السؤال الأول : ما رأيكم في كتاب ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد ، فقد ملأه بكرامات أكثرها متجاوز للحد ولا يقبله العقل ؟

الجواب :

كتاب ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد كتاب كبير وطريقته فيه طريقة المحدثين ، فهو يورد كل شيء فيه بالإسناد ، والقاعدة عند أهل العلم أن الذي يروي بالإسناد فإنما يروي ليُحفظ هذا العلم بهذا الإسناد .

والحكايات التي فيه مما فيها نكارة أو فيها مخالفة للسنة ، الإمام أحمد منها بريء . ومنها أشياء حكم العلماء بوضعها ، يعني أنها موضوعة مكذوبة على الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – .

وعُذْر ابن الجوزي كعُذْر عدد من المصنفين في أنهم إذا رووا الإسناد فإنهم قد أحالوا العهدة والنظر إلى الباحث ، وإنما رووه وحفظوه بهذه الأسانيد حتى لا يأتي أحد وينقل مثل هذه الروايات بأسانيدَ صحيحةٍ ، أو يكذب فيها أو لا يُدْرَى بأي إسناد نقلت ، فعن طريق نقل ابن الجوزي وأمثاله بالإسناد عرفنا أنها موضوعة ، بأن في الإسناد من هو كاذب ، والواجب تبرئة الإمام أحمد منه – رحمه الله تعالى – ومن كل شيء يخالف السنة ، وكل شيء يخالف هدي الصحابة رضوان الله عليهم .

السؤال الثاني : هل ثبت عندكم نسبة كتاب “الرد على الجهمية” للإمام أحمد الذي صدرتم حديثكم في هذه المحاضرة بخطبة كتابه ؟

الجواب :

كتاب “الرد على الجهمية” من الكتب المشتهرة والمذكورة في مصنفات الإمام أحمد والعلماء تداولوا ما فيها .

السؤال الثالث : قول الإمام أحمد : أخاف أن يكون استدارجا . ألا يعارض الحديث الصحيح فيمن يذكر في الناس بالخير قال : « تلك عاجل بُشْرى المؤمن » ([1]). ؟

الجواب :

لا ، الذى جاء في هذا الحديث اطلاعهم على عمله ، يعني أن المؤمن يعمل لله ، لا يقصد بذلك أن يراه أحد من الناس ، لكن قدَّر الله أن يطلع على عمله بعض الناس فأثنوا عليه خيرا بذلك فقال : « تلك عاجل بشرى المؤمن » . يعني أنهم اطلعوا عليه فأثنوا عليه ، وشهدوا له ، لكن المؤمن لا يغتر بهذه البشارة ، بل يخشى أن يكون في هذا استدراج ، هذا عمر – رضي الله عنه – صاحب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأحد وزيريه وأحد المقربين عنده وصهر النبي عليه الصلاة والسلام والمبشر بالجنة يمسك بحذيفة ويقول له : يا حذيفة ناشدتك الله هل عدّني رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مع المنافقين ([2]) .

البشرى لا تعني طول الأمل ، فالخوف هو علاج القلب .

السؤال الرابع : هناك من يقول إن الإمام أحمد مُحَدِّث ، وليس بفقيه , فما توجيهكم لأمثال هؤلاء ؟

الجواب :

نقل هذا الكلام في كتاب ابن الجوزي عن بعض المتقدمين ، يعني قيل عن الإمام أحمد : إنه محدث وليس بفقيه . والواقع أن الإمام أحمد فقيه أكثر منه محدثا ، يعني أنه كان متصدرا للفتوى يفتى من صِغَرِه .

ومن عجائب فتياه في أول أمره التي حَمَدَها العلماء له ، وأثنوا عليه بها لعظم فقهه فيها أنه سُئل عن رجل نذر أن يطوف بالبيت على أربع ، يعني أن يطوف على يديه ورجليه . فقال أحمد : يطوف بالبيت أسبوعين . يعني سبعة أشواط وسبعة أشواط ، فيكون قد طاف على أربع .

وذلك لأن الطواف على أربع مُثْلَة بصاحبه أيضا ، ومُثْلة بالبيت أن يطاف حوله على هذا النحو ، وأيضا فيه إشغال للطائفين ، فهذا من عظيم فقهه – رحمه الله – تعالى . وهناك كثير من المسائل الفقهية التي تميز بها أحمد وأخذها العلماء عنه .

إذًا فقول القائل : إن الإمام أحمد محدث وليس بفقيه . قول قديم قيل بعد القرن الذي عاش فيه أحمد ، ولكن الأمر ليس كذلك ، فالإمام أحمد جمع له ربنا ما بين الحديث والسنة والفقه .

السؤال الخامس : ما حكم تسمية أهل العلم بشيخ الإسلام أو حجة الإسلام أو تقي الدين ونحوه ؟

الجواب :

هذه إذا درج الناس عليها في تلقيب أحد العلماء بذلك ، لأن إنزال الناس منازلهم مشروع ، وهذا مثل قولهم عن إمام من أئمة المسلمين : فلان شيخ الإسلام ، أو حجة الإسلام ، ونحو هذا .

أما الابتداء فإنه لا ينبغي ، فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية كراهته لتلقيبه بتقي الدين ، وذلك لأن فيها تزكية .

وما شاعت مثل هذه الألفاظ يعني تقي الدين ، وزكي الدين وما شابهها إلا في العصور المتأخرة .

أما قولهم شيخ الإسلام ، فأول من قيلت فيه أبو بكر وعمر – رضي الله عنهم – فعن علي بن أطالب – رضي الله عنه – قال : أبو بكر وعمر إماما الهدى وشيخا الإسلام والمقتَدَى بهما بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، من اتبعهما هُدِي إلى صراط مستقيم ، ومن اقتدى بهما رشد ، ومن تَمَسَّك بهما فَهُو من حزب الله ، وحزب الله هم المفلحون ([3]) .

وأول من قيلت فيه من العلماء عبد الله بن المبارك ، لُقِّبَ بشيخ الإسلام ، وفي الاصطلاح عند أهل الفنون أن شيخ الإسلام هو من جمع فنونا عديدة ، وتكلم فيها مما ينفع الإسلام والدين ، ثم آل الأمر في الدولة العثمانية التركية إلى أن يكون اسم شيخ الإسلام وظيفة مثل وظيفة المفتي ، يقولون : هذا شيخ الإسلام ، ومشيخة الإسلام يعنون بذلك دار الفتوى ووكيل شيخ الإسلام ونحو ذلك .

([1]) أخرجه مسلم (4/2034 ، رقم 2642) .

([2]) أورده السيوطي في الجامع (31431) وعزاه لرسته .

([3]) عزاه السيوطي في الجامع (34097) للالكائي وغيره .