصا لله ومع إخلاصه لابد أن يوافق شرع الله فلا يكن مبنيا على الهوى والآراء ﴿أفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ﴾[الجاثية:23]، قال الله تعالى ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قِلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾[الأعراف:3]، فنحن مأمورون باتباع شرع الله واعتقاد أن هذا الدين كامل أكمله الله فلا ينقص ولا يحتاج إلى إضافة ورضيه الله فلا يسخطه وأتمه الله علينا.

فإذا كان هذا الدين كاملا تاما، إذن فمن حاول أن يزيد فيه باستحسان فإن هذا خطأ منه وبدعة في دين الله، والبدعة -وإن صغرت في الأنظار- فإن الشيطان يفرح بها أعظم من فرحه بكبائر الذنوب؛ لأن:

كبائر الذنوب قد يقترفها الإنسان وهو يشعر في نفسه بالتقصير ويرى نفسَه مقصرة وعاصية ومذنبة، ويتمنى من الله التوبة وأن يعامله بالعفو فهو يعد نفسه من المخطئين والمقصرين.

أما صاحب البدعة فيرى نفسه من المتعبدين ويرى نفسه من المجتهدين ويرى نفسه من المصلحين ويرى نفسه من المحسنين. وهذا أشد البلاء لأنها تنبعث أحيانا من إرادة خير لمن لا فقه عنده ولمن لا علم عنده، وكما قال ابن مسعود: كم من مريد للخير لم يصبه. هو يريد خيرا لكن لما أتى بخلاف الشرع كان خطأ في نفسه، وقد يعذر بقصور فهمه وقلة إدراكه وعدم إرادته الشر، قد يعذر في نفسه؛ لكن غيرُه إذا علم أن تلك بدعة وجب عليه أن يفارقها وأن لا يقتدي بمبتدع ابتدع في دين الله خلاف ما شرع الله، وأهل البدع قسمان:

هناك جهلة وقاصرو نظر وعلم أخطؤوا في تصوراتهم.

وهناك مبتدعة ابتدعوا على علم وعلى قصد لأجل إضلال الأمة وإبعادها عن دينها.

فنفاة الصفات الذين أنكروا أسماء الله وصفاته وسلبوا الله كل أوصافه وأسمائه هؤلاء لم يأتوا لم يكونوا على جهل ولا على قصور علم ولكنهم في زيغ وضلال نسأل اله العافية.

والمبتدعون سواء من العباد أو غيرهم بدعهم لا شك أنها ضارة و سيئة، وأنه قد يأتي الشيطان لهم بالبدعة ويحسنها لهم في أنظارهم حتى يتوصل بالبدعة إلى الشرك، فقوم نوح لم يعبدوا الأصنام لأول وهلة، إنما الشيطان زين لهم أن يصوروا صور صالحيهم وعن التقى والعبادة منهم قائلا لهم إن صورهم تذكركم أفعالهم ومحاسنهم وفضائلهم فتقتدوا بهم، ففعلوا، ثم جاء لمن بعدهم وقال إن تلك الصور لم تصور إلا ليستنزل بها المطر ويستجلب بها النفع ويستدفع بها الضرر فمازال بهم حتى عبدوهم من دون الله، فالبدع أصل الشرك وبريد للكفر والضلال وكل بدعة فهي خطر عظيم وإن صغرت وإن كبرت فلا يستهان بشيء منها و لا يغتر بشيء منها.

وما أشار الشيخ إليه من بدع زمانية أو بدع أو من صور تلك العبادة فمثلا ما ابتدع في محرم أو في ربيع أو في شعبان أو في رجب أو في غيرها كلها بدع؛ يعني ابتدعوا في شعبان صلاة الرغائب وفي رجب كذلك، وابتدعوا ذكرى الإسراء والاحتفال بالموالد والاحتفال بكذا وبكذا حتى أدخلوا في دين الله ما ليس منه.

مثلا ليلة السابع والعشرين من رمضان ليلة مباركة عظمها الله في كتابه وحثنا رسول الله على قيامها حقا «من قامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» هذا حق لاشك فيه لكن لو أتخذ لها منظرا خاصا وأتخذ لها مجتمعا خاصا واتخذ لها خطبا خاصة واتخذ لها يعني أنواع من المظاهر التي تخالف ما جاء بالسنة لقلنا هذه بدعة؛ لأنا أخبرنا أن (من قامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) هكذا أمرنا وما زاد على هذا وما عدى هذا مما قد يستحسنه الناس يقال إن هذا بدعة؛ لأن هذا أمر زائد فنحن مأمورون بالاقتصار على السنة والاكتفاء بها والثبات عليها وأن لا نفتح لأنفسنا باب بدعة.

يقول الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم الأمر. كفيتم المهمة».

إذا كان ابن مسعود أنكر على من عدوا التسبيح والتكبير والتحميد وعابهم وذر التراب في وجوههم واشتد نكيره عليهم، فإنه لما أتاه أبوا موسى وقال: يا أبا عبد الرحمن وجدت أناسا في المسجد يجتمعون حلقا سبحوا الله عشرا كبروا الله عشرا احمدوا الله عشرا. قال: ما قلتَ لهم؟ قال ما قلت لهم شيئا. فأتاهم ابن مسعود فنثر التراب في وجوههم وقال: يا قوم بئس ما فعلتم، هذه آنيته لم تكسر وثيابه لم تبل وأصحابه لا يزالوا موجودون. قالوا: يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا خيرا. قال: عدوا سيآتكم فإني ضامن لكم أن لا يضيع شيء من حسناتكم.

قال بعض السلف: ولقد رأيت معظم أولئك يطاعنوننا في النهروان مع الخوارج فما زالت تلك البدع بهم حتى استحلوا دماء الصحابة وأموالهم وقاتلوا عليا رضي الله عنه وخرجوا عليه وهم فرقة الخوارج الذين قال فيهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «تحقرون صلاتكم عند صلاتهم وقراءتكم عند قراءتهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» لأن البدع وإن قلت فإنها لا تزال بأصحابها حتى تخرج بهم عن منهج الله وعن دينه لأنهم يعتقدون نقصان هذا الدين حتى أتوا ببدعتهم، والله أكمل الدين وأتم النعمة ورضي الإسلام دينا، فلسنا بحاجة إلى هذه البدع.

نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منها.

المقدم: شكر الله للشيخ نسأل أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا.

[الأسئلة]

س1/ يقول هذا السائل: أن هناك جماعة يعتقدون أن الدعاء بعد الصلاة في جماعة فإذا لم يدع الإمام لهم ينكرون عليه ويقولون إن الصلاة ناقصة، لذلك وينكرون على أهل السنة لذلك، فما الرد الصحيح على هؤلاء؟ ونرجو التوضيح إذا لم يدعو المسلم بعد الصلاة على قولهم فمتى يدعو وقد أمر الله تعالى بالدعاء؟

ج/ الشيخ أجاب في المحاضرة عن هذا، وقال إن رفع اليدين عقب الصلاة قسمان:

· إن استمر في هذا الأمر دائما وواصلها صار بدعة.

· وإن أتى به وقتا دون وقت كان مخطئ .

فمثلا السنة نعلم بعد الصلاة أن نستغفر الله ثلاثا، وأن نقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ربي قني عذاب يوم يجمع عبادك. ثلاث مرات، ثم تسبح الله وتحمده وتكبره ثلاث وثلاثين، وتقول تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وتقرأ آية الكرسي والمعوذتين وسورة الإخلاص هذه السنة، فإذا أتيت بهذه الأذكار ثم دعوت ما فيه شيء، أما أن تترك السنن الثابتة وتأتي بأدعية بعد الصلاة والدعاء على هيئة شكل جماع هذا مخالف للسنة، ومن أصر عليه فهو مبتدع وينكر عليه. نعم

حتى إن ابن القيم ذكر أن رفع اليدين عقب الفريضة بدعة؛ لأنه ما فعله رسول الله؛ لكن من أتى بالأذكار عقب الصلاة ثم دعا ورفع يديه ما ينكر عليه؛ لكن ينكر أن ترفع الأيدي بعد السلام من الفريضة مباشرة، أو كما يقول: تقبل الله منك تقبل الله منك. كل هذه لم يرد بها شيء عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

س2/ هذا السائل يقول هل تجوز صلاة تحية المسجد في وقت النهي؟ وما هي ذوات الأسباب، ما هو الجمع بين حديث صلاة تحية المسجد وبين النهي أفيدونا بارك الله فيكم؟

ج/ المسألة هذه للعلماء فيها أراء، فحديث «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، وأمر النبي سبيك الغطفاني وهو فوق المنبر لما دخل قال «أصليت؟» قال: لا. قال «قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما».

من العلماء من هذا العموم، وقال إن تحية المسجد تفعل في كل الأوقات ولا تقيَّد بوقت دون وقت؛ لأن اللفظ عام فلا يقيده شيء، وما سواه فإنه خاص في غير تحية المسجد، وحملوا أحاديث النهي في غير تحية المسجد.

من العلماء من قال أحاديث عموم أحاديث النهي أيضا عامة فتخصِّص عموم حديث أبي قتادة، وإن كانت عامة في لفظها لكنها خاصة من حيث الوقت، فنخصص بها حديث أبي قتادة، فيصلى تحية المسجد في غير أوقات.

ولكن هنا للنهي وقتين وقت مضيق ووقت موسع ففي حديث عقبة بن عامر ثلاث ساعات نهانا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نصلي فيها أو أن نقبر فيها موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تتهيأ للغروب.

فالذي يظهر في الأوقات الثلاثة ينبغي أن تتقيد بترك الصلاة فيها، وهو إذا ما دخلنا والشمس في أول طلوعها إلى أن ترتفع قيد رمح، وإذا كان قبيل الظهر بدقائق نمتنع حتى يؤذن الظهر وإذا دخلنا قبيل المغرب بدقائق فينتظر حتى تغرب الشمس.

أما بعد صلاة العصر وبعد صلاة الفجر فمن ترجح عنده العمل بعموم حديث أبي قتادة وصلى ركعتي تحية المسجد ورأى أنها خاصة مستثناة فلا ينكر عليه.

س3 / يسأل هذا الأخ يقول: ما رأيكم فيما يفعله بعض الشباب من أنهم يجتمعون ويخرجون للدعوة حددوا ذلك بثلاثة أيام أو أربعين يوما أو أشهر ويجعلون هذا قاعدة لدعوتهم فما توجيهكم لهذا الأمر وفقكم الله؟

ج/ الدعوة إلى الله مطلوبة ومرغب فيها وعمل صالح، وينبغي للدعاة إلى الله إذا أرادوا إنجاح دعوتهم أن يكون منهجهم موافقا لسنة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما عليه الدعاة المصلحون بعده المقتدون بأثره السائرون نهجه.

وأما تحديد الخروج بأيام أو بأشهر معينة ونحو ذلك، فهذا قد يكون فيه شيء؛ لأن إن كانوا يظنون أن هذا التحديد شرعيا وأنه عبادة، فلا، فأما إن كانوا يرونه من باب هذه أوقات هم فارغون فيها وأنها تناسب وقتهم دون أن يربطوها بالشرع فهذا موضع نظر.

إما إن جعلوها هذا الخروج مقيدا بأربعين أو الأربعة ونحو ذلك بأن هذا عبادة وأن هذا مأخوذ ومن القرآن أو من السنة فإن هذا مما ابتدعوه في دين الله.

وهذه طريقة جماعة التبيلغ نسأل الله للجمع الهداية، يقيدون أنفسهم بهذه الأوقات ثلاث أيام أو أشهر أو أربعين يوم أو ثلاث أشهر أربع أشهر؛ لكن إن كانوا يظنون أن هذا شرع تعبد فهذا خطأ، أما إن كانت تناسب أوقاتهم أو أحوالهم، فهذا لعله أيسر من غيره.

إنما الواجب على كل حال إتباع السنة والسير على منهج النبي وأن تكون الدعوة تهتم بالتوحيد قبل كل شيء وبتأسيس العقيدة وبتثبيتها أما الدعوة المعتمِدة على مجرد الأذكار وأوراد صباحية مسائية ومناهج خططها ورسمها ونظمها أناس مشكوك في كثير من أحوالهم فإنما هي أوراد وأذكار ولا يهتمون بدعوة التوحيد ولا يفقهون الناس في دين الله ولا بأمر بخير ولا بنهي عن شر.

وإنما هي مجرد تجمعات وأمور الله أعلم بها وكثير من هذه الأمور لم تثمر خيرا ولم تتحقق خيرا لأنها لم تكن موافقة في المنهج إلى ما كان عليه محمد بن عبد الله وصحابته الكرام والدعاة المصلحون السائرون على نهجه.

س4/السؤال الأخير يقول: يتخذ بعض الشباب من بعض الوسائل كالتمثيل والكرة وما يسمى بالفيديو الإسلامي والرحلات وغيرها وسيلة من وسائل الدعوة ويذكرونها على الدين ويضعونها لدعوة الشباب ويقولون إن هذه الأمور ترغبهم كما توجه فضيلتهم في ذلك؟

ج/ الدعوة إلى الله تحتاج إلى أمور:

أولا الإخلاص إلى الله وأن تكون الدعوة خالصة لله ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾[يوسف: 108]، فالإخلاص هو الأصل لله.

ثانيا أن تكون على وفق منهج الله (أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) أي على علم وهدى.

ينبغي للمسلم أن يتقي الله في أموره كلها، وينبغي للداعين لله أن يلتزموا بالعلم النافع وينظر في وسائل يستحسنها، لا يجعل استحسانه ومحبته للشيء لا ينبغي أن ينسبه للدين؛ بل يعرض منهجه ووسائله على شرع الله، ويبدأ يقارن بين المصالح والمفاسد، بين النافع والضر بين ما يغلب خيره وما يغلب شره، بين ما خيره راجح وبين ما شره راجح.

فإذا كان الداعي إلى الله كلما علم له من وسيلة سلكها دون النظر إلى عواقبها ونتائجها وما يترتب عليها، إذا كان كلما علمه سلكه دون أن يفكر أو يتدبر هذا قد تزل قدمه المهم ينظر، الدعوة إلى الله إيضاح الحق وبيان وعرضه العرض الصحيح بالقول والعمل فيكون قوله حق وعمله خير فيقتفي الناس آثاره مما يرون من سلوكهم الحسن وأعماله الصالحة.

أما أن يزج بالدعوة كل شيء وربما ارتكب بعض الأمور التي قد يكون فيها شيء من المخالفة، ويقول هذه وسائل الدعوة وهذه طرق دعوة وإلى آخره.

ويقول نحن قوم متحضرون لا نرى كذا وكذا إنما نتخذ الوسائل المختلفة المتعددة المتنوعة إلى آخره.

أخشى من هذه الطرق إذا تكاثرت أن تزول الدعوة وأن لا يكون لها الفاعلية الصحيحة ولا التأثير الحسن، وإنما تكون يعني القشور فيها أكثر من اللب، والأمور التي لا فائدة فيها أكثر مما هي فائدة.

رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكمل الناس دعوة إلى الله لما أمرهم الله أن يصدع بدعوته كان يأتي القبائل ومجامع العرب ويتلو القرآن عليهم ويقول «من يأويني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة» وكان يغشى الناس في مجالسهم ليعلن دعوته ويوضح لهم كتاب الله ويبين الحق.

فالداعية ينبغي أن ينظر منهج محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما استطاع أن يقتدي به في منهجه فهو المنهج الحق والطريق الواضح، ولا يزج بالدعوة في أمور قد لا تحقق هدفها ولا تؤدي الغاية المطلوبة منها.

وأسأل الله للجميع التوفيق والهداية.

المقدِّم: نسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا وصلى الله على نبينا محمد.